الغراء الذي يربط مكوناتنا معا(*)

 

منذ عقود، عرف الفيزيائيون أن الجسيمات المسمّاة گليونات (1) هي التي تحافظ
على البروتونات والنترونات صحيحة - ومن ثَمَّ تُبقي الكون متماسكا بعضه
ببعض. ومع ذلك، تبقى تفاصيل أداء الگليونات لعملها غامضة غموضا مذهلا.

<R. إنت> - <T. أورليخ> - <R. ڤينوجوپالان>

 

باختصار

   إن المادة التي تكوّن عالمنا مصنوعة بشكل أساسي من جسيمات تدعى كواركات quarks يرتبط بعضها ببعض بجسيمات غروية، المسماة تسمية مناسبة گليونات gluons. وقام الفيزيائيون بخطوات واسعة لفهم عمل الكواركات والگليونات، لكنه بقيت بضعة ألغاز محيرة تحتاج إلى حل.

   فمن غير الواضح مثلا كيف تسهم الكواركات والگليونات في كتلة البروتونات والنترونات في الذرات، أو كيف تعطي هذه الجسيمات سپيناتها. ويبدو أن للكواركات والگليونات شحنة «لونية» غريبة، مع أن البروتونات والنترونات لا تمتلك أي لون.

   ويحتاج الفيزيائيون إلى مساعدة تجارب مستقبلية تكشف النقاب عن تفاصيل دقيقة لقوالب بناء المادة بغية فهم تآثر الكواركات والگليونات فهما أفضل.

 

 

 

اعتقد الإغريق القدامى أن الذرات هي أصغر مكونات المادة في الكون. ولكن في القرن العشرين تمكن العلماء من فلق الذرة، منتجين مكونات أصغر: بروتونات protons ونترونات neutrons وإلكترونات electrons. وبعد ذلك تبين أن البروتونات والنترونات بدورها تتألف من جسيمات أصغر عرفت بالكواركات quarks، المرتبطة بعضها ببعض بواسطة جسيمات «لاصقة»، سمّيت على نحو ملائم، گليونات(١). وهذه الجسيمات، كما نعرفها في الوقت الراهن، هي جسيمات أساسية حقيقةً؛ ولكن حتى هذا التصور، فقد تبين أنه غير مكتمل.
 

وكشفت الطرائق التجريبية التي تنظر في أعماق البروتونات والنترونات عن أوركسترا سمفونية مخبأة فيها تماما؛ إذ يتكون كل جسيم منها من ثلاثة كواركات وأعداد متغيرة من الگليونات، إضافة إلى ما يسمى بحراً من الكواركات(2) - التي هي أزواج من الكواركات يصاحبها شركاؤها من المادة المضادة(3)، هي الكواركات المضادة، التي تظهر وتختفي باستمرار. وليست البروتونات والنترونات الجسيمات الوحيدة المكونة من الكواركات في الكون, فقد استحدثت تجارب المسرعات خلال نصف القرن المنصرم حشدا من جسيمات أخرى تحتوي على كواركات وكواركات مضادة تسمى معا، إضافة إلى البروتونات والنترونات، هادرونات hadrons.
 

وعلى الرغم من هذا التعمق كله - مع فهم جيد لكيفية تفاعل الكواركات والگليونات فرادى بعضها مع بعض - لا يستطيع الفيزيائيون، لسوء حظهم، تفسير كيف تولد الكواركات والگليونات الطيف الواسع من خصائص وسلوكيات البروتونات والنترونات وسائر الهادرونات الأخرى تفسيرا كاملا. فعلى سبيل المثال، إن مجموع كتل الكواركات والگليونات داخل البروتونات لا يكفي لإعطاء كتلة البروتونات الكلية؛ مما يشكل لغزا حول منشأ هذه الكتلة المفقودة. إضافة إلى ذلك, فنحن نعجب لكيفية عمل الگليونات بالضبط في ربطها للكواركات في المقام الأول، ثم لماذا يعتمد هذا الربط، كما يبدو، على نوع خاص من الشحنات اللونية للكواركات. أيضا، فنحن لا ندرك كيف ينشأ دوران البروتون - وهو كمية قابلة للقياس تسمى سپيناً spin - من سپينات الكواركات والگليونات داخله، حيث يكمن اللغز في أن إضافة سپينات المكونات الصغيرة بعضها إلى بعض ببساطة لا تعطي قيمة سپين الكل.
 

وعندما يتمكن الفيزيائيون من الإجابة عن هذه الأسئلة، نكون قد بدأنا باستيعاب كيف تعمل المادة في أدنى مستوياتها الأساسية. فالتعرف على الألغاز الرئيسة المحيطة بالكواركات والگليونات، التي سنتناولها بالتفصيل أدناه، يمثل بحد ذاته الخطوة الأولى لتفسير فيزياء المادة في أدق مستوياتها. وينبغي للبحوث الجارية والمستقبلية، بما فيها الدراسات المتعلقة بالتراتيب(4) configurations المثيرة للكواركات والگليونات، أن تساعد على حل هذه الألغاز. ومع بعض الحظ سنتمكن قريبا من اختراق الضباب.
 

