قليلاً من العقل يا سورية

 

د. كمال أبوديب

 

 

الذين يضرمون جحيم الحرب الأهلية لن يرقصوا، لحظةَ انتصارهم، إلا على أشلاء الضحايا وخرائب سورية الجميلة.

 

 

1

وإنما أقول ‘قليلاً من العقل’ لأن طلب الكثير من العقل، في زمن الهيجانات العربية الجامحة، ليس أقلَّ من طلب إبرة من الألماس في أعماق المحيط الهادي. فلقد فقدت قوى كثيرة في سورية قدْراً كبيراً من عقلها، وأضاعت القدرةَ على الرؤية التي يصوغها العقل، ولم تعد ترى، لا بالبصر ولا بالبصيرة، ما ستؤول إليه سورية من خراب ودمار، وتناثرِ أشلاء وعويلِ مقابر، إذا استمرّت في غيّها، وألقت بالمزيد من الوقود في جحيم الحرب الأهلية التي بدأت تشتعل في مكان هنا ومكان هناك. ولقد كانت سورية عاقلة، بالقياس إلى غيرها، في كفاحها من أجل مستقبل أفضل، وسعيها إلى التغيير والتحديث، وبحثها عن سبل لحياة كريمة. كانت عاقلة حتى في العدد الكبير من الانقلابات العسكرية التي بدأت بعد خلاصها من الاستعمار الفرنسي بقليل. فلقد كان انقلابٌ يتلو انقلاباً دون أن تسيل أنهار من الدماء في الشوارع أو تملأ الجثث الأرصفة. وكانت سورية عاقلة نسبياً، بالقياس إلى ما حولها، في الصراعات المستمرّة بين أحزابها وفئاتها الاجتماعية، وفي مقاومتها للاستبداد، ومعارضتها لنظامِ حكم بعد نظامِ حكم. ولم تخرج على سلطان العقل إلا حين اتخذ الصراع صبغة صراع طائفي على السلطة، وهو صراع ما يزال ينهش تاريخنا بأكمله منذ سقيفة بني ساعدة ثم انتزاع معاوية لدمشق، قلبِ سورية، من عليٍّ وانتزاع الخلافة بعدها. وهو يتجدّد اليوم في أقنعة مختلفة لكنه في معظم لُجَجِه يستعيد الصراع العريق في أكثر صوره بدائيّةً وقبحاً، وتخلّفاً وتدميراً.

 

 

وفي زخم هذا الصراع فقدتْ سورية- وما تزال تفقد كلّ يوم جديد- قدْراً فاجعاً مما تملكه من عقل، ولم يعد لديها إلا القليل منه. وإلى هذا القليل أتوجه بما أكتبه اليوم.

 

 

وما أكتبه صرخةٌ تهيب بسورية أن تتمسّك ببقية ما لديها من عقل، وأن تدرك أن الصراعات التي تدور فيها ليست صراعات داخلية بريئة، بل هي جزء مكوِّن من الصراعات التي تدور عليها، وأن تتذكر أن فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة وتركيا (عثمانية وأتاتوركية)، لم تهتمَّ في تاريخنا كلّه بقدر ‘قِشر بصَلة’ بما هو في صالحنا (واسألوا عن ذلك ظلاماً عثمانياً لأربعة قرون، ثم سايكس- بيكو وميسلون، وفلسطين ولواء اسكندرون)، وأن تدرك أن هذه الدول، مفردةً ومجتمعة، تضرم نيران الحرب الأهلية لتخدم مصالحها هي لاحياتنا ومستقبلنا نحن. وهي كلّها تستمرّ، مع حلفائها من العرب، في تحريض الهيجان وإيقاد اللهيب السياسي والإعلامي والعسكريّ، وتغذية الحمّى الطائفية والمذهبيّة والعرقيّة، مدركةً تماماً أن ذلك كلّه لن يؤدّيَ إلى ‘حماية المدنيين’(غرضها المزعوم) بل إلى مزيد من القتل وسفك الدماء والثأر والدمار، وإلى زرع بذور الكراهية والحقد الذي سيظلّ يلتهب في صدور المغلوبين دهوراً، أيّاً كانت الفئة التي تخرج ‘منتصرة’ من الحرب الأهلية الفاغرة أفواهَها مثل جحيم الآخرة الموعود.

