طيران فوق عش العويسق(1)-الجدب والخصوبة

"ليبكِ موت على نفسه،
ليشتكِ المحبوب في سريرته؛
لأني وحدي سأسود على الآلهة؛
أنا وحدي من سيشبع الآلهة والبشر،
أنا وحدي من سيعيل جموع الأرض."
ملحمة بعل-موت الأوغاريتية

-1-
انتجت فترة الدفء الحالية (15000 ق.م)العالم اليوم مع ما رافقها من فترات جفاف وفيضانات ودورات جليدية قصيرة .
ولم يكن للحضارات التي بوغتت بهجوم الجفاف والتصحر والظروف المناخية القاسية من حظ بالاستمرار ,وكان أفرادها يهيمون على تخوم المراكز الحضارية الأخرى ,ونشأت ظاهرةالبداوة والغزو الإضطراري طلبا للطعام.
كان الدرس البليغ هو أن ما سيقى هو من استعد جيدا وحصّن نفسه ضد غزوين:المناخ والجائعين.
انعكس هذا في الأدب وكانت ملحمة البعل الأوغاريتية وصراعه مع موت ,وموت تموز-أدونيس وانبعاثة يعكس حدة الصراع بين الإنسان وتقلبات المناخ .
هذا ما خلص إليه جلجامش في رحلته الملحمية نحو الخلود ,إذ قفل راجعا إلى أوروك وطلب من شعبه أن يشرع على الفور بتحصين بلده وبناء الأسوار فهذا ما سيبقى ويبقي وكل شيء إلى زوال.
شكل الصراع الحضري-البدوي المتزامن مع الصراع المناخي ولفترات طويلة لاحقا الهاجس الأساسي للحواضرالتي نشأت في أماكن الاستقرار على وحول ضفاف الأنهار.
وقدكان ضغط الجائعين والهاربين من سطوة المناخ والتصحر يزداد على حدود أماكن الاستقرار الزراعية إلى الدرجة التي اضطر فيها حاكم أور لبناء سوربطول 180 كم سمي ب(طارد الأموريين) حتى تبقى هجرة الرعاة ضمن حدود التحكم.
ولعلنا نتذكر هنا سور الصين الذي أقيم لصد هجمات الجائعين الآتين من السهوب المقفرة في منغوليا .
وكان من المثير للانتباه أن الأمر قد احتاج ل124000 نبي لكي (يهدوا)هؤلاء الرعاة على عكس المناطق الحضرية!
وذلك على الرغم من إغداق الوعود عليهم ووعدهم بكل ما يحلم به البدوي في الآخرة ومديحهم المفرط وتفضيلهم على سائر الشعوب فإنهم سرعان ما كانوا (ينقلبون على أعقابهم) و(يحرفون الكلم) -الكتب المقدسة التي لم يشفع لها أن الله قد تعهد بحفظها.
وكان من الملفت أيضا أن هؤلاء لم يتركوا آثارا مادية حضرية في تلك المرحلة.
فقد عجز الصهاينة عن إيجاد أي أثر لمملكة داوود وسليمان المزعومة في التوراة أو أي من أحداث التوراة -والمنحولة أساسا من التراث الحضري – أصلا,وربما نتذكر هنا الضجة التي أقيمت حول كفن السيد المسيح وصليبه .
وما تبقى...شعرمن لحية وعمامة وسيف مزعوم مركونة في متحف الآيا صوفيا في اسطنبول.
في حين نجد في مكتبة إيبلا لوحدها 20ألأف رقيم اثري ,ونجد الأهرامات وآثار أوغاريت وجبيل وأكاد...بارزة وشاهدة على عوالم متقدمة متمدنة حتى يومنا هذا.
وقد بدأ النمط البدوي ينجح باختراق المناطق الحضرية ابتداء من القرن العاشر الميلادي على نحومكنه فيما بعد من ترجيح كفته.
حيث بدأ نمط الحياة البدوية يسيطر على الامبراطورية العباسية ,وكان ذلك إيذانا لما سيصيبها من انحلال وتفكك تاليا.
وتزامنا مع هذا الاختراق تم تكريس الخط الأشعري للإسلام عندما سن الخليفة(القادر) قرارا بمنع المعتزلة والكلام حولهم وحظر النقاش ومن يفعل ذلك أبيح دمه,وهذا النمط هو الذي ساد طوال تسعة قرون تاليةوأعطى النتائج التي نعرفها اليوم.
وخرجت الحركات المعارضة في تلك الأجواء الدينية الضاغطة لتتحصن في مناطق جبلية وعرة تطابقت مع النمط الزراعي الحضري فيها ,جعلت من هذه المناطق تقوم على نمط اقتصادي محدود يقوم على الاكتفاء الذاتي عاجزا عن الإنتاج الإقتصادي التراكمي أي انتاج الثروة, لذلك بقيت مهمشة سياسيا وراحت تنتج فكرا خاصا بها مما زاد من عزلتها.

واستمر تدفق (البدو –الرعاة) نحو التخوم الحضرية كموجات صغيرة من الجنوب ومن ثم كهجمات كبيرة من الشمال (السلاجقة,التتار,المغول...)
وكانت الفترةالعثمانية هي الحلقة الأخيرة الكبيرة من فترات التراجع الحضاري الزراعي ,ومرد ذلك لامتناع الدولة عن صد هجمات البدو على المناطق المأهولة في السهول ,في حين حافظت الجبال على استمرار عملية الاستغلال الزراعي وبقيت عصية على التخريب
يتبع..

إضافة تعليق جديد