من أين نشأت كتلة البروتون؟(**)
 

يمثل لغز الكتلة أحد أكثر الأسئلة صعوبة التي تغيظ الفيزيائيين ويعلل سبب العمل على الكواركات والگليونات المحير. ونحن نمتلك تصورا جيدا حول منشأ كتلة الكواركات واللپتونات - وهي صنف من الجسيمات تشمل الإلكترونات. فكتلتها تنشأ عن آلية بوزون هيگز Higgs boson - الجسيم الذي حظي اكتشافه في مصادم الهادرونات الكبير (LHC)ا(5) في المختبر الأوروبي للبحوث النووية CERN بإثارة إعلامية عام 2012 - وعن حقل هيگز Higgs field المصاحب له الذي يعم الفضاء كله. فعند مرور الجسيمات عبر هذا الحقل تمنحها تآثراتها الكتلة. وغالبا ما يقال إن آلية هيگز هي المسؤولة عن تفسير منشأ الكتلة في الكون المرئي. إلا أن هذا القول غير صحيح؛ إذ إن كتل الكواركات تسهم فقط بـ 2% من كتلة البروتون والنترون على التوالي. ونرى أن منشأ النسبة المتبقية من الكتلة، 98%، يعود بالدرجة الأولى إلى فعل الگليونات. لكن الكيفية التي تساعد بها الگليونات على توليد كتلة البروتون والنترون غير واضحة نظرا لكون الگليونات نفسها عديمة الكتلة.
 

ويكمن مفتاح الحل لهذه المعضلة في معادلة <آينشتاين> المشهورة التي تربط بين كتلة الجسيم السكونية وطاقته. ويتبين لنا من عكس هذه المعادلة، أي من كتابة: m = E/c2، أن منشأ كتلة البروتون (m) السكونية هو الطاقة مقاسة بوحدة سرعة الضوء (c). ونظرا لكون طاقة البروتون تتأتى من الگليونات في معظمها، فإن المرء نظريا يحتاج إلى تقدير الطاقة الصافية للگليونات لحساب كتلة البروتون.
 

 

 

بيد أن حساب طاقة الگليونات أمر صعب، جزئيا لكون طاقتها الكلية ناشئة عن بضعة عوامل مساهمة. فطاقة جسيم حر (غير مرتبط بجسيمات أخرى) هي طاقة حركته. غير أن الكواركات والگليونات غالبا لا توجد إطلاقا بشكل منعزل. فهي تبقى حرة لأزمنة غير قابلة للتخيل في صغرها (أقل من 24-10×3 من الثانية)، قبل أن تتحد معا لتشكل جسيمات تحت ذرية(6) أخرى محجوبة عمليا عن الملاحظة. إضافة إلى ذلك، فإن طاقة الگليونات لا تتأتى فقط من الحركة وإنما هي وثيقة الصلة بالطاقة التي تسهم في الربط فيما بينها وبالكواركات لتشكل معا جسيمات ذات عمر أطول. ومن ثم، فإن حل لغز الكتلة يستلزم فهما أفضل لكيفية فعل الگليونات في ارتباطها. ولكن هنا أيضا تضع لنا الگليونات عقبات أمام حلنا للغز.
 

كيف تقوم الگليونات بالربط؟(***)
 

وفق أحد مستويات التعقيد، تبدو الإجابة عن السؤال المتعلق بكيفية ربط الگليونات سهلة: إنها تحسن استعمال القوة النووية الشديدة. إلا أن هذه القوة ذاتها محيرة.
 

فالقوة النووية الشديدة هي إحدى أربع قوى رئيسية موجودة في الطبيعة، إضافة إلى الجاذبية والكهرومغنطيسية والقوة النووية الضعيفة (والقوة الأخيرة هي المسؤولة عن التحلل(7) الإشعاعي). ومن بين هذه القوى الأربع هي القوة الأقوى (ومن هنا كانت تسميتها). وإضافة إلى كونها القوة المسؤولة عن ربط الكواركات معا لتكوين الهادرونات، فهي القوة المسؤولة عن ربط البروتونات والنترونات معا في النوى الذرية متغلبة على قوة التنافر الكهرومغنطيسية الهائلة بين البروتونات المتماثلة الشحنة داخل النوى. ويصاحب كل قوة من القوى الأربع الموجودة في الطبيعة جسيم يعرف بناقل القوة force carrier. تماما كما أن الفوتون the photon - الوحدة الأساسية للضوء - هو ناقل القوة الكهرومغنطيسية، فإن الگليون هو ناقل القوة الشديدة.
 

