حمام ..ضوء القمر

الحي القديم يتثاءب .الأبنية التي غزاها جنزار القرون يغمرها ضوء قمري ضياؤه ضياء شبه أشهب فيملؤها ظلالا وتناقضات .الأزقة خاوية اﻻ من أشخاص قليلين يتحركون كالأشباح وثمة أبواب تفتح وتغلق حيث ﻻ أبواب .النوافذ مغلقة مهجورة تنبعث من شقوقها جذوات النعاس .أتابع طوافي في صمت الشوارع ضائعا بين الظلال وصدى الظلال وأنا اسمع أصواتا هي أصداء الأصوات المحبوسة في الأمكنة والفراغات عندما كانت الحياة المائجة تحاصرني في طفولتي وفتوتي من كل جانب .
من ذاكرة ضبابية تقتحم مخيلتي صورة الأرملة التي ﻻتعرف كيف تشيخ ابدا .مع كل اكتمال للقمر كانت تصعد الى سطح بيتها فتتعرى هناك وتتمدد سابحة في الهواء كنجمة بحر عملاقة .ثم تبدأ طقوسها الخرافية بالتمرغ بالضياء القمري كما لو ان شيئا يهزها من الداخل .يعلوها ضوء القمر كمسحوق الفضة فتتدلك به كما تفعل مع صابونة الاستحمام .خرافتها تقول : الاستحمام بالضوء القمري يبقي بشرة جسدها نقية صقيلة ناصعة ويبعد عنها التجاعيد وآثار الزمن فلا تعرف الشيخوخة بعدها .
" بتهوفن" ..عازف الكمان الملقب تصغيرا ب : " بتو " ..يقطن العلية المجاورة لبيت الارملة .وعلينا ان نتصور حالته المأساوية حين رآها تمارس طقسها الخرافي هذا لأول مرة .تزلزت الارض تحت قدميه وقضقض الخشب وانهارت دعائمه وتصدعت لبنات الجدار وتداعت .ودفن بتو حيا تحت الأنقاض .هرعت المرأة اليه بكامل عريها وصاحت مذعورة :
- بتو !! هل مت ؟ أرجوك قل انك لم تمت ..سأظل أكرهك ان مت .
أجابها محشرجا : لو كنت اعلم ان الموت هكذا لتمنيت لو مت منذ زمن بعيد.
كانا يلهوان باطفاء النور وقذف الأغطية والمساند وقلب الكراسي والدمى القماشية ..حين ﻻحظ بتو ان الجارة العجوز الحاجة آمنة ( مرشدة النظارة في دار السينما في الحفلات المخصصة للنساء ) .. تسترق النظر عليهما من شق النافذة .المطلة على فناء الدار .
قال للارملة الطروب : جارتك العجوز هذه عاهرة . بالأمس دعتني للنوم معك .
قالت له اﻻرملة وقد امتلأ صوتها حرارة ودفئا :
- لا ..انها ليست كما تظن ..كل مافي الامر انها تريد ان تفرح قلبها الشائخ برؤية عاشقين يلهوان كما في افلام السينما .
كانت النافذة مفتوحة في شق صغير .بعد تلك الليلة فتحت النافذة على مصراعيها .
لقد خبا بريق ذاك الماضي .فجأة تقلص العالم وحال الى رماد .انسحب من الأزقة المنطفئة وأنا اسمع صدى خطواتي الجوفاء فوق بلاطات الطريق والجدران المطلية بالتعاسة بعد ان فقدت بريق عهود ولت .
مع انحسار آخر ضوء قمري وصلت الى شاطئ البحر .الأبعاد النائية ترسم في الأفق المعتم اشارة ما كلمة سرما لغزا ما.. ثم ﻻتلبث ان تنطفئ .

إضافة تعليق جديد