رسائل غابرييل غارسيا ماركيز الوداعية

لو وهبني الله حياة أطول لكان من المحتمل ألا أقول كل ما أفكر فيه، لكنني
بالقطع كنت سأفكر في كل ما أقوله.

كنت سأقيّم الأشياء ليس وفقاً لقيمتها المادية، بل وفقاً لما تنطوي عليه من
معان.

كنت سأنام أقلّ، وأحلم أكثر في كل دقيقة نغمض فيها عيوننا نفقد ستين ثانية
من النور، كنت سأسير بينما يتوقف الآخرون. أظل يقظاً بينما يخلد آخرون للنوم،

كنت سأستمع بينما يتكلم الآخرون. كنت سأستمتع بآيس كريم لذيذ بطعم الشكولاتة.



سيدي غابرييل، إذا كنت نمت بأكثر مما قسم الله لك، فأنا أنام بأقل مما قسم
لي، مثل ملايين من يراونك، أذكرك وسأتذكرك في صحوي وفي نومي. في نومي كي لا
أهدر ساعات النوم فافقد نصف زمني المتاح. أكره أنا النوم، والوقت المهدور في
الأكل وفي لبس الملابس، وفي النوم نفسه.

لكني لن اصمت حين يتكلم الآخرون، إلا إذا كانوا عمالا وعشاقاً ومحبين
وثواراً، أما حين يتكلم غيرهم، وما أكثرهم وأكثر كلامهم، وأنا اشعر بشعورك
الإنساني وأنت تحتضر، وقد أفعل مثلك حينما تحين، إذا تسنى لي موتاً ممتداً
وليس مشتدا، برصاص الفاشيست، فلن استمع إلى هؤلاء.

لو أن الله أهداني بعض الوقت لأعيشه كنت سأرتدي البسيط من الثياب، كنت

سأتمدد في الشمس تاركاً جسدي مكشوفاً بل وروحي أيضاً.

يا إلهي... لو أن لي قليلاً من الوقت لكنت كتبت بعضاً مني على
الجليد وانتظرت شروق الشمس.

اذا جاز لي أن أكسب وقتاً، سوف أنقش على الصخر، انني أحب كوبا التي احتوتك،
وقاومت وها هي تصعد الجبل اليوم مع أميركا اللاتينية، أما سيد الموت فلم تعد
حواسيب امبراطوريته العسكرية، لم تعد قادرة على اعتراض صواريخ أحذية منتظر
الزيدي، آمل أن تكن ما زلت بوعيك حتى ترى ذلك المأفون يتقي حذاء منتظر بحذاء
حقيقي هو نور المالكي. يقولون أن المحتل المأفون كذلك بونابرت حول قبعته إلى
قذيفة وضربها باتجاه أحدم الجزار، فرد عليه الجزار بحذاء.

كنت سأرسم على النجوم قصيدة 'بنيدتي' وأحلام 'فان كوخ' كنت سأنشد أغنية من
أغاني 'سرات' أهديها للقمر، لرويت الزهر بدمعي، كي أشعر بألم أشواكه، وبقبلات

أوراقه القرمزية.

ما ابهاك وأنت تقاوم بالحب حتى آخر اللحظات، سوف تمضي وأنت تلثم الوردة
والدم يسيل من ثقب ناعم أحدثه الورد وهو يقاوم بل يغازل شفتيك، شهيداً أنت
إذن.

يا إلهي... إذا كان مقدراً لي أن أعيش وقتاً أطول، لما تركت يوماً واحد يمر
دون أن أقول للناس أنني أحبهم، أحبهم جميعاً، لما تركت رجلاً واحداً أو امرأة

إلا وأقنعته أنه المفضل عندي، كنت عشت عاشقاً للحب.