حتى الآن يبدو الأمر حسنا. غير أن للقوة الشديدة مسلكاً غريباً غير متوقع في بعض الأحوال. وبموجب الميكانيك الكمومي (ميكانيك الكم) quantum mechanics، فإن مدى مفعول قوة ما يتناسب عكسيا مع كتلة ناقل القوة. فالقوة الكهرومغنطيسية، على سبيل المثال، لها مدى لامتناهٍ؛ فإلكترون حر على الأرض سيعاني، من حيث المبدأ، قوةَ تنافر ضئيلة بتأثير إلكترون في الجانب الآخر للقمر. لذلك، فإن الفوتون، وهو ناقل القوة بين الإلكترونين، سيكون عديم الكتلة. وعلى النقيض من ذلك، فإن مدى تأثير القوة الشديدة لا يتعدى نوى الذرات؛ مما يعني أن كتلة الگليونات ستكون كبيرة جدا. ولكن الگليونات تبدو كما لو أنها عديمة الكتلة.
 

وللقوة الشديدة أيضا سلوك غريب آخر، حيث إنها تربط الكواركات بقوة أكبر كلما زادت المسافة بينها. وبالمقابل، فإن القوة الكهرومغنطيسية المؤثرة بين مغنطيسين تكون أقوى كلما قلّت المسافة بينهما، وتضعف مع زيادة المسافة بينهما. وقد لاحظ الفيزيائيون الكواركات لأول مرة في ستينات القرن العشرين وذلك من خلال تجارب، أجريت في مركز مسرع ستانفورد الخطي (يعرف الآن باسم مختبر مسرع سلاك SLAC القومي)، تتناول صدم إلكترونات عالية الطاقة بأهداف من البروتونات. وفي بعض الأحوال لوحظ أن الإلكترونات تمر عابرة مباشرة، بينما لوحظ في حالات أخرى أن الإلكترونات تصطدم بشيء صلب وترتد إلى الخلف. وقد كشفت سرعة ارتداد الإلكترونات واتجاهها عن وجود كواركات داخل البروتونات، وكشفت كذلك عن ترتيب(8) هذه الكواركات. وبينت تجارب التشتت العميقة (DIS)ا(9) هذه أن قوة تأثير الكواركات في بعضها البعض تكون ضعيفة عند المسافات القصيرة الفاصلة بينها، بينما لاتظهر كواركات حرة؛ ما يعني وجود قوة جر كبيرة فيما بينها عند المسافات الكبيرة.
 

لتقريب كيفية عمل القوة الشديدة إلى الذهن، نتخيل كواركين مرتبطين ببعضهما بأوتار مرنة. فعندما يكونان قريبين من بعضهما البعض يرتخي الوتر ولا يظهر تأثير توتر فيهما. بينما عندما يبتعد الكواركان عن بعضهما البعض، فإن قوة توتر الوتر تمسكهما معا. ويقابل مقدار القوة بين الكواركات ما يعادل وزن 16 طناً مترياً عند مسافة فاصلة بينهما في حدود قطر البروتون. ولكن، ماذا يحصل إذا أثرت قوة خارجية عكس اتجاه القوة المتبادلة بين الكواركات؟ ببساطة ينقطع الوتر. لكن، كيف يحصل انقطاع الوتر فهو لغز آخر لا نستطيع تفسيره بالكامل، وهو مركزي لقصة الكيفية التي يلصق الغراء الگليونات داخل النوى الذرية وليس خارجها.
 

لماذا لبعض الجسيمات ألوان؟(****)
 

في سبعينات القرن العشرين طور الفيزيائيون نظرية عرفت بالديناميكا اللونية الكمومية (QCD(10) تصف، رياضياتيا، القوة الشديدة. تماما مثل القوة الكهرومغنطيسية التي تتمحور حول شحنة الجسيم الكهربائية، فإن الديناميكا QCD تتمحور حول خاصية تعرف بشحنة لونية(11). ويساعد مفهوم اللون فعلا على توضيح السلوك المختلف للقوة الشديدة مقارنة بالقوة الكهرومغنطيسية، ولكنه في الوقت نفسه، يثير رهطاً من الألغاز الجديدة - مثل لماذا تمتلك بعض الجسيمات ألوانا بينما تفتقر إليها جسيمات أخرى، ومن ثمّ هل هي عمياء اللون.
 

