حين يتناول الطائفيون مسالة الطائفية
تصنيف التدوينة: 

نأتي لمقولة أخرى يكررها أصحاب الفكر الغيبي الطائفي ويستندون عليها في محاكمة الوقائع والظاهرات , بطريقة سحب المحاور , وإرجاع الحدث الآني إلى الحدث الماضي بتطبيقه عليه كليا, متجاهلين كل المعطيات والمتغيرات في جملة يفترضونها جامدة هاربة من الزمان والمكان وهي:
"قياس الغائب على الشاهد"
وذلك بدون أن يبذلوا أي جهد بسيط في قراءة ما ينطوي وراء هذا ويرون ما هي النتائج التي ستوصلهم إليه هذه المقولة , وذلك بإخضاعها للشروط الواقعية (وفي الحقيقة إن أيا من تلك الطروحات تبقى صامدة في الفراغ مجردة من محدداتها , ولكنها لا تلبث أن تسقط عند أول ربط موضوعي أو واقعي ) , وسأحاول أن أورد العديد من الأمثلة من الآن وصاعداتقريبا للفكرة:
تصور لو أنك تعلم بأن فردا من عائلة ما هو مجرم خطير , وأنت لا تعرف أحدا من أفراد عائلته , فحين يطلب منك أحد أن تعطي رأيا بها فتقول: بقياس الغائب على الشاهد ..هذه العائلة مجرمة خطيرة !
وتصور لو نظر أي كان إلى وضع المسلمين اليوم بتخلفهم وتنازعهم وعجزهم عن الفعل الحضاري وانشغالهم بالأمور التافهة والسطحية , وقال :
إن المسلمين هم متخلفين وعاجزين في كل الأزمان والأماكن وذلك بقياس الغائب على الشاهد.
والآن ينتشر فيروس انفلونزا الخنازير h1n1 وأصيب به الآلاف حتى الآن , فتصور نفسك مسؤولا عن الصحة في بلد ما وعلمت بأن أول إصابة بهذا الفيروس قد أدت لوفاة صاحبها , وطلب إليك تقريرا عن إصابات جديدة , فتكتب ببساطة : سيموت هؤلاء المساكين حتما ..وذلك بقياس الغائب على الشاهد !
وقس على ذلك في المجتمع والطب والعلم والطبيعة والإقتصاد (وفي الإقتصاد قد تصبح الأمور كارثية ).
إذن ببساطة , يجرّد من يطرح مثل هذه المقولات الحدث والظاهرة من شروطها ومن محدداتها الواقعية , ويصفها كظاهرة سطحية منفردة غير متأثرة بالعوامل المحيطة وغير مؤثرة ويسحبها نحو الماضي بطريقة آلية ليطبقها على حدث وظاهرة حدثت فيه متجاهلا التغييرات الآنية والظروف الضرورية لنشوء وتشكل الظاهرة والحدث, كونه غير قادر على الخوض في تفاصيل الحدث الراهن وغير قادر على تحديد المعطيات اللازمة لدراسته وفهمه .

نأتي الآن لتداعي آخر من تداعيات الفكر الغيبي الطائفي والناجم عن هذا التجريد والنظرة الواحديةوهو علاقة الطائفي بالسياسي :
إن التعريف المعجمي البسيط الذي أورد للطائفة لا يميّز ما بين "الطائفة" وال"الطائفية" ولا يحدد لنا ما هي الطائفة التي يجري تعريفها، إلى أي مرحلة زمنية تنتمي. وهل هي دينية، ام ثقافيةأم ربما طبقية، أو ربما كل ذلك. وهل الطائفة هي انقسام عمودي زمني في المجتمعات أم أفقي ؟ وبما أنه لا يضع تحديدات فسوف نضعها نحن .
يعرفهاكانقسام عمودي خارج زمانها وظروفها,إن هذاالإنقسام العمودي الذي يبشر به هذا الفكر هو سمة بارزة للمجتمعات لحظة انحطاطها , حيث تنشأ في تلك الشروط بنيات وظواهر , لا يكون لها صفة الجوهر والكيان لأنها متغيرة بتغير الشروط والعوامل .
إن الطائفة هي العلاقة السياسية من التبعية التي تربط الفئات الفقيرة بالفئات المسيطرة اقتصاديا في علاقة تمثيل طائفي , والطائفية هي الشكل التاريخي المحدد للنظام السياسي الذي تمارس فيه الفئات المسيطرة اقتصاديا سيطرتها . وإن فهم الطائفة كتعصب ديني هو مفهوم مغلوط وساذج فهذا موجود منذ أقدم الأديان .
إذن من نواتج تجريده للظاهرة وللمسألة الطائفية من عواملها ومحدداتها وحصرها بمكون واحد هو الدين فهو معيار التجانس وهو معيار الإختلاف , يخفي العلاقة التي تربط الظاهرة السياسية بالقاعدة المادية ويخفي علاقة السلطة السياسية بالطبقة المسيطرة اقتصاديا ولاشك إن تغييب الإقتصادي يؤدي لتغييب السياسي نفسه.

