تقرير لجنة أغرنات القضائية

في هذه الحلقة من تقرير لجنة أغرنات القضائية للتحقيق في إخفاقات
اسرائيل في حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، تشير الى حدث آخر من
الأحداث التي انتقدها المحققون بسبب ما اعتبروه اهمالا عنجهيا
للقيادة الاسرائيلية العسكرية والسياسية، حيث ان دلائل أخرى
تجمعت لديها تبين بوضوح بأن وجهة العرب هي الى الحرب بكل جدية،
لكن هذه القيادة استخفت بهم وبدت واثقة من إلحاق هزيمة بهم على
طريقة حرب 1967.
ويتضح بأن الحكومة حرصت على إخلاء المستوطنات اليهودية في هضبة
الجولان السورية المحتلة من سكانها النساء والأطفال والمسنين،
تحسبا من قدرة الجيش السوري على الوصول الى هذه المنطقة و«إبقاء
المستوطنين رهائن بأيدي السوريين» أو «انتقام السوريين منهم بسبب
استيطانهم للأرض السورية المحتلة»، كما قال الوزير اسرائيل غليلي
في جلسة الحكومة. وادعى جهاز «الموساد» بأن لديه تسجيلات
ومعلومات استخبارية تشير الى أن العرب ينفذون عدة ممارسات تدل
على انها الحرب. ومن أبرز التسجيلات التي أظهرها الموساد نص
مكالمات عدة للخبراء الروس الذين تواجدوا في مصر وسورية لمساعدة
جيشيهما في الإعداد للحرب وفي استخدام الأسلحة الروسية في ذلك
الوقت.
وقال قادة الجهاز الاسرائيلي ان التسجيلات تدل على ان الروس
غادروا مصر وسورية بشيء ما بين الهلع والهرولة. وتم التقاط
العديد من المحادثات المتوترة بين الخبراء الروس ونسائهم بسبب
سرعة المغادرة. ومن بين هذه المحادثات، التي كشفتها صحيفة
«يديعوت أحرونوت» في 6 أكتوبر (تشرين الأول) 2003، بمناسبة مرور
30 عاما على الحرب، ظهر خبير روسي يطلب من زوجته الاستعداد
للمغادرة. فتحاول اقناعه بالانتظار قليلا حتى تشتري هدية
لوالدتها وبعض الأشياء الأخرى، فراح يصرخ في وجهها بشكل هستيري.
وقد اختلف محللو هذه المكالمات في «الموساد»، إذا ما كانت تلك
التصرفات تدل على أن الروس يغادرون بهستيريا معينة أو انهم من
اصحاب المزاج الحامي. فإذا كانوا مهرولين، فهذا يعني ان هناك
حربا على الطريق. وإذا كانت مسألة طباع، فإنه لا داعي للقلق من
حرب.
وفي نهاية المطاف لم يتوصل راصدو «الموساد» الى موقف نهائي
ونقلوا التسجيلات كما هي، لتضيف معلومة أخرى تشير الى الأجواء
الساخنة أصلا. وقد أدى تجمع هذا الحشد من المعلومات التي تقول
بأن الحرب وشيكة وعلى الجبهتين، الى بحث جدي في الحكومة حول
امكانية توجيه ضربة اسرائيلية سابقة للهجوم العربي وهي ما تسمى
بـ «ضربة رادعة»، لكن وزير الدفاع، موشيه ديان، كما نشرنا في
حلقة سابقة عمل كل ما في وسعه لأن لا توجه ضربة كهذه حتى تظل
اسرائيل كاسبة الرأي العام الغربي. وفي هذا الموقف أيضا انطلق من
الغرور والعنجهية، حيث انه قال انه واثق من أن الجيش الاسرائيلي
سيدمر أي هجوم عربي وسينقل المعركة الى الأرض العربية. وبدافع من
الاعتقاد التام بأن الحرب واقعة في مساء يوم 6 أكتوبر بالتحديد،
دعت رئيسة الوزراء، غولدا مئير، الى جلسة طارئة للحكومة في تمام
الساعة الثانية عشرة من ظهر اليوم. وكان هذا يوم سبت وهو نفسه
يوم الغفران، حيث يمتنع اليهود المتدينون عن أية حركة ويلتزم
الكثير من اليهود العلمانيين بهذا الفرض. فيتوقف السفر وتغلق
المحال التجارية والمصانع والورش ولا يردون على الهاتف ويمضي
اليهود المتدينون اليوم بالصوم وبالصلوات. وعليه فإنه لم يكن
سهلا تجنيد الحكومة بكامل هيئتها. وتغيب في البداية جميع الوزراء
المتدينين. وكما جرت العادة في الحروب، فقد عقدت الجلسة في تل
أبيب في مكان سري قريب من مقر قيادة هيئة أركان الجيش الحربية،
وتم ابلاغ رئيسة الحكومة ووزير الدفاع ورئيس اركان الجيش
بالتطورات خطوة خطوة.