وبموجب الديناميكا QCD، فإن الكواركات والگليونات تمتلك خاصية الشحنة اللونية. وتتبادل جميع الجسيمات الملونة التأثير بعضها في بعض بتبادل الگليونات؛ ما يعني أيضا أن تبادل الگليونات لا يقتصر على الكواركات وإنما تتبادلها أيضا فيما بينها. ويمثل هذا المضمون في الديناميكا QCD قفزة كبيرة مقارنة بالكهرومغنطيسية - فالفوتونات لا تتفاعل بعضها مع بعض كما هو مشاهد بالعيان عندما تتقاطع حزمتا ضوء في غرفة مغبرة. غير أن الفيزيائيين يرون أن لتفاعل الگليونات الذاتي علاقة سببية مركزية لضعف القوة الشديدة عند المسافات القصيرة بين الجسيمات الملونة. فالگليون يستطيع مؤقتا التحول إما إلى زوج كوارك وكوارك مضاد أو إلى زوج گليونات قبل أن يعود إلى گليون واحد. وبينما تجعل تقلبات الكواركات ومضاداتها قوة التفاعل بين الجسيمات الملونة أشد، فإن تقلبات أزواج الگليونات تؤدي إلى إضعاف قوة التفاعل هذه. ونتيجة سيادة اهتزازات الگليونات هذه في الديناميكا اللونية الكمومية على تبادل الكواركات تكون هي الرابحة. (حاز الفيزيائيون <J .D. گروس>، و <F. ويلزك> و <D .H. پوليتزر> على جائزة نوبل عام 2004 على هذا الاكتشاف.)
 

وخلال العقود التي تلت ظهور الديناميكا QCD أكدت التجارب التي أجريت في العالم كله هذه النظرية وما ينتج منها، وأنها أحد أركان نموذج الفيزياء المعياري(12). ومع ذلك تبقى تفاصيل عديدة محيرة في هذه النظرية. ومما يلفت النظر، على سبيل المثال، أنه على الرغم من أن البروتون يتألف من ثلاثة گليونات تمتلك، منفردة، أحد الألوان الثلاثة، لنقل أحمر، أو أخضر أو أزرق؛ فإن البروتون لا يمتلك شحنة لونية. وكذلك الأمر في حالة أحد الهادرونات المسمى الباي ميزون π meson (يعرف غالبا باسم پيون pion الذي يتألف من زوج كوارك وكوارك مضاد، فهذا الجسيم لا شحنة لونية له على الرغم من امتلاك مكوناته لها. وإن تعادل الشحنة اللونية للهادرونات يماثل تعادل الشحنات الكهربائية في حالة الذرات. ولكنه بينما تنعدم الشحنة الصافية في الذرات نتيجة محو شحنة البروتونات الموجبة بفعل الشحنة السالبة للإلكترونات، فإن كيفيةَ تعادل الشحنة اللونية للهادرونات نتيجة ضم الشحنات اللونية للكواروكات والگليونات أمرٌ غير واضح في نظرية الديناميكا QCD.
 

 

[قوالب بناء الطبيعة]

جسيمات أساسية(*****)

   إن جميع نوى الذرات في الكون تتضمن، بصورة رئيسية، فقط اثنين من الجسيمات الأساسية المعروفة: كواركات وگليونات. وتنتمي الگليونات إلى صنف من الجسيمات يسمى بوزونات bosons (في يمين الشكل)، والتي، باستثناء الجسيم هيگز the Higgs، تقوم بنقل قوى الطبيعة. فالگليونات تنقل أشد القوى - القوة الشديدة المسؤولة عن الربط بين الكواركات داخل البروتونات والنترونات. إضافة إلى البوزونات هناك النوع الآخر من الجسيمات الأساسية المعروفة في الكون المصنفة فرميونات (في يسار الشكل) التي تشمل اللپتونات Leptons، مثل الإلكترونات، والكواركات. وتوجد ستة أنواع من الكواركات، ولو أن نوعين منها فقط ذوي النكهتين flavors العلوي والسفلي - المكونين الرئيسيين للبروتونات والنترونات - موجودان بوفرة في الطبيعة.

 

 

 

وينبغي على نظرية الديناميكا QCD أن تفسر كذلك كيف تتغلب البروتونات والنترونات على التنافر الكهرومغنطيسي القوي بين البروتونات لتجعلها تتلاصق داخل الذرات. فعلى الرغم من بعض التقدم الذي حازته النظرية، إلا أن التوصل إلى الفيزياء النووية من الديناميكا QCD يبقى في موضع التحدي. ويرجع استمرار وجود هذا العائق إلى أن حل معادلات الديناميكا QCD هو بالغ الصعوبة عند المسافات الكبيرة، حيث تصبح القوة بين الكواركات والگليونات شديدة جدا. وكذلك نفتقر إلى برهان رياضياتي لتبيان ما يؤكد حصول حصر للگليونات الملونة والكواركات الملونة داخل الهادرونات عديمة اللون. إن الحصر(13) confinement مسألة تُقدر بمليون دولار - فهي أحد الألغاز الستة التي عينتها مؤسسة كلاي للرياضيات؛ فخصصت جائزة بمليون دولار لمن يقوم بحل أي منها.
 

