الإله الراعي دموزي أساطير الخصب

تمهيد :

الزواج المقدس والإله الشهيد ثنائية معرفية ، تشكلت في بعد طبيعي مثل استجابة الفرد إلى إيجاد حلول لما يحيط به من ظواهر عاملا على إيجاد تفسير لها ثم العمل على استرضاء تلك الطبيعة ، وقد شكل هذا في النهاية جملة من الأساطير كونت مجتمعة البنية الثقافية لذلك المجتمع .

لقد عملنا على تأكيد الفعالية التاريخية ( للحدث ) ، باعتباره الثاوي وراء تلك الأساطير ويشكل باطراد ها سلاسل ، من خلال متابعتها ، فأنها تفتح شبكة من الممكنات التي تشكل تلك الأساطير ، التي نتعامل معها بوصفها غاية بحد ذاتها ، مبتعدين قدر الامكان عن التأويل الباطني مكتفين بالتفسير الظاهري بوصفها وسيلة لكشف المعنى متخذين من ( الحدث ) كأساس ومن اطراد ه كوسيلة في متابعة السلاسل التي ممكن إن تحيل إلى أخرى ومن ثم ممكن إن تتعرض إلى مرحلة تجعلها أكثر تجريدا أي صوب صورة ميتافيزيقية لاهوتية ، تجعل التعامل معها غير ممكن دون توسط تلك الأساطير التي شكلت الواسطة بين ( الحدث ) والنص القدسي في التوراة والإنجيل فيما بعد هذه الحلقة التي جاءت استجابة لإشكالية خاصة ، ومن هنا يجب التأكيد على الأتي :

1- يجب إضاءة الأساطير المتوسطة بين الحدث والتجريد الميتافيزيقي واللاهوتي .
2- كشف الظرف التاريخي للحدث .

وعلى هذا ممكن متابعة آليات تشكل المعنى ، فالتغير الذي يطرأ على الحدث الطبيعي أو التاريخي يكمن في بعدين : إما إن يرتفع ( الحدث ) ليندمج في الأساطير وبالتالي تقديم تاريخ مؤ سطر أو إنزال الأساطير واسطرة ( الحدث ) الذي سوف يشكل معنى مضاد لتلك الأساطير في البدء جاءت استجابة لحاجة وتفسير لظاهرة ، مرتبطة بوعي معلن فإذا ما تن إنزال تلك الأساطير وإسباغها على حدث تاريخي فان هذا سيولد الضد ( كما قلنا ) بمعنى انه سيخلق قطيعة مع ذلك الوعي الذي نشأ فيه أي الوعي الطبيعي . لان التوظيف سوف يسبغ معنى جديد وسوف يحرف في المعنى الأول لهذا إثرنا هنا إن نصف ذلك المعنى الأول ضمن محيطه التداولي الطبيعي . الذي شكل تعالي بالحدث من بعده التاريخي إلى الأسطورة وهذا حدث من خلال الآليات التالية :

1- حذف الزمان ، مما يجعل الحدث الممتد عرضة للتغيير عبر مسيرته من الشفاهية إلى التدوين .
2- إنزال الأساطير واظفائها على حدث أخر ، عبر أسطرته وتقدم تفسير له ووصف له ذات بعد أسطوري متعالي على التاريخية .
3- إخضاع الحدث إلى الطقس ، مما يجعله عرضة لتكرار في سبيل إدراك الحدث الأول المعنى الأصلي (لان تذكر الحدث ألبدئي وتحيينه يساعد الإنسان البدائي على تحيين الحقيقي والاحتفاظ به ) (1) .
4- ربطه بمكان رمزي يشكل علاقة بالأعالي من ناحية وبالعالم السفلي من ناحية أخرى وهذا المكان يتغير بتغير المتحدثون الذين يعيدون إضفاء ذلك التراث على إحداثهم أو إدخال التراث لتلك الثقافة في تراثها فتغير الأسماء والأماكن ضمن بعد يشكل صدام الحضارات وصراعها وإعادة امتلاك تلك الحقائق وإسباغها على تراثنا من خلال إحلال ألهتها محل الآلهة القديمة ، في فعالية تعكس صراع التواجد وفرض السلطة وامتلاك الارض والرأسمال الرمزي وتأميمه كما فعلت التوراة .

