الخلق السومري والخلق التوراتي

إلى الوجدان الإنساني الجماعي الذي
أبدع أروع مأثرة فكرية: الإينوما ايليش.
وإلى آشور بانيبال الذي لولا مكتبته التي حفظت هذه الروائع
لكنّا اليوم نحسب أنفسنا على حق ونحن على ضلال.

الفهرس

- مقدمة
- الفصل الأول: الميثولوجيا.
الباب الأول: تعريف الميثولوجيا والاسطورة.
الباب الثاني: صلة الاسطورة بالدين.
- الفصل الثاني: أسطورة الخلق.
الباب الأول: أسطورة الخلق البابلية.
أ‌- لمحة عن محيط النص وأصوله.
ب‌- الاينوماايليش.
ت‌- البعد العلمي في الأسطورة.
الباب الثاني: أسطورة الخلق التوراتية.
أ‌- مسيرة شعب: بين التوراة والاركيولوجيا.
- ما تذكره التوراة.
- ما تبينه الأركيولوجيا.
ب‌- أصول المتون التوراتية.
ت‌- نص أسطورة الخلق التوراتيّة.
ث‌- تناقضات النص.
- الفصل الثالث: الجذور.
- خاتمة.
- ملحق.
- المراجع.

المقدمة

إن أعظم ما كتبه الإنسان منذ ظهوره ووعيه لذاته الاجتماعية، لا نراه في كتب غوته وموليير وشكسبير… مع أنه ما من شك لدينا بأن ما كتب على أيدي مثل هؤلاء المبدعين العظام، هو من روائع النصوص والمعاني الإنسانية البعيدة الحاضرة. فلنذهب معاً في رحلة تشق أغوار الزمن السحيق لنكتشف بداية البدايات.
منذ 6500 سنة من يومنا هذا كان في بقعة خصيبة مميزة شعب أعطى المادة أبعاداً ومعاني… فكانت مغامرة يخوضها العقل الإنساني ليكتمل معنى وجوده… وكانت الإنطلاقة نحو المستقبل…
سورية، كما أسماها الأمم، أو الهلال الخصيب، كما أسموه العرب، كان البؤرة الحضارية الأولى التي منها انطلق الإنسان إلى العالم خيراً وتقدماً. من صيد الأسماك إلى الزراعة وفنونها، إلى اختراع العجلة، إلى الكتابة والتشريع… إلى المنطق والهندسة وعلم الفلك… كان الإنسان يصحب معه خطوطاً ترسم العلم أسطورة.
عندما رأى الإنسان العالم إندهش، وليحفظ الرؤية- الدهشة دونها على الطين بريشة ساحر. فأصبحت المادة آلهة وارادة الحياة خلق بالكلمة. هذه هي الأسطورة، أروع مغامرة إنسانية… أسطورة الخلق، أولى الخطوات في الدرب نحو الحقيقة… والدرب لن ينتهي.
لقد اخترنا أن يكون موضوع بحثنا هذا أسطورتي الخلق، البابلية والتوراتية، وارتأينا أن نبدأ بتعريف معنى الأسطورة والميثولوجيا في الفصل الأول، أمّا في الفصل الثاني فسنقف باحثين في محيط النص وأصوله وأبعاده عند الأسطورتين كلّ على حدا، ونختم مع الفصل الثالث بعرض مقارنة بين الأسطورتين ساعين إلى كشف جذور أسطورة الخلق التوراتية.
عسى أن نكون قد وفينا حق موضوعنا هذا القدر المستطاع ولنا من العقل التوفيق.

أنجلو البعيني
في الأول من أيار 2004
زحـــلة.

الميثولوجيا

الباب الأول: تعريف الميثولوجيا والأسطورة

في دراستنا لأية ظاهرة من ظواهر الثقافة الإنسانية، هنالك مسألة تطرح نفسها، ابتداءً، ولا نستطيع السير قدماً في مهمتنا قبل التوقف عندها ملياً، إلا وهي مسألة المصطلح والتعريف.
"التعيين هو شرط الوضوح" وإذا لم نخرج الكلمة- المعنى من المعنى- الكلمة يبقى بحثنا في أي ظاهرة إنسانية معيّنة مشوباً بالفوضى والعبثية. فكيف إذا كان المصطلح الذي نسعى للبحث من صرحه يتداخله الأدب والفن والدين والفلسفة… جامعاً القوى العقلية الإنسانية برمّتها.
إن كلمة ميتوس Mythos عند الإغريق تعني حكاية. وكلمة "أسطورة" العربية مقتبسة من كلمة "استوريا" Historia اليونانية أيضاً وتعني حكاية أو قصة. إلا أن كلمة أسطورة تعني حكاية غير حقيقية أو عكس الحقيقة. بينما الكلمة ذاتها Historia تعني "تاريخ"، و "لوغوس" Logos "الكلمة" صارت "علم". هكذا أصبحت ميتوس المترجمة "أسطورة" بعكس "لوغوس" أو "استوريا" تعني شيئاً غير موجود في الواقع أي خرافة. و "ميتولوجيا" تعني علم الأساطير.
في زمن الأساطير القديمة لم تكن كلمة أسطورة تعني ما سبقنا شرحه. كانت الأساطير تتداخل في جميع نواحي الحياة الإنسانية حتى أدق التفاصيل اليومية. كما أنها لم تكن قصة خرافية كما نعهدها اليوم وإنما قصة حقيقية بل مقدسة لأنها كانت تمثل الحاجات الدينية والاحكام الأخلاقية والمتطلبات الاجتماعية.
إن البعد المفارق للطبيعة الذي تميزت به الأساطير القديمة لم يكن غريباً عن الفكر الإنساني في وثبته الدائمة إلى ما وراء الأطر. من هنا نرى بأن لا حصرية للأسطورة لشخص أو لشعب أو لزمن معيّن. وسوف نحاول تحديد بعض النقاط التي تميّز النص الأسطوري عن غيره من النصوص:
1- من حيث الشكل، تحكم الأسطورة مبادئ السرد القصصي وغالباً ما تكون في قالب شعري.
2- يحافظ النص الأسطوري على ثباته عبر فترة طويلة من الزمن.
3- لا تعرف الأسطورة مؤلف واحد معيّن لأنها ظاهرة جماعية يخلقها الخيال المشترك.
4- تلعب الآلهة وأنصاف الآلهة الأدوار الرئيسية في الأسطورة فإذا ظهر الإنسان على مسرح الأحداث كان ظهوره مكملاً لا رئيسياً.
5- تتميز الموضوعات التي تدور حولها الأسطورة بالجدية والشمولية.
6- تجري الأسطورة في زمن مقدس، غير الزمن الحالي.
7- ترتبط الأسطورة بنظام ديني كما تنهار بزواله.
8- تتمتع الأسطورة بالسلطة المطلقة على عقول ونفوس الناس.
بناء على ما تقدم يعرف فراس السواح الأسطورة بالقول التالي: " الأسطورة هي حكاية مقدسة، ذات مضمون عميق يشف عن معاني ذات صلة بالكون والوجود وحياة الإنسان".