لمَ لا تتضاعف الگليونات إلى الأبد؟(******)
 

نتيجة مثيرة من نتائج الديناميكا QCD، وهي أن عدد الگليونات والكواركات داخل البروتون المعروف، يمكن أن يتغير تغيرات مألوفة. وإضافة إلى الكواركات الثلاثة الأساسية، فإن أعدادا متغيرة من الگليونات تتطاير مثل فراشات النار، متناوبة الظهور والاختفاء من الوجود، وأزواج من الكواركات والكواركات المضادة تتشكل وتتحلل؛ والنتيجة رغوة كمومية من الجسيمات تظهر وتختفي. ويرى الفيزيائيون أنه عندما تصل البروتونات والنترونات سرعا عالية جدا تنفصم الگليونات داخل البروتونات إلى أزواج من الگليونات الجديدة، ولكل منها طاقة أقل بقليل من طاقة الگليونات الآباء المولدة لها. وبدورها، فإن الگليونات الوليدة تنتج گليونات وليدة أخرى بطاقات أقل أيضا. وانشطار الگليونات هذا يشبه ماكينة الفشار popcorn التي هي خارجة عن التحكم. وتتوقع النظرية أن تستمر عملية التشظي هذه إلى الأبد - مع أننا نعرف أن هذا لا يحصل.
 

 

[فيزياء نووية]

الإشكالات (التساؤلات)
المتعلقة بالكواركات والگليونات(*******
)

   يتضمن كل بروتون أو نترون داخل الذرة ثلاثة كواركات مرتبطة معا بالگليونات. وإضافة إلى الكواركات الرئيسة الثلاثة, فإن أزواجا من الكواركات ومقابلاتها من المادة المضادة تظهر وتختفي باستمرار، وكذلك الگليونات الشبحية التي تنشأ وتتلاشى؛ مما يشكل رغوة كمومية تغير المشهد داخل البروتونات والنترونات. وهذا الخليط يزيد من تعقيد عدد من الأسئلة الأساسية، مثل كيف تفسر الكواركات والگليونات نشأة الكتل والسپينات للجسيمات آبائها، وكيف تقوم الگليونات بالضبط بحصر الكواركات في أوضاع مستقرة. وتكمن إحدى الطرق التي يتبعها الفيزيائيون لحل هذه الإشكالات في اعتبار الخصائص النظرية وحتى محاولة إضفاء أوضاع غير معتادة للگليونات والكواركات.

   حالات غريبة مثيرة للمادة
   أوجد الفيزيائيون نظريا، وفي حالات قليلة، تركيبات غير معتادة من الكواركات والگليونات تتجاوز تلك المألوفة في البروتونات والنترونات. وهذه الحالات النادرة الغريبة تزودنا بفرص جديدة لدراسة التآثرات (التفاعلات) الممكن حدوثها بين الكواركات والگليونات - والتي بإمكانها المساهمة في حل بعض الألغاز الرئيسية للمادة.

   الكريات الگليونية وأضرابها
   تُظهر المحاكاة النظرية أنه بإمكان الكواركات والگليونات أن تتراكب لاستحداث جسيمات إلى جانب البروتونات والنترونات. فمن الممكن، على سبيل المثال، وجود جسيمات الكريات الگليونية التي تتألف من گليونات فقط (a)، أيضا من الممكن تشكل جسيمات هجينة عبارة عن حالات مرتبطة من الكواركات ومضاداتها والگليونات (b)، أو حالات رباعية الكواركات تتألف من كواركين مرتبطين بمضاديهما (c). وتتوافر الآن شواهد متزايدة على وجود رباعية الكواركات، ولو أن الكريات الگليونية والجسيمات الهجينة ما زالت تنتظر الاكتشاف.

   حالة مشبعة
   عند تسريع البروتونات والنترونات إلى سرع هائلة تبدأ الگليونات داخلها بالتكاثر. فعند السرع الكبيرة تزداد طاقة البروتونات؛ مما يؤدي إلى تشظي الگليونات إلى أزواج گليونية بنات كل منها بطاقة أقل من طاقة الگليونات الأصلية. والگليونات الوليدة، بدورها، تتشظى إلى گليونات وليدة أخرى بطاقات أقل أيضا. وفي نهاية المطاف يصل البروتون إلى الحد الذي لا يمكن بعده أن يتسع لمزيد من الگليونات، أي إلى حالة إشباع أو انشغال عظمى - وهي حالة نظرية تسمى كثافة زجاجية لونية(14
). وهناك مؤشرات قوية لوجود مثل هذه الحالة في مسرعات الجسيمات ولكنه لا يوجد برهان مؤكد حتى الآن.

