فخري البارودي لأم كلثوم: الله يبليكي بحبي

نحن السوريين نشأنا في حضارة تميزت بثقافتها وإبداعها وتنوعها وتلون الشخصيات المبدعة والقادمة من كل بقاع الدنيا لتصهرها سورية في بوتقة عشقها وليخرج منها مبدعون في أنواع الفنون كافة، وفي الزمن الجميل يطرب المرء لكل وتر أو حنجرة تغرد لحناً يصدح بكلمات ساحرة وموسيقا تدخل في كنه الروح البشرية وتحلق بها في فضاء حالم. ولم يكن بعض رجال السياسة في بلدنا بعيدين عن هذه الفنون فبالرغم من تقلبات السياسة وهمومها كان للفن وأهله حيز كبير في حياتهم، ونال الكثير منهم حفاوة الاستقبال والرعاية.

كانت ولم تزل دمشق الشام موئل أهل الفن والطرب، جاؤوها ليتتلمذوا على يديها، أو جاؤوها لينعموا بروعتها وحضارتها، أو جاؤوا إليها ليطربوا أهلها. وأم كلثوم مطربة القرن العشرين وكوكب الشرق جاءت دمشق عدة مرات في أعوام مختلفة، عام 1933 و1955 و1957 و1958 و1959.. وسهرت معها دمشق حتى ساعات الصباح الأولى، فكانت أم كلثوم موضع اهتمامٍ وترحيبٍ من كل السوريين فما حكاية أم كلثوم مع دمشق ومن أطلق عليها لقب «كوكب الشرق»؟