الباب الثاني: صلة الأسطورة بالدين:

إن صلة الأسطورة بالدين شبيهة بصلة الجنين برحم أمّه. فإذا فشلت الأسطورة فشل الدين وإذا فشل الدين تفشل الأسطورة وتفقد مكانتها السلطوية بين عقول الناس.
هذا الطابع السحري للأسطورة، وأثرها الفعال في توصيل الأفكار المجردة وتثبيت المعتقدات، يفسر لنا تلك الوحدة المصيريّة بين الدين والأسطورة.
إن الفكر الأسطوري قد أغنى بشكل عميق معظم إذا لم نقل جميع الديانات القديمة والحديثة نسبياً. فالديانة اليهودية كالمسيحية والمحمدية لم تتمكن الانطلاق بدعوتها الإلهية من دون أن ترتكز على أساطير ظنها البعض بأنها يهودية لكنها في الحقيقة تمتد جذوراً متينة في ترثنا السوري العريق. يقول الدكتور وديع بشور: "إن دراسة الأساطير لتلقي الضوء على الأصول التاريخية لكثير من مفاهيمنا الدينية والاجتماعية المعاصرة. ويمكن القول بأن الأسطورة هي الدين البدائي. والقيم الإنسانية والأخلاقية لم تبدأ حديثاً.
إن الدين في قاعه السيكولوجي الأعمق، هو اختبار للقدسي من خلال حالة انفعاليّة سابقة على أي تصور عقلاني. تنشأ حول هذه السابقة اللاعقلانية طقوس وأساطير تكون يمثابة المرشد للأنسان في مساره الديني. من هنا يسير الدين يداً بيد مع الأساطير التي تحول التطورات اللاعقلانية إلى وعي جماعي يحافظ على الصورة الماورائية التي تتبلور مع الوقت في معتقدات.
بينما تعطي الأساطير ايحاءات جماعية تنظم العلاقة بين الآلهة بعضها ببعض وبينها وبين البشر وتكتب سيرتها الذاتية وتاريخ حياتها…
تعتمد الأسطورة على استنفاد القوى السحرية للغة، وإلى أبعد حدّ مكن، من أجل موضعة خبرة كلانية بالقدسي لا ينفع في توصيلها مفرادات اللغة المستمدة من التجربة اليومية. من هنا يتسلح الدين بالأسطورة ويقف معها حاجزاً منيعاً أمام العقل الواقعي فيخرج الدين من إطار القبول إلى مستوى التسليم المطلق.

أسطورة الخلق

الباب الأول: أسطورة الخلق البابلية.

أ‌- لمحة عن محيط النص وأصوله:

قبل التكلم عن أسطورة الخلق البابلية واجب علينا إلقاء الضوء علي محيطها البيئي. لأنه كما هو معروف علمياً ليس لأي اختراع وإبداع إنساني، مهما صغر شأنه، مفهوم وأساس إلا بالدوافع الجغرافية والبشرية والتقدمية. يقول أنطون سعادة: "لا يمكن، مثلاً، أن تكون العجلة التي كان اختراعها خطوة كبيرة في ارتقاء التمدن، قد استنبطت في الصحراء، لأن، استنباطها يقتضي وجود أخشاب صلبة كالسنديان وغيره مما لا وجود له في الصحراء. وهي لا يمكن أن تنتشر بجميع أشكالها في الصحراء، لأنها لا توافق خصائص رمالها". كما يضيف قائلاً: "ان من أهم مؤثرات البيئة أو الأرض في تمييز الجماعات أنها أهم عامل في تكوين شخصية الجماعة".
لقد تصور كتاب أساطير ما بين النهرين، العالم كما يرون اليوم جنوب العراق من منطقة شط العرب. هناك بعد أن تمر مياه الرافدين العذبة في سهول العراق تختلط بمياه الخليج الفارسي المالحة (أو النهر المر) وتخيم الغيوم المنخفضة في الأفق. كانت الأرض بالنسبة لأهل الحضارة البابلية قرصاً مسطحاً بسوار من الجبال. سلسلة زغروس من الشرق وطوروس من الشمال ولبنون من الغرب وعلى هذه السلاسل الجبلية الثلاث ترتكز قبة السماء وكأنها غطاء للأرض وفيها تجول الأجرام السماوية. وجميع هذا الكون تصوروه قائماً في محيط كوني مالح. كل الأرض لم تكن بالنسبة إليهم سوى الهلال الخصيب (راجع الملحق، رسم رقم 5).
لم يكن اختيار الوطن للبابليين- السوريين قراراً عبثياً، بل ملازماً لطبيعة المسيرة الطبيعية. فسورية (الهلال الخصيب) تتمتع بميزات طبيعية جعلت منها مركزاً أساسياً وبؤرة حضارية مميزة، تصلح لتفاعل بشري على جميع صعد أوجه هذا التفاعل.
إن البشائر الأولى لبداية الحضارة، قد انطلقت من سورية، حيث اثبتت الحفريات الأثرية أن أولى تجمعات البشرية المستقرة وأولى القرى المبنية في السهول المفتوحة قد قامت في سورية الجنوبية في فلسطين ووادي الأردن خلال الألف العاشر والألف التاسع قبل الميلاد. وان أولى القرى المكتملة هي أريحا التي استمرت آهلة بالسكان مذ عام 8350 ق.م. حتى عام 7350 ق. م.
ومع بداية الألف السادس قبل الميلاد نرى انتقالاً لمكز الثقل الحضاري في سورية باتجاه وادي الرافدين، حيث نرى ما بين الفترة الممتدة من 5500 إلى 4500 قبل الميلاد نشأت ثلاث حضارات تتابعت وتداخلت هي: حسونة وسامرّاء وتل حلف. في حوالي 4500 قبل الميلاد تنهار حضارة تل حلف مهيئة لظهور الحضارة السومرية على موقع تل العبيد جنوبي وادي الرافدين.
كان السومريون أول من أسس لمجتمع المدينة في تاريخ الحضارة، إلا أنهم لم يعنوا بتشكيل دولة قوميّة تجمع شتات دويلات المدن التي عاشت في شقاق دائم وحروب دامية فيما بينها. وعندما تنبه المجتمع السومري إلى ضرورة التوحيد، كانت حضارته تقطع أشواطها الأخيرة في نهاية الألف الثالث قبل الميلاد و كان الأكاديون الساميون الذين بدأوا بتنظيم مجتمعهم في شمال سومر يتحفزون لقطف ثمار الحضارة السومرية التعبة.
في ظل هذه الأجواء التاريخية جاءت أساطير البابليين لتثبيت عبادة إلههم الجديد "مردوخ" ولتكمل أعظم تراث بشري لم تقدر التخلي عنه لأنه جزءاً من ثقافتها ومن دمها.

ب‌- الاينوما ايليش: (راجع الملحق، رسم رقم 2)

تعتبر أسطورة الخليقة البابلية أندر وأعرق وأوسع أسطورة خليقة في العالم القديم، وهي بسبب عراقتها هذه كانت مصدراً أساسياً لأغلب أساطير التكوين في ذلك الوقت.
اسم هذه الأسطورة مأخوذ، كما هي عادة البابليين، من الكلمات الافتتاحية للنص. فاينوما ايليش تعني: عندما في الأعالي.
الملحمة تركبت من عدة أساطير سومريّة بنت عليها العبقرية البابلية ذلك الهيكل الشامخ، الذي يعطي خلاصة عن علم وفكر وفلسفة وفن شعب عريق في مجالات هامة عدة.
وجدت الملحمة موزعة على سبعة ألواح فخارية، أثناء الحفريات التي كشفت عن قصر الملك آشور بانيبال (راجع الملحق، رسم رقم 1)، مكتبته التي احتوت على مئات الألواح في شتى الموضوعات الأدبية والدينية والقانونية… وقد جرى الكشف عن الألواح تباعاً منذ نهاية القرن الماضي وحتى نهاية الربع الأول من القرن الحالي، أما تاريخ كتابتها فيعود إلى مطلع الألف الثاني ق.م. أي قبل ألف وخمسمئة سنة تقريباً من كتابة الألياذة لهوميروس، وتدوين أسفار التوراة العبرانية.
وسوف نعرض الآن ملخص هذه الأسطورة الشعرية العظيمة:

عندما في الأعالي لم يكن هناك سماء، وفي الأسفل لم يكن هناك أرض. لم يكن في الوجود سوى المياه الأولى ممثلة في ثلاثة آلهة: "ابسو" و "تعامة" و "ممو". فأبسو هو الماء العذب، وتعامة زوجته كانت الماء المالح، أما ممو، فيعتقد البعض بأنه الأمواج المتلاطمة الناشئة عن المياه الأولى، و البعض الآخر بانه الضباب المنتشر فوق تلك المياه والناشئ عنها. هذه الكتلة المائية الأولى كانت تملأ الكون وهي العماء الأول الذي انبثقت منه فيما بعد بقية الآلهة والموجودات، وكانت آلهتها الثلاثة تعيش في حالة سرمدية من السكون والصمت المطلق، ممتزجة ببعضها البعض في حالة هيولية. لا تمايز فيها ولا تشكل. ثم أخذت هذه الآلهة بالتناسل فولد لآبسو وتعامة الهان جديدان هما "لخمو" و"لخامو" وهذان بدورهما أنجبا "انشار" و "كيشار" اللذين فاقا ابويهما قوة ومنعة. وبعد سنوات مديدة ولد لأنشار وكيشار ابن اسمياه "آنو" وهو الذي صار فيما بعد الهاً للسماء. وآنو بدروه انجب انكي أو أيا، وهو إله الحكمة والفطنة، والذي غدا فيما بعد إله المياه العذبة الباطنية. ولقد بلغ ايا حداً من القوة والهيبة، جعله يسود حتى على آبائه.
وهكذا امتلأت أعماق الآلهة تعامة بالآلهة الجديدة، المليئة بالشباب والحيوية، والتي كانت في فعالية دائمة وحركة دائبة، مما غير الحالة السابقة وأحدث وضعاً جديداً، لم تألفه آلهة السكون البدائية، التي عكرت صفوها الحركة، وأقلقت سكونها. حاولت الآلهة البدئية السيطرة على الموقف واستيعاب نشاط الآلهة الجديدة ولكن عبثاً، الأمر الذي دفعها للعنف. فقام آبسو بوضع خطة لابادة النسل الجديد والعودة للنوم مرة أخرى. وباشر بتنفيذ خطته، رغم معارضة تعامة التي ما زالت تكن بعض عواطف الأمومة.
لدى سماعهم بمخططات آبسو، خاف الآلهة الشباب واضطربوا. ولم يخلصهم من حيرتهم سوى أشدهم وأعقلهم، الإله ايا، الذي ضرب حلقة سحرية حول رفاقه، تحميهم من بطش آبائهم، ثم صنع تعويذة سحرية ألقاها على آبسو الذي راح في سبات عميق. وفيما هو نائم، قام ايا بنزع العمامة الملكية عن رأس آبسو، ووضعها على رأسه رمزاً لسلطانه الجديد. كما نزع عن آبسو أيضاً اللقب الإلهي واسبغه على نفسه، كما انقض على ممو (الضباب المنتشر فوق المياه الأولى) المعاضد لآبسو فسحقه وخرم أنفه بحبل يجره وراءه أينما ذهب. ومنذ ذلك الوقت صار ايا إلهاً للماء العذب يدفع به إلى سطح الأرض بمقدار، ويتحكم به بمقدار، وهو الذي يعطي الانهار والجداول والبحيرات ماءها العذب. وهو الذي يفجر الأرض عيوناً من مسكنه الباطني. ومنذ ذلك الوقت أيضاً، يشاهد ممو فوق المياه الأنهار والبحيرات لأن ايا قد ربطه بحبل فهو موثق به إلى الأبد.
بعد هذه الأحداث الجسام، ولد الإله مردوخ أعظم آلهة بابل، الذي أنقذهم مرة أخرى من بطش الآلهة القديمة، ورفع نفسه سيداً للمجمع المقدس. وكيف لا وهو ابن ايا (انكي) الذي فاق أباه قوة وحكمة وبطشاً. وكما كان الانقاذ الأول على يد الأب انكي، كذلك كان الانقاذ الثاني على يد الابن الشاب مردوخ. فتعامة التي تركت زوجها آبسو لمصيره المحزن دون ان تهرع لمساعدته وهو يذبح على يد الآلهة الصغيرة تجد نفسها الآن مقتنعة بضرورة السير على نفس الطريق لأن الآلهة الصغيرة لم تغير مسلكها، بل زادها انتصارها ثقة وتصميماً على أسلوبها في الحياة. وهنا اجتمعت الآلهة القديمة إلى تعامة وحرضتها على حرب أولئك المتمردين على التقاليد الكونية فوافقت وشرعت بتجهيز جيش عرم قوامه أحد عشر نوعاً من الكائنات الغريبة التي أنجبتها خصيصاً لساعة الصدام، أفاعٍ وزواحف وتنانين هائلة وحشرات عملاقة، جعلت عليها الإله "كينغو" قائداً، بعد ان اختارته زوجاً لها، وعلقت على صدره ألواح الأقدار.
علم الفريق الآخر بما تخطط له تعامة وصحبها فاجتمعوا خائفين قلقين،وأرسلوا الإله ايا الذي أنقذهم في المرة الأولى، عسى ينقذهم في المرة الثانية. ولكن ايا عاد مذعوراً مما رأى، فأرسلوا آنو الذي مضى وعاد في حالة هلع شديد. وهنا خطر لكبيرهم انشار خاطر جعل أساريره تتهلل اذ تذكر مردوخ، الفتى القوي العتي، فارسل في طلبه حالاً.وعندما مثل بين يديه وعلم بسبب دعوته، أعلن عن استعداده للقاء تعامة وجيشها بشرط الموافقة على اعطائه امتيازات وسلطات استثنائية. فكان له ما أراد. وجلسوا جميعاً حول مائدة الشراب وقد اطمأنت قلوبهم لقيادة الإله الشاب.
أعطى الآلهة، مردوخ، قوة تقرير المصائر، بدلاً من انشار. وأعطوه قوة الكلمة الخالقة. ولكي يمتحنوا قوة كلمته الخالقة، أتوا بثوب وضعوه في وسطهم وطلبوا من مردوخ أن يأمر بفناء الثوب، فزال الثوب بكلمة آمرة من مردوخ، ثم عاد إلى الوجود بكلمة أخرى. هنا تأكد الآلهة من أن مردوخ إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون. فأقاموا له عرشاً يليق بألوهيته، وأعلوه سيداً عليهم جميعاً، ثم أسلموه الطريق إلى تعامة. وقبل أن يمضي صنع لنفسه قوساً وجعبة وسهاماً وهراوة، كما صنع شبكة هائلة، أمر الرياح الأربعة أن تمسكها من أطرافها. ملأ جسمه باللهب الحارق، وأرسل البرق أمامه، يشق له الطريق. دفع أمامه الأعاصير العاتية أطلق طوفان المياه. وانقض طائراً بعربته الإلهية وهي العاصفة الرهيبة التي لا تصد، منطلقاً نحو تعامة، والآلهة تتدافع من حوله تشهد مشهداً عجيباً.
عندما التقى الجمعان، طلب مردوخ قتالاً منفرداً مع تعامة، فوافقت عليه، ودخل الاثنان حالاً في صراع مميت (راجع الملحق، رسم رقم 3-4) . وبعد فاصل قصير نشر مردوخ شبكته ورماها فوق تعامة محمولة على الرياح، وعندما فتحت فمها لالتهامه دفع في بطنها الرياح الشيطانية الصاخبة فانفتحت وامتنع عليها الحراك. وهنا أطلق الرب من سهامه واحداً تغلغل في حشاها وشطر قلبها. وعندما تهاوت على الأرض أجهز على حياتها، ثم التفت إلى زوجها وقائد جيشها كينغو فرماه في الأصفاد، وسلبه ألواح الأقدار وعلقها على صدره. وهنا تمزق جيش تعامة شر تمزيق، وفر معظمه يطلب نجاة لنفسه، ولكن مردوخ طاردهم، فقتل من قتل، وأسر من أسر.
بعد هذا الانتصار المؤزر على قوة السكون والسلب والفوضى، التفت مردوخ إلى بناء الكون وتنظيمه وإخراجه من حالة الهيولة الأولى، إلى حالة النظام والترتيب، حالة الحركة والفعالية و الحضارة. عاد مردوخ إلى جثة تعامة يتأملها، ثم أمسك بها وشقها شقين، رفع النصف الأول فصار سماء وسوى النصف الثاني فصار أرضاً. ثم التفت بعد ذلك إلى باقي عمليات الخلق. فخلق النجوم محطات راحة للآلهة. وصنع الشمس والقمر وحدد لهما مساريهما. ثم خلق الإنسان من دماء الإله السجين كنغو،حيث قتله، وافرج عن بقية الأسرى بعد أن اعترفوا بأن المحرض الأول هو كنغو، كما خلق الحيوانات والنبات. ونظم الآلهة في فريقين، جعل الفريق الأول في السماء وهو الانوناكي، والثاني جعله في الأرض وما تحتها وهم الأيجيجي.
بعد الانتهاء من عملية الخلق، يجتمع الإله مردوخ بجميع الآلهة ويحتفلون بتتويجه سيداً للكون. بنوا مدينة هي بابل، ورفعوا له في وسطها معبداً تناطح ذروته السحاب هو معبد الايزاجيلا. وفي الاحتفال المهيب أعلنوا أسماء مردوخ الخمسين.