   تقليد الكون الوليد (المبكر)
   عندما كان الكون فتيا كانت درجة الحرارة عالية إلى الحد الذي لا يسمح بتشكل الذرات أو حتى وجود البروتونات والنترونات في حالة مستقرة. عندئذ كانت الكواركات والگليونات تئز buzzed
بحرية كأسراب متدحرجة. وقد نجحت تجارب المسرعات الأرضية حديثا في الوصول إلى هذه الحالة، المسماة بلازما الكواركات والگليونات (الرسمة في الأسفل)، وذلك بسحق النوى الذرية معا عند سرعات تقارب سرعة الضوء. وبدراسة هذه البلازما خلال تبردها يستطيع الفيزيائيون أن يتعلموا ليس فقط ما يتعلق بسلوك الكواركات والگليونات وإنما أيضا بخصوص التطور المبكر لكوننا.

   البنية الذرية:
   وجهتا نظر
   الصورة الكلاسيكية للذرة تقرر أنها مؤلفة من إلكترونات تدور حول نواة مكونة من بروتونات ونترونات المكونة بدورها من ثلاثة كواركات لكل منهما. بيد أن الشكل في يمين الصفحة يبدي الرغوة الكمومية- وهي الصورة الأقرب للواقع والأكثر اضطرابا لما في داخل الجسيمات دون الذرية.

   يظهر إمعان النظر في بروتون أو نترون صورة حركية مستمرة. فإضافة إلى وجود الثلاثي الكواركي، يوجد بحر من الكواركات ومضاداتها المادية، والگليونات التي تظهر وتختفي من الوجود.

   قد يتأثر السپين الكلي لبروتون أو نترون (السهم) بالسپينات الفردية لمكوناته إضافة إلى حركته المدارية.
 

 

 

لو استمرت الگليونات بالإنجاب، لتطاير الغطاء عن ماكينة الفشار - وبكلام آخر سيصبح البروتون غير مستقر وسينهار. ونظرا لأن المادة مستقرة (فنحن موجودون)، فمن البيّن ضرورة وجود شيء يكبح جماح الإنتاج المستمر للگليونات ويوقف تسلسل الإنتاج - ولكن ما هو هذا الشيء؟ إحدى الأفكار المقترحة أن الطبيعة تمكنت من وضع إشارة للإشغال الأعظمي بحيث عندما يصبح عدد الگليونات كبيرا بحيث تتراكب بعدها الگليونات داخل البروتون. وسيسبب التآثر الذاتي المتبادل الشديد تنافرها والتحام الگليونات ذات الطاقة المنخفضة منتجة گليونات بطاقة أكبر. وعندما يقل النمو في عدد الگليونات، تصل الگليونات إلى حالة مستقرة بين التشظي والاتحاد تعرف بتشبع الگليونات(16)؛ مما يجعل ماكينة الفشار تحت السيطرة.
 

إن تخمين حالة الگليونات المشبعة، التي غالبا ما تعرف بكثافة زجاجية لونية color glass condensate، هي جوهر منقى لبعض أقوى القوى في الكون. ونحن نمتلك، حتى الآن، مجرد إشارات لوجود هذه الكثافة، وخصائصها غير مفهومة بالكامل. ويستطيع الفيزيائيون دراسة الگليونات في أكثف حالاتها بسبر أغوار هذه الحالة بتجارب التشتت العميقة الأقوى من مثيلاتها المتاحة حاليا. فهل حقل القوة الذي يحدد عدد الگليونات في الكثافة الزجاجية اللونية هو نفسه حقل الحصر نفسه الذي يربط البروتونات أصلا؟ وإذا كان الأمر كذلك، فإن بالإمكان الحصول على تصور جديد لكيفية توليد الگليونات لهذا الحقل من ملاحظة الحقل ذاته في سياقات مختلفة.
 

ما منشأ خاصية السپين للبروتونات؟(********)
 

يبقى فوق ذلك اللغز المتعلق بكيفية مساهمة سپينات الكواركات والگليونات في سپينات الجسيمات الآباء(17) الكلية. إذ إن لجميع الهادرونات سپيناً يشبه الطاقة الدورانية لبلبل(18) يغزل حول محوره. وتغزل الهادرونات ذات السپينات المختلفة وتبادر وتلف باتجاهات مختلفة في حال وجودها في حقول مغانط قوية.
 

يمكن أن يتغير عدد الگليونات والكواركات داخل البروتون المألوف تغيرات واسعة.

 

 

وتبين التجارب التي تسبر سپين بروتون أن الكواركات تسهم في 30% من السپين الكلي. إذن، ما منشأ باقي سپين الهادرونات؟ إن صورة الجسيمات المتعددة للبروتون كبحر مائج من الكواركات والگليونات تفضي إلى القول مباشرة إن منشأ الكمية المتبقية من السپين هو گليونات. بيد أن تجارب صدم البروتونات المستقطبة (حيث يكون سپينها إما باتجاه حركتها أو عكس ذلك) ببروتونات مستقطبة أخرى تبين أن مساهمة سپينات الگليونات في سپين البروتون هي قرابة 20% فقط - مما يعني أن نحو 50% من السپين مازال مفقودا.
 

