الاثرالحضاري السوري في الغرب -قبرص

إن جزيرة قبرص أقرب الجزر إلى الساحل السوري القديم , بمدنه و مرافئه التي يزيد عمر بعضها على ستة آلاف عام قبل الميلاد مثل أوغاريت و عمريت و طرطوس و غيرها . و تعتبر قبرص من الناحية الجيولوجية و الجغرافية امتداداً لجبال أنطاكية قبل أن ترتفع مناسيب مياه البحار بعد انتهاء آخر عصر جليدي .
و لما كان السوريون أول من أنزل سفينة في البحر منذ العهد الأموري , حتى سمي البحر الأبيض المتوسط باسمهم (بحر أمورو) فقد كان من الطبيعي أن يكونوا أول من استوطن قبرص و عمرها .
و لقد منحها السوريون اسمها الذي يدل على هيئتها منذ الزمن الموغل في القدم . لقد أطلقوا عليها اسم (جيفرو) GYPRO و تعني في القاموس السرياني : الظفر , المخلب . فهي تمتد في هيئة مخلب فعلاً باتجاه أنطاكية . و لما كانت الفاء تلفظ P في أغلب الأحيان فقد صارت تلفظ GYPRO , و الدليل على ذلك القصيدة المسماة (القبرصية) GYPRIA التي تتحدث عن قصة خطف هيلين إلى طروادة و الحرب ضد الطرواديين , و التي لا يعرف بالتحديد ناظمها . و قد استخدم هيرودوت في تاريخه لفظة (الجفريين) للدلالة على سكان قبرص . و قد أضيف السين اعتباطياً إلى نهاية الاسم فيما بعد فصارت GYPROS , ثم تحولت الــG قبل حرف العلة Y في اللاتينية كالعادة إلى C فصارت CYPROS , و أخذ اللغويون في الغرب يخترعون للاسم معنى يمد خيطاً ولو واهياً صوب الغرب فقالو : إن الاسم يعني النحاس لقربه من لفظة CUPPER التي تعني بالإنكليزية النحاس !
و قد أنشأ السوريون في الجزيرة عدة مدن ما تزال في معظمها باقية إلى اليوم . من هذه المدن : صلامين SALAMINE و يعني تمثال الربة , حيث أقاموا هيكلاً لأفروديت .
يقول ديورانت :
( و ما من شك في أن أفروديتي كانت في مواطنها الأولى في الشرق الأدنى , ثم في قبرص موطنها نصف الشرقي . كانت في هذه المواطن أول الأمر إلهة أماً . و لقد ظلت طوال عهدها ذات صلة وثيقة بالتوالد و الإخصاب في الممالك النباتية و الحيوانية و البشرية بأجمعها . فلما أن تقدمت الحضارة و ازداد الأمن , و لم تعد للناس حاجة بكثرة المواليد , تركت حاسة الجمال حرة طليقة تجد في النساء قيماً غير قيم التناسل الكثير , و من ثم لا تقتصر أفروديت على أن تكون المثل الأعلى للجمال بل تصبح إلهة اللذائذ الجنسية بجميع أنواعها ) .
و حري بنا أن نوضح أن اسم (أفروديت) سوري , و هو في الأصل السرياني (عفي روديت) و يعني كثرة النسل . إن (عفي) من الفعل (عفا) في القاموس السرياني , و يعني : أزهر , أخصب , وفر , زاد , كثّر . و إلى هذا اليوم يستخدم السوريون هذا التعبير للدعاء و الاستحسان فيقولون (عفي) و (عفاك) أي زادك الله و كثر أمثالك . أما (روديت) فهي من الفعل (ردى) و يعني : سافر , ركب البحر , هذب , ثقف , أدّب , علّم , روّض , جرى , سال , أمنى , ألقح , أحبل , نسل . و (روديت) تعني : التهذيب , الترويض , الخصب , النسل , التعليم , السفر , ركوب البحر ... و قد انتقلت الكلمة من اليونانية إلى الروسية و صارت RODIT بمعنى وَلَد . كما اشتقت من الكلمة كلمة RODEO الإنكليزية بمعنى ترويض , و (روداج) أيضاً .
إن اسم أفروديت السرياني يعكس رسالة السوريين التعليمية و التهذيبية , و ليس كما يدل عليه المضمون الآخر الذي اكتسبه فيما بعد عند الأغراب الهمج . و (أفروديت) أحد أسماء الأم السورية عشتار .
و المدينة الأخرى التي أنشأها السوريون (لارنكا) و هو الميناء الذي كانوا قد خصصوه لتصريف الخمور . و الاسم مؤلف من (عار) و يعني في القاموس السرياني : الغار , الأثل , قوة , منعة , زق الخمر , ظرف . و (نكا) هي في الأصل (نوقيا) و تعني الخمر . و اللام في الكلمة أداة التعريف .
و المدينة الثالثة (ليماصول) . و كان اسمها قديماً (ليما) و تعني : الأَمَة , الجارية , و هي (إيما) بالإضافة إلى لام التعريف . و عندما زارها صولون ( صولون و (صولو) بالسريانية تعني المصلح , المشرّع ) و وضع القوانين لتلك المدينة غيرت اسمها من (ليما) إلى (ليماصول) أي أَمَة صولون تكريماً له . أما رأس الجزيرة الطويل الممتد باتجاه إنطاكية كالخرطوم فقد دعاه السوريون باسم قلودا قبرص . و كلمة (قلودا) في القاموس السرياني تعني : شنف , قرط , قلادة , خطام , خرطوم , مقود البعير . و إلى الشمال من لارنكا , و في كنف جذر الخرطوم الجنوبي الشرقي يختبئ الميناء الآخر , بعد أن حجبه الخرطوم من الشمال , و لا يظهر إلا للقادم من سوريا , فجعله ملجأً أميناً , و سموه (فاماجوستا) و يعني بالسريانية ثغر الملجأ . إذ أن (فاما) تعني فم , و (جوسا) و (جوستا) تعني : ملجأ , ملاذ , حمى .
(اتجَوِس) : التجأ , احتمى .
بيت جوسا : ملجأ .
و المدينة المهمة السورية الأخرى كانت (لافيتي) و تعني الخصيبة , المخصبة , و هو من أسماء عشتار , و اللام أداة التعريف . و قد اكتشف فيها تمثال للربة عشتار . ثم أنشأ الفينيقيون محطة صغيرة فيها لتجارتهم , استقر فيها مجموعة من التجار الذين يؤمّنون نقل البضائع و الشحن , و دعوها (أماتونتا) و هي تعني القبيلة الصغيرة , الجماعة الصغيرة , و هي تصغير (أماتونا) التي تعني : الجمع , القبيلة .



المصدر : تاريخ سوريا الحضاري القديم 2,د.أحمد داوود

 

إضافة تعليق جديد