 

 

ثم إنني أكتب لأهيبَ بسورية أن تدرك أنها تُحْصَر يوماً بعد يوم، بل ساعة بعد ساعة، بين فكوك كمّاشات، لا كمّاشة واحدة، تطوّقها من جهاتها الخمس، ساعيةً إلى تفكيكها بلدةً بلدةً ومدينةً مدينةً وقريةً قريةً، وإلى تفكيك جيشها وتشظيته بحيث يمزّق بعضه بعضه، كما يمزّق مدنيّوها بعضهم بعضاً حارة حارة، وعشيرة عشيرة، وفئة فئة، ومذهباً مذهباً. ولقد اندغمت، في نفوس الذين يخطِّطون لهذا الدمار من خارج سورية، الرغبةُ في توجيه ضربة قاصمة لإيران وحزب الله، عن طريق تحطيم سورية، مع الشهوات المندلعة من أجيج الصراع المذهبيّ العريق في تاريخنا المأساوي. وقد تكون دول عربية منحت صكّاً مفتوحاً لتركيا ولغيرها لدفع تكاليف إعادة الإعمار إذا تمّت الغلبةُ للقوى التي تدعمها، بعد أن أظهرتْ دولٌ غربية أنها لن تغزو سورية في عملية ‘دَمِّرْ ثم عَمِّرْ’ جديدة (وهي رغم ما أظهرته قد تدفع تركيا لتكون رأسَ حربة وجسراً لغزو قوى الناتو لسورية). وأنا لا ألقي الكلام جزافاً، ولا أخترع لغة الغزو الخارجي والتفكيك والحرب الأهلية اختراعاً، بل أستقيها من كلام قوى تعارض النظام السوري الآن وتهدده بالويلات والثبور. واقرأوا دليلاً على ذلك في ما يقوله الصهيونيُّ الفرنسي البارز برنار هنري-ليفي، الذي يسمونه فيلسوفاً، عن ضرورة تطبيق ‘السابقة الليبية’ على سورية، كما يقول في مقال له إن شخصيات من المعارضة السورية بينه وبينهم اتصال وتعاون على مدى الأشهر الماضية بدأوا يقبلون الآن ما كانوا يرفضونه سابقاً، وهو التدخل الأجنبي وتطبيق ‘مبدأ ليبيا’ على سورية، مباهياً بأنه، بالتعاون مع ساركوزي، لعب دوراً كبيراً في دفع فرنسا لغزو ليبيا، وأنه الآن يلعب الدور نفسه بإزاء سورية. ثم اقرأوا ما لا يقلّ دلالة في تصريح للأمير سعود فيصل وزير الخارجية السعودي، الذي قال إن فشل المبادرة العربية ‘…ما في شك سيؤدي إلى تدويل القضية ونقله إلى الأمم المتحدة’ مضيفاً، في جملة كاشفة تبدو لي نذيراً فادحاً: ‘نحن لا نريد تدويل الموضوع نحن نريد الحلَّ العربي… وضعنا الحلّ الذي نعتقد أن يجنب سورية التدخل الأجنبي وخطر التقسيم وخطر التفكك وخطر الانهيار الاقتصادي ولكن للأسف لم يكن هناك استجابة.’ (جريدة الحياة، 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2011). وليس لأيٍّ من هذه النذر الجهنَّمية واللغة المرعبة، والدمار المرسوم، علاقةٌ بما تسعون إليه من حرية وديمقراطية وإصلاح وتغيير وعدالة ومساواة وتطوير وبناء.

 

 

 

2

 

