التاريخ والتجربة في الكتاب I لأدونيس

الفكر والشِّعر والوجود في النصِّ الأدونيسي

 

جاكلين سلام

 

حَتَّى حينَ تقولُ:

سأكتبُ ذاكَ الشَّيءَ الأقْصى عنِّي

أوْ هذا الشَّيءَ الأكثرَ قُربًا مِنِّي،

لَنْ تكتبَ إلا نَفْسَكْ. (ص 317)

 

لا تكتبُ أرضَ الحريَّهْ

إلاَّ لُغةٌ وَحْشيَّهْ. (164)

 

...

إنَّ رأسِيَ مليءٌ بالكواكبِ: ضَوءُ البصيرةِ،

ضوءُ البَصَرْ

تَوْأمانِ، وضوءُ التمرُّد وَعْدُهُما المُنتظَرْ. (ص 289)

 

أكتبُ – يأخُذُني رُعْبٌ

وأُجَنُّ ويَجْفَلُ منِّي

حتَّى الحِبْرُ، وحتَّى الوَرَقُ

وَأُسائِلُ نفسي: هل أكتبُ حقًّا، أمْ أحْتَرِقُ؟ (ص 320)

 

أيُّها الجامحُ المارقُ –

ما أمَرَّ الطريقَ إلى الذَّاتِ، في نشوةِ العِشْقِ، يا أيُّها العاشِقُ. (ص 237)

 

ومضاتٌ من قبس الشاعر في الجزء الأول من مُنْجَزِه الشِّعري–الفلسفي الخارق مفتتَحٌ للذهاب في تقصِّي خطوات البحث وبعض أحكام الناقدة وتحليلها للـكتاب I لأدونيس2

كيف تفتح الناقدة اللبنانية زهيدة درويش جبور3أدراج الكتاب I والشاعر أدونيس؟

 

كيف تقسم خطواتِ بحثها لإلقاء ضوء على تجربة ثريَّة وإشكالية، لها من المؤيِّدين والمعارضين ما يجعلها حاضرةً دومًا – وفي جدارة؟

***

جاء في مقدمة الإصدار، بقلم الناقدة زهيدة درويش جبور، حول تجربة الشاعر أدونيس في الكتاب I، الذي صَدَرَ في العام 1995 وتبعه جزءان آخران:

سنحاول في هذه الدراسة استقراءَ حقيقة الموقف الأدونيسي من التاريخ والثقافة العربية، وتبيين مفهومه للعملية الشعرية والكتابة الإبداعية، ورصد ملامح التجربة التي ترتسم في الكتاب. كما سنحاول الاستدلال على القناعات الفكرية والتوجُّهات الفلسفية التي تحدِّد موقفه من الوجود نفسه. وقصدُنا من ذلك استجلاءُ ما يسمِّيه كمال أبو ديب "البنية المعرفية" التي تكشف عنها الكتابةُ، والتي تتشكَّل وفقًا لعلاقة التفاعل بين ذات المبدع والعالم من حوله، والتي تخضع لتأثيرات عدة، بعضها يظهر على مستوى الوعي، وبعضها الآخر يصوغ لغة اللاوعي.

أدونيس الذي تجاوَز في شعره المحدودَ والنهائيَّ والمغلق، وشيَّد قصيدته وحضوره الاستثنائي الخاص، الذي اختلف عليه وحوله القراءُ والنقَّاد طويلاً – أين يحط رحال "كتابه" الأول؟ وكيف تشتغل الناقدةُ بين دروب قصيدته، لتكشف جوهر الشعر الأدونيسي؟ – في "حيادية علمية"، كما تقول.

***

تقسم الباحثةُ خطواتِ دراستها إلى أربعة فصول، تبدأ من الشكل والبنية في القصيدة، وتخلص إلى سمات الفكر الأدونيسي وملامحه، مدعِّمة كلَّ فكرة ونتيجة بشواهد من طبقات الكتاب.

الفصل الأول: في الشكل والبنية

تتناول عدة محاور: تدخل في سيمياء العنوان وما تخلِّفه من صدمة كلمةُ "الكتاب" في وعي القارئ منذ الوهلة الأولى، لارتباطها بمدلول ديني – "ويعلِّمهم الكتابَ والحكمةَ" (البقرة 129) – من جهة. وفي المقابل، فإنه "الكتاب المفرد"، الذي قد يكون أيَّ كتاب؛ بالتالي، هو كتابُ شاعر، يحمل رؤاه الخاصة في التاريخ والتراث والوجود؛ وهو قابل لكلِّ التآويل وفق ما تعلنه أو تُضْمِرُه الجملةُ الشعرية الأدونيسية. وإمعانًا في الغموض والإثارة، يُرفِق الشاعر عنوانَ الكتاب بعنوان فرعي هو: "أمس المكان الآن" – هكذا جملة زمكانية، تقترح تعقيدًا ومداورات شتَّى.