ت‌- البعد العلمي في الأسطورة:

لا بد لنا وبعد عرض ملخص الأسطورة البابلية من اظهار معظم الروابط العلمية الفذة المتماهية خلف السطور الميتافيزيقيا للأسطورة:

أولاً- تنفي الأسطورة البابلية وجود العدم. فالشكل الحالي للوجود قد انبثق عن شكل سابق له، ولم ينبثق عن عدم. وتجدر الإشارة بأنه حتى يومنا هذا لم يقبل العلم فكرة العدم المطلق مما يؤكد عمق النظرة العلمية لدى البابليين.
ثانياً- نشأ الكون بفعل الحركة والتغيير بين المتناقضات فالعالم في حالته البدائية كان ثابت تخلوه الحركة مما يعني أنه لم يكن هناك زمن.
ثالثاً- الماء العذب موجود في باطن الأرض (لأن آيا قد قهر آبسو وبنى مسكنه فوقه تاركاً اياه حبيساً في الأعماق).
رابعاً- الضباب يتشكل فوق الماء (لأن آيا قد خرم أنف ممو بحبل يجره به أينما ذهب).
خامساً- تصور الأسطورة نقلة نوعية في مسار تاريخ البشرية فتمثل صراع ثقافتين متمايزتين بين تعامة (المجتمع الأمومي) ومردوخ (المجتمع الأبوي الناشئ). هذه الحالة الديناميكية في المتغيرات بين جيل الآلهة الجديد وجيل الآلهة القديم يعطينا إشارة واضحة لبدء الحضارة التي نعرفها حتى الآن.
سادساً- نرى في الملحمة صراع نفسي يعيشه كل منا للتخلص من الاعتماد على الأم والاتكالية والتوجه إلى بناء الشخصية المستقلة (قتل تعامة هو إشارة لبناء شخصية الإبن وتكاملها).

أخيراً لا بد لنا من الإشارة بوضوح توجه البابليين إلى التوحيد. بحيث يصبح مردوخ ربّ الأرباب الفائق لجميع الآلهة والواجب تسبيحه.
كانت ملحمة الخلق البابلية تتلى في اليوم الرابع من احتفالات رأس السنة "أكينو" من شهر نيسان ولمدة ألفي عام في بابل لتذكر الناس بسيادة النظام على الفوضى.

الباب الثاني:أسطورة الخلق التوراتية.

تعد الأسفار التوراتية ركيزة أساسية للديانات السماوية الثلاث : اليهودية، المسيحية، المحمدية. فهذه الديانات لم تستطع وضع مناهجها الدينية وأبعادها الانطولوجية التكوينية الا على القاعدة التوراتية.

أ‌- مسيرة شعب: بين التوراة والأركيولوجيا.

لقد قررنا ادخال هذا المبحث في سياق بحثنا، و لو لم نستفض به بما يوفيه حقه، لأن القاء الضوء على مسيرة الشعب اليودي تساعدنا في تفهم محيط النص التوراتي و مدى مصداقيته مع الواقع.

- ما تذكره التوراة:
إذا أخذنا كتاب التوراة اليهودي وتصفحناه من موقف غير نقدي نستطيع تحديد حركات الشعب اليهودي في الشرق الأدنى (سورية ومصر) على ثلاث مراحل أساسية أو حركات هجرية.
أولها، هجرة إبراهيم الجدّ الأول للشعب اليهودي، من مدينة أور الكلدانية في أرض الرافدين واستقراره في أرض كنعان بفلسطين. وذلك في القرن الثامن عشر قبل الميلاد.
المرحلة الثانية تظهر بقيادة يعقوب حفيد إبراهيم من اسحق وهو الذي حسب الأسطورة تصارع مع الله طوال الليل وعنه تصدر الأسباط الاثني عشر. ومعه جدد الله وعده لإبراهيم بارض الميعاد.
أما المرحلة الثالثة في أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد، فتقوم بها جموع اليهود الفارين من مصر بقيادة موسى.
دخلت هذه الجموع الرعوية الجائعة أرض فلسطين من الجنوب بعد أن تاهوا في صحراء سيناء أربعين سنة، جزاء خوفهم من دخول الأرض أول مرة. لقد أرهبتهم أرض كنعان وأهلها الجبابرة بما رأوا فيها من منعة وثروة وحضارة، فعادوا إلى الصحراء.
لقد كان تقدم العبرانيين في أرض سورية الجنوبية بطيئاً جداً. إلّا أنهم، كما ذكر في التوراة، لم يكن تقدمهم بمثابة بطشهم فسياسة الإفناء التي اتبعوها لم يكن لها مثيل إلا أعمالهم الحالية في فلسطين فعلى سبيل المثال، عندما دخل يشوع إلى العي نقرأ بالتوراة وصف الحالة بما يلي: "رجع جميع اسرائيل إلى العي وضربوها بحد السيف. وكان جملة من قتل ذلك اليوم، رجل وامرأة، اثنا عشر ألفاً، جميع أهالي العي. وأحرق يشوع العي وجعلها تل ردم إلى الأبد خراباً". ولا بد من التنويه بأن الآمر الناهي والمخطط الرئيسي لهذه الأعمال الوحشية هو إله اليهود.
وبعد احتلال فلسطين يخبرنا الكتاب أنهم انقسموا إلى مملكتين: اسرائيل في الشمال ويهوذا في الجنوب. وكما يصف لنا الحالة فراس السواح "بقي العبرانيون عالة على الثقافات المجاورة. ففي أوج ازدهار دولتهم، أيام الملك سليمان، نجد هذا الملك يستعين بالحرفيين والصناع الكنعانيين لبناء هيكله المشهور ويستورد له المواد اللازمة من فينيقيا".
وما أن يقارب القرن السادس قبل الميلاد على نهايته حتى يدخل نبوخذ نصر البابلي العظيم مملكة اسرائيل ويحمل رجالها أسرى إلى بابل وبعد ذلك يأتي الفتح اليوناني ثمر الروماني ويتلاشى الكيان السياسي المزعوم لليهود. ويتبع ذلك تفكك وجودهم الاجتماعي والديني بانتشار المسيحية وتحول الشعوب السورية إليها.

