بورباكي، الحلقة الثالثة: من الكتاب للموسوعة

قبل أن أتابع في هذا الموضوع سأقدم ملاحظتين:
- أولاهما: سأتحدث من الآن فصاعدا عن بورباكي كما لو كان شخصا واحدا،
مع معرفتنا أنه مجموعة من الرياضيين -و أن أعضاءها كانوا يتغيرون طوال
. الوقت، فهناك من يغادر و هناك من يأتي.

- ثانيتهما: و فيما يخص هذه الحلقة تحديدا، سأتحدث عن أقسام الرياضيات
الجبر و الطبولوجيا و التحليل الرياضي و غيرها... هذا الكلام مفهوم لكل
طالب أنجز منهاج الرياضيات للسنة الجامعية الثانية، بالنسبة للآخرين
أرجو منهم أن يصدقوا ادعاءاتي...

أقول...

إذن بورباكي قرر أن يكتب كتابا في التحليل الرياضي يستند لمقدمة منطقية
بسيطة تتضمن نظرية المجموعات. لكن سرعان ما اتضح أن هذا أمر سيء إن رغب
بورباكي بالحفاظ على التسلسل المنطقي الصارم: فكما لا يخفاكم الأمر،
التحليل الرياضي هو عبارة عن تطبيق للطبولوجيا العامة في حالة المستقيم
الحقيقي، يعني يمكننا أن نكتب:

التحليل الرياضي = الطبولوجيا في حالة فضاء طبولوجي، متري، شعاعي،
منظم، وحيد البعد...

و نظرا لأن الفكرة الأساسية لبورباكي كانت الإنطلاق من الحالة العامة
للحالة الخاصة، فلا شك أنه قبل دراسة التحليل الرياضي يستحسن أن يبدأ
بدراسة الطبولوجيا العامة...

إذن، قبل كتابة كتاب في التحليل الرياضي يجب أن يكتب كتابين: أولهما في
العامة نظرية المجموعات (راجع الحلقات السابقة) و ثانيهما في الطبولوجيا

و منه سؤال آخر...

فالإنتقال من الطبولوجيا العامة للتحليل الرياضي لا يتم دفعة واحدة،
لكنه يتم عن طريق الفضاءات الشعاعية... و منه، إن رغب بالحفاظ على
فكرته الأساسية، فقبل أن يدرس الطبولوجيا يجب عليه أن يكتب كتابا يتحدث
عن الفضاءات الشعاعية، يعني في الجبر...

: فاستقر رأي بورباكي أن ينحو هذا النحو، يا دؤلي

1-كتاب في نظرية المجموعات (المجموعات، تقاطعها و اجتماعها و إلخ،
التوابع، علاقات التكافؤ و الترتيب و إلخ...).
2-كتاب في الجبر (الزمر، الحقول، الفضاءات الشعاعية، إلخ...).
3-كتاب في الطبولوجيا العامة (الفضاءات الطبولوجية، ثم الفضاءات
المترية، ثم الفضاءات الطبولوجية الشعاعية، إلخ...).
4-و أخيرا... منهاج التحليل الرياضي المرغوب، و الذي كان أساس
المشروع...

لكن عند هذه النقطة نظر بورباكي لمشروعه فاستنتج أنه بإضافة جهد قليل
فهو سيكون قادرا على كتابة موسوعة في الرياضيات تجمع المعرفة الرياضية
في منتصف القرن العشرين بأكملها... و منه فإنه قرر إضافة مجموعة كتب
بهدف إتمام العمل...

باختصار: من مشروع بسيط لكتابة كتاب جيد في التحليل الرياضي، تحول
مشروع بورباكي فأصبح:

إعادة كتابة كل الرياضيات بأسلوب متسق و بمنطق صارم.

لكن هذا المشروع هو مشروع ذو حجم هائل: هو قد يبلغ بضع ملايين
الصفحات... فهل يفعل بورباكي ذلك؟

طبعا هذا الخيار ممكن، لكنه يعني أن بورباكي لن ينجزه أبدا: أذكركم أن
كل جزء من كتاب يكتبه بورباكي كان يتم تنقيحه عددا كبيرا من المرات كي
لا يكون هناك أي مجال للشك في صحته و دقته...

و منه فإن بورباكي اتخذ قرارا حاسما:
- فمن ناحية، سيتم البدء في هذا المشروع،
و من ناحية ثانية، سيتم الإقتصار على الأساسي، بحيث أن الحجم النهائي
للمشروع لن يبلغ ملايين الصفحات، لكن فقط بضعة عشرات الآلاف من
الصفحات... فكيف يتم ذلك؟

لقد قرر بورباكي أن يتبع المبادئ التالية:

-A الكتابة المختصرة و الصارمة: فبورباكي اخترع، مثلا، الرموز من نوع
مقلوبة للحديث عن "أيا يكن"، و E معكوسة للحديث عن "يوجد على الأقل" و
غيرها من الرموز التي طالما استخدمتموها في المرحلة الثانوية (و ما
بعد)...
- الإمتناع عن الإيضاح بالرسوم: لا يوجد في كتب بورباكي اية رسوم
إيضاحية... يعني ايام دراستنا الثانوية كان مدرس الرياضيات يشرح
التوابع عن طريق رسم ما يشبه حبتي بطاطا مع أسهم تنطلق من البطاطاية
الأولى باتجاه البطاطاية الثانية... هذا غير موجود في كتب بورباكي...
- الإمتناع عن إعطاء الأمثلة: كافة الأمثلة يتم إعطاؤها بصيغة "تمارين"
في نهاية القسم و يترك حلها للقارئ.
- التمييز (العنصري ) بين النظريات: فهناك النظريات الأساسية، و هي
تسمى "نظريات" و يتم البرهان على صحتها، و هناك النظريات الثانوية، و
تسمى "نتائج" أو "ملاحظات" أو "اقتراحات" و يترك برهانها للقارئ.

كيف يمكن إيجاز كل ذلك؟

لقد قرر بورباكي أن يؤلف موسوعة في الرياضيات، تكتب بأسلوب منطقي صارم،
تنطلق من المقدمات للنتائج، تكتب باستخدام لغة رياضية صارمة، تهتم
بالأساسي و تترك الفرعي للقارئ، و تتألف من عدد قليل من آلاف
الصفحات...

فهل نجح بورباكي في مشروعه؟ أم أنه فشل؟ أم أنه نجح و فشل في آن معا؟

هذا ما سأتحدث عنه في الحلقات المقبلة...

في عودة، بل عودات...

إضافة تعليق جديد