لكن تقرير لجنة التحقيق لا يدخل في كل تفاصيل البحث في هذه
الجلسة بهذه المرحلة، ويعود بنا الى الوراء ليتحدث عن مؤسسات
أخرى عشية الحرب، فيتناول هذه المرة جهاز «الموساد»، وهو جهاز
المخابرات الاسرائيلية الخارجية. وفي الحلقة القادمة سنواصل نشر
الجزء الثاني من الحديث عن هذا الجهاز وسننشر مقدمة تحتوي على
معلومات وثائقية لم تذكر في التقرير ولكنها ذكرت في وثائق أخرى
تعرفنا على طبيعة نشاطه والمارسات البشعة التي قام بها في مختلف
دول العالم عبر التاريخ الاسرائيلي.
واليكم فيما يلي حلقة أخرى من تقرير «لجنة أغرنات» حول حرب
أكتوبر 1973 ونستهله بمقطع عن جلسة الحكومة المذكورة: التقرير
34. في الساعة الثانية عشرة من يوم السبت، بدأت جلسة الحكومة في
تل أبيب باشتراك رئيسة الحكومة والوزراء ألون وألموغي وبار ليف
وغليلي وديان (حتى منتصف الأبحاث) (ثم حضر) هليل وحزاني وسبير
وبيلد وبيرس وكول وشمطوف وشبيرا. على جدول الأبحاث: الحشودات
الهجومية للمصريين والسوريين.
وزير الدفاع استعرض الأنباء الواردة من المصادر المختلفة: أنباء
عن هجوم كامل على الجبهتين «اليوم قبيل المساء، أو قليلا بعد
حلول الظلام (يتعلق الأمر بالخطة العملية)» ، خروج العائلات
الروسية بطريقة مهرولة، اخلاء السفن الروسية من الموانئ المصرية،
حشودات القوات على الأرض وخصوصا دفع صواريخ «sa-6» الى الأمام في
مصر وودفع المدفعية الحيوية السورية، اللتين تدلان على النوايا
الهجومية. الخطة المصرية هي الوصول في المرحلة الأولى الى المتلة
من خلال تقديم الصواريخ والمدفعية، خطوة اثر خطوة، وهجمات على
شرم الشيخ وأبو روديس. وهو يصف خيارات العدو لتنفيذ الهجوم أيضا
بصواريخ سكاد وفروج. الخطة السورية كانت أكثر طموحا: احتلال هضبة
الجولان. ويقدم الوزير معلومات عن قوات العدو: للسوريين يوجد
الآن في خط الدفاع الأول 600 - 650 دبابة، وفي الخط الثاني عدة
مئات أخرى وهم يستطيعون الوصول الى رقم غير بعيد عن الألف - 700
- 800 دبابة. وتوجد لهم أكثر من 500 وسيلة مدفعية قاذفة في خط
الدفاع الأول. ولمصر يوجد أكثر من 1100 مدفعية وعدد مماثل من
الدبابات. وقال عن الضربة الرادعة (صفحة 6) أن طاقم القيادة يرغب
في ذلك (أي توجيه ضربة رادعة)، ولكنه، أي وزير الدفاع حتى لم
يقترح الأمر على رئيسة الحكومة والقيادة لم تضغط بهذا الشأن. وعن
خطتنا (في صفحة 7):
«..نحن لا نعتمد على الضربة المانعة، والليلة الأولى (نتجه)
لعملية الصد. في الجبهة المصرية ربما يستطيع سلاح الجو عمل شيء..
هو يستطيع أخذ دور في العملية. على الجبهة السورية لن يستطيع عمل
أي شيء. وهكذا ففي الجبهة السورية يكون العمل للمدرعات الموجودة
هناك.. خلال الليل وسلاح الجو ينضم صباح اليوم التالي.
في الجبهة المصرية يكون ذلك للمدرعات وبمدى معين سلاح الجو، هكذا
تتم تمضية الليلة الأولى».