ويوضح شبيه سماوي حلا ممكنا. إن الزخم(19) الزاوي للمنظومة الشمسية عبارة عن مجموع سپينات الكواكب حول محاورها(سپينها) إضافة إلى حركاتها المدارية حول الشمس. وبالمثل، فإن للكواركات والكواركات المضادة والگليونات المحصورة داخل البروتونات حركةً مدارية أيضا. ولفهم أهمية الحركة المدارية هذه ينبغي تصور سرعات ومواضع الكواركات والگليونات داخل البروتون. ويشترك أحدنا (<إنت>) في إجراء التجارب DIS باستخدام حزم إلكترونية بطاقات عالية جدا لاختبار هذا التصور. أي إننا، من حيث التفصيل, ننتقل من أخذ لقطات فوتوغرافية إلى فيلم سينمائي ثلاثي الأبعاد للمادة في أدنى أبعادها الذي يصل إلى أجزاء من الفيمتومتر (أقل من كوادريليون من المتر).
 

حالات غريبة مثيرة للمادة(*********)
 

حتى نفهم طبيعة تآثرات ( تفاعلات) الكواركات والگليونات الفعلية، فلا بد من دراستها في تراتيب ممكنة مختلفة عن التراتيب المألوفة في البروتونات والنترونات والجسيمات الأخرى المعروفة جيدا. فالديناميكا QCD تسمح بوجود حالات هادرونية غريبة إضافة إلى حالات البروتونات والنترونات المألوفة. فعملية المحاكاة simulation تفسح المجال لوجود هادرونات عديمة اللون أخرى، كالكرات الگليونية (التي تحوي گليونات فقط)، و «كجزيئات» تتألف من زوجين من الكوارك والكوارك المضاد أو وجود كينونات هجينة تصنف تحت مسمى حالات مرتبطة من الكواركات ومضاداتها والگليونات(20). بيد أن الشواهد التجريبية لمثل هذه الهادرونات الغريبة محدودة، باستثناء شواهد مرشحة لجزيئات رباعية الكوارك قليلة حتى الآن. إلا أن هذا الوضع قد يتغير بشكل كبير بفضل عدد من محاولات البحث التجريبية التي تُجرى في بقاع مختلفة من العالم. وعلى وجه الخصوص، في تلك المنشأة المسماة GlueX التي بدأت عملها في مسرع مختبر ثوماس جيفيرسون القومي في نيوبورت.
 

حديثا اكتشف الفيزيائيون حالة غريبة أخرى للمادة تعرف بـبلازما الكوارك-الگليون(21). وتتشكل هذه الحالة عندما تتصادم النوى الذرية بسرعات قريبة من سرعة الضوء. ويخمن الفيزيائيون النظريون أنه عندما تصطدم البروتونات والنترونات ذوات السرعات الهائلة للنواتين المتصادمتين ببعضهما البعض، فإن كثافتيهما الزجاجيتين اللونيتين تتطايران، كاسرة بذلك حالة الحصر للكواركات والگليونات ومطلقة طاقة الكثافة لتولد سربا هائجا من الكواركات والگليونات. وهذه البلازما هي أسخن مادة تم استحداثها على الأرض، بدرجة حرارة تزيد على أربعة تريليونات درجة سلزية. والشيء المثير للدهشة أن هذه المادة تسري دونما مقاومة تذكر - فمقاومتها على الأقل أقل بعشرين مرة من المقاومة التي يسري بها الماء.
 

وتحمل بلازما الكوارك-الگليون شبها قويا للكون في بدايته. ويلاحظ العلماء العاملون في المختبرات التي تم استحداث هذه البلازما بها - مختبر بروكهاڤن القومي لمصادم الأيونات الثقيلة النسبوي والمصادم LHC في المختبر الأوروبي للبحوث النووية CERN - أنها الآن أصغر الموائع وأكثرها اكتمالا في العالم. وبمراقبة مثل هذه البلازما خلال تبردها تمكن اثنان منا (<أولرخ> و<ڤينوجوپالان>) وآخرون من التوصل إلى تصور لكيفية تطور الكون. وبهندسة تحطيم البروتونات والنترونات لتنتج بلازما بهذه الطريقة, يستطيع الباحثون دراسة عملية حصر الكواركات والگليونات بشكل معكوس آملين بكشف اللغز المتعلق بكيفية ارتباط الكواركات والگليونات بعضها ببعض.
 