- ما تبيّنه الأركيولوجيا:
"لم يوجدوا تاريخهم بل أن تاريخهم هو الذي أوجدهم"، هذا ما يقوله وِل ديورنت في موسوعته الشهيرة قصة الحضارة عن الشعب اليهودي. وإن قصص الآباء في سفر التكوين، رغم ترجيح وجود أساسي واقعي لها، ليست إلا نوعاً من الملحمة البطولية، مما تعودت الشعوب تدبيجة عن البدايات الأولى.
خيبت الأبحاث الأركيولوجية آمال الباحثين عن اسرائيل التوراتية، فالمنطقة بأثرها لم تظهر إلا استمرارية للثقافة المحلية الكنعانية. ولا وجود لأي دليل أثري على حلول أقوام جديدة في هذه المنطقة جلبت إليها تقاليد وثقافات مغايرة. يقول موسى مطلق إبراهيم في كتابه "وعد التوراة، من ابرام إلى هرتزل": "أيّاً كانت الحقيقة التاريخية بشأن التاريخ التوراتي ككل أو بشأن مملكة إسرائيل التوراتية […] فالحقيقة التي لا تقبل الجدل أن جميع الهجرات البدوية التي دخلت الهلال الخصيب في التاريخ القديم قد انصهرت في إنسانه، وانطبعت بطابعه الحضاري في جميع مجالات الحياة" ويضيف قائلاً: "إن الهجرة المسماة عبرانية قد انسحبت عليها هذه الحقيقة […] ولم يكن لها من الخصوصية ما يميزها في شيء، اللهم إلا تلك الردة الدينية- السياسية- الاجتماعية التي حصلت في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد تحت المآثي التي نزلت بمملكة أوشليم وشعبها".
أما في ما يختص بالفتوحات العسكرية فالمقاومة المسلحة التي واجهها الإسرائيليون من قبل ملوك شرق الأردن لا أساس لها من الصحة، لأن منطقة شرق الأردن كانت خالية من المراكز الحضرية بين القرن السابع عشر والقرن العاشر قبل الميلاد.
وفيما يتعلق بأريحا وقصة تدميرها على يد يشوع تظهر التنقيبات أن آثار الدمار الزلزالية في أريحا تعود إلى أزمنة سابقة بكثير للتاريخ المفترض لدخول الإسرائليين خلال الربع الأخير من القرن الثالث عشر قبل الميلاد.
أمّا عن مملكة الإسرائليين الموحدة، فإن المسح الأركيولوجي للمناطق الهضبية التي كانت نواة هذه المنطقة، ينفي وجود قاعدة سكانية واقتصادية في هذه المناطق خلال القرن العاشر تسمح بقيام مثل هذه المملكة. فمملكة داوود وسليمان ليست مستبعدة تاريخياً فقط، بل أنها مستحيلة الوجود. وجميع نتائج التنقيب تظهر وبوضوح أن أورشليم لم تكن في القرن العاشر قبل الميلاد إلا بلدة صغيرة جداً. وخلاصة القول في أمر المملكة الموحدة هو أنها لم تكن سوى مملكة صغيرة لا تزيد ضخامة عن ممالك بلاد الشام القائمة في ذلك العصر.
بعد توضيح المسائل المتعلقة بالسياق التاريخي للشعب اليهودي بين التوراة والأركيولوجيا من حقنا أن نشك بصحة تلك النصوص التي لم تكن سوى صنيعة خيال شعب ضعيف أراد أن يتكبر على أوراق الكتب.
إن الديانة اليهويدية لم تنشأ وتتطور في فلسطين عبر الفترة المديدة الفاصلة بين مطلع الألف الثاني قبل الميلاد وأواخر الألف الأول قبل الميلاد، ولم يكن لهذه الديانة أية صلة بشعب معين اسمه شعب إسرائيل، لأن تاريخ هذا الشعب، كما ترسمه الرواية التوراتية، لا يعدو أن يكون فانتازيا لا تصلها صلة بالتاريخ الحقيقي للمنطقة. بل لقد نشأت هذه الديانة وتطورت واتخذت شكلها الحالي خلال القرون القليلة السابقة للميلاد. كما أكد البروفسور توماس طومسون استاذ علم الآثار في جامعة "ماركويت" في ميلواكي في الولايات المتحدة في كتابه "التاريخ القديم للإسرائليين": "إن مجموع التاريخ الغربي للإسرائليين يستند إلى قصص من "العهد القديم" من صنع الخيال" .

ب‌- أصول المتون التوراتية:
أن كل ترجمات التوراة إلى اللغات الحديثة ترجع إلى النص المسوري، الذي أكمل العلماء المسوريون تنقيطه في تاريخ لا يتجاوز القرن العاشر ميلادي.
إلى جانب النص التقليدي، لدينا ترجمات قديمة للتوراة بعضها يرجع إلى ما قبل الميلاد، اعتمدت نصوصاً مغايرة للنص التقليدي الذي تم تثبيته بعد ذلك، أهمها الترجمة اليونانية المعروفة بالسبعينية عندما أخذ المسيحيون يبادلون اليهود على أساس النص السبعين، أخذ اليهود بترجمة أخرى وهي Aquila حوالي منتصف القرن الثاني ميلادي والتي يبدو أنها اعتمدت نصاً أقرب إلى النص التقليدي منه إلى النص الأصلي للترجمة السبعينية.
بعد ذلك ظهرت ترجمة Symmachus ، التي تميزت بتعبير أرحب بالأسلوب اليوناني. وبعدها بنصف قرن ظهرت ترجمة Theodotion التي يبدو أن أصلها العبري أقرب إلى أصل Aquila والنص التقليدي منه إلى السبعينية.
بين هذه الترجمات المختلفة كان يبدو أن السبعينية وحدها تنتمي إلى تقليد يختلف عن التقليد الذي تنتمي إليه الترجمات الأخرى.
كما لدينا الوثائق المعروفة بمخطوطات البحر الميت المكتشفة عام 1948 في كهوف وادي قمران. وقد أرجع الباحثون أقدم نص بينها إلى نهاية القرن الثالث قبل الميلاد. وبعد أن أجرى العلماء بحوثهم تبين أنها تتبع النص التقليدي.
لقد أكدت لنا مخطوطات البحر الميت وجود أصول عبرية قديمة لنصوص توراتية متداولة إلى جانب النص التقليدي، مثل التوراة السامرية. ومن المؤكد أن تعدد التقاليد هذا، هو الذي حثّ مجمع "جمينا" على تثبيت النص التوراتي بشكل نهائي.
ولعل أهم ما قدمته مخطوطات البحر الميت التوراتية إلى "علم الكتاب"، هو تغيير موقف العلماء الحديثين من النص المسوري، لأنه لم يعد يمثل النص الوحيد الحقيقي في مقابل النصوص المشكوك بأمرها.

