يد الكون الخفية

لا تكتفي الطاقة المعتمة (المظلمة)

بدفع الكون نحو التوسع، فهي

تحافظ أيضا على شكل المجرات والمسافات الفاصلة بينها.

<J.Ch.كونسيلايس>

 

 

لماذا اقتضى الأمر هذا الوقت كله؟ إذ لم يكتشف الفلكيون إلا في عام 1998 أننا كنا فاقدين لما يقرب من ثلاثة أرباع محتويات الكون، ما يسمى الطاقة المعتمة ـ شكل غير معروف من أشكال الطاقة، ينطلق بخفة نحونا على الدوام، واضعا مصير الكون بين يديه، مع أننا لا نكاد نحس بوجوده. صحيح إن بعض الباحثين تكهنوا بوجود هذه الطاقة وكانوا يرون أن كشفها يرقى إلى مستوى أكثر اكتشافات القرن العشرين ثورية. وتشكل الطاقة المعتمة معظم الكون على ما يبدو. ليس هذا وحسب لأن وجودها، إذا ما ثبت مع مرور الزمن، سيتطلب على الأرجح تطوير نظريات جديدة في الفيزياء.

 

لقد بدأ العلميون بالكاد عملية طويلة لمعرفة ماهية الطاقة المعتمة والنتائج المترتبة على وجودها. وقد حققوا الاختراق الأول: إن بمقدور الطاقة المعتمة، إضافة إلى إفشائها سر وجودها عبر تأثيرها في الكون ككل، أن تكيِّف تطور قاطني هذا الكون ـ النجوم والمجرات وعناقيد المجرات. ولعقود طويلة كان الفلكيون، على أغلب الظن، ينظرون إلى ما فعلته يداها من دون أن يفهموه.

 

ومن عجائب التقادير، أن انتشار الطاقة المعتمة في كل مكان هو الذي جعل تعرفها على هذه الدرجة من الصعوبة. فالطاقة المعتمة، على خلاف المادة، لا تتجمع في بعض المواضع دون سواها؛ فهي تنتشر، من حيث طبيعتها، بالتساوي في كل مكان ـ في المطبخ أو في الفضاء بين المجرات ـ وأيا كان الموضع، فإن لها نفس الكثافة 10-26 كيلوغرام في المتر المكعب، أي ما يكافئ حفنة من ذرات الهدروجين. وتعادل الطاقة المعتمة كلها في المنظومة الشمسية كتة نيزك صغير، وهذا ما يجعل منها حقا لاعبا لا وزن له في رقصة الكواكب. ولا تظهر تأثيراتها إلا إذا نظرنا إليها من مسافات وعلى فترات زمنية طويلة.

 

 

 

 

منذ أيام الفلكي الأمريكي <E.هَبْلّ>، كان الراصدون يعرفون أن جميع المجرات ـ ما عدا أقربها إلينا ـ تبتعد عنا بسرعة كبيرة تتناسب مع المسافة: فكلما بعدت المجرة أسرع تباعدها. ويعني هذا النمط من الحركة أن المجرات لا تتحرك في الفضاء بالمعنى المتعارف عليه، وإنما تنجر بسبب تمدد بنية الفضاء نفسه [انظر: «أفكار خاطئة عن الانفجار الأعظم»، العلوم، العددان 3/4 (2005)، ص 4]. لقد بذل الفلكيون جهودا كبيرة خلال عقود للإجابة عن أول سؤال يخطر على البال: كيف يتغير معدل توسع الكون مع الزمن؟ واستخلصوا أنه لا بد من تباطؤ الجاذبية التثاقلية gravitational attaction مادامت هذه الجاذبية التي تمارسها المجرات في اتجاه بعضها بعضا هي التي أبطلت مفعول التوسع الخارجي.

 

وأول دليل رصدي واضح على تغير معدل التوسع اشتمل على مستسعرات(1) بعيدة، وهي نجوم متفجرة يمكن استخدامها كمعالم للتوسع الكوني مثلما تتيح مراقبةُ قطعةِ خشبٍ طافية على سطح نهر قياسَ سرعة ماء هذا النهر. وقد أوضحت هذه الأرصاد أن التوسع كان في الماضي أبطأ مما هو عليه حاليا، ومن ثم فهو متسارع. وأنه على الخصوص كان متباطئا ولكنه في وقت ما أخذ بالتسارع [انظر: «مسح الزمكان بالمستعرات الأعظمية»،مجلة العلوم، العدد 11 (1999)، ص 52، و «توسع الكون من تباطؤ إلى تسارع»، العددان 4/5(2004) ، ص 74]. وقد جرى التحقق من هذه النتيجة المدهشة من خلال دراسات مستقلة لإشعاعات الخلفية الميكروموجية الكونية، وذلك، على سبيل المثال، بالمسبار (2).WMAP

 

 

يمكن للطاقة المعتمة أن تكون همزة الوصل بين مظاهر عديدة من تشكل المجرات كانت في العادة تبدو عديمة الصلة.

