رحلة أليسار من الجنوب إلى الشمال


لا أحد منا يعرف,  لماذا قررت أليسار الموت بهذا الشكل المغاير والغير معتاد. فالموت بقرار ذاتي محظور وغير مباح  , ولم يثبت لأحد أن اليسار قد ماتت فعلا. ولكن المؤكد لنا أن أليسار أنثى لا تعرف الانكسار ويسكنها جنون أنها خلقت لذاتها .ولا تحمل وزر الخطيئة الأولى في البحث عن أفعى أغوتها لإخراج ادم من الجنة. وهي تبحث في الكهوف المطلة على البحر عن نقوش لالهة أنثى فقدت عرشها. وعن رسوم توحي أن البحارة القدماء كانوا يقدمون القرابين لامرأة لا تعرف الهزيمة ومولعة بالحياة,رغم أن الهم والأسى لم يبارحاها وينامان في سواد عينيها.
منذ أن تشكلت ومددت جسدها من جنوب الجولان حتى أعلى قمة في جبل الثلج, وذلك منذ هطول المطر الأول
وفيضانه على الأرض. وهي الوحيدة التي لم تفر مع نوح عليه السلام في زورق يم البحر. وهي التي قدمت للحمامة حبات قمح وقصفة من غصن شجرة الزيتون.

أليسار أنثى تحب عبور الفصول فوق جسدها وكلما كبرت في العمر تقمصت وحلت في جسد جديد مثل حلول الربيع, فهي
موغرة في القدم , ويقال أنها ذات يوم كانت تهيم  روحا بلا جسد وأن روحها طافت بقاع العالم
وحين حطت في بلاد الشام أحبتها فتركت مجد السماء وحلت في جسد فتاة جولانية يرقص أكثر رشاقة من الريح
ويطير أكثر من رغبة طائر السنونو في التحليق , جمالها أخاذ وساحر, سواد عينيها منارة للضال والتائه وغمازة خدها
الأيسر كأنها ظلال ضحكة قمر مر فوق الخد ببوسة وانطفأ.

وفي أليسار تشتعل نار مجنونة تحرقها وتتملكها. وربما لأن ثديها كبيران تتملكها رغبة الإنجاب وإرضاع المولودين الجدد
وحتى يتحقق ذلك كان عليها البحث عن زوج يفهم متطلبات جسدها .

كلنا لا نعرف متى بالتحديد سكنت أليسار قريتنا, ولكننا نؤكد أن فستانها الملون والذي طرزته بالزهور عمره يقل عن الواحد والأربعين عاما  بضع ليال حتى رأس السنة الجديدة, واليسار المفرطة حبا في الإنجاب لم يطلبها للزواج أي شاب من سكان القرية.
كنا نختلس النظر إليها وهي تخرج للتسوق في شوارع القرية مختالة مثل فرس رشت كل عطور الصباح فوق جسدها .وشربت ندى الفجر من شفاه الورود كلها. لكننا كنا نخاف مسك لجامها.
كان الإحساس أننا لسنا مهرة في الترويض. يجعلنا أكثر برودة من رماد سكب على قطعة من الجليد في صباح
مثلج.
واليسار المفرطة بالهم والوجد تشتهي رجلا يكملها ويشتهيها, يحرك مكنونات صدرها, ويزيل من سواد عينيها هذا الوشاح من الحزن الصاف , مثل شفافية ماء نبع يجري بعد سقوط ومض نور في يوم شتاء مرعد.. لذلك قررت قبل قدوم السنة الجديدة وفي يوم لن ننساه أبدا  أن تنزع  عن جسدها فستانها الملون وأن تغطيه بقماش أسود  وأعلنت للعجائز والشيوخ اللذين كانوا
يزوروها " أن الجولان اكبر من قراكم القليلة وسأبحث عن زوجا من الحمة حتى جبل الشيخ وإن لم أجد فاني
سأنزع ثيابي  فوق أعلة قمة مثلجة لأموت من البرد ."

وهكذا بدأت أليسار رحلتها من الجنوب إلي الشمال ترافقها الريح  وبعض حبيبات مطر تنام في جدائلها. استحمت في البحيرات الدافئة لمنطقة الحمة وحين
اقترب منها مستوطن  مغازلا أودعته حاوية نفايات. وارتدت بدلتها السوداء وراحت تجول قرى الجولان
وتلاله .فمرت فوق تل الفرس وتل أبي الندي. وزارت قرى الرمثانية والسنديانة وغيرهن كثر. وحطت في قرية
رأت بيوت جدرانها سويت في الأرض وتناثرت حجارة المنازل السوداء فوق العشب .وتحت أشجار الرمان
والتين وقفت تتخيل من فرط رغبتها في الحياة. أن وراء حائط بقي واقفا ولم يسقط .جلبة أطفال وسمعت حديث نساء
وشمت رائحة خبز ذرة ينبعث من طابون  وسمعت نواح ناي فتيقنت أن فتاها لا بد يسامر أغنامه. وأثناء
سرعة هرولتها سقطت وسقط الحائط. ولم تعد تر سوى الموت يضحك من المطر الذي بدأ ينهمر وسمعت الريح
تهب هازئة" اليسار عودي روحا كما كنت  فلا زوجا في هذه الديار .واركبي جناحي لأحط بك فوق قمم الثلج لتحققي وعدك ".

ولأن أليسار أنثي لا تكترث لأحد. ولا تحنث بوعودها استجابت لدعوة الريح التي ستحملها لحتفها. كانت الريح قد بدأت تألف أليسار وتشفق عليها  فقالت لها " أنا الريح بردي قارس  , أمضي بك  إلي الموت  فأي هيام  تبغين؟ .. دعيني أقلك لبلاد أكثر دفئا وحنوا عليك".
فترد أليسار " أهيم بومضة نار. فيا أيتها الريح الطيبة خذيني إلي قمة حرمون وفي الطريق عرجي إلي تل عين التينة.
تتسلق أليسار الجبل بعد أن ودعت عين التينة بنظرة ملامة من طرف عين عاشقة عاتبت الساكنين هناك خلف الأسلاك الشوكية.    وفي قمة صار فيه المطر ثلجا.
تعرت من ثيابها, وجلست مقرفصة تخبئ نهديها بكفي يدهيا. بينما غطى شعرها الطويل ظهرها. وبقي وجهها مقابلا للثلج النازل . كنا في القرية وفي اليوم الذي صعدت فيه أليسار قمة الجبل قد أحسسنا بغيابها فعقدنا حلقات من النقاش وبادرنا إلى دعوة كل الوجوه الموقرة وأصدرنا بيانا ذيل بالحمد والتسبيح وتوعدنا بالويل وعظائم الأمور
لمن تسول له نفسه بألا يعتبر أليسار قديسة تستحق كل عام أكاليل الورود . أما حين اجتمعنا حول المواقد الدافئة
أشعلنا حطب السنديان والسرو والكينا. ولمنا أليسار لتسرعها وموتها المبكر ونمنا في نعاس هادئ .
وعندما توقف للمطر أحسسنا في الصباح ببرد يسحق أطرافنا ففقنا لنجد أن كل قطع الحطب قد اختفت  ورأينا ومض نار تشتعل
في أعلى القمة تحت أقدام أليسار.

إضافة تعليق جديد