وفي ظلمات ذلك كلّه، يتيه ما يسمونه ‘الشَّعب’. والشعب ناقة يحلبها الجميع حين يشاؤون، ثم يركبونها أنَّى يشاؤون. وتظلّ الناقة الحَلوب حَلوباً، وتظلّ الناقة الرَكوب رَكوباً. و’الشَّعْب’ في العربية كلمة غامضة ملتبسة، لاأعرف أنها وردت في اللغة قبل الآية القرآنية ‘إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شُعوباً وقبائلَ لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم’. والذين يستعملون كلمة ‘الشعب’ الآن لا علاقة لهم بالتقوى أو بمقاييس الله في المفاضلة بين عباده. بل إنهم قد لا يعرفون معنى كلمة ‘الشعب’ فعلاً. وهي في اللغة قرينة التشعُّب والافتراق، ولا علاقة لها بالوحدة والهويّة الشاملة لجماعات مختلفة من البشر يعيشون ضمن ‘وطن’ محدّد جغرافياً في إطار صيغة الدولة الواحدة المستقلة. ومن أصلها كلمة ‘الشِّعْب’ بكسرة على الشين، وجمعُها ‘الشِّعاب’ ‘والشُعَب’ أي الطرق المتشعِّبة المتباينة في بقعة من الأرض. (ومن الأصل نفسه أيضاً كلمة’ شَعوب’ وهي تعني المنيّة = الموت. وإن هذه لَمِن أعجب الترابطات والتشعُّبات). وفي الاستخدام المعاصر لكلمة ‘الشَّعب’ معادلاً للكلمة الأوروبية people غموضٌ وإبهام وطاقة على التضليل، إذ يستطيع أيّ من البشر أن يزعم أنه يمثِّل ‘الشَّعب’، وأنه ينطق باسم ‘الشَّعب’، أو يحكم باسم ‘الشعب’، وهو لا يمثِّل إلا ‘شِعباً’ من الشّعاب، وليس ثمّة دليل واحد على أنه يمثِّل وطناً بأكمله. فأحد أقطاب المعارضة، مثلاً، يزعم أنه الممثِّل لِ ‘الشعب’ السوري، دون أن يكون قد قام فعلاً بما يزعم أنه يحارب النظام السوري من أجله، (وهو الديمقراطية والحرية)، فهو لم يَسْتَفْتِ السوريين جميعاً على الموضوع لإبداء رأيهم بحرية كاملة في كونه يمثِّلهم أو لا يمثِّلهم. والمتظاهرون في بقاع مختلفة من البلدان العربية يهتفون ‘الشعب يريد إسقاط النظام’، وهم لم يحصلوا على تفويض من هذه الناقة الحَلوب بأن يصرخوا باسمها أنها تريد إسقاط النظام. والأنظمة العربية تعلن ليلَ نهار أنها تحكم باسم ‘الشَّعب’، وتعمل لخدمة ‘الشَّعب’ دون أن تقدِّم دليلاً واحداً على صدق ما تدّعيه وصحته. ولا يتردّد أحد في استحضار هذه الناقة الحَلوب في كلّ مكان وزمان ليحقّقَ لنفسه مكاسب يبتغيها. فثمة معارضون يفاوضون (باسم الشَّعب) الدولَ الأجنبية (التي استعمرت بلدهم لعقود أو قرون ولم يتخلّصوا منها إلا بتقديم الضحايا والكفاح المسلّح المرير) ويستجدونها لغزو البلد الذي يريدون الوصولَ إلى السلطة فيه بأيّ ثمن، وبدعوى تحرير ‘الشعب’ من الطغيان، و حقن دماء ‘الشعب’. وثمة أنظمة تزعم أن ‘الشَّعب’ يقف معها وأنه سيقاتل بقيادتها ضدّ كلّ تدخّل أجنبي. وكلُّ بلد عربي في الواقع ليس أكثر من شِعاب وقبائلَ ومجموعات عرقية ومذهبية ولغوية ودينية متشعّبة، وليس بينها واحد حتى واحد- يشكِّل مجموعة متجانسة من البشر يعيشون في شيء يسمّونه جميعاً ‘الوطن’ ويدينون بالانتماء إليه قبل كلّ انتماء آخر وفوق كلّ انتماء آخر . فمَن منح أيّاً من هذه ‘الشِّعاب’ المتناطحة حقَّ أن تنطق باسم ‘الشَّعب’ وتدَّعي أنها تمثِّل ‘الشَّعب’، دعك عن كونها الممثِّل الوحيد ل ‘الشَّعب’ كما يزعم بعضها؟

 

 

 

 

3

 

ونحن على حافة الهاوية، تفاجئنا الأسئلة المرعبة.

 

 

هل ثمّة ثمَن معقولٌ ومقبول للحرية، حتى في معناها المطلق، وثمنٌ غير معقول أو مقبول؟ ذلك سؤال لا يبدو أن الأطراف المحاربة تطرحه على نفسها. وهل ثمّة ثمنٌ معقولٌ ومقبول للبقاء في السلطة، وثمن غير معقول أو مقبول؟ وذلك أيضاً سؤال لا يبدو أن الحكّام يطرحونه على أنفسهم. والحقّ أن الجواب على كلا السؤالين واضح ومباشر وهو: نعم.