 

 

 

 

ويمكننا أن نستخلص من ذلك أن قوانين الثقالة gravity التي تنطبق على مقاييس المجرات الفائقة supergalactic مختلفة عما هي عليه في المقاييس الأصغر، بحيث لا تستطيع ثقالة المجرات في واقع الأمر مقاومة التوسع. إلا أن الفرضية الأكثر قبولا هي قوانين الثقالة وأن شكلا من أشكال الطاقة، لم يعرفه العلم من قبل، يعارض ويتغلب على تجاذب المجرات مبعدا بعضها عن بعض بسرعة متعاظمة باستمرار. ومع أن الطاقة المعتمة ليس لها مفعول في مجرتنا (ناهيك عن مطبخنا)، فإنها تتجمع لتشكل أهم قوة في الكون.

 

نحات كوني(**)

 

لقد وجد الفلكيون وهم يكتشفون هذه الظاهرة الجديدة أن للطاقة المعتمة، إضافة إلى تحديدها المعدل العام لتوسع الكون، نتائج بعيدة الأمد في المقاييس الصغيرة. إن أول ما نلاحظه عندما ننظر إلى الكون المرصود هو توزع المادة في المقاييس الكونية على شكل شبكات عنكبوت ـ ضفائر خيوط تمتد عشرات ملايين السنين الضوئية يفصلها عن بعضها فراغات بالأبعاد نفسها. وأظهرت المحاكاة الحاجة إلى كل من المادة والطاقة المعتمة لتفسير هذا النمط.

 

ليست هذه النتيجة مدهشة حقا، فالخيوط والفراغات ليست أجساما متماسكة كما هي عليه حال الكواكب على سبيل المثال. فهي لم تنفصل عن التوسع الكوني العام ولم تثبت توازن قواها الداخلية. إنها إلى حد ما مظهر أنتجه التنافس بين التوسع الكوني (وأي ظاهرة تؤثر فيه) وبين تثاقلها الذاتي دون أن يكون لأي منهما السيطرة الكلية على الآخر. فلو كانت الطاقة المعتمة أقوى لانتصر التوسع ولتشتتت المادة بدلا من تكثفها في خيوط. أما لو كانت أضعف لتكثفت المادة أكثر مما هي عليه [انظر المؤطر في الصفحة 40].

 

ولكن الأمر يصبح أكثر تعقيدا عندما نقرب النظر حتى نصل إلى مقياس المجرات وعناقيدها. فالمجرات بما فيها مجرتنا (درب التبانة) لا تتوسع بمرور الزمن. إن ما يعين أبعادها هو التعادل بين التثاقل وبين العزم الزاوي(3) للنجوم، عزم الغازات والمواد الأخرى التي تكونها؛ إنها لا تنمو إلا بإضافة مواد آتية من الفضاء بين المجرات أو بالاندماج مع المجرات الأخرى، وليس للتوسع الكوني مفعول يذكر عليها. وبناء عليه، فليس هناك ما يثبت أن للطاقة المعتمة دورا ما في كيفية تشكل المجرات. وكذلك الأمر بالنسبة إلى عناقيد المجرات، وهي الأجسام الأشد تماسكا في الكون ـ تجمعات لآلاف من المجرات مرسخة في غيمة شاسعة من الغاز الساخن ومترابطة بفعل الثقالة.

 

ومع ذلك يبدو حاليا أنه من الممكن أن تكون الطاقة المعتمة همزة الوصل بين مظاهر عديدة في تشكل المجرات كانت تبدو حتى وقت قريب عديمة الصلة. وسبب ذلك هو أن ما يُسيِّر جزئيا تشكل هذه المنظومات وتطورها هو تفاعل المجرات واندماجها، ومن الممكن أن تكون الطاقة المعتمة هي التي قادت إلى ذلك بقوة.

 

ولكي نفهم تأثير الطاقة المعتمة في تشكل المجرات، لننظر أولا كيف تم هذا التشكل كما يراه الفلكيون. تقوم النظريات على فكرة وجود نوعين من المادة الأساسية. هناك أولا المادة العادية التي تتفاعل جزيئاتها بيسر فيما بينها كما تتفاعل مع الإشعاع الكهرمغنطيسي إذا كانت مشحونة كهربائيا. ويسمي الفلكيون هذا النوع من المادة «باريوني» baryonic استنادا إلى مكوناتها الغالبة، وهي الباريونات، كالپروتونات والنترونات. وثانيا هناك المادة المعتمة (التي تختلف عن الطاقة المعتمة)، التي تؤلف ما يصل إلى 85 في المئة من المادة كلها، وخاصيتها البارزة هي أنها تحتوي على جزيئات لا تتفاعل مع الإشعاع؛ ولكنها تسلك سلوك المادة العادية فيما يخص الثقالة.

