المحطة: ونضوج اللغة الدرامية

المحطة قصة ارض تزرع فيها البطاطا تصبح فجأة محطة قطارات۔۔۔
سعد وزوجته يزرعان البطاطا في ارضهما ككل موسم وهما يغنيان بسعادة۔
تصل وردة، وهي فتاة غريبة وتسأل: وصل الترين؟ فيتعجبب سعدو وكذلك زوجته: ايا ترين: وتبدأ القصة – البنت تصر على ان هذه البقعة من الارض هي محطة ترين، والزوجان يضحكان ويتهمانها بالجنون۔
وتروح القضية تتفاعل۔ ويصل الخبر الى رئيس البلدية واستاذ المدرسة والبوليس الذين يحضرون لاستطلاع الخبر ويبدون استغرابهم من قصة البنت ويتهمونها بانها انما تبث هذه الفكرة من اجل البلبلة والتشويش۔
لكن هناك من اختبأ ورأ القصة وراح يستغلها، وهو الحرامي، الذي صار يبيع تذاكرسفر مزورة للناس۔۔ بينما يعتقد البعض ان المحطة اشاعة غايتها رفع سعر الاراضي في المنطقة۔ وتتشابك الخيوط۔ هناك من يصدق وهناك من لا يصدق، فيقرر رئيس البلدية الاستعانة بضارب مندل ليستحضر الجان ويسألها عن صحة هذه المسألة، لكن لم يهم احد ماذا قالت الجان، وفي النهاية يصدق رئيس البلدية نفسه ويفتتح المحطة باحتفال رسمي۔
ويبدأ الناس بالاستعداد للسفر، وكلهم اشتروا تذاكر، وفي الفصل الثاني نراهم ينتظرون ويكاد اليأس يدخل نفوسهم من طول الانتظار۔ لكن وردة تمهلهم دائما وتعهدم بان الترين سيصل، وتبدأ ثورة الناس واحتجاجاتهم،وفي هذه اللحظة يصل التران ويصعد اليه المسافرون جميعا ما عدا وردة التي لم تحصل على تذكرة وبقيت وحيدة على ارض المحطة التي خلقتاه۔
هذه المسرحية تمثل من حيث صناعتا وتركيب مشاهدها وحبكتها النموذج الاكثر نضوجا لتلك المرحلة في المسرح الرحباني، من حيث هي لا تترك ثغرات كتابية توقع العمل في شيء من الارتباك كما في بعض الاعمال الاخرى، وخاصة الاعمال التي جاءت بعدها۔
بمعنى اخر، تبدو مشاهدها مشدودة الى بعضها تسير في تصاعدية مضبوطة، ولم تخرج المشاهد الصغيرة الجانبية التي فيها عن خط سيرا۔ في لغتها غني وكأنها حصيلة تجارب سابقة، وهي كذلك – استفادت من مختلف الاساليب التي مر بها المسرح الرحباني۔ ففيها لمحات واقعية كما فيها لمحات رمزية وكذلك عبثية من حيث موضوعها بشكل خاص۔
وان تعدد هذه اللغات لا يعني ان الاخوين رحباني كانا حتى تلك الفترة ما يزالان يفتشان عن لغة موحدة خاص بهما او عن هوية ادبية وفنية، بل ان اللغة كانت قد تحددت بوضوح، وتتمثل في دمج الواقعي بالرمزي بالعبثي وفي وصل المناخ الريفي بالمناخ المديني وفي مزج السياسية بالايمان والخير بالشر والتاريخي بالمتخيل وفي خلق اناس يمثلون مختلف الميول والنزعات والنماذج وكل هذا مربوط باحكام من نوع السهل الممتنع۔
وفي المحطة نجد كل ذلك۔ نجد المناخ القروي في حقلة البطاطا ونماذج المزارعين وفي سذاجة بعض اهل الريف وطيبة قلوبهم ونجد المناخ المديني في المظاهرات وهدير القطار۔ ونجد السياسة في الموقف ضد البلدية وفي مطالب الناس والايمان في الكثير من مشاهدها۔