طريق إلى الأمام(**********)
 

بصورة مثالية، يودّ الفيزيائيون عمل خرائط تبين مواضع، وحركات وسپين الگليونات والكواركات داخل البروتونات والنترونات. وستساعدنا مثل هذه الخرائط على حساب مساهمات الكواركات والگليونات في كتل جسيمات آبائهم الكلية وسپيناتها. ومثل هذه الخرائط ستزودنا بنظرة متعمقة غير مسبوقة بخصوص نشاط الكواركات والگليونات في الربط بين البروتونات والنترونات معا. وتركيب هذه الصور يستلزم وجود فيمتوسكوب femtoscope - وهو عبارة عن آلة تشتت(22) غير مرن وعميق مماثل للمجهر (للميكروسكوب) microscope الذي يستشف ما في داخل الكون عند مقاسات تبلغ جزءا من الألف من نصف قطر البروتون. وينشد مختبرا جيفيرسون وبروكهاڤن في الولايات المتحدة التمويل والموافقة على مشروع فيمتوسكوب يقوم بمصادمة إلكترونات ببروتونات مستقطبة وبنوى الرصاص. وعلى نقيض التجارب السابقة، التي قامت بصدم الإلكترونات السريعة بأهداف نووية ساكنة، فإن كلا النوعين من الجسيمات سيتسارع إلى سرعات قريبة من سرعة الضوء قبل تصادمها تصادما رأسيا في هذه الآلة.
 

إن مشروع مصادم الإلكترونات والأيونات (EIC(23) سيؤدي إلى الحصول على مستويات في الشدة لا مثيل لها، وهذا يعني أن الجسيمات في الحزم المتصادمة ستكون مكدسة معا والأعداد ستكون من الكبر؛ بحيث إن الارتطامات تحصل بمعدلات وتكرارات أكبر مما كانت عليه الحال حتى الآن. وزيادة معدل حدوث الارتطامات إلى 1000 ضعف مما كان عليه الأمر في المصادم DIS السابق، سيتيح للباحثين الحصول على العديد من اللقطات الفوتوغرافية المنفردة لما في داخل البروتونات والنترونات.
 

لقد تمكن الفيزيائيون منذ صياغة الديناميكا QCD على مدى الأربعة عقود الماضية، من تحقيق قفزات في تفسير سبب سلوك القوة الشديدة(24) المعروف، ومن فهم أين توجد الفجوات المتعلقة بديناميكا الكواركات والگليونات. ومع ذلك، لم نتمكن من ملء القطع المفقودة اللازمة لصياغة قصة مترابطة وبسيطة لتبيان كيف تقوم الگليونات بالربط. وتغذي أنواع التقانات التي نقوم بتطويرها حاليا آمالنا بفك اللغز بعد مرور أربعين سنة أخرى، وفي النهاية سنحطم اللغز الرئيس المتعلق بكيفية تكوين المادة في أدق مستوياتها.

 


 


  مراجع للاستزادة

 

Reliable Perturbative Results for Strong Interactions? H. David Politzer in Physical Review Letters, Vol. 30, No. 26, pages 1346–1349; June 25, 1973.
Ultraviolet Behavior of Non-Abelian Gauge Theories. David J. Gross and Frank Wilczek in Physical Review Letters, Vol. 30, No. 26, pages 1343–1346; June 25, 1973.
 


(*)THE GLUE THAT BINDS US

(**)WHERE DOES PROTON MASS COME FROM?

(***)HOW DO GLUONS BIND?

(****)WHY DO SOME PARTICLES HAVE COLORS?
(*****)Fundamental Particles

(******)WHY DO GLUONS NOT MULTIPLY FOREVER?

(*******)The Quandaries of Quarks and Gluons

(********)WHERE DOES PROTON SPIN COME FROM?

(*********)EXOTIC STATES OF MATTER

(**********)THE WAY FORWARD

 


(1) الگليونات مفردها گليون وهي كلمة مُعرَّبة منحوتة عن أصلها الإنكليزي گلو Glue ومعناها الغراء أو الصمغ.

(2) sea quarks

(3) antimatter

(4) أو: تشكيلات.

(5) the Large Hadron Collider، [انظر: «تناظر فائق والأزمة في الفيزياء»، مجلة العلوم، العددان 1/2 (2015)، صفحة 68]

(6) subatomic

(7) أو: التفكك.

(8) arrangement؛ أو: تشكيل.

(9) deeply inelastic scattering

(10) quantum chromodynamics

(11) color charge

(12) the standard model of physics

(13) أو: التقييد.

(14) color glass condensate

(15) quantum foam

(16) gluon saturation

(17) parent particles

(18) أو: خذروف.

(19) أو: الاندفاع.

(20) quark-antiquark-gloun-bound states

(21) quark-gluon plasma

(22) tool akin

(23) the electron-ion collider

(24) the strong force

 

إضافة تعليق جديد