 

 

نظرة إجمالية/ الطاقة المعتمة(***)

 

 تعرف الطاقة المعتمة بكونها عامل التسارع الكوني المفترض ـ وهي ماهية غير محددة تمارس نوعا من القوة المضادة للثقالة على نطاق الكون كله.

 للطاقة المعتمة تأثيرات ثانوية في المواد الكونية أقل شهرة، فهي تساعد على ترسيخ شكل الضفائر المميز للمادة في المقاييس الكبيرة. أما في المقاييس الأصغر فقد أزالت على ما يبدو نمو عناقيد المجرات قبل نحو ستة بلايين سنة.

 وفي المقاييس الأصغر من تلك خفضت الطاقة المعتمة معدل اهتزاز المجرات ومن التطامها واندماجها في بعضها. وتكيف هذه التفاعلات شكل المجرات. فلو كانت الطاقة المعتمة أقوى أو أضعف مما هي عليه حاليا لكان من الممكن أن يضعف معدل تشكل النجوم في درب التبانة ويستحيل أن تتركب العناصر الثقيلة التي يتكون كوكبنا منها.

 

لقد بدأت المادة المعتمة ـ وفق النماذج المتداولة ـ بُعيد وقوع الانفجار الأعظم بالتجمع محدثة قطرات blobs كروية، يُسميها الفلكيون «هالات» halos. أما الباريونات فقد حالت دون تجمعها في البداية تفاعلاتُها فيما بينها وتفاعلاتها مع الإشعاع، وبقيت في طور غازي حار. وقد تبرد هذا الغاز مع توسع الكون وصار في مقدور الباريونات أن تتكدس فوق بعضها، فتألفت النجوم والمجرات الأولى من هذا الغاز المبرد بعد بضع مئات من ملايين السنين إثر الانفجار الأعظم. ولم تتكون تلك النجوم والمجرات في أمكنة عشوائية وإنما في مراكز هالات المادة المعتمة التي كانت قد تشكلت.

 

ومنذ ثمانينات القرن الماضي، قام عدد من الباحثين النظريين(4) بمحاكيات حاسوبية لهذه السيرورة. وبينوا أن أغلب البُنى الأولى كانت هالات مادة معتمة صغيرة ومنخفضة الكتلة. ولما كان الكون البدائي عظيم الكثافة، فقد اندمجت هذه الهالات المنخفضة الكتلة (ومعها المجرات التي احتوت عليها) لتشكل منظومات أكبر كتلة. وهكذا كانت سيرورة نشوء المجرات أشبه ببناء دار لعبة الأطفال انطلاقا من لبنات <ليگو>(5)، من الأسفل نحو الأعلى. (والإمكانية المقابلة سيرورة تبدأ من فوق إلى تحت حيث تبدأ من دار اللعبة وتحطمها للحصول على اللبنات). لقد بحثت مع زملائي في اختبار هذه النماذج وذلك بتفحص المجرات البعيدة وكيفية اندماجها على مدى الزمن الكوني.

 

 

دليل الطاقة المعتمة(****)

 

 

انفجار المستسعرات supernova

 في كون يتسع، تتباعد المجرات عن بعضها بسرعة تتوقف على السرعة الفاصلة بينها. وتعطينا المستسعرات وسيلة لقياس هذا المفعول: فانحراف طيفها نحو الأحمر يكشف عن سرعة المجرات التي تحوي هذه المستسعرات كما يكشف لمعانها عن المسافة. وقد تبين أن المجرات كانت قبل بلايين السنين أبطأ مما يعطيه تقدير استقرائي بسيط لمعدل التوسع الحالي. وهذا يعني أن معدل التوسع قد ازداد بمرور الزمن ـ دمغة الطاقة المعتمة.

 الإشعاع الميكروموجي المستحاث الكوني

 تحوي صور الإشعاع المستحاث بقعا تعكس أبعادها الظاهرة هندسة الفضاء ومن ثم كثافة الكون. وتتجاوز قيمة الكثافة قيمة كمية المادة [العادية والغريبة]، وهكذا فإن مركبا مفقودا كالطاقة المعتمة يمثل الفرق بينهما. إضافة إلى ذلك فقد جرى تعديل طفيف لإشعاع الخلفية من قبل الحقول التثاقلية للبنى الكونية. وتتوقف كمية هذا التعديل على كيفية التغير الزمني لمعدل التوسع وتتلاءم مع فعل الطاقة المعتمة.