البنية الشبكية

يشير المصطلح إلى محاولة أدونيس قَلْبَ الهامش إلى متن: "ما اعتُبِرَ أساسًا في الثقافة العربية، يجعل منه مجرَّد هامش، وما بقي على هامش هذه الثقافة، يضعه في موقع القلب النابض." هذا وتقوم النصوص على "تعددية في البناء والأصوات والأشكال الكتابية"، تقود إلى شبكة من العلاقات المتعددة الدلالات، تذهب من تخوم الأساطير، إلى التراث، إلى الفلسفة، يسخِّرها كلَّها في حدودها القصوى لخدمة نصِّه، ومن دون الوقوع في فوضى النص.

كما وتُفْرِدُ صفحاتٍ للحديث عن السيرة الذاتية والتاريخية، والتقاطُع مع سيرة المتنبي، والعودة إلى الأصيل من الأسماء التي تمَّ استبعادُها وتهميشُها:

يستحضرهم الشاعرُ لينصفهم ويزرعهم مناراتٍ على الطريق. يستلهم مواقفَهم، ويثور أحيانًا على الظلم الذي لَحِقَ بهم، فجعلهم ضحايا النبذ والتشرد والقتل. وأحيانًا يستعير أسماءهم لتكون عنوانًا... (ص 83)

***

الفصل الثاني: قراءة في التاريخ العربي

يضع الشاعرُ قضيةَ قراءة التاريخ والكشف عن خفاياه في أولويات اهتمامه، ويجعل منها محركًا أساسيًّا للكتابة الإبداعية... وإزاء هذا الواقع يعلن المفكر موقفَه بجرأة: لا قدسية للتراث! إنه حقل ثقافي، عمل فيه وأنتج بشرٌ مثلنا، يصيبون ويخطئون، يبدعون ويبتدعون؛ والحكم لهم وعليهم يعني حكمًا على نتاجهم المحدَّد أو لَه، ولا يعني الحكم على الشخصية العربية أو لَها... والجديد في الكتاب هو ممارسة الفكر النقدي بلغة الشعر. (ص 89)

وللبحث في هذا التاريخ، لا بدَّ من البحث في تاريخ السلطة وصفاتها الأساسية. وتبدأ الدارسة بتبويب هذه الصفات وفق شواهد من الكتاب. فتأخذ صفةُ "الظلامية" حيزًا أساسيًّا. وعلاجُها يكون بنور الفكر والشعر. ومن بعدُ الصفات الأخرى التي يشتغل عليها فكرُ الشاعر في الكتاب، وهي "العنف/سيطرة الغيب". وأما أزمنة الشاعر فهي مركَّبة؛ وتقسمها إلى "الزمن التاريخي/الزمن الوجودي/الزمن الشعري"، وتخلص إلى القول بأن

... طبيعة بنية الزمن في هذا الكتاب ليست مسطحة، بل تتداخل فيه الأزمنةُ، وينقسم التاريخ الواحد على نفسه، وتتحرك عناصرُه في سياقات التجاذب والتنافر. وإذا كان التاريخ فيه غير متجانس – تاريخ للقتل وتاريخ للإبداع – فإن الزمن فيه أيضًا معقَّد ومركَّب. (ص 137)

وكذلك المكان متعدِّد، وله أهمية قصوى في نصوص الكتاب: تارة يكون في الكوفة، مسقط رأس المتنبي، وتارة في جبلة، مسقط رأسه:

لقد عاش الشاعرُ دائمًا منفصلاً، وحافظ، حتى عندما كان في قلب المكان، على المسافة الكافية التي تمكِّنه من أن يرى بوضوح كلَّ مشاكله وتعقيداته... (ص 143)

***

الفصل الثالث: الشعر والكشف

تخصِّص الباحثة في هذا الكتاب أكثر من خمسين صفحة تعكس ومضات أدونيس وآراءه في الكتابة وتفاسيره لها، رؤيتَه وتصوراتِه وأساليبَه في الشعر، مبتغاه، منذ بداياته وحتى هذا المنجز الذي نتناوله هنا.