وتقضي الخطة في اليوم التالي بضرب المطارات وشبكات الصواريخ
السورية إذا سمحت حالة الطقس بذلك. وحول قواتنا:
«بالنسبة للمدرعات في سيناء توجد اليوم حوالي 300 دبابة. خلال
يوم إضافي تصل ثلاثمئة أخرى, وبعد اليوم الثالث تصل ثلاثمئة
دبابة أخرى. في الجولان توجد اليوم 150 دبابة وبالامكان أن تصل
على دفعيتين دبابات أخرى: الأولى غدا ما بين ساعات الظهر وقبيل
المساء 250 وحتى 300 دبابة وغدا 200 أخرى».
وفي رده على أسئلة الوزراء يقول وزير الدفاع (صفحة 15 ـ 16) انه
حسب رأيه، إذا حاول المصريون عبور القنال، فإن ذلك سيكون بمثابة
مغامرة تامة من ناحيتهم، إذ انهم حتى لو أقاموا بعض الجسور
وتقدمت بعض قواتهم بضعة كيلومترات الى الأمام، فإن قواتنا
المدرعة ستدمرهم في النهاية ويوجد لدينا سلاح الجو أيضا. ومقابل
ذلك، فإن الوضع أكثر تعقيدا في الجبهة السورية. فهناك توجد لنا
تشكيلات بقوة أصغر ولا توجد عقبة القنال. وحتى إذا احتلوا بعض
المستوطنات وأحرقوها (وعلى الرغم من أن النساء والأطفال ليسوا
هناك)، فإن الأمر لا يشبه التقدم في رمال سيناء. ومع ذلك فإنني
أقدر بأنهم لن ينجحوا. لا يوجد شعور بانهم سنجحون في تطبيق خططهم
ولا حتى لليلة الأولى، بالتقدم 8 كيلومترات.
الوزراء يسألون (في صفحة 9):
الوزير كول: «من أين هذه المعلومات؟ هل المسألة ظهرت فقط اليوم؟
بالأمس لم نسمع عن ذلك قط. مثل هذه الأمور، عرفتها مخابراتنا
مسبقا، وقمنا بالاستعداد للحرب».
الوزير شمطوف يقترح الإعداد سياسيا لما قد يجري.
الوزير بيرس: «الفكرة الأساسية التي سمعناها من وزير الدفاع هي
أن اسرائيل ستوضح بقدر المستطاع بأننا هوجمنا ولم يكن أمامنا أي
مفر، حتى لا يقال أننا قمنا بضربة رادعة أو كان (من طرفنا) أي
استفزاز. كل خططنا الدفاعية واية خطة أخرى تسير وفقا لهذا
المنطق».
الوزير هليل يسأل وزير الدفاع إذا كان السوريون والمصريون
يستطيعون التقدم، حسب تقديره، ازاء استخدام قوات الصد البرية
عندنا.
الوزير غليلي: هل تم عمل شيء ليفهم المصريون بأنهم لن يتمتعوا
بعنصر المفاجأة؟
الوزير شبيرا: (صفحة 11) «هل يوجد ضمان بأن لا يبكروا في
عملياتهم؟ نحن نتوقع قدومهم مع بدء حلول الظلام، فماذا (سيحدث)
لو أنهم بكرّوا؟» ويجيب وزير الدفاع على ذلك (صفحة 15) بأن سلاح
الجو سينطلق للمراقبة في ساعات بعد الظهر لكي تتاح امكانية
مجابهة مثل هذا التطور.
وينشأ السؤال، هل نهاجم السوريين في حالة قيام المصريين بإطلاق
النار؟ حول هذا السؤال دار في ما بعد نقاش خلال الجلسة، لم يتوقف
إلا عندما أطلقت صفارة الإنذار ووصول الأنباء عن بدء هجوم العدو.
ملحق«أ» إجراءات الموساد في بداية أكتوبر 35. السيد تسفي زمير،
هو رئيس «الموساد» للمخابرات والمهمات الخاصة (جهاز المخابرات
الخارجي في اسرائيل) منذ سنة 1968 (شهادة زمير صفحة 9 ـ 198).