إن اختزال المجتمع بكل مكوناته وتناقضاته وتفاوت عناصره ومستويات بنائها وتطورها بين قاعدة اقتصادية وبناء فوقي سياسي حقوقي أيديولوجي,إلى غير ذلك من أشكال تعقد هذا الكل ووحدته , يضع أصحاب هذا الفكر في مازق حقيقي لا يلبث أن ينتبهوا هم بأنهم بفعلهم هذا قد منعوا أنفسهم من الدخول في تطبيقات واقعية وراهنة .

وحتى يجدون لأنفسهم مخرجا من هذا التناقض ودون أن يعترفوا بالمحددات والعوامل التي أسقطوها سلفا , يعمدون إلى حل متناقض أكثر بحيث يطيّفون المفاهيم والعوامل والمحددات نفسها .
فتتحول على أيديهم مثلا عملية المقاومة ضد الإحتلال لعملية طائفية وتصبح العمالة للأجنبي طائفية والإستغلال الإقتصادي طائفيا والإنتاج والعلاقات الإنتاجية طائفية , و قس على بقية العوامل .

وبذا يكمل هذا الفكر مأزقه , بسوء تقديره وسذاجة طروحاته , فهو بنظرته للمجتمع المتعدد "طائفيا" نظرية واحدية ضيقة , وبتصنيفه لهذه البنى على أنها بنى وكيانات جوهرية وقائمة بذاتها , وهذه البنى أو الكيانات محكومة بإحدى العلاقتين :
متوازنة أو علاقة عنفية , معتمدة في توازنها على السلطةوتوازنها قائم بالسلطة , فإن ضعفت الدولة اختل التوازن المفترض وقامت الحرب الأهلية (والأمثلة هنا أكثر من أن تعد ), لا يوجد فيها حسم أو غلبة , فإذن وكما يؤدي هذا الفهم لا بد من إعادة التوازن بالعودة للنظام السياسي الضامن , الذي يضمن وجود الطوائف , فهو دائم بديمومة الطوائف , وهي قائمة ككيانات بوجودة .
إن هذا يعني أن وجود الطوائف جميعا –لا وجود طائفة واحدة- هو رهن بنظام السيطرة (الإقتصادي ,السياسي) القائم .وهذا هو قدر مجتمع الطوائف ..أن يتأبد ويتجمد ويخضع لتلك العلاقة , ولأنه خارج التاريخ وخارج الشروط والمحددات والعوامل جميعا فهو قائم بذاته أبديا سرمديا .

قلنا أن ظهور هذه التشكيلات والبنى , يتزامن مع لحظة انحطاط في المجتمعات ,ولكن مع تطور المجتمع ووصوله لمراحل إنتاج مختلفة , ستبرز أشكال جديدة للتعبير عن الصراعات الاجتماعية.
وهذه الصراعات الأفقية ستتولد عنها وسينجم عنها معطى مؤقت , لكنه سيؤدي دورا مهما في توليد بنى جديدة قد تأخذ أشكالا مختلفة في البداية (نقابات, جمعيات, منظمات ,روابط ...الخ) تؤدي هذه بدورها لتغير الشكل الذي أريد له أن يكون في تلك البنى المتخلفة والذي يجهد كلا الطرفين ,الفكر الغيبي والسلطة لإبقاء ناره متوقدة وإرجاع أي تطور أو تغيير إلى فكرة الإنقسامات العمودية والبنى المتكلسة والمهدد تحجرها باي خلل قد يطيح بهذا التوازن المفترض, ويتم التهديد بوجود أخطار كيانية وتهديد حقيقي لهذه الكيانات المبشّر بها والتي لا ضامن لها إلا السلطة الراعية للطوائف.
ومع استمرار تطور المجتمع , ستؤدي هذه العوامل والبنى "التي يكون لها طابعا مرحليا"مجتمعة لفرز معطيات جديدة تؤدي لحدوث تغييرات أعمق تشمل المستوى الحقوقي والسياسي الفوقي .
و لن تعود الدولة حينها تدار من قبل الأسياد و أصحاب الطبقة المسيطرة اقتصاديا. بل ستصبح تدار من قبل طبقة من المحترفين الذين أثبتوا أنفسهم من خلال تسلقهم الوظيفي ومهارتهم. وهو ما سيجعل مفهوم الكفاءة هو المفهوم السائد.وسيصبح لأشكال الإنتاج المختلفة الأولوية وستتطور وهذا سينعكس إيجابا على العلاقات المجتمعية.
فأشكال الانتماءات الإجتماعية هذه وسواها ستتحول تدريجياً حينها إلى طقس اجتماعي وثقافي فردي، أي معزول إلى هذا الحد أو ذاك . وهذا إلى حد ما يشكل مغزى مقولة فصل الدين عن الدولة.