ت‌- نص اسطورة الخلق التوراتية:
سوف نعرض الآن نص التكوين كما هو مذكور في التوراة (العهد القديم):
الاصحاح الأول: في البدء خلق الرب السماوات والأرض. وكانت الأرض خربة وخالية، وعلى وجه الغمر ظلمة، وروح الرب يرف فوق وجه الماء. وقال الرب ليكون نور فكان النور. ورأى الرب النور أنه حسن، وفصل الرب بين النور والظلمة، ودعا الرب النور نهاراً والظلمة ليلاً، وكان مساء وكان صباح يوماً واحداً. وقال الرب ليكن جلد في وسط المياه، وليكن فاصلاً بين مياه ومياه. فعمل الرب الجلد وفصل بين المياه التي تحت الجلد والمياه التي فوق الجلد، وكان ذلك. ودعا الرب الجلد سماء. وكان مساء وكان صباح يوماً ثانياً. وقال الرب لتجتمع المياه تحت السماء إلى مكان واحد ولتظهر اليابسة، وكان كذلك. ودعا الرب اليابسة أرضاً، ومجتمع المياه دعاه بحراً، ورأى الرب ذلك أنه حسن. وقال الرب لتنبت الأرض عشباً وبقلاً يبزر بزراً وشجراً ذا ثمر يعمل ثمراً كجنسه بزره فيه على الأرض، وكان كذلك فأخرجت الأرض بقلاً وعشباً وبقلاً يبزر بزراً كجنسه وشجراً يعمل ثمراً بزره فيه كجنسه، ورأى الرب ذلك أنه حسن. وكان مساء وكان صباح يوماً ثالثاً. وقال الرب لتكون أنوار في جلد السماء لتفصل بين النهار والليل، وتكون أنواراً في جلد السماء لتنير على الأرض، وكان كذلك. فعمل الرب النورين العظيمين، النور الأكبر لحكم النهار والنور الأصغر لحكم الليل، والنجوم، جعلها الرب في جلد السماء لتنير على الأرض. ولتحكم على النهار والليل، ولتفصل بين النور والظلمة، ورأى الرب ذلك حسن. وكان مساء وكان صباح يوماً رابعاً. وقال الرب لتفض المياه زحافات ذات نفس حية وليطر طير فوق الأرض على وجه جلد السماء. فخلق الرب التنانين والعظام وكل ذوات الأنفس الحية الذبابة التي فاضت بها المياه كأجناسها، وكل طائر ذي جناح ورأى الرب ذلك أنه حسن. وباركها الرب قائلاً أثمري وأكثري واملئي المياه في البحار، وليكثر الطير على الأرض. وكان مساء وكان صباح يوماً خامساً. وقال الرب لتخرج الأرض ذوات أنفس حية كجنسها، بهائم ودبابات ووحوش أرض كأجناسها وجميع دبابات الأرض كأجناسها، ورأى الرب ذلك حسن. وقال الرب نعمل الانسان على صورتنا كشبهنا، فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم وعلى كل الأرض وعلى جميع الدبابات التي تدب على الأرض. فخلق الرب الإنسان على صورته، على صورة الرب خلقه، ذكراً وأنثى خلقهم. وباركهم الرب وقال لهم أثمروا وأكثروا واملأو الأرض واخضعوها وتسلطوا على سمك البحر وعلى كل حيوان يدب على الأرض. وقال الرب اني أعطيتكم كل بقل يبزر بزراً على وجه الأرض وكل شجر فيه ثمر شجر يبزر بزراً. لكم يكون طعاماً. وكل حيوان الأرض وكل طير السماء وكل دبابة على الأرض فيها نفس حية اعطيت عشباً أخضر طعاماً، وكان كذلك. ورأى الرب كل ما عمله فإذا هو حسن جداً وكان مساء وكان صباح يوماً سادساً.
الاصحاح الثاني: فأكملت السماوات والأرض وكل جندها. وفرغ الرب في اليوم السابع من عمله الذي عمل، فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل. وبارك الرب اليوم السابع وقدسه لأنه فيه استراح من جميع عمله الذي عمل الرب خالقاً. هذه مبادئ السماوات والأرض حين خلقت، يوم عمل الرب الإله الأرض والسماوات ، كل شجر البرية ولم يكن بعد في الأرض وكل عشب البرية لم ينبت بعد، لأن الرب الإله، لم يكن قد أمطر على الأرض، ولا كان انسان ليعمل على الأرض، ثم كان ضباب يطلع من الأرض ويسقي كل وجه الأرض. وجبل الرب آدم تراباً من الأرض ونفخ في أنفه نسمة الحياة فصار آدم نفساً حياً. وغرس الرب الإله جنة في عدن شرقاً ووضع هناك آدم الذي جبله. وانبت الرب الإله من الأرض كل شجرة شهية للنظر وجيدة للأكل، وشجرة الحياة في وسط الجنة وشجرة معرفة الخير والشر. وكان نهر يخرج من عدن ليسقي الجنة، ومن هناك ينقسم فيصير أربعة رؤوس. اسم الواحد فيشون، وهو المحيط بجميع أرض الحويلة حيث الذهب. وذهب تلك الأرض جيد، هناك المقل وحجر الجزع. واسم النهر الثاني جيحون وهو المحيط بجميع أرض كوش. واسم النهر الثالث حداقل، وهو الجاري شرقي آشور، والنهر الرابع الفرات. وأخذ الرب الآلهة آدم ووضعه في جنة عدن ليعملها ويحفظها.

ث‌- تناقضات النص:
يظهر النص التوراتي تناقداً بارزاً في عرض الأحداث. ففي البدء يخلق الرب السماوات والأرض. ثم نجده يخلقهما مرة ثانية بفصل المياه من بعضها. ومرة نجده يخلق البشر دفعة واحدة وفي المرة الثانية يخلقهم بدءاً من زوجين، ذكراً وانثى.
يعود هذا التناقض في النص إلى امتزاج قصتين للخلق. الأولى تظهر باسم يهوه والثانية باسم ايلوهيم. ويعتقد العلماء بأن القصة الخاصة بيهوه كتبت في يهوذا والقصة الخاصة بايلوهيم كتبت في افرايم. وإن هذه وتلك قد امتزجتا بقصة واحدة بعد سقوط السامرة.
وإذا حللنا رواية التكوين استطعنا تمييز الروايتين وفق العرض التالي:

- النص اليهودي:
1- الحالة الأولى للكون، عماء مائي.
2- يعزى الخلق إلى يهوى الذي قام به في ستة أيام منفصلة، في كل يوم عمل.
3- تتسلسل مراحل الخلق وفق التالي:
- النور
- السماء
- اليابسة
- الزرع
- الأجرام السماوية
- الأسماك والطيور
- الحيوانات والبشر رجالاً ونساء.

- النص الالوهيمي:
1- الحالة الأولى للكون خفر وخراب لا حياة فيه ولا زرع ولا ماء.
2- يعزى الخلق إلى ايلوهيم، دون أن تقسيم زمني.
3- تتسلسل مراحل الخلق وفق التالي
- الإنسان، آدم من التراب
- جنة في شرق عدن
- الأشجار من كل نوع بما فيها شجرة المعرفة
- الحيوانات والوحوش والطيور (لا ذكر للأسماك)
- المرأة تخلق من رجل.

كان يعدّ سفر التكوين التوراتي نصاً أصيلاً من ابتداع اليهود وعبقريتهم. ولكن يعد الكشف عن آثار مكتبة آشور بانيبال منذ نهاية القرن التاسع عشر كان لهذه الأصالة حديث آخر، وهذا ما سوف نستعرضه في الفصل التالي.

الجذور

يقول موسى مطلق إبراهيم: "لقد اختلفت المداخل الدراسية إلى التوراة باختلاف الدارسين، وما أكثرهم، فمنهم من دخل إليها من طريق الإيمان، فجاءت دراسته تكريساً لما فيها من الأساطير والحكايات التاريخية […] ومنهم من دخل إليها من طريق الفرضية التاريخية، مقابلاً إياها على طريق الشرق الأدنى القديم، فتناقض مع الإيمان. ومنهم من دخل إليها من طريق الحفريات الأثرية، فتناقض مع الإيمان ومع الفرضية التاريخية. وإذ ولعلّ أن أكثر ما يغري طبعنا العلمي الذي لا يرويه إلا البيانات الحقيقية عن أمور حدثت في المضي، فالاكتشافات الأركيولوجية هي الطريق الوحيد إلى الحقيقة ولو كانت الكلفة هدم صروح الإيمان الخيالية.
أجمع معظم الباحثون في الأساطير السورية والتوراة بعد اطلاعهم على كنوز الحضارة السورية التي بدأت تظهر للنور في أواخر القرن التاسع عشر، على عدم فرادة معظم النصوص التوراتية ونكران حصرية إبداعية اليهود لها.
"هذه النصوص الميثولوحية (التكوين، الطوفان… في التوراة) لإما منقولة عن ميثولوجية بابل وكنعان بالنص الحرفي أو منقولة جزئياً أو محورة بشكل يتفق والمفاهيم اليهودية. وإن مؤرخي التوراة لم يكتفوا "بابتداء مروياتهم بالجد الأكبر للشعب العبراني فتوسعوا في قصة الإنسان ولخصوها مبتدئين بالخليقة، وأخذوا في ذلك موادهم من مصادر بابلية ، وقصارى القول، إن كتاب التوراة، وهو المأثرة الثقافية الوحيدة للشعب اليهودي، قد نشأ وتطور انطلاقاً من أرضية ثقافية سورية وبابلية ومصرية. وإن مسيرة الفكر العبراني في سعيه لبناء ديانة مستقلة، لم تتكلل بالنجاح إلا عن طريق استيعاب وتمثل الديانات السابقة، والآلهة القوية التي لم يستطع يهوه زحزحتها إلا باستعارتها لنفسه"
لعلّ من أبرز وجوه التشابه بين الأساطير السورية والأساطير المذكورة في التوراة تظهر جلياً بين أسطورة الخلق البابلية "الاينوما ايليش" وأسطورة الخلق التوراتية في شفر التكوين.