 

 

أجل: هناك ثمن معقول ومقبول، وثمن غير معقول أو مقبول، لكلا الحرية والسلطة. والثمن غير المعقول أو المقبول هو تدميرُ البلد وإحراقها في جحيم الحرب الأهلية، وغرسُ الحقد ونعيقِ غربان الثأر في أعراقها لدهور قادمات، سواء أاِنتصر الذين يزعمون أنهم يحاربون من أجل الحرية، أو الذين يقبضون على أعنَّةَ السلطة.

 

 

وهناك أيضاً ثمن لإجهار المفكِّر برأي يضع مصيرَ سورية وسكّانها فوق كل اعتبار آخر، بما في ذلك طلب الحرية والديمقراطية والبقاء في كرسي الحكم، وأعلم أنني سأدفع هذا الثمن بصورة أو بأخرى، لأنني أقول ما أقوله هنا، رغم أنني قضيت العمر في النضال من أجل الحرية، قولاً وعملاً، وكتبت عشرات المقالات عبر أربعين عاماً ضدّ القمع والاستبداد والطغيان. لكن الأغلى من أيّ شيء آخر الآن هو أن ننقذ سورية، ولا بد من أن تعلو أصوات جريئة تقول إن خلاص سورية لا يكون إلا بإنقاذها من الحرب الأهلية والغزو الخارجيّ، وإن ذلك ينبغي أن يكون الهدفَ الأسمى للجميع. ولقد أخذت بوادرُ كلا الحرب الأهلية والغزو تتراكم وتتجمّع في نقاط تمتدّ من اسطنبول إلى لندن وأقرب منهما و أبعد منهما. واسمعوا ما قاله ديفيد كاميرون وعبد الله غول في لقائهما في لندن يوم 22 تشرين الثاني/نوفمبر. كاميرون يقول ‘إن اندلاع حرب أهلية شاملة في سورية أمر محتمل جداً’ (كما نقلت الخبر جريدة الحياة يوم 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2011). و يقول، وهو يطري موقف تركيا والجامعة العربية ‘القيادي’ تجاه سورية، إن هذا الموقف ‘يوفّر لنا سبيلاً لوضع حدّ لوحشية هذا النظام الذي أفلس معنوياً’. ويقول غول إن الموقف في سورية ‘وصل إلى نقطة اللاعودة’، كما يقول ‘إن تعريف هذا النضال الديمقراطي بموجب خطوط طائفية ودينية وعرقية سيجرّ المنطقة بأسرها إلى الاضطرابات وإراقة الدماء’. واقرأوا ما كتبه برنار هنري- ليفي عن استكمال تشكيل التحالفات التي غزت ليبيا، داخلية وخارجية، استعداداً لغزو سورية. ومثلُ هذه اللغة ليست إلا إعداداً للرأي العام وتمهيداً للغزو الذي يخطّطون له حين يرون في ذلك ما يحقق أهدافهم.

 

 

لقد أوشك إنقاذ سورية من الخراب المروِّع أن يتجاوز حدودَ الممكن، ولم يعد أيٌّ من الأطراف المتصارعة يملك الكثيرَ من القدرة على تحقيقه. ويكاد زمام المبادرة أن يفلتَ من أيديهم تماماً، وتقبضَ عليه القوى الخارجية. ولقد دجّج كلّ طرف من المتصارعين نفسه بالأسلحة، وتقوم جهات عديدة، عربية وغربية (الفرقُ بينها ضئيل ضآلة النقطة التي تفرق العين عن الغين) بدعم مقاتليه و تسليحهم، وستبذل كلٌّ منها الجهودَ القصوى لمساعدته على دحر خصمه والقضاء عليه، إلى أن تأكل النارُ نفسَها حين لا تعود تجد ما تأكله. وذلك ما ينبغي أن يدركه المتنازعون في سورية أفراداً وجماعاتٍ ومذاهبَ وأحزاباً ومِلَلاً ونِحَلاً. كما ينبغي أن يدركوا أن توازن القوى المرعب بينهم لن يقود إلى نصر لأيّ منهم، بل سيؤدي إلى حرب ضروس تلتهم الجميع، و تقود إلى تقسيم البلد وتخريبه، وتدمير كلّ ما تمّ بناؤه فيه عبر قرن مديد من الطموحات والتضحيات والإخفاقات والإنجازات. ويبدو لي أن القوة الوحيدة القادرة الآن على إيقاف مسار الاندفاع إلى الجحيم هم الملايين الصامتة في سورية: الملايين من كسب إلى السويداء، وفي دمشق وحلب واللاذقية وطرطوس، وفي عشرات البقاع والقرى والمدن، الملايين الذين لم يدخلوا طرفاً في الصراع على السلطة وفي الصراع على سورية، لأنهم يدركون بحدْس أصيل، وبصورة واعية أو لاوعية، خطورةَ إحياء الثأر التاريخي بين طائفة وطائفة ومذهب ومذهب. وهم قادرون على الفاعلية إذا خرجوا إلى الشوارع وهتفوا بالملايين: ‘لا نريد هذا الرعبَ الهاجم والدمارَ المحتّم من أيّ منكم أيها السادة. نريد أن تبقى سورية البلدَ الجميل الذي نحبّ. لن يكون بينكم منتصر ومندحر، بل ستكون سورية هي المندحرة، وستكونون كلكم مهزومين إذا دمّرتم هذا البلد الذي به نعتزّ، وإلى ترابه ننتمي’.