بعد هذا التمهيد نؤثر العودة إلى الثنائية المعرفية الزواج المقدس / الاستشهاد ( الفداء ). عبر فعالية الزواج المقدس قد طالعنا في تلك العلاقة التي ظهرت بين الراعي ( تموزي) والهة الخصب ( انانا - عشتار ) وهي تشكل نمط من أنماط الزواج المقدس ، ثم يعقب هذا نزول انانا إلى العالم السفلي .

هناك روايتان لنزول عشتار ( انانا ) :
فالرواية الآشورية المتأخرة تختلف في النهاية عن الرواية السومرية من حيث النهاية إذ في خاتمة الأسطورة التي أعقبت نزول عشتار إلى عالم الأموات . فحين تكتفي الرواية الآشورية بموافقة آلهة العالم الأسفل ابريشكيكال على إخلاء سبيل أختها عشتار من قبضة ذلك العالم مقابل وضع بديل عنها فيه بموجب قانون ذلك العالم بان من دخله ، الاها أو بشرا ، لا يخرج منه إلا مقابل وضع بديل عنه يحتجز فيه (2) . وقد يشير هذا إلى فعالية الفداء إذا ما عرفنا هذا الاعتقاد الآشوري له ما يبرره منن وجود فداء بشري .

إما الرواية السومرية حيث فيها تفصيلات أخرى عن خروج الآلهة عشتار ( انانا ) ذلك العالم وصلة الآلهة ( تموزي - تموز ) بهذا الحدث ولقد اختلف الباحثون في الباعث لنزولها إلى العالم من اجل استعادة زوجها ( تموز ) من أسرار عالم الموت ، ولكن لا يوجد ما يؤيد هذا الرأي فيما وصل إلينا من نصوص مسمارية ومنها هذه الأسطورة ، فليس منها ما يشير إلى إن ( تموز) كان موجودا في ذلك العالم قبل نزول عشتار إليه ففي الرواية السومرية ما يشير إلى نقيض ذلك فان ( انانا) ( عشتار)نفسها كانت السبب في حبس تموز في ذلك العالم وأنها هي التي قدمته بديلا عنها مقابل قيامتها منه . وارتأى باحثون آخرون احتمال ان الباعث الذي من اجله نزلت إلى العالم ما بعد الموت إنما كان لإطلاق أرواح الموتى منه ، وسترد بعض الإشارات في النص الآشوري إلى هذا الغرض وهو غرض لا يعلم تفسيره على إن الرواية السومرية تتضمن إشارة قد توضح الغرض من نزول انانا ( في رأي طه باقر ) ، ففي الأسطر 75 - 88 من نص هذه الأسطورة تجيب هذه الآلهة أبواب العالم الأسفل بعد استجوابه لها عن سبب نزولها أنها جاءت مناجل الاشتراك في شعائر الدفن الخاصة بزواج الآلهة ( ايريشكيكال ) المسمى ( كو - كال - أنا ) ويبدو إن هذا الزواج كان قبل مجيء نرجال إلى العالم الأسفل وزواجه بالآلهة ) (3) . إلا إن هذا التعليل غامض نظرا لما لقته من معاملة قاسية من أختها لكن كريمر يعلل ذلك النزول في وجود غاية لديها تكمن في سعيها إلى توسيع سلطتها لتحكم جهنم أيضا بالإضافة لحكمها السماء(4) . ولكن فراس السواح له تعليل يرى ( عشتار) هنا هي آلهة القمر(5) التي تنزل عند المحاق إلى العالم السفلي وبعد كل قطعة من ملابسها وحليها التي ارتدتها عند قيامها بهذه الرحلة ما هي إلا كناية عن مراحل دورة القمر الذي يكتمل في منتصف الشهر ويهبط متناقصا خلال الجزء التالي من دورته )(6) . لكن هذا التأويل ليس صحيحا لان اله القمر أباها ( نانا)(7) . ( سن)وهي آلهة الزهرة في الصباح ترمز للحرب وفي السماء آلهة للحب والخصب عند الآشوريين لكن التعليل الذي نعتقده سببا لنزولها هو إن الإنسان المبكر كان يعزو كل شيء إلى قوى مفارقة ميتافيزيقية ولهذا ندما يبحث عن سبب التغير في فصول السنة فانه يبحث عن سبب جاء بفعل خطأ ارتكب في البدء كان سببا للموت والخضرة لهذا وجد التعليل في اندفاع عشتار التي كانت رمزا للخصب وهي تمثل أيضا محاولة لإشراك الرجل في الخصب وهذا يدفعنا إلى تحليل الخطاب الأنثوي والخطاب ألذكوري .