كنت ساقول مثلك، لا بل إني اقولها للناس أحبكم جميعاً، لكنني أرفض الكثير
من الركود العقلي والاستسلام الآسن بين ايدي طواغيت المال، الذين يسمعون رنين

النقدِ،و ليس لحن الطبيعة، ويصنعون اف 16 ولا يطلقون العصافير. لست أدري،
ربما اتفوه بقوة لأنني لست مثلك في معركة الموت، ولكنني أعتقد أن ما اقوله
صحيحاً اللحظة، لذا يجب أن أقوله.

كنت سأثبت لكل البشر أنهم مخطئون لو ظنوا أنهم يتوقفون عن الحب عندما
يتقدمون في السن، في حين أنهم في الحقيقة لا يتقدمون في السن إلا عندما
يتوقفون عن الحب.

هي الثلاثية الديالكتيكية إلى الأبد يا جبرئيل جارسيا ماركيز، كم هو جميل
اسمك وإيقاعي، هي العمل والحب والثورة، نار دفىء الإنسانية التي لا تنطفىء.
يقول العارفون في العلم أن الموت ناتج عن توقف القلب عن قذف شحنات الكهرباء،
لكن القلب وسيط يُرسل للجسم ما يولده الحب، وحين يموت الحب يموت القلب ويُحال

الحضور المادي الفاعل إلى جثمان. ربما هذه حكمة الهند حيث تلقي المرأة بنفسها

من خلفه في نار الأبدية حتى لو لم يستحق حبها. أما راسمالية الغرب، فتوصي
المرأة أن تبحث في حسابه البنكي! لم يكن لك أن تكتب هذا الجميل سوى لأنك تحب
حتى رعشة الرحيل، واسمح لي أن أكون مثلك.

كنت سأمنح الطفل الصغير أجنحة وأتركه يتعلم وحده الطيران كنت سأجعل المسنين
يدركون أن تقدم العمر ليس هو الذي يجعلنا نموت بل : الموت الحقيقي هو
النسيان.

مثلك كان يجب ان يبقى، لا أن يموت، نعم، يهرمون كثيرا وسريعا لأنهم أنذال
ومساومون، ويخشون لحظة العز بل يبيعونها بكبشة نقد لامع، وربما حتى مسحوت.
والموت الحقيقي سيدي هو الممالئة والجشع والتزلف والتفيُّىء بمن لا ظل له. ما

أكثر موتى الأحياء، لا شك أنك قرأت ل ولهلم رايش: "استمع ايها الصغير" ما
أكثر الصغار الذين يولدون صغاراً وينتهون كما أتوا.

كم من الأشياء تعلمتها منك أيها الإنسان، تعلمت أننا جميعا نريد أن نعيش في
قمة الجبل، دون أن ندرك أن السعادة الحقيقية تكمن في تسلق هذا الجبل، تعلمت
أنه حين يفتح الطفل المولود كفه لأول مرة تظل كف والده تعانق كفه إلى الأبد،
تعلمت أنه ليس من حق الإنسان أن ينظر إلى الآخر،

سألني ذات مرة في تورنتو شاب ذي توجهات أنارخية، ما مصدر تفاؤلك؟ وعلام
ترتكز وأنت تبدو مشبوب الروح هكذا؟ وتحديداً هل تعتقد انكم منتصرون؟ قلت له،
طالما هناك مقاومة فهناك انتصار لأن المقاومة هي الانتصار. لا شك تعرف يا
ماركيز قبل أن ترحل أن الحياة منذ البدء وحتى رحيل كل فرد بمفرده هي مقاومة،
هي العمل والحب والثورة هي محركات بل مولدات المقاومة، والمقاومة هي تسلق
الجبل، وكلما اقتربنا من القمة امتد الجبل، هذه هي اللانهائية وهذه هي
الأبدية، لكن كل إنش نرتفع فيها مع الجبل وعليه هو متعة. هل تلاحظ، هل بوسعك
التركيز الآن معي وسكرات الموت تحيط بك وأنت تقاومها. ما أشجعك وأنت تقاوم
وتقل لنا ماذا نفعل. كم هو عالٍ من يتسلق الجبل وكم هو وضيعٍ من يلتهم أكوام
الأكل على طاولات كنتاكي فريد تشيكن ويتضخم حتى ينفجر كالأزمة المالية اليوم،

أو مآدب عجول الحكم العربي في الدولة القُطرية. "يقولون: مادبة لم يسبق لها
مثيل"هؤلاء لن يتسلقوا الجبال؟ يتسلقون جسد الأمة!