وقد حدد أمامنا وظيفة «الموساد» على النحو التالي: «اقامة علاقات
من أجل موضوع جمع المعلومات.. بواسطة شبكة اتصالاته خارج البلاد»
(شهادة زمير، صفحة 201). من الاطلاع على المواد الكثيرة ذات
العلاقة في موضوعنا، والتي طرحت أمامنا، لمسنا كم هي انجازات
الموساد بارزة في مجال جمع المعلومات من مصادر جيدة جدا، وانها
كانت سببا في خلق مكانة عالية له في العالم. ازاء ذلك، لا يوجد
للموساد، وفقا لما تطورت فيه الأمور، أي دور مركزي في مجال
التقديرات الاستخبارية، وذلك باستثناء «الدول الريفية» (المقصود
الدول المحيطة باسرائيل). رئيس الموساد يشارك من حين لآخر في
اللقاءات التشاورية التي تدعو اليها رئيسة الوزراء، وكذلك يشارك
كضيف في اجتماعات هيئة رئاسة أركان الجيش. المساهمة الأساسية
للموساد في مجال التقدير تتم في قناتين: (الأولى) اقامة علاقات
وثيقة مع شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش (والثانية) قناة
اتصال مباشر مع رئيس الوزراء، الذي يفتح بابه له بشكل خاص ومباشر
كون رئيس الوزراء هو المسؤول المباشر عن «الموساد». الاتصالات
بين رئيسة الوزراء وبين رئيس الموساد كانت تتم مرة في الأسبوع أو
الأسبوعين، وكان فيها زمير يقدم لرئيسة الحكومة تقريرا عن
القضايا الأساسية التي يعنى فيها «الموساد»، وكان يحضر معه مواد
تتعلق بالموضوع (زمير، صفحة 249/د). بالاضافة الى ذلك، كان يعطى
تقرير تلفوني من الموساد الى العميد ليئور، السكرتير العسكري
لرئيسة الوزراء، الذي كان يستطيع الدخول اليها في كل وقت
((شهادة) رئيسة الحكومة صفحة 4464). وقد كانت المحادثات الهاتفية
تتم مرتين ثلاثا في اليوم بين زمير والعميد ليئور (شهادة السيد
عيني صفحة 1093). وكانت رئيسة الوزراء تتلقى التقارير من الموساد
مكتوبة خطيا. وقد جرى تأمين تلك الوثائق لها التي أعدت سلفا
«للتوزيع العالي»، حسب شهادة زمير (صفحة 202) - «في أساسها...
مواد خام، أي «المعلومات التي حصلت عليها واعتقد بأن هناك طعما
لأن تصل الى رئيسة الوزراء ووزير الدفاع، هذا ما يسمى عندنا
التوزيع العالي»، بهدف قراءة المادة الخام كما وصلت الينا في
الأصل بشكل مباشر». لم تكن تعليمات خطية بالنسبة للمواد التي يجب
تحويلها الى رئيسة الحكومة (زمير، صفحة 249/ب، ليئور صفحة 529).
36. في موضوع توزيع تلك المواد شهد السيد عيني (صفحة 1074)، بأن
الموساد كان يحول المواد الى مكتب رئيس الموساد لكي يراه وأيضا
لكي يقرر في ما إذا كان من الضروري أن يوزع بالتوزيع «العالي».
فقد أعطى رئيس الموساد التعليمات للسيد عيني بأنه هو الذي يقرر
(أي رئيس الموساد)، باستثناء الأنباء التي كانت تصل الى رئيسة
الوزراء بشكل ثابت. وقدم السيد عيني ملاحظة (صفحة 1095)، ان هناك
ملفا أسبوعيا يرسله الموساد اليه، وهو يضع عليه العلامات
والتوصيات بأن تذهب تلك المواد الى رئيسة الحكومة. فعندما يجد
رئيس الموساد الوقت يمر عليها ويصادق على التوصية. بالنسبة للوقت
الذي يستغرقه نقل المعلومات، قال عيني ان المواد تذهب للعميد
ليئور، بعد يوم أو نصف يوم (1073)، وقسم منها غير قليل ينقل بعد
يوم أو يومين وفي بعض المرات 5 ـ 6 أيام، بعدما كان قد صار
منتشرا لدى «أمان» (شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش
الاسرائيلي) (صفحة 1096). وشهدت رئيسة الحكومة بأنها تقرأ مواد
استخبارية كثيرة (صفحة 1096) وانها كانت قد طلبت من رئيس الموساد
أن يحول لها أية مادة يرى ان من الضروري أن تصل اليها كمادة خام
(صفحة 4462 ـ 3 والأمر نفسه يفهم من الملاحق الموجودة في وثيقة
البينات رقم 57/أ، والوثيقة رقم 57/أ الملحق «أ»). وقال رئيس
الموساد ايضا في شهادته «أنا أريد القول انني أعتقد أنا أيضا بأن
رئيسة الحكومة افترضت بأنني اجلب اليها كل موضوع أعتقد بأنه يجب
اشغالها به فيما يتعلق بالمعلومات» (شهادة زمير صفحة 249/ ه).