1- الخطاب الأنثوي : وهو الذي يقوم على أساس المشابهة بين المرأة والأرض والخصوبة إذن تتوحد المرأة صوفيا مع الأرض وتتبدىء الولادة ، على الصعيد البشري ، شكلا أخر من الخصوبة الأرضية وجميع الخبرات الدينية التي لها صلة بالخصوبة والولادة ذات بنية كونية . إن قدسية المرأة متوقفة على قداسة الأرض . وللخصوبة الأنثوية نموذج كوني هو نموذج الأرض - ألام ، ألام الكونية ، حيث يعتقد إن الأرض - ألام قادرة على الحبل بمفردها ، دون مساعدة زوج ، وإننا لنجد أثارا من مثل هذه الأفكار القيمة في أساطير الولادة القدرية .

وتتفق مع هذه المفاهيم المنطقية الاعتقادات التي تتصل بالخصوبة العفوية عند المرأة وقواها السحرية - الدينية الخفية التي تحدث تأثيرا حاسما في حياة النبات والظاهرة الاجتماعية والثقافية التي تعرف باسم ( المطربركية ) مرتبطة باكتشاف زراعة النباتات الغذائية التي زرعتها المرأة فقد كانت المرأة أول من زرع النباتات الغذائية . فأصبحت هي المالكة للأرض وما تنتجه من محاصيل فالمكانة السحرية الدينية التي احتلتها المرأة وسيطرتها الاجتماعية التي تمتعت بها لها نموذجها الكوني المتمثل في رمزية الأرض ألام (8). من الواضح إن الإنسان القديم كان يعتمد المشابهة بين المرأة والعالم إذ يعتمد منهجا يقوم على المشابهة بين شيئين متماثلين بسلوكهما ، وأحيانا بشكلهما وأحيانا أخرى بحقيقة أنهما يظهران معا في سياق محدود وطالما إن هناك علاقة ما يمكن تأسيسها . فإذا تماثل شيئان فيمكن لاحدهما إن يكون علامة للأخر وبالعكس (9) .

من النماذج على هذا الخطاب :
1- الإله ( نمو) كانت البحر الأول المختلط التي تضج في أعماقه بذرة الكون ، و ( نمو) تصل كل الإطراف وتغمر الجهات وتسود الأقاصي . ومثل جنين كان مرتفع الكون ( آن - كي ) يتكون في ( نمو) ، مثل بذرة كان يشقها ويبزغ . وهذا يؤكد التخصيب الذاتي (10) .
2- وقد ظهرت السلطة فاعلة لدى الالهات المسؤولات عن ألواح القدر وعشتار واحدة منهن فهي آلهة الحب والجمال كما هي الآلهة الحامية ( تشكل سلطة الأمومة وتظهر في هذا النص آلهة الأمومة مامي أو كما تدعى أيضا ننماخ أو ننخر ساج أو ننتو وهي ألام الكبرى وهي أيضا الأرض والتربة الخصيبة يعادلها عند الكنعانيين عشيرة ، وعند الإغريق جبا وفي كريت حيا وفي أسيا الصغرى سبيل وكل الثقافات القديمة عبدت الآلهة أنثى كبيرة ، وهي الأرض - ألام التي كانت مركزا للحياة الروحية ورغم صعود الإله الذكور ، بقت سلطة الأمومة فاعلة ممكن تلمسها في هذه التعويذة :
أنت عودة الآلهة ، مامي ، أيتها الحكمة
- أنت الرحم ألام
- يا خالقة الجنس البشري
- اخلقي الإنسان فيحمل العبء
- اخلقيه ، يحمل العبء ] .......[
- ويأخذ عن الآلهة عناء العمل
- فتحت ننتوفمها
- وقالت للآلهة الكبار
- لن يكون لي إن أنجز ذلك وحدي
- ولكن بمعونة انكي سوف يخلق الإنسان
- الذي سوف يخشى الآلهة ويعبدها (11)
وفيما يخص عشتار فقد كانت تجسد الأنوثة كآلهة الحرب في بداية اليوم والهة للحب في نهاية النهار فعلى المستوى الأول كانت آلهة حامية للملك وسلطانه فهي انتصار للملك وسيطرة للحظ ، فعشتار حظ الملاك ومن هذا ( سرجون الاكدي محبوب عشتار ) (12) .
2- الخطاب الذكوري :
وهناك ديانة أخرى ذكورية ترى إن الخلق نتيجة لزواج مقدس بين اله السماء والأرض - ألام هذه الأسطورة ذات انتشار واسع وهي الأسطورة المثالية بامتياز : تقوم بدور نموذج للسلوك البشري ولذلك يعتبر الزواج محاكاة للزواج المقدس الذي سوف يؤثر فيكل أنحاء العالم ، فان الخبرة البشرية في مجموعها قابلة لان تكون مماثلة للحياة الكونية ، وبالتالي قابلة لان تتقدس لان الكون هو أعلى ما خلقته الآلهة وتتبع طقوس الزواج المقدس والانفلات الجنسي الذي يمثل حالة اللاتمايز العماء التي كان عليها العالم (... ) إلى حالة ما قبل تشكلها في الحياة وبالتالي ضمان ولادة جديدة كلية للحياة ، وبالتالي خصوبة الأرض ووفرة المحاصيل (13) .

