طيران فوق عش العويسق(3)

يحلو للبعض أن يصور الأمر على أنه صراع طائفي ,ولكن حين نزحت آلاف العائلات من الداخل إلى المناطق الساحلية (المختلفة طائفيا عنها) اندمجت على الفور في مجتمعاتها .
بل إن النفور أتى من المجموعات المتماثلة طائفيا ,وذلك لأن الوافدين الجدد قد (سرقوا) زبائنهم (المختلفين طائفيا) منهم.
ويعترف بعض المثقفين في مصر بأن الشعب لم ينتخب رئيسا منذ سبعة آلاف عام ,لسنا بحاجة هنا لمناقشة نظام الديموقراطية ,حسناته وسيئاته, الذي وصل إليه الغرب بعد عدة ثورات فكرية وتقنية وعلمية واجتماعية وكانت هذه تتويحا لكل ذلك .
وهذا الغرب يدرك جيدا أن هذا من المستحيل تطبيقة بشكل جاهز وفوري في مجتمعات مغيبة مهشمة منكسرة .
ويدرك أنها الوصفة السحرية للفوضى والتفكك ,والأمثلة أكثر من أن تعد ليس آخرها روسيا يلتسين.
قد يكون هذا ما أشار إليه أدونيس بقوله:(لا أومن بثورة تخرج من الجامع).
مرددا قول كامو الشهير :(لا يوجد في عالم الفكر الإنساني سوى عالمين:عالم القدسيات ,وعالم التمرد).

لقد اختصر المبدع (فلليني) القصة في فيلمه (بروفة أوركسترا)
فيروي قصة تدريب فرقة موسيقية في قاعة قديمة ويبدأ بفوضى أصوات زمامير سيارات,يخترقها صوت سيارة اسعاف تحاول شق طريقها .
يدخل المايسترو ويأخذ العازفون أماكنهم ويبدأ التدريب ,لتنطلق النغمات المتجانسة بعد عدة محاولات.
فجأة تهتز الأرض ويسمع صوتا مدويا في الخارج ولكن العزف يستمر,ليحين وقت الاستراحة.
يدخل المايسترو غرفة جانبية لتنقلب الاستراحة إلى فوضى ,ويبدأ البعض بكتابة شعارت على الجدران ضد الماسيترو والآخر يصرخ بجنون والبعض يهتف بسقوطه فلا ضرورة لوجوده فهم يعرفون عملهم جيدا.
يحدث هذا مع تزايد تساقط الأتربة والحجارة واتساع شروخ الجدران وانقطاع الكهرباء ,وينزوي أحدهم مولولا:لماذا...لماذا؟
يهرع احد العازفين نحو المايسترو ليسأله:ماالعمل؟
يتقدم المايسترو بهدوء ويزيل الأتربة ويقف بثبات طالبا منهم إمساك آلاتهم ويقول في ثقة:..ابحثوا عن نوتكم ,اتبعوا النوت,أنتم موسيقيون).
ويردد بعض الكلمات بالألمانية.يرضخ الجميع وتنطلق الموسيقى من جديد برغم كل الإنهيار المستمر.
لقد رفض العازفون النظام والقيادة ,ولكن عندما اشتد الخطر وبدأ الانهيار هرعوا لطلب القيادة.
المسألة إذن جدلية ومحصورة في داخلنا .نحن صناع الفوضى ونحن صناع النظام.
الفوضى ونتيجتها الديكتاتورية, والنظام ونتيجته الحرية والديموقراطية.
تخوض السلطات صراعها تحت شعار الحفاظ على الدولة والبلد والمؤسسات ,بدون أن تبين رؤيتها للإصلاح وبرنامجها للبناء .
ويخوض معارضوها الصراع تحت عنوان تغيير السلطة ,بدون أن يقدموا البديل المقنع معرضين البلد للتفكك والإنقياد للخارج.
وبين الإثنين تهيم جموع الفقراء باحثة عن أبسط مقومات البقاء.
و في النهاية سينتصر من يمتلك الرؤية للمستقبل والمشروع وقيم الخصب والنماء والنهوض, في ظروف يزداد عدد الجائعين وتزداد سطوة المناخ وقسوته.

فعلى مدى العقود الثلاثة المقبلة، حتى لو استقر تغير المناخ بمعدل متوسط قدره درجتين مئويتين، فإن معهد ماكس بلانك قد توقع أن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا سوف يواجهان موجات حرارية طويلة وعواصف غبار يمكن أن تجعل الكثير من المناطق "غير صالحة للسكن ". وقد تدمر هذه العمليات الكثير من الإمكانيات الزراعية في المنطقة.

وتفيد المنظمة العربية للتنمية الزراعية أن منطقة الشرق الأوسط تعاني بالفعل من نقص مستمر في المنتجات الزراعية، وهي فجوة اتسعت باطراد على مدى العقدين الماضيين. وفي جميع أنحاء المنطقة، تتجاوز الواردات الغذائية الآن 25 مليار دولار سنويا .

وهناك الآن دراسات في أوروبا لإقامة نوع من الجدار الأخضر في وسط أفريقيا لرد هجمات المهاجرين المتزايدة .

هذا ما عناه غيفارا عندما قال للمحاربين:(لا يكفي أن تطلقوا الرصاص ,بل يجب أن يكون لديكم عمل متكامل) .

ستتكرر دورات الصراع ,وسيعبر حدود الدول ,ليصنع أزمات فيما بينها,وستتغير الاستقطابات والتحالفات ,وسينجو من أنجز عمله وحصن بلده ضد غزوين:المناخ والجائعين.
هذه هي حكمة زماننا:من الآن وصاعدا وفيما تبقى لنا من الوقت في زمن الاحترار العظيم هذا , سيحدد شكل العالم ومستقبله انحصار الصراع بهذين الغزوين .

سال غرامشي نفسه ذات يوم:لماذا نجحت الثورة في روسيا ولم تنجح في ايطاليا (بلده) أو بريطانيا ؟

والكثير من العرب يسألون أنفسهم: لماذا لم تنجح الاحتجاجات المتفاوتة في إحداث التغيير ,وهي إن أحدثت تغييرا فهو للوراء .
وجد الرائع غرامشي الجواب بعد درس طويل لبنية المجتمعات ...
وعندنا اكتفى البعض بترداد مقولته:(القديم يموت,والجديد لم يولد بعد).
ويبدو أن الأمر بحاجة لغرامشي جديد حتى يجد العرب جوابا.
وهم بحاجة لإعادة القراءة في كتاب الخصوبة ,بعدما عصفت بهم قوى الجدب منذ عشرات القرون وأودت تدريجيا بكل قيم الجمال والرقي التي لا يزالون يحتفظون بذكريات عنها في بعض جزرهم النائية .

إضافة تعليق جديد