أم كلثوم
هي فاطمة إبراهيم البلتاجي، مطربة مصرية، اشتهرت في مصر وفي عموم العالم العربي والعالمي في القرن العشرين، ولقبت بـ«كوكب الشرق» و«سيدة الغناءالعربي» و«الست». توفيت في القاهرة يوم الإثنين في الثالث من شباط 1975 عن عمر يناهز 75 عاماً، وسيرة حياة أم كلثوم مملوءة بالأحداث والتفاصيل التي ساهمت في تشكيل هذه الظاهرة الفريدة، فالفتاة التي أبصرت النور عام 1904 (الميلاد الرسمي لها) والتي أصبحت أعظم مطربات مصر والعرب في القرن العشرين لا تتوقف أهميتها على ذلك بل ربما يكون الأمر الأشد إثارة هو أنها خرجت من أصغر قرى الريف المصري وأقلها شأناً وأهمية (قرية طماي الزهايرة) ومن أسرة عادية. لكنها تمكنت بمواهبها الفنية وبحسن تصرفها في إدارة هذه المواهب أن تجد موقعاً فنياً متميزاً لها في القاهرة والعالم، استقبلها الملوك والرؤساء ونالت أوسمة عدة وأول مطربة غنت بدار الأوبرا في باريس ومن شدة طربه وعظمة صوتها صعد أحد الحاضرين من الفرنسيين إلى المسرح وقبل قدميها.
تعلمت أم كلثوم الغناء من أبيها، عبر ارتيادها أفراح القرية والمدن المجاورة واحتفالاتها الفقيرة. وفي عام 1923، انتقلت إلى القاهرة، بعد أن حازت شهرة كبيرة في منطقة الدلتا، وبشكلٍ خاص في غناء القصائد والموشحات الدينية. وفي القاهرة التقت الملحن أبو العلا محمد، الذي أصبح معلمها الرئيس فيما بعد، وهو الذي قدمها للشاعر أحمد رامي الذي علمها الشعر.
وعن سبب تسميتها باسم أم كلثوم، فتقول في مقابله صحفيه أجريت معها عام 1980م في بغداد: «عندما ولدت وكان ذلك يوم 31 كانون الأول من عام 1908 اختار لي والدي الشيخ إبراهيم هذا الاسم تيمنا باسم إحدى بنات النبي محمد (عليه الصلاة والسلام) وقد صادف يوم مولدي ليلة القدر 27 رمضان المبارك».
كما أن هنالك روايات عدة عن سبب تسميتها باسم كوكب الشرق، حيث يقال: مع إطلالة العام 1928 كانت أم كلثوم في مدينة القدس حيث غنت على مسرح «عدن» أمام جمهور غفير من عشاق الطرب والشعر العربي القديم، كما وصف هذه الزيارة الموسيقار المقدسي واصف جوهرية بأنها كانت ليلة من الليالي الملاح ومن الأيام التي لا تنسى.
ومن القدس توجهت أم كلثوم إلى حيفا بواسطة القطار لتحيي هنالك سهرتين إحداهما في شارع «الملوك» وثانيهما في مسرح «الإنشراح» المشهور قبيل النكبة.
وفي حيفا أطلق على أم كلثوم لقب «كوكب الشرق» من سيدة حيفاوية تدعى أم فؤاد صعدت إلى المسرح لتحيي المطربة أم كلثوم وقالت لها من شدة إعجابها «أنت كوكب الشرق بأكمله.
وهنالك رواية أخرى تقول، أطلق هذا اللقب على أم كلثوم المذيع محمد فتحي الشهير بكروان الإذاعة الذي كان ينقل حفلاتها على الهواء مباشرة طوال الأربعينيات، وكان يقصد بذلك تميزها عن غيرها من النجوم بأنها أكبر من نجوم الشرق وهي المركز وهم تابعون لها فكان اسمها «كوكباً» للشرق.
أحيت أم كلثوم العديد من الحفلات الغنائية في سورية، وكان وكيل أعمالها في الشام أحمد الجاك.. فقد جاءت أم كلثوم لدمشق مرات عدة منها عام 1933 وعام 1955 وعام 1957 وعام 1958 وعام 1959 وأقامت حفلاتها على مسرح أرض معرض دمشق، وسينما دمشق ومسرح مدرسة اللاييك وسينما الزهراء، وكانت كلما أتت إلى دمشق ذهبت في الوقت نفسه إلى لبنان لتحيي حفلاً هناك.. ومن أهم الحفلات التي أقامتها بدمشق كانت في شهر حزيران من عام 1955 بدعوة من جمعية المبرة النسائية في حديقة مدرسة اللاييك (معهد الشهيد باسل الأسد الآن) وكانت هذه الحديقة تتسع لثلاثة آلاف مقعد ولكن الحضور تجاوز خمسة آلاف وكان على رأس الحضور آنذاك رئيس مجلس الوزراء صبري العسلي والوزراء خالد العظم، وعبد الباقي نظام الدين، ورئيف الملقي، وحامد الخوجة، وفاخر الكيالي، وليون زمريا، ومأمون الكزبري، ووهيب الغانم، كما حضر حفل أم كلثوم هذا أعضاء مجلس النواب وعلى رأسهم الزعيم الوطني فخري البارودي، وغاب رئيس المجلس ناظم القدسي لأسباب وصفتها الصحافة آنذاك بالقاهرة جدا، وكان ضيف الشرف في الحضور الشيخ فهد السالم الصباح وزير الأشغال العامة في الكويت الذي حضر إلى دمشق خصيصا ليسمع صوت أم كلثوم.
استقبلت دمشق عام 1955م أم كلثوم استقبال الأم الحنون، حيث أحيت فيها حفلتين أطربت بهما الحضور الذي جاءها من كل أنحاء سورية والدول المجاورة.. واستقبلها أهل سورية بكل شرائحهم الفنانون والسياسيون والجنود الذين تعتز بهم أم كلثوم (وهذا ما عبرت عنه في الصورة المرافقة لهذه المقالة).

البارودي يهمس لأم كلثوم
لم يغب الزعيم الوطني والسياسي والمبدع فخري البارودي عن حفلات أم كلثوم التي أحيتها في دمشق أو لبنان فقد كان من أشد المعجبين بها وبصوتها، ودارة فخري البارودي التي كانت موئلاً للسياسيين والفنانين، استقبل بها أكثر من مرة السيدة أم كلثوم بحفاوة لا مثيل لها، والطريف ما حصل بين أم كلثوم والبارودي في عام 1955م، ففي هذا العام أقامت أم كلثوم حفلة على مسرح سينما دمشق غنت بها «جددت حبك ليه» وبعد منتصف الأغنية يقف فخري البارودي ويصرخ بأعلى صوت: «اللـه يبليكِ بحبي» فتضحك أم كلثوم ويحصل الهرج والمرج فيعود ليقول البارودي: «يا أم كلثوم يبليكِ بحبي إن شاء اللـه بجاه الحبيب» وكلمات البارودي واضحة في جميع تسجيلات هذه الحفلة التي أقيمت في دمشق عام 1955م.
رحل فخري البارودي ورحلت أم كلثوم، رحمهما الله، وبقيت الذكرى خالدة.

إضافة تعليق جديد