إن سر التجدد الدوري للكون هو الذي أسس الأهمية الدينية للربيع من ناحية ثانية في ديانات النبات ليست ظاهرة الربيع الطبيعية ولا ظهور النبات هو الذي يهم ، وإنما هو العلامة التي تمهد لإعلان السر الكوني ، وهذا ممكن إن نتلمسه في السلسلة التالية من الأساطير التي تشكل الزواج المقدس .

1- حيث يزغ من ( نمو) الكون ( السماء والأرض ) يخرج مثل جبل الأرض والسماء في الرحم الكوني يتبادل كل منهما كان لا يفارقها مثل جلد ولحم حتى ولد لهما ( انليل ) رب الهواء الذي عاش بينهما فكبر وتمطى وفصل بينهما فارتفع ( آب ) عاليا وبسطت ( كي) واخذ انليل يرفع بينهما وتظهر لنا هذه الفعالية من خلال بنية التثليث حيث الأب ( آن - السماء ) وإلام ( كي - الابن ) ، الابن (انليل - الهواء ) وتفسير هذه الأسطورة في ملاحظة الموقع الذي ظهرت فيه فلو وقفنا اليوم في صباح يوم كثيف الضباب قرب ساحل العراق الحالي في فم شط العرب ، فما الذي سيلوح لناظرنا ؟ سترى بلا ريب سحب منخفضة تتعلق بالأفق ، وينابيع مياه عذبة تنزح من تحت الأرض وتختلط بالمياه المالحة للخليج . إما المسطحات الطينية المنخفضة المؤلفة للأرض اليابسة ، فلا يمكن رؤية أكثر من بضعة أقدام منها (14) . ولهذا نظير في الفكر المصري آلهة السماء توت واله الأرض جب والإله شو ، الهالاهواء يرفع بدنه نحو توت (15) . ومن هذه الأسطورة يظهر ثالوث أخر يشكل المركز بالنسبة لنا وهو ثالوث الأب ( انليل - الهواء ) و ( نتليل - ألام ) والابن ( نانا اله القمر ) حيث يغوي ( انليل ) الملقب بالجبل الشامخ والراعي الذي يغوي العذراء ( ننليل ) وبعد حدوث الغواية يعاقب انليل من قبل الآلهة :

]يا انليل .. أيها الفاسق اخرج ...
يا انليل ... أيها الفاسق اخرج من المدينة ... اخرج
يا ]نوناميز[.. أيها الإثم من المدينة(16) .

وينزل إلى العالم الأسفل وتتبعه ( انليل ) الحامل ( بدنانا - القمر ) ويعترضها إلا أنها تتبعه وهنا يغويها من جديد حتى ينجب منها ثلاثة من الآلهة هم ( مسلام تاي) و(نتازو) و ( البجبيبل ) ثم أنجبت ( ننليل) ( نانا) فقبع أولادها الثلاثة في العالم الأسفل فداء لولدها (نانا) الذي صعد إلى الأعلى العظيم وتبعها انليل وزال العقاب عنه بعد نفذ مشيئة الآلهة وكلمتهم (17) .