 هيئة المجرات

 لا تنتشر المجرات عشوائيا في السماء ولكنها مركبة حسب أنماط معينة، يشبه أحدها البقع في الخلفية الميكروية الموجة، ويمكن استعماله لحساب كتلة الكون الكلية والتأكد من الحاجة إلى الطاقة المعتمة.

 عدسة الثقالة

 يمكن استخدام كمية من كتلة كعدسة لأن ثقالتها تحرف الضوء. ويمكن لعدسة من هذا القبيل إعطاء أخيلة عديدة. مثلما تفعل المرايا في دور التسلية عندما يكون الضوء خلفها تماما ـ يصبح هذا التراصف أكثر احتمالا كلما كبر الكون، وهذا يتوقف على مقدار الطاقة المعتمة. ويمكن لعدسة أضعف حَرْف الضوء بزاوية تتوقف على كتلتها. وقد كشفت دراسات هذه السيرورة كيف تضخمت كميات المادة مع مرور الزمن، ووجدت بصمة الطاقة المعتمة.

 عناقيد المجرات

 تتقفى الأرصاد بالأشعة السينية أثر تطور كتلة عناقيد المجرات. وشرح كيفية وموعد تشكل هذه العناقيد، يتطلب طاقةً معتمة.

 

 

تلاشي تشكل المجرات(*****)

 

تشير دراسات مفصلة إلى تشوه المجرات عند اندماجها معا. والمجرات الأولى، التي يمكننا رؤيتها، وجدت عندما كان عمر الكون نحو بليون سنة، وكان أغلبها يندمج على ما يبدو. إلا أن اندماج المجرات الضخمة أصبح أقل حدوثا بمرور الزمن. وهكذا انخفضت نسبة المجرات الضخمة الخاضعة للاندماج من النصف إلى ما يقرب العدم، وذلك خلال الفترة الممتدة بين بليونين وستة بلايين سنة بعد الانفجار الأعظم ـ أي خلال النصف الأول من تاريخ الكون. ومنذ ذلك الحين، تجمد توزع أشكال المجرات مما يدل على أن التحطم والاندماج صارا أقل شيوعا نسبيا.

 

 وفي واقع الأمر، إن 98 في المئة من المجرات الضخمة في الكون حاليا، هي إما إهليلجية (ناقصية) elliptic أو لولبية spiral وبأشكال قد تتصدع بالاندماج. وهذه المجرات مستقرة stable وتشتمل في غالب الأحيان على نجوم كهلة old، وهذا يدلنا على أن تكونها يجب أن يكون قد تم مبكرا، وأنها بقيت في شكل تركيبي morphological نظامي لفترة غير قصيرة من الزمن.

 

 لم يكن الانقطاع الافتراضي virtual للاندماج هو الطريقة الوحيدة التي أفقدت الكون زخمه منذ أن كان في منتصف عمره الحالي. فقد تناقص أيضا تشكل النجوم؛ فغالبية النجوم الموجودة حاليا ولدت في النصف الأول من التاريخ الكوني، وذلك كما بينته على نحو مقنع عدة فرق عمل(6) في تسعينات القرن الماضي. ومنذ عهد قريب جدا عرف الباحثون كيفية حدوث هذه النزعة. فمنذ أن بلغ الكون نصف عمره الحالي لم يبق فيه لمتابعة تكوين النجوم بمعدل مهم سوى المنظومات الخفيفة. وهذا التحول في مكان تشكل النجوم يعرف باسم التصغير المجراتي(7). ويبدو أن في الأمر مفارقة هنا. فحسب تنبؤات نظرية تشكل المجرات تتكون المجرات الأصغر أولا ثم تتجمع لتنتج المجرات الضخمة. ولكن تاريخ تشكل النجوم يبين العكس: فالمجرات الضخمة هي الساحة الأساسية لتوليد النجوم ثم تأتي بعدها المجرات الصغيرة لتحل محلها.