إن استحضار وبروز هذه الأشكال من الانتماءات الاجتماعية ليس ناتج خصوصية مزعومة, وليس ناجما عن كونها انقساما عموديا , وليس ناجما عن كونها كيانات متبلورة ونهائية، كما أن هذه الأشكال لا تعبر عن نفسهاكونها ظاهرة عابرة للتاريخ. بل علينا فهم هذه الظاهرة بما هي نتاج مرحلة زمنية لانحطاط مجتمعي يتزامن مع فشل مشاريع التنمية في تحديث بنية المجتمع من جهة. وكونها نتاج شكل محدد من مرحلة تاريخية تكون للفئات المسيطرة فيها اقتصاديا منهجا في تأبيد سيطرتها السياسية، من جهة أخرى.

إن هذا الفكر بإرجاع عوامل التناقض والإختلاف لتلك البنيات التي يفترضها قائمة بذاتها, ولتلك المرحلة من انحطاط المجتمع , يلغي أي إمكانية لنشوء بنى وكيانات "مرحلية التكون"أفقيةوعابرة لهذه الأشكال كما ذكرت تتفق على شكل الصراع وتتحد في وجه فئات قوية ومتحكمة ولا تتنازل بسهولة عن مكاسبها وامتيازاتها ولا تدع طريقا وأسلوبا إلا وتطرقه لديمومة تحكمها وسيطرتها .
وعند هذا المستوى يلتقي هذا الفكر مع السلطة المستبدة , بل يكون في خدمتها وخدمة أهدافها وإحكام قبضتها على قوى المجتمع ألأخرى الحية الصاعدة ويقضي على فرص صعود ونشوء بنى وتجمعات لها أهداف وطنية ومجتمعية وحقوقية جامعة, و تضمن الطبقة المسيطرة، استمرار سيطرتها الطبقية و تصبح هذه العملية مشروعة من الوجهة الاجتماعية. وتضمن السلطة السياسية السيطرة على المجتمع عبر تمزيقه و عبر توظيف كل التمايزات والإختلافات، من الغنى الثقافي وتنوعه إلى تناقض المجتمع بكل أشكاله، وذلك في سبيل خلق تمايزات وهمية، تحرف التناقض فيه عن بعده الحقيقي.

إذن ماالذي تبقى لدى هذا الفكر الغيبي الطائفي؟
إنه وبعد أن قسّم المجتمع عموديا وبشّر بوجود كيانات جوهرية أبدية جامدة , لا يجمع بينها سوى السلطة السياسية الإقتصادية المسيطرة,ولا ضامن لها إلا هذه السلطة , ولا وجود لها ككيانات جوهرية إلا بوجود هكذا سلطة مستبدة مسيطرة مستغلة , فإن قيل طالماوصل مأزقكم إلى هذا الحد :
فإذن تعالوا لكي نعيد النضال المجتمعي لأصله الحقيقي بين فئات لا تملك إلا قوة عملها أو فكرها وبين فئات مسيطرة مستغلة , يقولون أعوذ بالله هذه ماركسية , ,وإذا قيل حسنا تعالوا لنفصل الدين عن الدولة , يقولون هذا لا يجوز فهذا فكر علماني , وإذا قيل لهم فإذن تعالوا لتنظيم عقد اجتماعي بين مكونات المجتمع وبين هذه والدولة , بحيث يضمن الأفراد حريتهم في الفكر و العقيدة والعمل والضمان والصحة وسوى ذلك يقولون هذا لا يجوز فهذه ليبرالية .
ماذا بقي لديكم ؟:الذي بقي هو إقامة الدولة الطائفية وفق المفهوم الذي يرونه ويبشرون به ووفق رؤيتهم للطائفة وللطائفية , وفي الحقيقة هو أقصى ما يمكن أن يصل إليه هذا الفكر وأبعد تحليل يمكن أن يقدمه.


وهنا خطورة الأمر في بلداننا العربية التي فشلت في اللحاق بركب التنمية والتصنيع بشكل يكاد يكون نهائي ، واستعاضت عن التنمية بنظام اقتصادي مشوه ,يعتمد على جمع الضرائب وعلى طبقة طفيليةغير منتجة من العملاء والسماسرة والتجار يخططون للبلد ويفرضون أولويات جشعهم واستغلالهم ولا يتوانون عن ضرب كل مقومات البناء والنهضة الحقيقية و ويزرعون أتباعهم في مفاصل السلطة تأمينا لمصالحهم الهائلة. ومن تداعيات الأمر، عودة الكومبرادورية بأبشع صورها. (وهو ما نشهده حاليا)وإسقاط أو عدم وجود أية خطط للتنمية. وأما المجتمعات ، فستكون في ركود وتقهقهر، يستحضر كل حالات التخلف .وتصبح هذه المجتمعات مهددة في كل خلل أو أزمة إن كان لأسباب داخلية أو خارجية بحروب واقتتال طائفي وسوى ذلك من حالات الصراعات الاجتماعيةالمستحضرة من لحظات الإنحطاط بصورها المتخلفة البالية ,الطائفيةوالعشائرية والإثنية.

الموضوع هام ومتشعب وله أبعاد أخرى لم أتطرق إليها خشية الإطالة قد أعود مستقبلا إليها, ولكنها نقاطا أراها مهمة ..

إضافة تعليق جديد