 

 

في غياب أيّة إمكانية أخرى واضحة لمنع الدمار الهائل الذي ينتظر سورية وراء الباب نصف المفتوح (ولقد فتحته أيدٍ عربية تعمل بإرشاد سادتها الغربيين) لا أملَ إلا في هتاف هذه الملايين التي ما تزال تملك شيئاً من العقل، في خضمّ انهيار القدرة على المحاكمة السليمة، والرؤية الواضحة، وفي زمن ‘اغتيال العقل’، لدى الكثيرين من قبائل الأطراف المتصارعة. فهلّا صرختم يا عقلاء سورية، وأنتم الأغلبية الصامتة، بصوت مجلجل هدّار: ‘سورية أعظم من كرسيّ حكم، وأغلى من حرية موهومة وديمقراطية لا تربةَ لها. وإنَّ في سلوك كلّ منكم الدليلَ الواصم على أنْ لا هذه ستكون، ولا تلك ستتحقق، أيّاً كان المنتصر منكم، وأيّاً كان المهزوم. وإننا، أيّاً كانت الشعارات التي يرفعها هذا أو ذاك، مخلصةً كانت أو مزيَّفة، لا نريد أن يرقص ‘المنتصرون’ على أنقاض سورية وسواد خرائبها، وعلى أشلاء أهلها، وتراب مقابرها، وفوق آبار الحقد وطلب الثأر التي ستظلّ تغلي في عروق تضاريسها الشاسعة لقرون تأتي. فبحقِّ سورية كفاكم سفكَ دماء. فإن سفك الدماء لن ينجيكم من التهلكة، وانظروا إلى ما يحيق بكم جميعاً من دواهٍ، فلقد تغيّر العالم خلال هذه الأشهر الثمانية من صراعكم، وتغيّرت الأولويات من حولكم، ولم يعد ما بدأ هتافاً من أجل الحرية والإصلاح والعدالة وفرص العمل وتأمين لقمة العيش ما كان عليه، بل أصبح الهدفُ الأول تمزيقَ سورية، بشراً وجغرافيةً، وتقطيعَ أوصالها، وإشعالَ الحرائق التي تلتهم مساحاتها الخضراء، وتضرم جحيم القتل وطلب الثأر بين فئاتها المتباينة، وشِعابها المتعدّدة، لدهور آتيات. وإن ذلك لَمصيرٌ واحد لكم جميعاً سواء بسواء. أجل لقد تغيّرت الأولويات عند من يريدون لكم الدمار فلتتغيّر أولوياتكم أنتم ليكون لكم هدف واحد أوحد: هو درء الحرب الأهلية وإنقاذ سورية من الخراب.

 

 

فقليلاً من العقل، حتى لو آمن كلّ منكم بأنه على صواب، ومهما بلغ إيمانكم بما هو حقٌّ لكم، وباطلٌ لغيركم، وأيّاً كان ما إليه تسعون، ومن أجله تسفكون ما تسفكون’.

 

 

بلى،

 

قليلاً من العقل يا سورية.



د . كمال أبو ديب

 

إضافة تعليق جديد