 

وتكمن الغرابة الأخرى في تباطؤ تشكل الثقوب السوداء الفائقة الكتلة، الموجودة في مراكز المجرات، بشكل ملحوظ. وهذه الثقوب تغذي الكوازارات quasars وأنماطًا أخرى من المجرات النشيطة، التي هي نادرة في الكون الحديث؛ والثقوب السوداء في مجرتنا وفي غيرها من المجرات هادئة. تُرى هل توجد صلة ما بين مختلف هذه النزعات في تطور المجرات؟ هل يمكن أن تكون الطاقة المعتمة هي السبب الأساسي؟

 

 

الطاقة المعتمدة تتولى الأمر (******)

 

 على الرغم من بدايته السريعة بعد الانفجار الأعظم، ما لبث إنشاء الكون بالاضمحلال تدريجيا. فقد اندمجت المجرات فيما بينها في البداية وغيرت أشكالها وكونت النجوم بخطى حثيثة، إلا أن هذا النشاط بدأ بالهوان في الفترة التي أصبحت فيها الطاقة المعتمة تضاهي المادة بشدتها [المناطق البنية في المخططات]. هل هذا محض مصادفة.

 

 

توقفت المجرات عن الاندماج

توقفت المجرات الأكثر لمعانا عن التصادم والتجمع عندما بلغ عمر الكون نحو ستة بلايين سنة. وبقيت المجرات الأقل إضاءة قادرة على الاندماج ولكن باحتمال ضعيف.

 

 

مجرات مستقرة في أشكال منتظمة

كان للمجرات في البداية أشكال غريبة، مما يشير إلى كونها تندمج فيما بينها. ولما أصبح الاندماج أقل تواترا، غلبت الأشكال اللولبية والإهليلجية.

 

 

وهن تشكل النجوم

كان الكون البدائي مرجلا تتشكل فيه النجوم؛ لكن هذا التشكل ما لبث أن بلغ ذروته، وبدأ بعدها بالهبوط؛ وهو حاليا في أدنى مستوياته.

 

 

لقد أصبحت الطاقة المعتمة أحد اللاعبين

 يمكن ردّ جميع هذه النزوعات trends المرصودة إلى حقيقة بسيطة واحدة: رقت المادة بتوسع الكون واقتربت كثافتها من كثافة الطاقة المعتمة [ذات الكثافة الثابتة في أبسط النماذج] وبدأ معدل التوسع بالتحول من التباطؤ إلى التسارع. وأخذت المجرات تتباعد بسرعة أكبر، فتضاءلت فرص تصادمها أو إبعاد الغاز لدفع عملية تشكل النجوم.

 

السيطرة الراسخة للطاقة المعتمة(*******)

 

لقد رأى بعض الفلكيين أن السيرورات الداخلية في المجرات، كالطاقة التي تطلقها الثقوب السوداء والمستسعرات supernova هي التي توقف تشكل المجرات والنجوم. إلا أن الطاقة المعتمة برزت كمتهم أساسي ممكن لأنها تستطيع ربط جميع هذه الأمور ببعضها، ويعتبر التزامن التقريبي بين انقضاض سيطرة الطاقة المعتمة وانتهاء تشكل أغلب المجرات والعناقيد، وثيقة الاتهام المركزية. وقد حدث كلاهما عندما كان الكون في نحو نصف عمره الحالي.

 

والفكرة هي كالتالي: كانت كثافة المادة حتى هذا العهد من التاريخ الكوني، عالية إلى حد جعل قوى التثاقل بين المجرات تطغى على مفاعيل الطاقة المعتمة. وكانت المجرات تتفاعل وغالبا ما تندمج. وقد تشكلت النجوم نتيجة تصادم الغيوم الغازية داخل المجرات، ونمت الثقوب السوداء عندما انجرَّت الغازات نحو مراكز هذه المنظومات. وبمرور الزمن وبتوسع الفضاء تفرقت المادة وضعفت الثقالة، في حين بقيت شدة الطاقة المعتمة ثابتة (أو تقريبا هكذا). وقد أدى انزياح التعادل القاسي بينهما في واقع الأمر إلى انتقال معدل التوسع من التباطؤ إلى التسارع. وتباعدت عندئذ البنى التي توجد فيها المجرات ومن ثم انخفض تدريجيا معدل اندماجها. وعلى النحو نفسه أصبح الغاز بين المجرات أقل قابلية للوقوع في شرك المجرات. وبعد حرمانها من الطاقة، أصبحت الثقوب السوداء أكثر هدوءا.

 

يمكن بهذا التسلسل تفسير تناقص مكونات المجرات. أغلب هالات halos المادة المعتمة الضخمة وكذا المجرات المطمورة فيها هي الأكثر تعنقدا أيضا؛ وتقع في جوار قريب من الهالات الضخمة الأخرى. ولذا فمن الممكن أن ترتطم بجاراتها قبل أن تفعل ذلك المنظومات الأقل كتلة. وحين تفعل ذلك تنبجس تشكلات نجومية. وتتوهج النجوم المكونة حديثا ثم تنفجر، فتسخِّن الغاز وتمنعه من الانهيار لتكوين نجوم جديدة. وهكذا يُخمد تشكل النجوم نفسه: تسخِّن النجوم الغاز الذي انبثقت منه وتحول بذلك دون تشكل نجوم جديدة. ويؤدي الثقب الأسود الموجود في مركز مجرة من هذا النوع دور مخمد آخر لتشكل النجوم. ويغذي اندماج المجرة الثقب الأسود بالغاز ويسبب ذلك إطلاق نافورات تسخن المنظومة وتحول دون تبردها لتشكيل نجوم جديدة.