من الواضح إن الأسطورة تحاول إن تقدم تعليل لظهور الأشياء متخذة من الفعالية الجنسية الإنسانية كتعليل عبر سبغ المماثلة على الكون . وكانت لظهور اله القمر المشع ( نانا ) الابن المفتدى وهذا يذكرنا بتلك الطقوس التي تقدم في محارق الفداء إلى اله القمروعشتار فيما بعد ، من الملاحظ إن هذه الأسطورة تشكل انبثاق الأصل وتؤكد على سر التجدد الدوري ، والفداء حتى يصبح الفداء فعالية مركزية ، لخصب احد امتداداتها التي سيوف تنفذها الآلهة عشتار بأشكال متنوعة منها :
1- انانا تموزي ( تموز ) عشتار ( انانا ) ، جلجامش
2- عشتار ( انانا ) والملاك ( اوين - دكال) وهنا سوف نمضي في متابعة انبثاق أسطورة الخصب عبر الأساطير التالية :

1- علاقتها بجلجامش وهذه العلاقة تظهر على مستويين : المستوى الأول يرد ذكره في إثناء الملحمة حيث يأتي ( انكيدو ) متحديا ( لجلجامش) فصار أهل المدينة يقارنون بينه وبين جلجامش ( ولما هي القداس للآلهة أشجار احد الهات الحب وشكل من إشكال الآلهة عشتار ) وقد فسر هذا المشهد يبانه يشير إلى الشعائر الدينية الخاصة بما يسمى الزواج المقدس اقترب جلجامش ليتصل بها في السماء فوقف انكيدو في الدرب في الدرب وسد الطريق بوجهه (18) . أي انه كان يمارس طقوس الزواج المقدس إما المستوى الثاني ، فبعد عودته منتصرا على خمبابا عرضت عليه عشتار حبها إلا انه رفض ذلك بقوله :
- ماذا علي إن أعطيك لو اتخذتك زوجة
-هل سأعطيك السمن والاكساء
- وأي ضر سأناله لو تزوجتك
- أنت ! ما أنت إلا الموقد الذي تخمد ناره في البرد
- أنت قصر يتحطم في داخله الإبطال
- أنت فيل يمزق رحله
- أنت يبر يلوث من يحمله
- أنت قربة تبلل حاملها
- أنت نعل يقرص قدم منتعلة
- أي من العشاق الذي اختر لهم من لحببته على الدوام
- تعاي أقص عليك مآسي عشاقك
من اجل تموز حبيب صباك فرضت البكاء والنواح عليه سنة بعد سنة وأحببت طير الشراق ولكنك ضربته وكسرت جناحيه وهاهو ا حاط في البساتين يصرخ نادبا : جناحي ! جناحي (19) .

ومن هنا فنحن من خلال كلام جلجامش معملية تذكر الحدث ألبدئي وتحيينه يساعد الإنسان المبكر على تمييز الحقيقي والاحتفاظ به أو ( الظهور الأول لسيء هو المهم وهو المشروع لا ظهورا ته المتعاقبة إذ يلعب ( زمن الأصل ) الذي هو زمن قوي لأنه الادعاء أو الظرف الذي حصل فيه خلق جديد . إما الزمن الذي انقضى بين الأصل واللحظة الراهنة فليس زمنا ( قويا ) ولا زمنا هاما (20) .هكذا يكون لدينا الفداء التموزي فعالية طبيعية تحاول عشتار إن تستعيدها مع آخرون من خلال التمثيل الذي تمثله الكاهنة المنذورة للمعبد دور عشتار فيما يمثل الملك دور تموز وقبل ذلك هذه الأسطورة تحاول تحيين الزمن استعادة للحظة الأصل وهنا النقطة الثانية بعد جلجامش حيث يجري تكرار طقسي لهذا الحدث الأول نزول ( تموز) حيث يجري هذا العرس الإلهي بين ( انانا - عشتار )وبين الملك ( اون وكان ) (2000 -15600 ق.م) ومما لاشك إن كاهنة عليا قامت بدور الآلهة ( انانا- عشتار ) في ذلك العرس الإلهي فالملك أقام لها مذبحا وأجرى الشعائر المقدسة ، حتى تمنحه الحياة السعيدة الطويلة وتهبه شارات الملوكية : العصا والصولجان ) (21) .فهذه أدوات تملكها ( انانا ) منحها لها ( انكي ) (22) . وهنا يظهر واضحا دور الخطاب الذكوري في الخصب - والفداء .