يشكِّل التساؤل عن جوهر الشعر وطبيعته، وعن موقع الشاعر من العالم، خيطًا جامعًا لدواوينه. ولا يكسر الكتاب هذه القاعدة، بل تشكِّل مسألةُ الشعر فيه إحدى المسائل الأساسية التي يطرحها، بلغة فنية راقية تجمع بين الشفافية والغموض، لا تقدِّم إجاباتٍ إلا لتُطلِق منها تساؤلات. الشعر عند أدونيس بحثٌ في عدة اتجاهات، ركيزتُها البحث عن "الجمالية" عبر الشعر:

أ‌.        الشعر طريق إلى المعرفة

ب‌.     الشعر تجربة وحضور في العالم

ت‌.     الشعر تجاوُز وتخطٍّ

ث‌.     الشعر فعل تحول وصيرورة

ج‌.     الشعر رؤيا

ح‌.     الشعر غموض مضيء/الشعر لغة جديدة/الشعر طاقة على الحلم

وفي كلِّ خانة مما أعلاه، تتفحَّص درويش طرائقَ الشاعر، مستدلَّةً على المكنون منه بشذرات مضيئة من قصائده.

***

الفصل الرابع: ملامح التجربة وسِمات الفكر

في هذا الفصل يجري التقصِّي عن ملامح الذات الداخلية، عن مدى التصاق الكتابة بمبدعها، عن تأزُّمات النفس الشاعرة، وعن صراع الهدم والبناء في القصيدة، عبر "جدل أدونيسي" يسعى إلى خَلْقِ صرح جديد، مسخِّرًا كلَّ أبواب المعرفة، قديمها وحديثها، مستحضرًا عددًا كبيرًا من الأسماء التاريخية، المعروفة والمهمَّشة، ليقول قولَه باسمها، وعنها، ولها. ولكن:

هل ينتهي بالشاعر المطافُ إلى إعلان الفشل؟ لعلَّنا نجد الجواب في مغامرة الكتاب ذاتها؛ وهل كان له أن يخوضها لولا إيمانه بجدواها وفاعليتها؟ ... ذلك أن الرهان يبقى على الثقافة. وإن خشبة الخلاص الوحيدة للإنسان العربي هي إنتاج ثقافة متحرِّرة من أعباء الماضي، تنتقي من التراث جوانبَه المضيئةَ للتواصل معها، وتفعِّلها وتطوِّرها... (ص 227)

مناخات الذات في هذا المبحث لها بعض هذه السمات: الأمل والفجيعة/التوحد والغربة/التشظِّي والحيرة، إلخ. وعبر هذه الدوامة من النوازع والضغوط والالتباسات، يواصل الشاعرُ بحثَه، ليؤسِّس لركيزة فكرية لها سماتها ونزوعاتها، تلخِّصها الباحثةُ في مفاصل محورية كالتالي: النزعة المادية/النزعة الصوفية/النزعة الإنسانية:

ليست المادية لديه نقيض المثالية، بل تتكامل معها ضمن علاقة جدلية وثيقة... (ص 240)

إن الحضور الروحي الكلِّي واحدٌ في جميع مكوِّنات العالم، وهو دائم الحركة؛ وليس الجزئي إلا صورة من صوره اللامتناهية. وهو ليس قائمًا بذاته، بل متصلٌ عضويًّا بالوجود المادي. ففي المرئي يكمن اللامرئي... وليس ظاهر الأشياء إلا جهل لحقيقتها الهاربة التي تختفي فيها... (ص 241)

الصوفية، كما ينظر إليها الشاعر، هي فعل تحرُّر ورفْض لصنمية الحقيقة الواضحة، في محاولة لبلوغ حقيقة جوهرية حيَّة، تطلع من داخل الذات المنصهرة حين يتمرأى فيها نورُ العالم... (ص 265)

يرفض صاحب الكتاب أن يسجن الإنسان في ثنائية الخير/الشر، ويطمح إلى رؤيا توفيقية تؤنسن القيم، وتجعل منها وسيلة لتفتُّح الذات، لا قيدًا مفروضًا عليها من الخارج. (ص 266)

كما تتطرَّق إلى بعض ردود فعل القرَّاء والباحث الغربي تجاه النصِّ الأدونيسي.

