ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
تصنيف التدوينة: 

وأنا أيضا لم أكن أتوقع مثل هذا المستوى من الابتعاد عن عالم الواقع المعاش والطيران إلى رحاب التنظير لقضية واضحة المعالم معاشة يوميا من قبل الأغلبية الصامتة من أبناء شعبنا ، ولم يكن الطرح كما قد يعتقده البعض تأليبا لتلك الأغلبية على خرق السلم الأهلي والانجرار الى حافة الصدام بل كانت محاولة لانتزاع الاعتراف بوجود خطأ في الممارسة تزيد عن ربع قرن سببها التكوين النفسي المؤدلج بفكر ابعد من القروسطي لفريق حاكم ومن ثم البحث عن بوابات للحل معتقدة أيضا أنني أتكلم في قضية وطنية جامعية تتعلق بحفيداتي وأحفادي الذين لم ولن أربيهم على فكرة الانتقام رغم ما حل بي وبأقاربي .
وللعلم فان أسلوب المداورة حول الموضوع وتعميمه والبحث عن جذوره التي ربما كانت ستوصلنا الى تجار بني أمية وربما السقيفة هي ما يتفق عليه كل من الفكر الطائفي والفكر اليساري (المادي التاريخي والديالكتيكي ) ولعمري هذه مفارقة مذهلة أن يجمع احدهم بين النقيضين لكن لا عجب إن كانت تلك العملية توفر لصحابها نوعا من الرضى النفسي الداخلي أو لا تجعل منه منبوذا بين أفراد طائفته طالما أن محصلة فكره تلتقي مع انتماءاتهم الرجعية .
إن أسلوب التسفيه لكل مثال واقعي أو مثال مستند لحقيقة تاريخية كان هو المتبع في الحوار ، كذلك أسلوب إسقاط ما يعايشه المحاور على الآخرين من تهم التكفير والتخوين والتعميم أو الكلية هو من الأساليب المعيبة التي نحت بالحوار منحى لا يحسد عليه ومن أسوأ ما تضمنه الحوار تقويل الطرف الآخر ما لم يقله وكان ذلك مجرد استنتاجات غير دقيقة هدفها إرسال التهم جذافا ، كما لم يتضمن مقالي دعوة الى طائفة أو عقيدة فما أؤمن به معروف وواضح ولا يحتاج إلى زيادة مني ، لكن ما هو غير معرف وغير منشور ويكتب بالليالي الظلماء بحبر اسود ، وحقد أسود ، ويورث هو ما يجب إلقاء الضوء عليه .
وكم من الخطأ أن يخلص صاحب الفكر التحليلي المنطقي إلى أن من حاورته كانت تدعو إلى تقسيم المجتمع لبنى كيانية طائفيا بعد كل ما قدمته له من رؤيا عن المرحلة الوطنية التي أعقبت خروج الاستعمار من بلادنا والتي انقلب عليها الطائفيون بامتياز ورجعوا بالوطن كما عبر عن ذلك بعض الحاقدين إلى 1400 سنة ماضية .
وأعتقد أن مثل هذا التفكير لا يبشر بأمل في المصالحة بين أبناء الوطن الواحد (أساسه الاعتراف بأخطاء الماضي والاعتذار عنها وعدم ترك الجراح مفتوحة) لأنه يكرس فكرة أنني الأقوى وافعل ما شئت لكن منطق التاريخ مختلف اذ علمنا أن القوة تنتقل ومن سره زمن ساءته أزمان.
وإذا كان هناك من أمل فلا بد من إعادة شرح فكرة اليرقة المأسورة داخل شرنقتها فهذا أثمن ما انتهى إليه المقال فجماعة الأقلية هي من عودتنا على التشرنق وحفر الكهوف والهروب إلى أعالي الصخور والجبال لأنها قاصرة ذاتيا حقا عن الحركة والطيران لأسباب ذاتية في تركيبتها المذهبية العصبوية التي جعلتها تتعرض للأذى مرات ومرات عبر التاريخ ولاصطفافها وراء الأجنبي لا الوطني الذي تستقوي به على أبناء جلدتها .
لقد كانت حواراتي كلها على أمل أن أجد من يقول كلنا أخطأنا ربما وبدرجات متفاوتة نحو وطننا ونحو الآخرين ولم نمد الجسور الكافية للتقارب على أسس وطنية بعيدة عن التعصب بغض النظر عمن يحكم الآن ، وهذه هي الفرصة الثمينة للمصارحة والمكاشفة وإخراج ما في النفس من آلام وآمال فلم أجد سوى إصرار على الاتهامات الجاهزة والمعروفة ذات الطابع الأمني مما افقد الحوار كثيرا من أهدافه .
ومع ذلك لا يسد طاقة الأمل إلا غبي ، ولابد من مراجعة الذات وكشف الفكر المسيء لمجتمعه وإخراجه من باطنيته ومقاومته فهو الأكثر إساءة لأبناء الوطن ولنا في التجربة العراقية المجاورة خير مثال حي على أصحاب هذا الفكر الذين ركبوا على دبابات العدو فقط ليحكموا إلى حين من الدهر . وان أمثال هؤلاء هم من يسيء إلى كرامة الوطن وفكره وقيمه ونضاله ، ولن يكتب لهم الاستمرار وسيكتب التاريخ عنهم صفحات سوداء تليق بهم ، وهذا ما كان أملنا من الحوار وهو أن ننأى ببلدنا عنه ولكنها كانت محاولة .

إضافة تعليق جديد