مِعْطَفُ الكَاشمير

   بقلم: سعيد فريحة  مرض السرحان والنسيان في العبد لله قديم، واقدم منه(اللخبطة) في الأسماء.
سرحت مرة فنسيت اسمي، وبدلاً من ان اكتب في ذيل مقال (للأنوار) اسم سعيد فريحه كتبت اسم سعيد فواز...
وسألني نجلي عصام قبل ان يرسل المقال الى المطبعة:
- شو قصة سعيد فواز?
قلت: خير ان شاء الله، هل حدث له مكروه?
فضحك النجل العزيز وقال:
- كلا، ان الذي حدث هو طلائع مكروه لنا نحن...
وكثيراً ما سرحت ولا ازال اسرح، فانسى حتى أسماء الرفاق الأعزاء في (دار الصياد):
عزت صافي يصبح أحياناً عزت جُعفر.
ورفيق خوري... رئيف خوري.


وعدنان حطيط... عدنان الحكيم او عدنان الحوت. وقد أنسى الاسم كله فأقول للسكرتيرة:
- ذكّريني يا فيوليت...
فتضحك وتذكّرني بأن اسمها ماري لا فيوليت.
هذا مع الرفاق، فكيف مع غيرهم!
اتذكر الوجوه دائماً، ولكني انسى او (اتلخبط) في أسماء أصحابها.
ومثال ذلك اني كنت في مطلع الشباب صديقاً حميماً لفتاة اسمها نديمة.
وبعد مضي ربع قرن صادفت (والدتها( في الطريق فرحبت بها وسألتها:
- كيف حال نديمة?
وكانت صدمة لن انساها وهي تقول لي:
-(تفو عليك... انا نديمة)!
ولا ازال اذكر يوم كنت اجري مسرعاً في مطار بيروت لالحق بالطائرة، فاذا بصديق قديم يقطع عليّ الطريق ويهتف:
- اهلاً أبا عصام، كيف الحال?
قلت:
- عال.
واردت ان احيد عنه واكمل طريقي، فعاد يستوقفني ويقول:
- يظهر انك لم تعرفني.
قلت:
- ولو... معقول ما اعرفك?
قال:
- (طيّب، انا مين(?
قلت:
- (مش) يوسف?
قال:
- اي يوسف?
قلت:
- سمعان?
قال:
- اي سمعان?
وهنا ضاق صدري فزعقت:
- صرماية عتيقة... اتركني سافر!
وسمعته يقول وأنا اجتازه مندفعاً نحو الطائرة:
- (ضيعانو... خرّف بكير)!

* * *

وعدت من تلك الرحلة بعدما نسيت معطفي في سيارة التاكسي التي اقلتني من احد الفنادق في لندن الى المطار.
ولم اشك لحظة في اني سأجده عاجلاً ام آجلاً في مخزن الأشياء الضائعة هناك، وهكذا كان.
وبالمناسبة:
ان لي مع معطفي حكايات لا تنتهي فاما ان انساه في مكان ما، او استبدله بمعطف آخر من غير قصد، او يضيع مني ولا اعرف أين.
واذا لم يحدث شيء من هذا، حدث ما هو أشد وأدهى.
ويذكر ابناء الجيل المخضرم من قرّاء (الجعبة) كيف ان المرحوم يوسف بيدس اهداني ذات يوم قطعة كشمير لأفصلها معطفاً ازهو به على لابسي معاطف الجوخ...
وارسلت القطعة الى احد الخياطين، وطلبت منه ان يضع كل مهارته في تفصيلها لأنها المرة الأولى في حياتي التي ألبس فيها معطفاً من الكشمير.
وكان بعد ذلك ان اجرى لي ثلاث بروفات امام المرآة، ثم انتهى المعطف وارسل الى البيت، وعندما هممت بارتدائه اكتشفت ان الكشمير الأسود تحوّل الى رمادي فاتح...
واتصلت بالخياط الماهر لأقول له:
- لقد ارسلت لي معطفاً غير معطفي.
قال:
- غلطان... انه معطفك.
قلت:
- بل انت الغلطان... انه ليس معطفي.
وطال الأخذ والرد قبل ان يقتنع صاحبنا بأنه هو الغلطان فعلاً.
فقد نسي وهو يفصل قطعة الكشمير انها لي، وظنها لزبون آخر من اصحاب الوجاهة والملايين، ففصّلها، واجرى عليها البروفات فلم ينتبه حضرة المليونير الى ان جوخه صار كشميراً.
ولا انتبهت أنا الى ان كشميري صار جوخاً.
بل كان الانتباه، من جهتي، بعد خراب البصرة، اي بعد وقوع الخطأ الذي استحال تصحيحه لأن قامة الوجيه المليونير مثل ضميره، في حجم الكارت بوستال.

