بورباكي، الحلقة الرابعة: قعر المصفاية

الآن، سأنتقل للحديث عن أحد إنجازات بورباكي...
هذا الحديث قد يقتضي إلماما بالطبولوجيا، يعني من مستوى السنة الجامعية
الثانية في الرياضيات...

أول ما أقوله، بورباكي لم يكن له الكثير من الإنجازات... مع العلم أن
كلا من أعضائه كان له إنجازاته الخاصة: لم يكن هدف بورباكي هو إنجاز
اكتشافات رياضية، لكن إعادة كتابة الرياضيات بأسلوب صارم...

بالمقابل، فالعديد من أعضاء بورباكي حصلوا على جائزة فيلد، و هي
المكافئ الرياضي لجائزة نوبل: فكما لا يخفاكم الأمر، ليس هناك جائزة
نوبل للرياضيات لأن زوجة ألفريد نوبل هربت مع رياضي، فحقد على
الرياضيين... يعني مثل جبران تويني حين هربت زوجته مع ضابط صف في الجيش
العربي السوري فحقد على السوريين

أكثر من ذلك: طلاب مركز النكد يعرفون و لا شك "التوزيعات"
(distributions) بتاعة لوران شوارتز (الذي يعرفه الفرنسيون، لا بصفته
رياضيا عظيما -رغم أن ذلك صحيح-، لكن بصفته مدافعا عن حقوق الإنسان و
عن البيئة)...
نعم يا زملاء... هاذي النكبة بتاعة التوزيعات أتتكم من أحد أعضاء
بورباكي، و هو لوران شوارتز...

أقول...
رغم أن الإكتشافات الرياضية لم تكن الهدف المنشود من قبل بورباكي، لكنه
أنجز، تحت هذا الإسم، عدة اكتشافات... سأتحدث عن أحدها و هو "قاعدة
الفيلتر" (يعني "قعر المصفاية" )

دعنا نتحدث عن: تقارب التوابع (و منه تعريف التوابع المستمرة)...
نقول أن التابع ع يتقارب من القيمة ع0 حين يقترب المتحول س من القيمة
س0 إذاا... إلخ.

أنتم و لا شك تذكرون كيف درسنا ذلك في الصف الثاني الثانوي: حين تقترب
س من س0، يعني حين تصغر المسافة بين س و س0 فيجب أنه إلخ...

لكن هذا التعريف يقتضي تعريف المسافة، يعني أنه صالح في حالة فضاء
طبولوجي متري، فكيف نعرف تقارب التوابع (و منه: التوابع المستمرة) حين
لا يوجد لدينا تعريف للبعد؟

طبعا أنتم تذكرون التعريف في الفضاءات الطبولوجية العامة: نحن نفعل ذلك
عن طريق "الجوارات"، و الجوار لنقطة معطاة تعريفا هو مجموعة تحتوي
مجموعة مفتوحة تضم النقطة إياها...

فنحن نعرف تقارب التابع بقولنا: أيا كان جوار النهاية المعنية، فهناك
جوار لنقطة الإنطلاق بحيث أن صورة هذا الجوار الأخير محتواة في الجوار
المذكور أولا...

لكن هناك حالات يستحيل فيها تعريف جوار لنقطة الإنطلاق: تخيل مثلا
تابعا من المجال الحقيقي ]-1,+1[... و تخيل أننا نهتم بالنقطة -1 ...
يستحيل أن نحصل على جوار لها... فكيف نفعل؟

أصلا... تخيل أننا نتكلم عن تابع من مجموعة ما لفضاء طبولوجي ما، فكيف
يمكن لنا أن نعرف استمرار هذا التابع في الفضاء الطبولوجي من دون أن
نضطر لتعريف طبولوجيا علي مجموعة الإنطلاق؟

هنا جاءت فكرة بورباكي الرائعة: إنها فكرة الفيلتر، يعني المصفاية...

فكرة المصفاية تقول لنا أن التابع يتقارب من نقطة ما إذا نجح باختراق
أية مصفاية نضعها فوق هذه النقطة...
ثم أضيفت فكرة "قاعدة المصفاية"، و هي فكرة تزيد من بساطة الفكرة
السابقة: إنها تهتم فقط بـ"ثقوب" المصفاية....

هذا كان اختراعا بورباكيا خالصا، جعل من الممكن دراسة استمرار التوابع
حتى و لو كانت مجموعة الإنطلاق لا تمتلك أية طبولوجيا...

فأترك للمهتمين من الزملاء أن يدرسوا تعريف قعر المصفاية ، يعني Base
de Filtre و أن يلاحظوا كيف أنها تسمح لنا بتعريف استمرار التوابع حتى
من دون أن نعرف طبولوجيا على مجموعة الإنطلاق...

و لي عودة، بل عودات...

إضافة تعليق جديد