انها مسرحية انتصار الحلم على الواقع ومسرحية القلق والايمان۔
انا جيت من السرقة وانت جيت من الحلم وهكذا يقول الحرامي لوردة۔۔۔ وردة اذن هي حلم الناس، هؤلاء الناس الذين اكلهم الضجر ورتابة الحياة۔ حتى العلاقة الزوجية فقدت بريقها وجوهرها الاساسي الذي هو الحب۔ المقعد الخشبي في حديقة البلدية ضجر هو الاخر لان احدا لا يجلس عليه كما تقول وردة۔ خيال الصحراا هو نموذج لكثيرين فقدوا دورهم في الحياة واصبحوا بدون مهمة۔ البلدية نخرها سوس الفساد، رشوة واهمال لشؤون المواطنين۔ لذلك راح هؤلاء يحتجون بقوة والحرامي هو دليل فقدان الامن۔
باختصار الحالة لم تعد تطاق في تلك المدينة او البلدة الغريبة۔ لذلك ظهرت بوادر الرغبة في تغيير هذا المناخ فكانت هذه المحطة التي هي من نسج خيال فتاة غريبة، وكان الوعد بمجيء قطار للسفر املا براقا بالنسبة لهؤلاء الناس، وارادوا ان يصدقوا بالرغم من تكذيب رئيس البلدية (رمز السلطة) واستاذ المدرسة (رمز العقل) فصدقوا جميعا وبدأوا يعدون العدة للذهاب۔ وقد بدأت بوادر الرغبة في الرحيل منذ البداية عندما علم ثلاثة من الاهالي فجاؤوا يغنون:
الثلاثة: قالوا في محطة جديدة
قلنا حلي المشوار
مدن بعيدة ورحل سعيدة
ولنا بالعالم دار
بدنا تذاكر بدنا تذاكر
صار لو زمان الناطر ناطر
وتتخايل وردة طريق السفر على هذا الشكل:
لما بتركض فينا الحفافي
والهدير بيمحي الصدى
ودخان الضجر والمسافي
بيجرح بياض المدى
بتغيب جبال بتطل جبال
من خلف سهول الغريبة
اذن السفر الى ارض غريبة، ومجهولة۔۔۔ حتى الان على الاقل
وتؤكد ذلك۔:
وردة: ولما بتطلو عا ارض جديدة
مندورة للعمر الهني
وفيات الطرقات السعيدة
غفيانة من مية سني۔۔۔
اين هي يا ترى تلك الارض الجديدة المندورة للعمر الهني؟ هل هي نموذج ارضي فيه كل مقومات الحياة السعيدة؟ ام هي نموذج سماوي يشبه الجنة التي تتخايل صورها في اذهان المؤمنين والمتفائلين؟
قد يكون هذا وذاك۔ ففي الحالة الاولى تكون دعوة للتفتيش عن وطن بديل، وطن وهمي مثالي غير محدد التفاصيل كما عند ارسطو والفارابي۔ وطن سعيد وكفى۔۔۔ وفي الحالة الثانية قد يكون في ذلك دعوة تنضح ولا شك من ايمان عميق بان السعادة الكبرى ليست في هذا العالم بل في جنة اعدت خصيصا لاهلها الصالحين۔ وعند الاخوين رحباني كل الناس صالحون في النهاية او هم مؤهلون للصلاح، ويمكنهم بمجهود بسط قائم على التفاهم والمحبة ان يمتلكوا الجنة، لذلك بشروا مسبقا اين جهنم؟ يمكن في جهنم بس ما فيها حدا كما يقول الوالي في صح النوم۔ هذه الفكرة برأيي تحمل مدلولات كثيرة اولاها انها نقض للاعتقاد الديني السائد في اعتبار ان الجحيم معد للخطأة والاشرار وان هؤلاءكثر، فان الجحيم اذن يعج بهم۔ في حين اننا نرى هنا انها خالية۔ وثانيها، انها دعوة الناس، صالحين واشرارا، بالا يفقدوا الامل بالخلاص والا اصبحت الحياة جحيما بحد ذاتها وبان الله مسامح غفور على الاقل لناسهم هم، للناس الذين يحملون هوية الجمهورية الرحبانية۔