سوف نحاول الآن عرض نقاط التشابه بين الأسطورتين:

1- تقسيم الخلق على سبع مراحل :
تتقسم مراحل الخلق في الاينوما ايليش على سبع ألواح متتالية بينما نرى يهوه يخلق الكون على سبعة أيام . وذلك على الشكل التالي:

ألواح التكوين السبع أيام التكوين السبع
(الاينوما ايليش) (سفر التكوين)
1- العماء الأول، تعامة الماء المالح 1- الظلام يغلف المياه
وزوجها الماء الحلو. يحيط بهما الظلام وروح الرب يرف فوق المياه
2- النور يشع ويتولد من الآلهة 2- خلق النور
3- خلق السماء 3- خلق السماء
4- خلق الأرض 4- خلق الأرض
5- خلق الأجرام السماوية 5- خلق الأجرام السماوية
6- خلق الإنسان 6- خلق الإنسان
7- مردوخ ينتهي من الخلق 7- يهوه يستريح
والآلهة تحتفل به

2- طبيعة المبدأ الأول:
المبدأ الأول في كلا النصين هو المياه التي منها يتم كل عمليات الخلق.

عندما في الأعالي لم يكن هناك سماء، وكانت الأرض خربة خالية
وفي الأسفل لم يكن هناك أرض وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الرب
لم يكن من الآلهة سوى آبسو أبوهم فوق وجه المياه.
وممو، وتعامة التي حملت بهم جميعاً.
يمزجون أمواهم معاً.
3- الضوء قبل النجوم والأجرام السماوية المشعة:
تتحدث الاينوما ايليش عن وجود الأيام والليالي منذ عهد آبسو، كما أن مردوخ نفسه كان يشع بالنور. في المقابل يذكر الفصل الأول من سفر التكوين أن الرب خلق النور ليميز الليل من النهار قبل أن يخلق الأجرام المنيرة والنجوم والكواكب.

وفتح آبسو فمه قائلاَ لنعمامة بصوت مرتفع وقال الرب ليكون نور فكان نور
"لقد غدا سلوكهم مؤلماً لي في النهار لا أستطع ورأى الرب النور أنه حسن، وفصل
الراحة وفي الليل لا يحلو لي الرقاد[…] الرب بين النور والظلمة ودعا الرب
(عن مردوخ) مثله كنور عشرة آلهة معاً النور نهاراً والظلمة ليلاً.

4- خلق السماء:
يتفق النصان على أن السماء كانت نتيجة فصل المياه الأولى إلى قسمين. ففي النص البابلي يشطر مردوخ تعامة شطرين ويرفع أحدهما سماء، وفي النص التوراتي يفصل يهوه بين المياه التي تحت الجلد والتي فوقه سماء.

شقها نصفين (أي تعامة) فانفتحت كما الصدفة وفصل بين المياه التي تحت الجلد
رفع نصفها الأول وشكل منه السماء سقفاً. والمياه التي فوق الجلد، وكان ذلك.
ودعا الرب الجلد سماء.

5- خلق الأرض:

بعد أن فصل مردوخ تعامة وجعل من نصفها العلوي سماء يضع حراساً وعوارض لكي يمنع المياه العلوية من أن تتسرب وبفعل ذلك يتسنى لإبسو خلق الأرض. كما نرى يهوه يأمر بتجمع المياه في مكان واحد لتظهر اليابسة.

رفع نصفها الأول وشكل منه السماء سقفاً. وقال الرب لتتجمع المياه تحت
وضع تحته العوارض وأقام الحرس أمرهم السماء إلى مكان واحد، ولتظهر
بحراسة مائه فلا يتسرب […] اليابسة، ودعا الرب اليابسة
قاس الرب أبعاد الإبسو وأقام لنفسه نظيراً أرضاً.
له أسماه عيشارا (أي الأرض)
6- خلق الأجرام المنيرة:
بعد خلق السماء والأرض نرى يهوه كما مردوخ يخلقان الأجرام المضيئة وينظمان الزمان، النهار، والليل (…)

أوجد لكل (من الآلهة مثيله من النجوم […] وقال الرب لتكن أنوار في جلد
ثم أخرج القمر فسطع بنوره وأوكله الليل السماء لتنير على الأرض، وكان
[…] كذلك. فعمل الرب النورين العظيمين
بعد أن أوكل بالأيام شمش (الشمس) وفصل النور الأكبر لحكم النهار والنور
بين تخوم النهار وتخوم الليل. الأصغر لحكم الليل. والنجوم وجعلها
في جلد السماء لتنير على الأرض.

7- خلق الحيوانات والنبات:
بسبب الضرر الذي لحق بألواح الاينوما ايليش يعتقد العلماء بأن السطور التي تذكر خلق الحيوانات والنبات مذكورة ضمن الأجزاء المفقودة من اللوح الخامس. أما النص التوراتي فيتحدث عن خلق حيوانات في اليوم الخامس بينما نبات الأرض فلم يظهر إلا بظهور الإنسان.

8- خلق الإنسان:
يخلق الإنسان في الروايتين في المرحلة الأخيرة من الخلق. كما تتفق الروايتين على أهمية هذا العمل وعلى ألوهية الإنسان المخلوق.

سأخلق دماء وعظاماً (من دماء إله اسمه كينغو) فخلق الرب الإنسان على صورته
منها سأشكل "لالو" ويكون اسمه الإنسان […] على صورة الرب خلقه.
بعد أن قام أيا بخلق البشر […]
ذلك الفعل الذي يسمو عن الافهام.

9- الاستراحة بعد اتمام الخلق:
بعد أن أنهى مردوخ الخلق كما يهوه تظهر الأسطورتين حالة الطمأنينة والراحة عند كليهما.

وبعد أن أنهى كل تنظيم وقسم لكل من الآلهة وفرغ الرب في اليوم السابع من
نصيبه فتح الانوناكي فمهم وقالوا لسيدهم عمله الذي عمل، فاستراح في اليوم
مردوخ: "[…] سنبني لك هيكلاً مكاناً به السابع من جميع عمله الذي عمل.
نركن مساءً لنستريح […]".

نتساءل مذهولين بعد تفحص تلك وجوه التشابه بين أسطورة الخلق البابلية وأسطورة الخلق التوراتية عن أسباب هذه التشابهات. صحيح، ومما لا شك فيه، أن الهلال الخصيب كان الاطار الذي نضجت فيه تأملات الإنسان البدئية وتصوراته الدينية وأساطيره. لكن الشعب اليهودي لم يكن يوماً واحداً من هذه الشعوب المبدعة التي تفاعلت على أرض الخصب- سورية. يعود تاريخ تدوين الملحمة البابلية إلى تاريخ قديم، حدده دارسوها بحوالي 1800 سنة قبل الميلاد، أي قبل ولادة موسى بأربعة قرون. ولا شك أن أصولها ترجع إلى مصادر موغلة في القدم. أمّا التوراة العبرانية فقد دوّنت أقدم أسفارها وهي أسفار موسى الخمسة بعد العودة من الأسر البابلي في القرن الرابع أو الثالث قبل الميلاد. ولم يقر النص النهائي للتوراة إلا في القرن الأول قبل الميلاد. فمن ناحية الأسبقية التاريخية نرى أن الاينوما ايليش أوغل في الزمن من أسطورة الخلق التوراتية .
من ناحية أخرى، لا بد من الإشارة إلا أن اليهود قد سبوا مرتين إلى بابل. وقد قدم السبي لليهود فرصة للاضطلاع على آداب وديانات وأساطير ثقافة البابليين. ومن المعروف بأن المنتصر هو الذي ينشر ثقافته وليس العكس. كما أن اللغة البابلية قد شاعت في المنطقة وانتشرت غرباً حتى الساحل السوري، وشمالاً حتى آسيا الصغرى، وذلك منذ مطلع الألف الثاني قبل الميلاد. ولا يمكن انتشار لغة من دون آدابها. وقد يكون هذا سبباً آخر لاضطلاع اليهود على الأساطير البابلية.
ليبدع شعب من الشعوب في أي مجال من المجالات لا بد له وأن يكون قد مر بأول الظروف المدينية الا وهي الاستقرار. كان اليهود رحلاً حيناً وعبيداً أحياناً. فكيف لشعب بدوي استعبدته الأمم العظيمة (سورية- الفراعنة) أن يصبح فجأة كاتب أعظم مآثر بشرية؟
خلاصة القول، إن أسطورة الخلق التوراتية لا يمكن اعتبارها قطعاً إبداعاً يهودياً صرفاً، كما أن اليهود لم يتركوا الأسطورة البابلية بعدها العالمي الذي تميزت به بل جعلوا منها معتقدات قبلية ضيقة لأنانية في نفوسهم تعشق الخلود على الأوراق واغتصاب الأراضي والعقول.
الخاتمة