 

وعلى ما يبدو فإنه إذا ما توقف تشكل النجوم في المجرات الكبيرة فلن يبدأ من جديد. وسبب ذلك على الأغلب نضوب الغاز في هذه المنظومات أو أنه يصبح حارا إلى حد يجعل من غير الممكن تبرده بسرعة كافية. ويمكن لهذه المجرات الضخمة متابعة الاندماج، ولكن النجوم الجديدة المنبثقة قليلة لندرة الغاز البارد. وبينما تركد المجرات الضخمة، تتابع المجرات الأصغر اندماجها وتشكل نجوما. والنتيجة أن المجرات الضخمة تتخذ أشكالها قبل الصغيرة، وهذا ما يحققه الرصد. وقد تعدل الطاقة المعتمة هذه السيرورة بتعيينها درجة عنقدة المجرات ومعدل الاندماج.

 

يمكن للطاقة المعتمة أن تفسر كذلك تطور عناقيد المجرات. فالعناقيد القديمة، التي وجدت عندما كان عمر الكون أقل من نصف عمره الحالي، كانت من قبل بكبر عناقيد اليوم؛ أي إن نمو العناقيد لم يكن بمقدار ذي شأن في الستة أو الثمانية بلايين سنة الماضية. وتدل قلة النمو هذه على تناقص وقوع المجرات في العناقيد منذ أن بلغ الكون قرابة نصف عمره ـ إنها إشارة مباشرة إلى تأثير الطاقة المعتمة في كيفية تفاعل المجرات في المقاييس الكبيرة. ومنذ منتصف تسعينات القرن الماضي، عرف الفلكيون أن عناقيد المجرات لم تكبر كثيرا في الثمانية بلايين سنة الماضية، وعزوا ذلك إلى أن كثافة المادة أقل مما تنبأت به الحجج النظرية. وقد حل اكتشاف الطاقة المعتمة الخلاف الذي كان قائما بين النظرية والرصد.

 

 

 لقد فقد الكون زخمه عندما بلغ نصف عمره الحالي، فتوقفت الاندماجات وهدأت الثقوب السوداء.

 

 

إن مصير المجرات الواقعة في جوارنا القريب والمعروفة باسم الزمرة المحلية local group مثال على الكيفية التي تحوّر فيها الطاقة المعتمة تاريخ عناقيد المجرات. فحتى فترة قريبة، كان الفلكيون يظنون أن درب التبانة والمرآة المسلسلة (آندروميدا)، وهي أقرب المجرات الضخمة إليه، سيقعان في العنقود القريب <کيرگو> Virgo. إلا أنه يبدو الآن أننا سننجو من هذا المصير، وأننا لن نصبح على الإطلاق جزءا من عنقود كبير من المجرات؛ إذ إن الطاقة المعتمة ستتسبب بتوسع المسافة، التي تفصلنا عن کيركو، بسرعة أكبر من تلك التي تتيح للزمرة المحلية أن تقطعه

 

 

 

سيناريوهات ماذا لو (********)

 

 لو كان الكون يمتلك كمية أكبر من الطاقة المعتمدة لبدا مختلفا بشكل جذري، ولبدأ تسارع الكون مبكرا، ولتباعدت المادة بسرعة أكبر ولقضي على تشكل البنى الكبيرة في المهد. ولحصل العكس لو كان الكون يمتلك كمية أقل من الطاقة المعتمة. ويبين كل إطار أدناه منطقةً تبعد بليون سنة ضوئية وتحتوي على 27 مليون جسيم يمثل كل واحد منها مجرة. تفترض هذه المحاكيات ثبات كثافة الطاقة المعتمة في الزمان والمكان. ويمثل المقدار =L كثافة الطاقة المعتمة اليوم، وهو الوسيط الكوني (الباراميتر الكوسمولوجي) الفاعل.

 

اليوم: في كون ذي كمية طاقة معتمة مرصودة (في الوسط)، انتهى تشكل البنى في المقاييس الكبيرة، تاركا شبكة العنكبوت مجمدة على حالها. أما في سيناريو الطاقة المعتمة المعدومة (في الأسفل) فإن شبكة العنكبوت تتابع نموها.