من أعلى إلى أسفل، إلا إذا كان يساعده على النهوض، تعلمت منك هذه الأشياء
الكثيرة، لكنها للأسف لن تفيدني لأني عندما تعلمتها كنت أحتضر.

ذهبنا ذات مرة في جنازة صديق، ووقفنا حفنة من النساء والرجال نستمع لما
يسمونه عندنا يا ماركيز "التلقينة" وهي غش يقدمه الأحياء للميْتِ كي يعرف كيف

يُجيب على التحقيق في القبر كما يعتقد اساتذة التلقين، "كيف تتصرف عند
الاعتقال". التحقيق، اية كلمة لعينة، ما اصعب ان تجهزنفسك لتعرف كي تقاولم
المحقق، الصهيوني بالطبع في حالة فلسطين، وجلاوزة الكمبرادور العربي الذين لا

شك يكرهون كوبا. أما انا فأعتقد أن الدرس "التلقينة" هو للمستمعين وليس
للراحل. هناك خطرت فكرة التخلي حتى عن الملكية الشخصية:

كيف يمكن أن نصل درجة ننقل منها او ننسخ من راس من يرحل معارفه إلى الباقين
بعده لتساعدهم على تسلق جبلك الذي ذكرت، فأغبنا يموت بعد أن ينضج ويحوز على
معارف شتى.

عبر عما تشعر به دائماً، افعل ما تفكر فيه.. لو كنت أعرف أن هذه ستكون
المرة الأخيرة التي أراك فيها نائماً، لكنت احتضنتك بقوة، ولطلبت من الله أن
يجعلني حارساً لروحك.

ولأن لا أحد يعرف آخر لحظة لمن يحب، فليحتضن بعضنا بعضا طوال اليوم، ليكون
كل في حب الآخر وفي لحظة الوداع الغادرة التي لا تستأذن، وقد يسمح لنا هذا
بحراسة الروح.

لو كنت أعرف أن هذه هي المرة الأخيرة التي أراك فيها تخرج من الباب لكنت
احتضنتك، وقبلتك، ثم كنت أناديك لكي احتضنك وأقبلك مرة أخرى.

لكنك يا جبرئيل غارسيا ماركيز محظوظ أكثر منا جميعاً، ستخرج من الباب، بل
سيحملك الشيوعيون الكوبيون وربما العجوز الأسطوري كاسترو على كتفه النحيل
عظماً والمتين روحاً، أما نحن فسنظل نحتضنك ونقبلك وكلما صعدنا على الجبل
خطوة سوف نقبل روحك التي ستكون معنا. الا تلاحظ انك ابدياً. وسيلقاك تشي
جيفاراً ليقرأ لك ما كتبه باكراً في نقد التحريفية ويناقشك في عملية كارلوتا.

لو كنت أعرف أن هذه هي آخر مرة أسمع فيها صوتك لكنت سجلت كل كلمة من كلماتك
لكي أعيد سماعها إلى الأبد.

لهذا يا سيدي علينا تطوير ما حُفظ ما في راسك لنا من بعدك، بدل أن يطور
البرجوازيون اصحاب العالم الحربي القذر أجهزة سماع غرام العشاق وانفاس
الثوريين وأنين المعذبين على ايديهم. فما اقذرهم. أراك تكشر قليلاً، فلا يليق

ان اشتم أحداً في حضرة رحيلك الأبدي، ولكنهم أحد اسباب رحيلك مبكراً، على
ايديهم، ولكي يربحوا بالحد الأقصى، رحات أمماً وسترحل أمماً أخرى.