نصل الآن إلى نهاية بحثنا وما زال سؤال يطرح عليّ بإلحاح: "كيف يمرّ حوالي عشرون قرن من الزمن من دون أن نكون على صلة مع كنوزنا الثقافية الأصيلة؟ كيف اختفت على امتداد هذه الفترة الزمنية هذه الأسطورة (الأينوما ايليش) ولم تحملها معها الذاكرة الجماعية ولو حتى كمأثرة شعرية؟ أهي اللغة؟! أم الدين؟؟! أم ماذا…؟!
يقول المؤرخ البريطاني هوبل: "إن أردت أن تلغي شعباً ما، تبدأ أولاً بشل ذاكرته، ثم تلغي كتبه وثقافته وتاريخه. ثم يكتب له طرف آخر كتباً وثقافة أخرى، ويخترع تاريخاً آخر. عندئذ ينسى هذا الشعب من كان وماذا كان وينساه العالم". ولعلّ هذه النظرية هي التي طبقت على شعبنا وثقافتنا وحضارتنا، لأن التاريخ لا يكتب إلا بأيدي المنتصرين. من الفرس إلى اليونانيين إلى الرومانيين… إلى العثمانيين… وكل منتصر يحفر في ترابنا تاريخاً من صنع رماحه.
فعلى سبيل المثال قد صدر أمر من "ايزوبيو" أسقف القيصرية وأحد آباء الكنيسة بإتلاف كتاب المؤرخ البابلي برعوشا "تاريخ بابل وآشور". كما أحرق كتب المؤرخ الفينيقي سنكونياتن وكتب فيلون الجبيلي وبعض كتابات برفير، كما دمر الاكليروس البيزنطي هيكلاً لعشتار وأدونيس بالقرب من مغارة أفقا في لبنان…
أما فيما يخص أساطيرنا العريقة (كاينوما ايليش وغيرها) فهناك قولاً للبطريرك السرياني أفرام الأول برصوم في كتابه "اللؤلؤ المنثور في تاريخ العلوم والآداب السريانية" يخبرنا بنهايتها على مذابح الدين الحنيف. "وكان جدودنا حين اعتناقهم الدين المسيحي المبين وتذوقهم حلاوته، قد ضحوا في سبيله بأغلى ما عندهم، فأحرقوا كل الكتب والآثار المدنية والعلمية، خشية أن توقع معالمها الوثنية أحفادهم في شراك التوثن".
وبالفعل لقد ضحى أجدادنا "بأغلى ما عندهم"، فأصبحت التوراة "العهد القديم" مدرسة الخُلق والقيم الجديدة حيث تعاشر البنات آباءها ويتوق يهوه إلى دماء الأطفال وتصبح امرأة النبي عشيقة الفرعون… ولن ننتهي من التعاليم النبيلة التي لن "توقع معالمها الوثنية أحفادنا في شراك الوثن".
ولكن ما دام في مجتمعنا صفوة المناقب الجديدة دائماً كالتي أتى بها يسوع الناصري- عهد جديد لن نفقد نفوسنا التي ما انفصلت عن جذورها ولن ينتصر سوى الخير والحق والجمال.
وها هي الحقيقة تظهر وتنجلي كل ادعاءات اليهود الباطلة مع الاكتشافات الأثرية لنجاهر قائلين مع المؤرخ نواف حردان: "إن إعلان حقنا بكنوزنا الثقافية الحضارية، الحافلة بالبذار الجيد والخمير الصالح والغنى والخصب والعطاء واستعادتها هما دفاع عن النفس عادل ومشروع وواجب علمي ثقافي قومي في وقت واحد".
وختاماً واجب علينا تخليص النقاط الأساسية من بحثنا في ما يلي:
أولاً- الاينوماايليش هي أسطورة أبدعها الوجدان الإنساني الجماعي الذي تفاعل مع محيطه وبيئته.
ثانياً- بالرغم من الأسلوب الشعري والماورائي الذي تميزت به أسطورة الخلق البابلية فهي نابعة عن نظرة علمية للكون ونشوئه.
ثالثاً- تشكل الاينوما ايليش تصوراً تاريخياً، اجتماعياً، سياسياً. الأول بالتكلم، وإن بطريقة غير مباشرة، عن انتقال البشرية من مرحلة الثقافة الأمومية إلى مرحلة الثقافة الأبوية. والثاني يندمج مع الثالث بالتزامن مع تاريخ تأسيس الامبراطورية البابلية الأولى ومما استلزمته هذه الخطوة من توحيد اجتماعي وسياسي تحت راية إله واحد: مردوخ.
رابعاً-إن النص التوراتي لأسطورة الخلق وبالرغم من عدم أصالته فهو يتمتع بصياغة متينة واضحة ولعل ذلك يعود سببه لعمليات الترجمة المتكررة التي رافقت النص وللفترة الزمنية التي تقف بينه وبين النص البابلي.
خامساً-على عكس الاينوما ايليش، تتناقض تركيبة وتسلسل عمليات الخلق في الأسطورة التوراتية.
سادساً-أسطورة الخلق التوراتية، على عكس ما يعتقده البعض هي ليست إبداعاً يهودياً وإنما فكراً رفيع المستوى أبدعه وجدان إنساني جماعي عرف التمدن والحضارة وليس الترحال والاستعباد.
وأخيراً، نأمل أن العقل قد وفقنا في بحثنا هذا، وأفضل الخاتمات قولاً كان من الواجب أن نبدأ به لفراس السواح الذي كانت كتبه نبعاً لا ينبض لمساهمتنا في هذا البحث: "إن الفكر الإنساني في وثبته الدائمة لا يقف عند إطار، ولا يهدأ في مستقر يطمئن إليه، أو يركن لمعرفة يظنها مطلقة لا يأتيها بباطل".
المراجع

1- أنطون سعادة: نشوء الأمم. الكتاب الأول، دار الركن، بيروت.
2- أسد الأشقر: تاريخ سورية. الجزء الأول/ الطبعة الأولى 1978
3- فراس السواح: مغامرة العقل الأولى/ دار علاء الدين. الطبعة الثالثة عشرة 2002
4- فراس السواح: الأسطورة والمعنى/ دار علاء الدين. الطبعة الثانية 2001
5- فراس السواح: الحدث التوراتي والشرق الأدنى القديم/ دار علاء الدين. الطبعة الرابعة 1999
6- فراس السواح: لغز عشتار/ دار علاء الدين. الطبعة الثامنة 2002
7- موسى مطلق ابراهيم: وعد التوراة من ابرام إلى هرتزل/ دار أمواج. الطبعة الثانية 2001
8- نواف حردان: صانعو تراثنا الثقافي الحضاري/ دار الحداثة. الطبعة الأولى 1996
9- خزعل الماجدي: إنجيل بابل، الأهلية الطبعة الأولى لبنان 1998
10- ول وايريل ديورنت: قصة الحضارة، الشرق الأدنى/ الجزء الثاني من المجلد الأول/ دار الجيل.
11- د. وديع بشور: الميثولوجيا السوريّة، أساطير آرام/ مؤسسة فكر للابحاث والنشر. الطبعة الأولى 1981
12- د. وديع بشور: ايبلا… منعطف التاريخ/مقالة في مجلة "اتجاه". العدد السابع السنة الثانية. تشرين الثاني/كانون الأول 1997 ص 23
13- Voltaire: Essai sur les moeurs. Tome I. Edition de R. Pomeau

إضافة تعليق جديد