ذو الرمّة ..وزيارة بعد 33 عام

كان العام 1982 مفصليا في حياتنا,فقد وضع المذكور الختم على انتهاء مرحلة الرومانسية والاحلام لنفيق على الواقع بكل تفاصيلة المضنية والمتلفة للروح.

وتاريخيا شهد هذا العام نهاية الصراع بين الدولة وبين الإخوان المسلمين ,وباندحار هؤلاء وكما يحدث غالبا لم يتصرف المنتصر بحكمة ,بل ترك الأمر لأجهزة الأمن ولأصحاب رؤوس الأموال ليديروا البلد ويقرروا مصيره وانحصرت الخيارات وتم تلخيص الصراع بين قوى الامر الواقع والقوى الغيبية .

وأخذ التصحر الذي يزحف ببطء على الأرض ,يحتل العقول . وبدا أن دورة الحياة التي مثلها أجدادنا بموت تموز-أدونيس وانبعاثه ,قد أصابها الخلل ,ومالت الكفة كثيرا لصالح الجفاف وقوى الفناء, وبات أنصار الحياة والخصوبة في كل المجالات مهددين وجوديا .

ضاقت الفسحة لراغب آخر في الإدلاء برأيه ,فكان اللجوء للسخرية والتمويه والهروب نحو الطبيعة كنوع من التعويض الرومانسي,وبالبحث عن شيء يشبهنا ويعبر عن مكنوناتنا إن كان في الحاضر أو في التاريخ .

وقتها التقيت بذي الرمة وما لفتني هو ابتعاده عن الطللية و المدح والهجاء وانتصاره للطبيعة مثل حالتنا.

فاستحضرته في قصيدة ساخرة بدأتهاب:قصص على الذمة      حكاهاذو الرمة    في ليلة حمقاء     ذهبت بها الحكمة

 

ومنذ ذلك العام ابتعد عني ذو الرمة وابتعدت عته ولم يذكره احد أمامي ولم أقرأ له شيئا إلى أن قرأت له إشارة في دراسة للدكتور إحسان عباس عن الصورة فأورد بضعة أبيات له ,كانت كافية لتعيدني إليه بعد 33عاما مضت والأبيات-وارجو أن لا تصدكم خشونة الألفاظ وغرابتها والتي ستشرح تاليا عنها

:

 

 

فغلّست وعمود الصبح منصدع                  عنها وسائره بالليل محتجب

عينا مطحلبة الأرجاء طامية                    فيها الضفادع والحيتان تصطخب

يستنها جدول كالسيف منصلت                  بين الأشاء تسامى حوله العسب

وبالشمائل من جلّان مقتنص                    رذل الثياب خفي الشخص منزرب

معد زرق هدت قضبا مصدرة                  ملس البطون حداها الريش والعقب

كانت إذا ودقت أمثالهن لها                      فبعضهن عن الآلاف منشعب

حتى إذا الوحش في أهضام موردها               تغيبت وابها من خيفة ريب

فعرّضت طلقا أعناقها فرقا                       ثم اطّباها خرير الماء ينسكب

فأقبل الحقب والأكباد ناشزة                      فوق الشراسيف من أحشائها تجب

حتى إذا زلجت عن كل حنجرة                   إلى الغليل ولم يقصعنه نغب

رمى فأخطأ,والأقدار غالبة                      فانصعن والويل هجّيراه والحرب 

يقعن بالسفح مما قد رأين به                      وقعا يكاد حصى المعزاء يلتهب

كأنهن خوافي أجدل قرم                          ولّى ليسبقه بالأمعز الخرب

 

.

فيصور الشاعر كيف وردت حمر الوحش آخر الليل وقد انصدع عمود الصبح وبقي سائره محتجب بالليل,وردت عينا ترامى عليها الطحلب ,والضفادع والأسماك فيها تصطخب ,ويخترقها جدول يشبه السيف وقد كاد يختفي لما أحاط به من صغار النخل وقد تسامى سعفها من حوله,وكمن على مقربة من العين صياد من قبيلة جلّان منكمش فقير متوار,وفي يده قوس وسهام ملس البطون قد ذيلت بالريش, كانت إذا طارت نحو تلك الحمر قضت بفرقة الأليف عن البقية. وقد تتبعت الأرض المطمئنة ولكنها ما كادت تقترب حتى رفعت آذانها مرتابة,فأمالت اعناقها مما ألمّ بها من خوف ,غير أن خرير المياه أغراها بالشرب,فالما اقتربت لتشرب لم يكن الخوف قد ذهب عنها,بل إن أكبادها ارتفعت فوق الصدور خوفا من حس الصياد الذي سمعته,وما كاد الماء يزلق في حنجرتها نغبا أي لا يكفيها لترتوي ,حتى بادرها الصياد المتربص بسهامه ,لكنه أخطأها والقدر غالب,فتفرقت الحيوانات ناجية منه, أما هو فبدأ يدعو بالويل والحرب على حظه وكانت في تفرقها بالسفح تقع هنا وتضرب الحصى هنالك لتقدح منه الشرر حتى ليكاد يخيل اليك أنها على وشك الالتهاب , وكانها في تفرقها ريش صقر شديد الشهوة في مطاردته لطائر ضعيف .

 

فإذا تجاوزنا دقة التصوير وتسلسل المنظر وكأننا أمام لقطة سينمائية لمخرج مبدع فإننا نلمح تلك الصورة التي ترمز لتفتح الحياة من حالة الكمون –الصبح كامن في الليل ,والعين تحت الطحالب والجدول مستتر بين النخيل ووالصياد كامن خلف الأشجار . ومن هذا الكمون ينسل خيط الحياة فالصبح يتنفس والضفادع والأسماك تعلن حياة العين والنهر يندفع بين السعف التي تحيط به ,كل العناصر تسعى للحياة ,والحيوانات أحرص على الحياة ولا حياة لها إلا بالماء,فهي تصارع الموت وتتوجس ريبة من الموت الخفي, ولاحياة للصياد إلا بموت بعضها,فيقابل كل كمون يسعى نحو الوضوح ,كمون ذلك الصياد الفقير الذي يزداد انكماشا. ثم يصور لنا مدى خوف وريبة الحيوانات ومن ثم غلبة الشهوة على الحرص ,فتفرقها لتقدح حوافرها بالحصى ,وبعد أن وصل لهنا رسم لنا صورة الصراع بين القوي والضعيف في الجو فشبهها بالصقر المشتهي طعاما وهو يطارد طائرا ضعيفا .

 

أن ذا الرمة يصور صراع الحياة ولكنه ينتصر للحياة على الموت ولم يعطف على جوع الصياد وهو في النهاية يترك المشهد مفتوحا ,والصراع  هو أبدي ,لن ينتهي في الحياة مادامت الرغبات مختلفة متنافرة.

 

هذه هي حكمة زماننا:من الآن وصاعدا وفيما تبقى لنا من الوقت في زمن الاحترار العظيم هذا , سيحدد شكل العالم ومستقبله انحصار الصراع بين قوتين:المناخ,والجائعين .

وللحديث تتمة ..

إضافة تعليق جديد