طيران فوق عش العويسق(2)

لم يمت نسغ الخصوبة,رغم تقهقره وانحساره ومحاصرته .وكان عليه أن يستمر أمام زحف التصحر.

وأمام أنظمة الحكم البدائية والتي تعتمد على الولاءات وكانت تتحالف مع خصومه باستمرار وفق لعبة تتلخص بالتحالف مع الفكر الغيبي.

هذا التكتيك بدأه اشاه إيران في الخمسينيات عندما تحالف مع آيات الله ضد حكومة مصدق ذات التوجه القومي النهضوي عندما بدأ يتخذ خطوات باتجاه تأميم النفط وبرعاية غربية تم دحره وأعقب ذلك تصفية المجتمع الإيراني من العناصر المزعجة فقضى على اليساريين والقوميين والتنويريين ليتبقى أخيرا هو وآيات اللة وجها لوجه الذين سرعان ما خلعوه

واستخدم السادات ذات التكتيك بوجه الناصريين واليساريين ,فتحالف مع الإخوان المسلمين وأبرزهم ,ومن ثم بعد تصفية الخصوم قام هؤلاء بتصفيته

وكان لافتا أن العديد من كوادر التنظيمات المسلّحة التي نبقت في سوريا كانوا من الذين تم تسهيل تمريرهم إلى العراق لمقاتلة الأمريكيين أو من تأثر بهذه الموجه

وعوقبت سوريا من أجل هذا مرتين,مرة حين اتفق شيراك وبوش في النورماندي على إخراج سوريا من لبنان(وهذا كفيل بإسقاط الأسد) كما عبّر شيراك عن ذلك ,ومرة حين ارتد هؤلاء المقاتلين الذين اكتسبوا خبرة في العراق نحو سوريا

كان أكرم الحوراني أول سياسي سوري معاصر يعي أهمية المسألة الزراعية ,فصنع في حماة المعقل التقليدي للإقطاع والإسلام المحافظ ثورة في منتصف القرن الماضي وكانت كلمة السر في ذلك أنه قال للفلاحين المستعبدين :(هذه الأرض من الممكن أن تكون لكم) هذا ما قلب الموازين فقد كان لحماة سبعة مقاعد في البرلمان كان ستة من نصيب الملاك ومقعد واحد للحوراني في عام 1949 ,وفي برلمان 1954 اتقلبت الصورة فلم ينجح إلا ملاك واحد بينما حصد الحوراني المقاعد الستة.

 

وكانت محاولة انطون سعادة من آخر محاولات إحياء نسغ الخصوبة ,وأفرزت هذه المحاولة عدة ظواهر ملفته كان منها مجموعة من الأدباء الذين دعوا ب(التموزيين) لعبوا دورا هاما ورياديا في الحداثة.

ولكن هذه المحاولة سرعان ما انطفأت بإعدام انطون سعادة وبتدبير مؤامرة اغتيال عدنان المالكي واتخاذ الأمر كذريعة لاستئصال القوميين السوريين.

ويمكن اعتبار أعمال الأخوين رحباني والنهضة الفنية في مصر وقتها آخر ارتعاشة لهذا النسغ وما تلا ذلك نكوص وقحط ,ومانراه اليوم هو استنساخ مشوه  لتلك المرحلة الهامة  ,وكأن الأمر قد استتب لمصلحة الغيبيات والبداوة.

وأتى حافظ الأسد في نهاية مرحلة الستينيات التي استمرت بتكريس الطابع السوري الحاد والقلق من خلال الإنقلابات العسكرية المتتالية والتي أوصلت سوريا في عام 1958 لحالة التفكك والارتماء بحضن عبد الناصر بدون شروط. الأمر الذي ظلم سوريا وعبد الناصر نفسه.وأوصل سوريا في نهاية الستينيات لخسارة الحرب والجولان.

أتى تحت عنوان المصالحة, وحاول لملمة المجتمع السوري وإقامة تحالف وطني وفي ذهنه مشروع واحد وهو الحرب والجولان.

توجت تلك الجهود بحرب تشرين وما حدث اثناءها وماتلاها أوضح للسوريين حدود القصة حيث برز العامل الخارجي المرجح ,لينجح أخيرا كيسنجر بتمرير أفكارة والتعويض عن الجولان بلبنان الأمر الذي أنهك سوريا ولبنان 15 عاما ,وكان في نية الأسد السيطرة على جبهته الشرقية (لبنان الأردن والفلسطينيين)الأمر الوحيد الذي يستطيع الوقوف في وجه اسرائيل بعد خسارة مصر.

وكان في نية كيسنجر توريط سوريا بالحرب اللبنانبة وإشغالها على الدوام.

كانت القطبة المخفية في القصة هي أن السيطرة العسكرية لا توحّد بغياب الفكر التنويري والمشروع .

وكان لغياب هذا أثرا مأسويا على مجمل المنطقة .إذ تكرر بشكل أكثر مأسوية بين العراق والكويت .

وكما غاب هذا المشروع منذ الستينيات في التغيرات التي حدثت واقتصر التغيير على البنية الفوقية للسطات الحاكمة .

عاد الأمر بشكل كارثي في القرن الجديد ,حيث دخلت المنطقة في صراعات لا حدود لها ولا أهداف إلا البقاء ,وهذا أدنى مراحل الصراع وباتت كل الدول مشرعة للتدخلات الخارجية السافرة.

 

ويستخدم الغرب التكتيك نفسه ,فهو يسوّق ل(المعارضة المعتدلة)كواجهة إعلامية ولكنه يعلم جيدا أن هذه تحتاج لأدوات قذرة على الأرض .الامر الذي أنيط بالمجموعات حاملة الفكر التكفيري.

وأصبح هذا الغرب عالقا بين خيارين كلاهما مر ,إما أن يحارب (الإرهاب) فيقضي على الأدوات الفعلية للمعارضة ,أو أن يتعايش معه مع خطر تعرضه لهجمات بين الحين والآخر ,والقيام بضربات جوية إعلامية ضده (فرنسا مثالا).

وأصبحت قصة تعامل الغرب مع هذه المجموعات كقصة قنافذ آرثر شوبنهاور.

ومن الصور الكاريكاتورية المعبرة عن هذه الإشكالية هو ما حدث للقوة التي دربتها الولايات المتحدة في الأردن وصرفت عليها الكثير وحين أرسلت أولى طلائعها إلى جنوب سوريا ,تبخرت هذه القوة بين القتل والأسر وأغلبيتها انضمت للمجموعات صاحبة الفكر التكفيري .

وما تبقى منها هو خمسة أفراد عادوا ليقدموا تقريرا لرؤسائهم عن مهمتهم!

لتتخذ الولايات المتحدة قرار بإلغاء المشروع وإقفال المعسكر.

 

يتبع....

.  

إضافة تعليق جديد