 

المرحلة الانتقالية: عندما أصبح حجم الكون مساويا لـ75 في المئة من حجمه الحالي، كانت تأثيرات الطاقة المعتمة شديدة. ويبدو الكون عديم الشكل في سيناريو الطاقة المعتمة العالية (في الأعلى). أما في السيناريوهين الآخرين فيستمر تشكل البنى، منتجا نمط شبكة عنكبوت.

 

الكون في بدايته: عندما كانت أبعاد الكون سدس أبعادها الحالية. تتوزع المادة بالتساوي في السيناريوهات الثلاثة. ولم تبدأ بعد الطاقة المعتمة بممارسة تأثيرها.

 

وبتضييق الخناق على التطور العنقودي، تتحكم الطاقة المعتمة أيضا في تكوين المجرات في العناقيد. فالمحيط العنقودي هو الذي يسهل تشكل تنوعات مختلفة من المجرات، مثل تلك التي تسمى عدسية الشكل lenticulars أو الإهليلجية (الناقصية) العملاقة والإهليلجية القزمة. وبتنظيمها قدرة المجرات على الدخول في العناقيد تفرض الطاقة المعتمة الوفرة النسبية لهذه الأنواع من المجرات.

 

 

يخوى الفضاء تاركا مجرتنا (درب التبانة) والمجرات المجاورة كجزيرة متزايدة العزلة.

 

 

 

كل هذا جيد، لكن أهذه هي الحقيقة؟ وبمرور الزمن يتضاءل اندماج المجرات، ونشاط الثقوب السوداء وتشكل النجوم، ومن المحتمل أن تكون هذه الأمور مرتبطة ببعضها بشكل أو بآخر. ويقع على عاتق الفلكيين متابعة تسلسل الأحداث بأكمله. إن جمع المعلومات التي يقوم بها الآن كل من مقراب (تلسكوب) هَبْل الفضائي ومرصد شاندرا للأشعة السينية والتصوير والتحليل الطيفي الشديد الحساسية على سطح الأرض، سيتيح لنا في السنوات القادمة تقصي حقيقة هذه الصلات. ويمكن فعل ذلك، على سبيل المثال، بالحصول على إحصاء جيد للمجرات النشيطة البعيدة وتحديد زمن آخر اندماج قامت به. ويتطلب التحليل الدقيق لهذه المعلومات وسائل نظرية جديدة لعلنا نتوصل إليها في الأعوام القليلة القادمة.

 

إيجاد حل وسط(*********)

 

يمكن لفكرة كون متسارع تسيطر عليه الطاقة المعتمة أن تفسر بشكل طبيعي جميع التغيرات المرصودة في جماعة المجرات ـ وتحديدا، توقف الاندماج ونتائجه الطبيعية العديدة، كضياع تشكل النجوم النشيط ونهاية التحولات المجراتية. فلو لم توجد الطاقة المعتمة، لاستمر اندماج المجرات على الأغلب مدة أطول مما حدث، ولاحتوى الكون الآن على عدد أكبر من المجرات الضخمة مع مجموعات من النجوم القديمة، ولحصلنا كذلك على عدد أقل من المنظومات الأقل كتلة ولندر وجود المجرات اللولبية من نوع مجرتنا (لأن اللولبيات لا تصمد أمام سيرورة الاندماج)؛ ولكانت البنى ذات المقاييس الكبيرة للمجرات، متراصة بمتانة أكبر، ولحدثت اندماجات بنى وتضخمات أكثر عددا.

 

وعلى العكس، لو كانت الطاقة المعتمة أقوى مما هي عليه لانخفض عدد الاندماجات في الكون، ومن ثم عدد المجرات الضخمة وعناقيد المجرات؛ ولكانت المجرات اللولبية والمجرات القزمة المنخفضة الكتلة وغير المنتظمة أكثر شيوعا نتيجة قلة الاندماجات والنقص الكبير في كتل عناقيد المجرات، أو ربما انعدام هذه العناقيد كليا. ومن المرجح أيضا تشكل عدد أقل من النجوم، وبقاء القسم الأكبر من الكتلة الباريونية لكوننا في الحالة الغازية.

 

ومع أن هذه السيرورات قد تبدو بعيدة، فإن للطريقة التي تتشكل فيها المجرات تأثيرا مباشرا في وجودنا. فالنجوم ضرورية لإنتاج عناصر أثقل من الليثيوم تدخل في تركيب الكواكب والحياة. فإذا كانت المعدلات البطيئة لتشكل النجوم تعني عدم تكون هذه العناصر بوفرة كبيرة، فلن يحتوي الكون عندئذ على العديد من الكواكب، وربما لم تظهر الحياة نفسها. وهكذا، فمن الممكن أن تكون الطاقة المعتمة قد أثرت تأثيرا عميقا في الكثير من مظاهر الكون المختلفة وغير المترابطة ظاهريا، بل لعلها أثرت في تفاصيل تاريخ كوكبنا بالذات.