لو كنت أعرف أن هذه هي آخر اللحظات التي أراك فيها لقلت لك 'أنني أحبك' دون
أن أفترض بغباء أنك تعرف هذا فعلاً..

لا تسأل من تحب إن كان يحبك، نحن فعل الحبِّ، دورنا أن نحب، فالحب بلا
مقابل وبلا ثمن، هو العطاء المدفوع من الداخل والمتدفق بلا حواف ولا حدود ولا

معنى له بغير هذا. لا أعتقد أنك كنت جباناً أمام من تحب، أو لم يسبقك البوح
إليه. إن كنت توافقني، من لا يحب الثورة والعمل لا يحب المرأة، فما بالك
بالأنثى بل يستخدمهنَّ. وهنا في هذه اللحظة يصبح الحب قيمة تبادلية، اي لا
قيمة إنسانية له. الحب أن تتدفق وحدك طوعاً، وأن لا تجبن عن النهايات، فخشية
النهايات تحول دون البدء، والحياة بدء لا نهاية.

اسمح لي أن أريحك بعض الوقت، سأفعل فنجان قهوة، فنحن العرب نحب القهوة، أما
أنا فأحبها كما أحب المرأة، هل تعرف أن المرأة هي التي كشفت لي سر القهوة؟
هذا السائل الهادىء المتوازن الرصين الذي يسهر معك في الليالي العتيمات. هي
سمراء كالليل، واليل هو الحب المتفرِّد وكاتم الأسرار، وهو أسمر وليس اسوداً،

والسود هم سمرٌ لا كما ينعتهم من يُعادوا حتى ألوان البشر.

عدت بالقهوة، أمسكت رسغك، ما أجملك، فأنت ما تزال تنبض، شكراً على الإنتظار
الجميل. هل تعرف عن التاريخ العربي، حديثي إليك هذا امتداد لحوار سعد بن ابي
وقاص وخالد بن الوليد حين كان خالد يحتضر، الا يؤكد هذا صنفاً آخر من نظرية
الحلول؟ كان يأسف خالداً لأنه مات على الفراش وليس في ساح الوغى. والوغى
آنذاك هي المقاومة اليوم، هي حرب الشعب، وخاصة حرب المدن، الحرب المدينية،
إذا أردت أن تتذكر ماو تسي تونغ. وحين تلقاهما قل لهما أنتما هناك أحياءً.

الغد يأتي دائماً، والحياة تعطينا فرصة لكي نفعل الأشياء بطريقة أفضل.

لو كنت مخطئاً وكان اليوم هو فرصتي الأخيرة فإنني أقول كم أحبك، ولن أنساكم
أبداً. ما من أحد، شاباً كان أو مسناً، واثق من مجيء الغد، لذلك لا أقلّ من
أن تتحرك، لأنه إذا لم يأت الغد، فإنك بلا شك سوف تندم كثيراً على اليوم الذي

كان لديك فيه متسع كي تقول أحبك، لن تبتسم لأن تأخذ حضناً أو قبلة أو تحقق
رغبة أخيرة لمن تحب.

هي هنا بالتحديد، كل لحظة هي الفرصة الأخيرة، لا تتردد في الإنتاج للناس
ولا في الحب للأنثى ولا في الثورة والنقد والتخطي، هي حزمة واحدة إذا تفككت
بهت ليهبها وضاع فعلها وانطفأت جذوتها التي خلقها الله لتظل مشبوبة أبداً.
إذن، أنت تدري أنك لا تدري متى يتم الاغتيال! لست واثقا من مجيىء غدك، لكن
الغد آتٍ لغيرك بالتأكيد، ولتكن وصيتك لمن تحب أن يحيا بعدك بحبك، بجمرة
الأبدية المتوقدة واللامرئية، الحب اللامرئي أفضل، فامض وأنت تقبل وجنته
الخجلى، سلام لك يا سيدي وسلام عليك

 

 

غابريل غارسيا ماركيز.

إضافة تعليق جديد