ذلك السحر...

نهار امس زرت حينا القديم في مدينتي جبلة . كل شيء باق على حاله منذ ان غادرته قبل خمسبن عاما خلت .
لم بطرأ أي تغيير على الأشباء لأن الحي محمية أثرية..أكثر مايثبر حنيني في تلك الزيارات العابرة منعطف يتوسط الزقاق الواصل بين بيتنا وبين فرن الأدهم .
منعطف عادي لم يكن له أية أهمية خاصة لولا انه شهد ولادتي الثانبة وكان أول أمكنة الحنين .لسبب بسبط للغاية هو انه المكان الوحيد الذي ينفرد عن بقية أمكنة الحنين الأخرى بميزة الرائحة .
كنت عائدا من فرن الأدهم تحت وابل من المطر الغزير .
أحمل فوق كفي عددا من أرغفة الخبز الخارجة لتوها من بيت النار وأحمل باليد الأخرى مظلة ارفعها فوق رأسي لحماية الخبز من البلل .
عند وصولي الى المنعطف استوقفني صوت انثوي شبيه بملامسة المخمل : " وقف خدني معك تحت الشمسية .
صارو تيابي كلن مي بيرضيك هالشي ؟ " .
ودونما انتظار اقتحمت مظلتي وسرنا معا في كيان واحد ووحدهما اﻻرض والسماء الماطرة تسيران معنا .

كنت في الثامنة وكانت هي قريبة من العشرين .
ﻻحظت أنني ابتعد عنها قليلا حرجا وخجلا وقد اصبحت انا والخبز خارج نطاق المظلة .
عندئذ بدرت عنها حركة طائشة ارتعد لها جسدي وكف قلبي عن الدوران ، حين طوقتني بذراعها ودفنت رأسي داخل صدرها قريبا من شعرها الذي يقطر ماء في سيول :
" ليش مبعد هيك ؟هلق بتتغرق بالمطر وبيسبوني اهلك .قرب انت والخبزات لهون ".

وهنا كانت لحظة هلاكي .
سوف أعيش ما بقي لي من حياة ثم أموت ولن اتوصل الى فك رموز تلك الأحجية التي نسجها ذلك المزيج السحري حين اختلطت رائحة الخبز الساخن برائحة شعر تلك المرأة المبتل بماء المطر .
مزيج غريب لم تحل محله في ذاكرتي ﻻقبله وﻻبعده كل عطور اﻻرض . رائحة رغيف خبز تروي أروع وأطول فصة كفاح تعرفها البشرية على وجه الارض من الفلاحة الى البذار الى حقول السنابل الى الحصاد والسنبلة الى الدراس والتذرية الى المطحنة الى ايادي الأمهات الى بيت النار ..ثم فجأة على نحو غير متوقع ..الى تحت المظلة المطرية مع شعر امرأة يقطر ماء هبط لتوه من السماء .
لم تستطع أعلى طيور النسيان ان تختطف مني تلك الرائحة التي تغلغلت في كل مسارب روحي وعلقت على جدران الذاكرة . قرأت الحب في الأشعار والروايات والفلسفات والافلام ..لكنها ابدا لم تستطع ان تعطني المفتاح لفك ذلك اللغز الاحجية .

 

إضافة تعليق جديد