لذلك ادرك هؤلاء الناس في المحطة وهم ناس رحبانيو الهوية اهمية دعوة الفتاة الموجهة اليهم وانساقوا الى عالم الحلم الذي انتصر على الواقع وعلى العلم، لذلك خاف استاذ المدرسة الذي: اذا اجا التران يهبط العلم بيقلبو وبتنخزق الكتب۔
وهم، اي هؤلاء الناس، كبشر، ضعاف يخضعون للتجربة فكان قلقهم من طول الانتظار وكان هذا الانتصار هو نوع من الضريبة فرض عليهم او هو مثل الصوم والزكاة يفرض على المؤمن قبل ولوج باب الخلاص۔۔۔
القلق والشعور بالذنب لدى وردة التي اخترعت قصة التران ناتج عن ارتجاج شخصي في الايمان مع انها جسدت في بعض المواقف تصرفات الانسان المؤمن بقوة، لذلك تبدو وكأنها تناقض نفسها او انها تمثل الفئة المؤمنة من الناس والفئة المشككة في ان فلم تعد تدري ماذا تفعل۔ لهذا السبب وقعت ضحية لعبتها وعندما ادركت خطورة هذه اللعبة انتابها قلق نفسي ووجداني عميق وانفصمت شخصيتها الى واقع صوورة اي الى ظاهر وباطن بقي الظاهر على المسرح وانعكس الباطن على الشاشة المواجهة ودار الحوار التالي:
وردة على الشاشة: يا وردة، بتعرفي ما في محطة، ليس ليش عذبت الناس يا وردة؟
ورة على المسرح: بس المحطة صارت واللي ناطر رح يوصل عا بيتو ما يبقى ناطر۔
الشاشة: وبتعرفي بهالسهل ما في ترين، ما في الا النسيان۔
المسرح: بعرف انو جايي طالع من برق حكاية محمي بهدير الدخان۔
الشاشة: ومرت سعدو سكنتها النار وصارت على سعدو تغار۔
المسرح: اذا كانوا الرجال قدرهن الغربة انا شو ذنبي؟
الشاشة: حلفتك ارجعي عابيتك ارجعي۔
۔۔۔ ارجعي وانطري قدام الباب! احلمي وسهري قدام الباب بتصير الدنيي هي تركض۔۔ والحجر والشجر يركص يركض۔
المسرح: اذا منسافر الدنيي بتوقف الحجربيوقف الشجر بيوقف۔
۔۔۔۔
المسرح: تعي نا ناسفر
الشاشة: انا ما بدي۔
المسرح: يا عيون الاحبة نسيني يا صورهن؟ لا تبكيني، اتركيني ويا وسع اطرقات امحيني۔
السينما: يا انا اللي انت ويا انت اللي انا، شو بنا منتلاقى شو بنا شو بنا۔۔۔
الشاشة: منتحاكى منتحاكى وما منتلاقى
يكن رح نتفاقر وهيك رحل نضل
السينما: وردة تبقى ووردة تفل
وردة تبقى ووردة تفل۔
هذا القلق الكياني الذي فصم الشخصية الى نصفين بدا وكأنه ضروري في وقت وصل القلق فيه الى الذروة۔ فمقولة امن بالحجر تبرأ قد صورت على شكل آمن بالقطار يحضر۔ اي المهم هو الايمان، فعندما لاقت وردة ذلك التجاوب خافت من ان تكون قد قامت بعمل غير صحيح يلقي عليها مسؤولية وجدانية۔ لكن كان قد فات الاوان وصفر القطار صفرته المدوية ونادى المعاون بصوت قوي وغامض: الركاب عاترين الشمال يتحضرو۔۔۔ تذاكركن بايديكن۔۔۔ امشو۔۔۔
لم يترك هذا الصوت الامر فرصة للتردد على كل حال هو لم يكن مفاجئا الناس بل التي فوجئت به هي وردة نفسها، وعندما تيقنت بان زخم الايمان الشعبي قد حول الحلم الى حقيقة ارادت ان نتتدارك الامر وتحصل على تذكرة، لكن كان قد فات الاوان وبقيت في السراب، في القلق، في السؤال۔۔۔

 

نبيل أبو مراد

إضافة تعليق جديد