* * *

حتى معطف الجوخ البديل لم اهنأ به، واليك ما حدث.
ارتديته ذات يوم من أيام الشتاء، وذهبت لزيارة الرئيس رشيد كرامي في منزله في بيروت وكان دولته يتدثر بالعباءة، فبقيت متدثراً بالمعطف، وجلسنا نتحدث عن كل شيء ما عدا البرد الشديد والمنزل القديم العالي السقف، الخالي من وسائل التدفئة.
وفجأة، قال الرئيس كرامي:
- (ريحة) حريق يا جماعة.
واكتشفت الجماعة التي هي من الزائرين ان الحريق هو في معطفي وليس في عباءة الرئيس، والحمد لله...
اما السبب فهو سيجارتي اللعينة التي تحرق ملابسي كما تحرق اصابعي ورئتي... ورغم ذلك يظل سلطانها عليَّ اشد من سلطان بنت 16.

* * *

وكرت الأعوام، الى ان اقتربت نهاية العام الماضي، فأوصيت على معطف كشمير عند خياط في بيروت، هو ميناس بلتكيان!
ولم انسَ هذه المرة ان اوصيه، ليس بالاتقان فحسب، بل بعدم حرماني أيضاً من أمنية العمر، وهي ارتداء معطف كشمير اذا صدف ولمسته يد ناعمة تضاعف اللمس وتلاه الهمس ونام الحرير على الحرير...
وانتهى المعطف، فارتديته وطرت الى لندن التي تزدحم باللمس والهمس وخدود الحرير...
وكانت المفاجأة او الصدمة عندما رجعت أخيراً وقيل لي في البيت:
- ما هذا المعطف? انه ليس معطفك.
قلت:
- (مش) معقول!
- معقول ونص... انظر، انه معطف قديم، مجعلك، ملطخ، ليس فيه شيء من الكشمير.
ونظرت ولم اتردد في التصديق، ثم اسرعت اتصل بصديق لي في لندن واطلب منه ان يبحث عن معطفي الذي استبدلته بمعطف آخر.
وعددت له اسماء الأماكن التي ارتدتها في العاصمة البريطانية، ولم يكن بينها مجلس العموم، ولا متحف مدام توسو، ولا برج لندن.
ذلك اني لم اعتد ان اضيّع وقتي في الرحلات بمشاهدة تماثيل الشمع، سواء كانت في المتاحف او في مجلس العموم...
واكره زيارة الأبراج القديمة التي ترمز الى الظلم، وخصوصاً ظلم هنري الثامن الذي كان يقتل زوجاته لتصوره بأنهن خائنات. ولو كان هذا صحيحاً لقتل هو وسلمت الزوجات اذ ليس من المعقول ان تقدم صاحبات الجلالة على خيانة ملك طاغية، وهن يعلمن حق العلم ان المصير هو قطع الرأس.
بل المعقول، اذا كان لا بد من الخيانة، ان يزاح الملك من الطريق بجرعة كأس او لذعة عقرب او طعنة في السرير، كما جرت العادة...
ولكن الذي حدث ان هنري الثامن سلم من القتل وقطعت رؤوس الزوجات البريئات لتقطع بعد ذلك ألوف الرؤوس في بريطانيا، لأن اصحابها رفضوا ان يطيعوا امر هنري الثامن عندما اختلف مع قداسة البابا ويصيروا بروتستانت.
ثم جاءت كريمة صاحب الجلالة وخليفته في الملك وقطعت رؤوس الذين اطاعوا امر والدها وتركوا الكثلكة.
وتفضل بعد هذا زر برج لندن، وعش مع الماضي بكل ما فيه من مظالم ومجازر وجثث محنّطة، واترك الحاضر الزاخر بالجمال الحي، والميني جوب، والابتسامات المزدوجة وبالحرير الذي ينام على الحرير!

* * *

وتلقيت برقية من صديقي في لندن يقول فيها انه زار جميع الأماكن التي ذكرتها له، فلم يعثر على المعطف المفقود.
وطلب ان ارسل له برقية اذكر فيها لون المعطف الذي رجعت به من لندن واسم صاحبه الذي لا بد وأن يكون مسجلاً عليه، مع اسم المحل الذي اشتراه منه.
وجئت بالمعطف القديم، المجعلك الملطّخ، الذي ليس فيه شيء من الكشمير، واخذت أبحث في جيوبه الداخلية عن الاتيكيت المطلوبة.
وفرحت عندما عثرت عليها. وتحوّل فرحي الى دهشة وذهول وخجل من النفس، حين قرأت على (الاتيكيت) اسمي، واسم الخياط ميناس بلتكيان في بيروت.
اذاً، فهو معطفي.
ومرض السرحان والنسيان هو مرضي الدائم الذي لا شفاء منه الا بالكتابة عن اعراضه... وما أكثرها، وما أقل ما اذكر منها!

(17/2/1972)

 

إضافة تعليق جديد