هنا علينا إن نتابع فعالية الإنتاج لتلك النصوص باعتبارها تشكل حدثا فعليا يعكس فعالية إنتاج ثقافي لها اضطراد في الواقع مما يثبتها كفعالية إنتاجية تتيح تشكل شروط الامكان ، حيث هناك حدث هو ( الفداء التموزي) له دلالة معينة داخل في ( سياق ) الفداء الأول الذي ورد في الملحمة السومرية ضمن ( الزواج المقدس ) والخطيئة لـ ( انليل ) ثم ما أعقبه من فغداء، تكرر هذا في سلسلة من أساطير الخصب السومرية ثم البابلية ، ثم في المنطقة المحيطة ، فأنها تشكل ترابط في بناء واحد يهدف إلى غاية في القضية المراد تحقيقها. وبالتالي يشكل نظام تواصلي لفعالية الإنتاج الثقافي للنص ، الذي كان يقدم تبريرا لظهور تلك الظواهر وكأنها جاءت بسبب خطأ حدث في البدء بسبب كائنات ألاهية ، إن المعنى الذي يدفع تلك العملية لإنتاج تأويل يعكس دور الحياة مقابل الموت وهي انعكاس الاضطرابات الطبيعية التي تترك اثر انعكاس ، لدى الإنسان لهذا تظهر محاولاته في إيجاد حلول لتلك الاضطرابات وتقدم تفسيرات لها ضمن هذه الإشكالية جاء خطاب الخصب - الفداء في فعالية تقوم على المشابهة بين الفعالية الإنسانية والفعالية الكونية من خلال مطابقة التشابه بالنتيجة أو السلوك أو الشكل ، على هذا أصبح تموز قربان يقدم لتبرير الاضطراب الذي يحدث عند تبدل الفصول وما يصاحبها من ظواهر ، وعلى هذا فان الفداء كأسطورة وطقس تقع في الوسط بين الملحمة السومرية في الحلقة والخطيئة ثم الفداء من جهة وبالملحمة البابلية في الخليقة من جهة ثانية حيث تم إرساء الفداء كفعالية أساسية في الخلق ففي الوقت الذي أصبح خلق الإنسان كنتيجة لنزول تموز إلى العالم السفلي أصبح خلق الإنسان قائما على الخلق من اله مقتول بعد عملية فداء كبير قام بها ( أيا ) ثم ( مردوخ ) حيث قتل الأب ( آبسو) وإلام ( تعامة ) حيث خلق من جسدها كهيولي العالم سماء وارض .

وهناك أسطورة بابلية متأخرة تتحدث عن أهل الآلهة رغم قصر النص إلا انه واضح يبين كيف مجيء الآلهة بموجب هذا النص فيما بينها مثل قصيدة الشاعر ( هزيود )
تقول الأسطورة على هيئة زوجين ، ذكر وأنثى والاتصال ما بينهم بزواج الولد منامه وقتل أبيه أو الزواج من أخته فكان أول زواج ألاهي لم يكن معروف اسمه .
(خاين ) أو ( هاين ) والآلهة الأرض وقد ولد زوجين من الآلهة هما الإله المسمى ( اماكندو) ( أيضا اسم الإله الخاص بالحيوانات الوحشية ) والآلهة البحر ، وتزوجت الآلهة الأرض من ابنها ( اماكندو) الذي قتل أباه ( خاين ) وكذلك ولادة ازواح أخرى من الآلهة لم يبق من أسمائها محفوظا في النص سوى الإله ( لخار) ( اله الماشية ) والآلهة ( النهر ) وسمي من الهات هما ( كائتم) ga tun وذن - كشتنا nin-geshtinna ونورد فيما يلي :
قال ]الآلهة[ الأرض لابنها] لماكندو [ هلم أجمعك
فاقترن لماكندو بأمه الأرض وقتل أباه]خاين[
وأضجعه في ]دنو[ المدينة التي يحبها.
واستحوذ ]لماكندو[ على سيادة أبيه ، وتوزج أخته آلهة البحر
ثم جاء ]لخار[ ابن] لماكندو[ وقتل أباه وجعله يستبد ]دفنه[
في ]دنو[
وتزوج ] لخار [ أمه الآلهة البحر
وقضت الآلهة البحر على أمها الأرض
وتزوج الإله ..... أخته الآلهة النهر