***

كلمة أخيرة

جاءت مقتضبةً وملخِّصةً لمضمون البحث وغاية الشعر، ختمتْ بها الناقدة زهيدة درويش جبور بحثَها التفصيلي الممتع، حيث أضاءت جوانب النصِّ بمعرفتها ولغتها السلسة الواضحة، بعيدًا عن تهويمات ومصطلحات نقدية مستعارة ومغرقة في الغموض، مما قد يربك ذائقة المتلقِّي لهذه الدراسة الجادة، التي لا تكتمل إلا بحضور القارئ الحقيقي الذي يحقِّق للنصِّ ديمومتَه وأبعادَه، ويعيد خَلْقَه كإحدى الطرق المؤدية لاكتشاف الذات والعالم. وتختم الناقدة كلمتها بالقول:

لقد استطاع أدونيس أن يطرح كلَّ المسائل بغية القصيدة التي تنطق عن ذاتها، فتقدِّم رؤيا للشعر والشاعر والقراءة، تمامًا كما ترسم صورةً للذات، وتصوِّر بالأحمر والأبيض لوحة التاريخ، وقد أضحى مادةَ معرفة وموضوعَ تساؤل. وهو، عندما ينبري لمحاكمة تاريخ السلطة، يميط اللثام عن تاريخٍ آخر خطَّتْه بأحرف مضيئة أقلامُ المبدعين على مدى العصور. (ص 286)

***

أنقل هاهنا بعضًا من نصوص أدونيس عن الكتاب I بغية تقريب القارئ (أو القارئة) مما يجري في أرجاء الكتاب. هذا وتتعذَّر عليَّ طباعةُ بعض الأوراق المهمة، لأنها تستلقي على الورقة بطريقة خاصة، من حيث النصُّ المتنُ والهوامشُ على اليمين واليسار. هذه بعض الأوراق – "أوراق عُثِرَ عليها في أوقاتٍ متباعدة، أُلحِقَتْ بالمخطوطة" – يشاء أدونيس أن ينسبَها إلى المتنبي، في محاولة للتماهي مع ما تعكسه شخصيةُ المتنبي في ذاكرة الشعر العربي.

 

الأوراق

 

ورقة بلا رقم

لِمَ لا أرى غيرَ الفُراتْ؟

أَلأنَّهُ لغةُ التُّراب – حروفُها

زَهَرٌ وعشبٌ؟

أَلأنَّهُ رَحِمُ الصَّداقة – يلتقي

فيهِ النَّقيضُ نقيضَهُ؟

أَلأنَّهُ كبدُ الطَّبيعةِ – تنحني

فيه البلادُ على البلاد، وينحني

فيه النَّباتُ على النباتْ؟

الأرضُ نائمةٌ على أَنْقاضِها

والوقْتُ يُوغِل في السُّبَاتْ، –

لِمَ لا أرى غيرَ الفُراتْ؟ (ص 301)

 

I

من جهاتِ دِمَشْقٍ وبغدادَ، تأتي رياحٌ:

لا لِقاحَ ولا زَرْعَ،

والثَّمَرُ المرُّ كالرَّمْلِ

جَاثٍ على شَجَرِ الأزْمِنَهْ، –

أَلرِّياحُ دَمُ الأمْكِنَهْ.

 

II

هذه اللَّيلةَ، لَنْ أَرجعَ للبيتِ، كما اعْتَدْتُ، سأَبْقى

ساهِرًا،

أَسْمَرُ مع قافلةِ الأنْجُمِ، أمشي

سَادِرًا بين الشَّجَرْ،

وأَرَى كيف يَنامُ اللَّيلُ محمولاً عَلى ضَوْءِ القَمَرْ. (ص 302)

 

IX

نتبادَلُ، يا مَوْتُ: أُعْطيكَ شَمْسي، وآخذُ ليلَكَ، –

غَيَّرتَ؟ ماذا يُفيدُكَ جِسمي؟

ليس إلاَّ نَسيجًا أغطِّي بِهِ مُقْلَتيَّ

حينَ أَرْنُو إليَّ.