 

هذا ولم ينته بحال من الأحوال دور الطاقة المعتمة في الكون، وقد يكون ذلك في صالح الحياة: سيمنع التسارع الانهيار الذي توقعه الفلكيون والذي كان مصدر قلق لهم في زمن غير بعيد. ولكن الطاقة المعتمة تحمل معها مخاطر أخرى. أقلها، هو أنها تفصل المجرات البعيدة عن بعضها وتجعلها تتباعد بسرعة كبيرة وتغيب عنا إلى الأبد. ويخوي الفضاء تاركا مجرتنا وجاراتها القريبة كجزيرة متزايدة العزلة. وعلى الغالب، سيصبح لعناقيد المجرات وللمجرات، بل وللنجوم المنجرفة في الفضاء بين المجرات مجال فعل تثاقلي محدود لا يتجاوز أحجامها الفردية.

 

قد تنمو الطاقة المعتمة في أسوأ الأحوال؛ فبعض النماذج تتنبأ أنه في حال ـ تعاظم سيطرة الطاقة المعتمة بمرور الزمن، فإنها ستمزق الأشياء المترابطة بفعل التثاقل، كعناقيد المجرات والمجرات، وستنزع الكوكب الأرضي عن الشمس في نهاية المطاف وستمزقه كما تمزق جميع ما عليه. وحتى الذرات ستتحطم. وبهذا تكون الطاقة المعتمة، التي كانت ملقاة في ظل المادة، قد أخذت بثأرها النهائي.

 


المؤلف

 Christopher Conselice

 

 فلكي ومحاضر في جامعة نوتينگهام الإنكليزية التي انتقل إليها حديثا من معهد كاليفورنيا للتقانة. لقد تخصص في تشكل المجرات وقاد عدة برامج رصد بالضوء تحت الأحمر وبالضوء المرئي في مقاريب (تلسكوبات) أرضية وفضائية على السواء.

 


 مراجع للاستزادة 

 

A Direct Measurement of Major Galaxy Mergers at z ≤ 3. Christopher J. Coselice, Matthew A. Bershady, Mark Dickinson and Casey Papovich in Astronomical Journal, Vol. 126, No. 3, pages 1183-1207; September 2003. www.arxiv.org/abs/astro-ph0306106.

 

Dark Energy. Robert R. Caldwell in Physics World, Vol. 17, No.5, pages 37-42; May 2004. http://physicsweb.org/articles/world/17/5/7.

 

The Extravagant Universe: Exploding Stars, Dark Energy, and the Accelerating Cosmos. Robert. P. Kirshner. Princeton University Press, 2004.

 

The Infinite Cosmos: Questions from the Frontiers of Cosmology. Joseph Silk. Oxford University Press, 2006. 

 


(*)THE UNIVERSE'S INVISIBLE HAND

(**) Cosmic Sculptor

(***) Overview/ Dark Energy

(****)EVIDENCE FOR DARK ENERGY

 (*****)Galaxy Formation Peters Out

(******)  Dark Energy Takes Charge

(*******) The Steady Grip of Dark Energy

(********) What-If Scenarios

(*********) Striking a Balance

 


(1)novaمستعر؛ supernova مستسعر، أو مستعر فائق (أعظمي).

(2) Wilkinson Microwave Anisotropy Probe

(3) المستسعر 1994D في المجرة NGC 4526.

(4) منهم <M.D.S.وايت> [من معهد ماكس پلانك لفيزياء النجوم في گارشينگ بألمانيا]، و<S.C.فرينك> [من جامعة درهم في إنكلترا].

(5)  اسم مخترع هذه اللبنات للعب الأطفال.

(6)  بما فيها الفرق التي قادها <J.S.ليلّي> [عندما كان في جامعة تورنتو] و<P.مادو> [عندما كان في معهد علم تلسكوب الفضاء] و<S.Ch.ستيدل> [من معهد كاليفورنيا للتقانة].

(7) galaxy downsizingانظر: "The Midlife Crisis of the Cosmos,"

by Amy J. Barger; Scientific American, January 2005.

(8) Par Sec) Parallaxe-sec) (فرسخ فلكي): وحدة طول يستعملها الفلكيون وهي تساوي 3.25 سنة ضوئية أي 3.08x1016 متر؛ giga جيگا = 1 بليون.

(العلوم-الترجمة العربية لscintific american)

إضافة تعليق جديد