وهكذا يكون الفداء فعالية أساسية وهنا نستطيع إن نربط الخطاب الموجود في الملحمة السومرية ( انليل ) والفداء لآلهة القمر ( نانا) ( سن ) واعتبار اصل يعاد تكراره في الخصب حيث نجد هذا الأثر واضح في القربان ( تموزي ) حيث جسد دور الراعي ومثل الخطاب الرعوي كانعكاس للآلهة ( نانا - سن) اله القفار والرعي وقد لقب تموزي على انه ( الثور السماوي ) والراعي فهو يعكس الاحتمالات آلاتية :

1- إما إن تموزي كان ملك سياسي وقد يكون قد تعرض البلد في إثناء حكمه لمحنة طبيعية أو سياسية وتم التضحية به لأنهم كانوا يحملون الملوك أوزار ما يحدث وهذا يظهر في الملك البديل في بابل .
2- وإما انه كان أفضل ما لدى الشعب ووجد انه أفضل ما يمكن تقديمه من قربان لدفع الشر عن البلد وإرضاء الآلهة عليهم.
3- وإما إن يكون مجرد فعالية تمثيلية تقوم على استعادة لحظة التكوين السومرية (انليل - ننليل ) والزواج المقدس مثلما حدث هذا مع عشتار والملك ، ورغم ان هناك من يستبعد إن يكون تموزي ملك (23) .
4- لقد كان ( تموزي وعشتار) يمثلان ثنائيا مثل ( موت - وعناة ) فيما باقي الأساطير التي يحدث فيها الزواج المقدس والذي من أهم صفاته العلاقة غير الشرعية بين الزوجين والإنجاب غير الطبيعي الخارق للعادة . وهذا ممكن ملاحظته في الأساطير التالية :

أ‌- أسطورة ادونيس :انه ابن ملك من جبيل ( سنيراس) من ابنته مرة .
وعند افتضاح أمرها أراد أبوها قتلها فشفقت عليها الآلهة فانقلبت بطريقة سحرية إلى شجرة المر أو البخور ، وبعد عشرة اشهر ( لا تسعة ) انبثق ادونيس من قشرة جذع الشجرة .وتقول قصة أخرى إن خنزيرا بريا شق الجذع بنابه فانبثق ادونيس . لذا كان البخور يحرق في عبادة ادونيس .

وهناك تفاصيل في أسطورة أخرى انه عندما ولد اونيس ورأته عشتروت ( أو افروديت) عشقته طفلا لجماله المفرط فأخذته وخبأته في صندوق وهبطت به إلى العالم السفلي الر الرب (اللاتو) ( اللات ) واودعت الطفل هناك . ولكن عندما فتحت اللاتو أو برسفوني ربة الظلمات الصندوق وشاهدت جمله عشقته هي أيضا وأبت تسليمه إلى عشتروت . فنزلت عشتروت لتفتديه ، ولك عبثا حاولت فاحتكمتا إلى اله الجو زيوس فقضى إن يعيش قسما من السنة في العالم السفلي مع برسفوني والقسم الأخر في العالم الفوقاني مع افروديت .

تنتهي القصة بمأساة ، فادونيس يقتل وهو يصطاد في غابات لبنان قتله الإله أريس الغيور الذي تجسم في خنزير ، سارعت افروديت حافية القدم ، عارية الصدر تفتش عن حبيبها فقدمت قدماها ، والزهر الذي لامس قدميها اصبح احمر هو شقائق النعمان (24) .
وفي هذه القصة ظهر الاب ( الزوج ) والزوجة ( الابنة ) والابن ، وهذه القصة تشكل تداخل قصتين هما تموزي وتززريس من جهة أخرى حيث تداخل الثقافتين في التأثير على جبيل ( لبنان ) .
ب‌- أسطورة اوزريس : وهو اله مصري كان لعبادته اثر بعيد فيتطور فكرة الأخلاق والخلود عند المصريين القدماء . ويظن إن له أثرا في تطور المسيحية في القرن الأول . ايزس زوجة اوزريس هي أخته من ( جب ) ارض و ( نوت ) الجلد ، وكان لهما أخ يدعى ( ست ) الذي حسد أخاه وأخته على سعادتهما . فقتله عندما كان في الصيد وقطع الجسد إلى أشلاء ونثرها في جميع أنحاء مصر .