 

X

تِلْكَ امْرأَةٌ –

بين خُطاها يَتَمشَّى طيْفٌ

أحيانًا، يَطفو في عينيْها

ظَنًّا، أو تأويلاً

أحيانًا يَغْفُو

في مَوْضعِ سِرٍّ. (ص 306)

 

XXXVI

أكتبُ – يأخذني رعْبٌ،

وأُجَنُّ، ويَجْفَلُ مِنِّي

حتى الحِبْرُ، وحتَّى الوَرَقُ

وَأُسائِلُ نفسي: هل أكتبُ حَقًّا، أَمْ أَحْتَرِقُ؟ (ص 320)

 

XXXVIII

أُنْظُرْ خَلْفكَ: ليس الماضي

إلا ثُقْبًا كَوْنيًّا

لا تخرجُ مِنْهُ إلاَّ

أَطيافُ بُخارٍ. (ص 321)

 

وفيما يلي مقتطفاتٌ من فصل بعنوان "الفوات"؛ إذ يخبر، على لسان الرَّاوي، فجائع القتل مؤرخةً بأسماء وهوامش جانبية على حافة النص/الورقة (الهوامش 4 و5 و6 من إضافة أدونيس):

 

23

راوٍ آخَرُ يَرْوي:

جاؤوا بحبالٍ

جاؤوا بحديدٍ

سَمَلُوا عينيْها4

قطعوا رِجْليها، زَنْديْها

ورَمَوْها في السُّوقْ

جسدًا مَحْروقْ.

لم تَتأوَّهْ، قالَتْ:

آخِرُ أَيَّامي في الدُّنيا

أوَّلُ أيَّامي في آخرتي. (ص 358)

 

29

راوٍ آخَرُ يَرْوي:

كان زعيمَ الدَّعْوةِ5– يُرْسي فيها

أَملاً آخرَ، عهدًا آخَرْ.

حَبسوهُ،

قتلوهُ في مَحْبَسِهِ.

وثَنَى هذا الرَّاوي:

هل نفتكرُ؟

هل نعتبرُ؟

رَبَّى شجرَهْ

لمْ يقطفْ منها ثَمَرهْ. (ص 364)

 

34

راوٍ آخَرُ يَرْوي:

لأَبي مُسْلمٍ6، رأيتُ ثلاثًا

وأنا نائِمٌ:

-       وَقَعَتْ عِمَّتُهْ،

-       إِنَّها رأسُهُ.

-       وَكَبَتْ خيلُهُ،

-       إنَّها حَظُّهُ

-       قالَ: أُقْتَلُ.

-       أَللهُ أكبرُ،

في الفَجْرِ كان أبو مسلمٍ

قتيلاً. (ص 373)

 

صوت بتوقيع ثلاثي

يزعم الرَّاويهْ

أنَّ هذا الحضورَ الذي يتغطَّى بأسلافنا

ليس إلاَّ غيابًا، –

لا يَرى من بهاء الحديقة إلاَّ

وردةً ذابلَهْ

أَتُرى هذه لغةٌ عادِلَهْ؟

غَضَبُ الأرضِ، حِلْمُ النَّباتاتِ، وَسْوَسَةُ الباديهْ

لم يقلْ أيَّ شيءٍ، ذلك الرَّاويهْ

عن تهاويلها وتآويلها،

كيف؟ لا حَقٌّ في الصَّمْتِ لِلرَّاويهْ.

هي ذي الشَّمسُ تهمسُ لِلرَّاويهْ،

وتكرِّر مَزْهوةً:

حكمةُ الضَّوء أبقى وأعمقُ من لَيْلِ صحرائكَ الدَّاميهْ. (ص 378)

تورنتو، كندا

*** *** ***


 

معابر

1كاتبة وشاعرة سورية–كندية

2 زهيدة درويش جبور، التاريخ والتجربة في الكتاب I لأدونيس، دار النهار، 2001، 288 صفحة؛ لوحة الغلاف للنحاتة الأردنية لمى السعودي.

3 زهيدة درويش جبور: أستاذة في الجامعة اللبنانية – كلية الآداب والعلوم الإنسانية (الفرع الثالث، قسم اللغة الفرنسية وآدابها)؛ صدر لها كتابان: دراسة حول شعر ناديا تويني (1992)، دراسة حول الشعر اللبناني الفرنكفوني (1997)، ولها العديد من الكتابات النقدية والقراءات المنشورة في الدوريات الثقافية.

4 الإشارة إلى امرأة اسمُها البَلْجاء، قَتَلَها عبيد الله بن زياد.

5 إبراهيم الإمام، زعيم الدَّعوة للعباسيين، قَتَلَه مروان الملقب بالحمار، آخر الخلفاء الأمويين.

6أبو مسلم الخراساني، والحوار بين الخليفة المنصور، ورجل من خاصَّته رأى الحلم.

 

إضافة تعليق جديد