عين دارا,والثمر المر

يحفل تاريخ السوريين بوقائع غير قابلة للفهم بالحسابات المنطقية والعقلية,ويوصفون بالشجاعةوالمغامرة  لحد التهور,بجانب العاطفة التي تصل لحد البكاء,وهذا الأمر يمتد لزمن بعيد,منذ أن رحل قدموس ليبحث عن شقيقته أوروبا ,ومنذ أن قام (إينوس) بأول ثورة للعبيد في صقلية قبل سبارتاكوس بقرن تقريبا ,وبلغت الشجاعة بهم مبلغا ليتبوأوا عرش روما بسلسلة من الأباطرة.

كان هذا منذ وقت طويل ,وفي هذا العصر لا زالوا يحملون الكثير من تلك الروح .

 

  في أحد ايام صيف 2001 ذهبنا إلى لبنان مع قافلة من الأصدقاء لحضور فيروز في مهرجان بيت الدين , وتوقفنا في عين زحلتا لتناول الغداء ,ثم تابعنا الطريق خارج البلدة باتجاه الوادي ,ذلك الوادي الذي شهد في عام 1982 معركة قدّر لها أن تحمل الكثير من صفات السوريين تلك.

أسماها روبرت فيسك معركة (عين دارا) وكتب عنها في كتابه ويلات وطن:"في معركة لا يعرفها الكثيرون تصدى السوريون لهجمات الدبابات الإسرائيلية في قرية صغيرة تدعى عين دارا .والواقع أن السوريين الذين لم يكن لديهم غطاء جوي كانوا تحت رحمة الطائرات ,استماتوا بكل معنى الكلمة لإبعاد الإسرائيليين .

...

حين وصلنا إلى عين دارا كانت النيران لا تزال تشتعل في الدبابات السورية ,وكان قتلاهم وجرحاهم موزعين  في الحقول غارقين في دمائهم,أما عين دارا فكانت مدمرة ,ولدى وصولنا تقدم إلينا جندي سوري يحمل جثة قائده ,وقد انتزع رأسه .وتوسل إلينا وهو يبكي بكاء مرا أن نحمل الجثة معنا إلى دمشق.

كانت ألسنة الحرائق الذهبية البراقة تختلط بالخضرة الداكنة في البساتين فتأتي على الدبابات التي احترق الجنود بداخلها,وقدر لثمر تلك البساتين في ذلك الصيف أن يكون مرا

وخرج من الفيلات المدمرة لعين دارا جنود ربط بعضهم رؤوسهم وسواعدهم بالضمادات ,غير أنهم كانوا مايزالون يعتمرون الخوذ ويحملون البنادق .

كانوا قد حاربوا الإسرائيليين لمدة يومين وصدوهم ,وظهر الدليل على نصرهم في زاوية الشارع الرئيسي فعلى امتداد الوادي بين أشجار الصنوبر ارتفعت أعمدة الدخان الأزرق من الدبابات الإسرائيلية المحترقة...

وبذلك تم وقف تقدم الجيش الذي لا يقهر مرة جديدة."

 

روبرت فيسك, (ويلات وطن )ص 274

 

وتم وصف هذه المعركة من قبل الكاتبين الإسرائيليين (شيف ويعاري)في كتاب :"لبنان أطول وآخر حروب اسرائيل"كما يلي:

"لواء سوري مدرع واحد ومجموعة كوماندوس حالوا دون تحقيق استراتيجية الكماشة الإسرائيلية ,لكن شارون صمم على الانتقام ,أين,الصواريخ في سهل البقاع.

تحت ضوء القمر المطل على عين زحلتا ,بدأت الدبابات الإسرائيلية تتململ في الطريق المتعرجة ,خلف فرقة المشاة ,وفجأة دوى انفجار واشتعلت النار في الدبابة الأولى,هذه القذيفة كانت بمثابة الإيذان لفتح نار جهنم.

وبعد ثلاث محاولات لقصف الوادي بالمدفعية أبرق القائد شارحا خطورة الوضع واستحالة تدمير مدافع العدو.

مناحيم عينان بعد استلام البرقية جمع قادة وحداته في مركز القيادة المتقدم وهو يدري أنه مجبر على التراجع ولو تحت رحمة النيران السورية .

عند الفجر وصل المتراجعون إلى ساحة الضيعة ,وبينما كان القائد يعلمهم بخطة الهجوم الجديدة ,انقض عليهم عشرات من الكوماندوس السوري وراحوا يطلقون النار من على بعد 200 متر ليس إلا,وهكذا كان على الدبابات الانسحاب بدون أوامر .

وسقط ثلاثة قتلى وهم يحاولون سحب طاقم دبابة نحترق ,ودمر وأعطب العديد من الآليات في ذلك الفجر الصيفي البارد.

معركة عين زحلتا جعلت شارون في حركة دائمة بين القدس ومركز قيادة الجبهة ليتابع أدق التفاصيل ,وعندما عاد لمجلس الوزراء خرج من تلك الجلسة إلى الهاتف ليصدر أوامره بقصف الصواريخ السورية في البقاع ,وتبعه الوزراء الذين أدركوا أنهم لم يوافقوا على غارة جوية بل على حرب طاحنة".

(لبنان آخر وأطول حروب اسرائيل)-زئيف شيف ,إيهود يعاري ص:139-141

 

  بهدوء وبطء اجتزنا الوادي ..

كانت تتراءى لي وجوه أولئك الجنود ,في كل شجرة صنوبر ,وعلى كل حجر..

وكانت عيناي لا تزالان متعلقتان بحفافي الطريق الضيق المتعرج ..

تراقبان ذلك الخيط الذي يبتعد ...ويمتد.

إضافة تعليق جديد