حزنت ازيس على موت زوجها ( وأخيها ) اشد الحزن فصارت في البلاد تجمع الأشلاء . وهناك رواية تقول أنها جمعتها ووضعتها في صندوق ورمته في النيل الذي جرفه إلى المتوسط إلى ساحل فينيقيا عند جبيل (25) .
ثم أنها ( أي اوزيس) أنجبت من اوريس ابنها حورس بطرقة معجزة . إذ هناك بنية ثلاثية ( أب ) ( أم ) اقتران غير شرعي او إنجاب معجز وهذه كلها لا تشيه قصة تموز - عشتار ذات البعد الثنائي بل تشبه قصة الخليقة السومرية وكلها تستعيد ذات الأصل حيث الاب وإلام العذراء والابن المفتدى والابن المفتدى أو الشفيع وهذا يجعل الفداء اصل والخصب فرع منه .

الهوامش

1- مرسيا الياد ، مظاهر الأسطورة ،ترجمة : نهاد خياطة ، دار كنعان للدراسات ، دمشق ، ص 133 .
2- طه باقر ، مقدمة في أدب العراق القديم ،دار الحرية للطباعة ، بغداد ، ص 236 .
3- المرجع السابق ، ص 237 .
4- صموئيل كريمر ، من ألواح سومر ، ترجمة : طه باقر ،مكتبة المتنبي ، بغداد (د.ت) ، ص 264 .
5- فراس السواح ،لغز عشتار ، ط5 ،مطابع العلجوني ، دمشق 1993 ، ص 69 .
6- طه باقر ، المرجع السابق ، ص 246 .
7- محمود القميني ، الأسطورة والتراث ، ط2 ، سينا للنشر ، القاهرة ، 1993 ، ص 93 - 94 .
8- أمير توا يكو ، التأويل والتأويل المفرط ، ترجمة : ناصر الحلواني ، الهيئة العامة للقصور الثقافية ، 1996 ، ص 10 .
9- خز عل ألماجدي ، سفر سومر ، دار الثورة للصحافة والنشر بغداد
10- فراس السواح ، مغامرة العقل الأولى ،ط1 ، مطبعة الكلمة ، بيروت ، 1980 .
11- ليو اوينهايم ، بلاد ما بين النهرين ، بغداد ، دار الشؤون الثقافية الهامة ، بغداد ، 1981 ، ص 138 - 139 .
12- القيسي ، المرجع السابق ، ص 138 - 139 .
13- جورج رو ، العراق القديم ، ترجمة : حسين علوان ، وزارة الثقافة ، بغداد ، 1984 ، ص 138.
14- جورج سارتوت ، تاريخ العلم ، القاهرة ، 1957 ، ص 87 .
15- سفر سومر ،المرجع السابق
16- طه باقر ، المرجع السابق ، ص 12.
17- المرجع السابق ، ص 108.
18- المرجع السابق ، ص 1212 .
19- مرسيا الياد ،مظاهر الأسطورة ، ص 337 .
20- المرجع السابق ، ص 36 - 37 .
21- طه باقر ، المرجع السابق ، ص 31 .
22- سفر سومر ، المرجع السابق ، ص 31 .
23- يقول أنيس قريحة دراسات في التاريخ ، دار النهار للنشر ، بيروت ، 1980 ، ص 46 ( ان اصل كلمة تموز سومري zi - dumu ومعناها ( الابن الذي يقدم أو يبعث من العالم السفلي ) وهذا المعنى يرجح على المعنى الأخر الذي اقترحه بعضهم ( الابن الباراو الأمين ) إلا انه يؤكد ( هنالك مصدر يقولانه كان الملك الرابع لأقدم سلالة ملكية للتاريخ حكمت في أرخ ) أو أرك وتعرف بالوركاء ) ومن نسل جلجامش وممكن إن يكون قد مات فدية للحياة أو الأرض ، وقد ذكر يوسيدسيوس في تاريخه إن الساميين ، زمن المحنة التي تبدد كيان الأمة ، كانوا يلجأ ون إلى تضحية أحب الناس أليهم أو ارفعهم مقاما ارضاءا للآلهة .
24- المرجع السابق ، ص 54 .
25- المرجع السابق ، ص 31 - 32 .