إلا انه حسب رأينا، هذه القيود على نقل المعلومات لم تحدد بما
يكفي من العينية. نحن نوصي أن تحدد التعليمات بشكل واضح ومفصل ما
هو نوع المواد التي ينبغي على الموساد أن يرسلها مباشرة الى
اطلاع رئيسة الحكومة.
حسب أقوال العميد ليئور في شهادته، «كانت رئيسة الوزراء تستخدم
رئيس الموساد لأغراضها الذاتية، حتى تلمس بشكل أكبر ما الذي يجري
هنا... في بعض المرات تقول: من فضلك يا ليئور، أليس من الأفضل أن
نجري تقويما أكثر دقة، ولكن رئيس الموساد لم يأت ليحل محل رئيس
شعبة الاستخبارات العسكرية (صفحة 516). وردا على سؤال أعضاء
اللجنة (لجنة التحقيق)، أكد العميد ليئور بأن الموساد كان يحول
المواد الخام (من المعلومات)مباشرة الى رئيسة الحكومة من دون
علاقة إذا كانت قد طلبت ذلك منه.
وقد قال زمير انه لم يكن بالامكان تحويل كل المواد الى رئيسة
الوزراء، لأنها لم تكن قادرة على السيطرة عليها (صفحة 908).
المقياس الذي حدده زمير لنفسه كان «أن نحضر لها المواد التي
تتضمن رافعة لأمر ملفت النظر» (صفحة 249). وسأعطي مثلا. إذا قرأت
خبرا فيه معلومات جديدة ومختلفة عن الواقع الحالي، إذا ورد خبر
سياسي عن ان بريطانيا تنوي بيع قطع أسلحة ما في الشرق الأوسط،
وحتى لو لم تكن تلك أسلحة تستطيع فيها أن تحدث انقلابا على
العالم، أنا أحول الخبر الى رئيسة الحكومة (249).
الهدف من تحويل المعلومات بالمواد الخام في التوزيع العالي الى
رئيسة الحكومة ووزير الدفاع وفي بعض الأحيان لوزراء آخرين، كان
حسب شهادة السيد زمير (صفحة 249/د)، لفت أنظارهم الى حقائق تستحق
الانتباه وبعضها يستحق الفحص. وتم ذلك من دون أن يكون في مقدوره
القول بأن المعلومات دقيقة فعلا وتعكس واقع التطورات الفعلية.
ومع ذلك، فإنه في موضوع مثل التدريب (الذي غطت به قوات الجيش
المصري استعدادها للهجوم) ـ «عندما قامت شعبة الاستخبارات
العسكرية بتوزيع نشرتها المتضمنة هذه المعلومات، ونرى ان الموضوع
بحث مرات ومرات في هذا السياق ولم تكن هذه الخبرية الأولى، ففي
الموساد لا ينشر الخبر بشكل أوتومتيكي» (صفحة 246). السيد زمير
ينطلق من منطلق المعرفة بأن رئيسة الحكومة تتلقى المعلومات من
المواد التي توزعها شعبة الاستخبارات أو من التقارير التي ترسل
حولها. وبخصوص تحويل المواد من الموساد الى رئيسة الحكومة، أدلى
السيد عيني بشهادة قال فيها ان المعلومات لا تنقل بهدف العمل بل
بهدف المعرفة فحسب (صفحة 1074). «المعايير التي سادت يومها هي
أننا نحول الى رئيسة الوزراء مواد يعتقد رئيس الموساد بأنها قد
تهمها شخصيا وليس لأنها يمكن أن تؤثر على شيء عملي» (صفحة
1074)... والمواد التي يعتقد الموساد بأنها يجب ان تقرأها كمادة
خام وليس كما تحولها اليها شعبة الاستخبارات العسكرية للجيش، بعد
عملية تحرير لديها (صفحة 1094).
ولكن كانت هناك مصادر معلومات، حرصت رئيسة الحكومة على طلب أن
تقرأ بنفسها كل ما يصل منها، فكان يتم تحويل هذه المواد بشكل
أوتوماتيكي الى رئيسة الحكومة (عيني صفحة 1099).
لم يكن هناك خلاف على انه لم تكن لرئيس الموساد أية مشاكل في
الوصول الى مكتب رئيسة الحكومة (هذا ما جاء في شهادات رئيسة
الوزراء (صفحة 4460) والعميد ليئور (509)، وكذلك زمير (217) الذي
قال: «استطعت رؤيتها متى شئت»).
37. مع الأخذ بالاعتبار ان هناك توترا في علاقات العمل، توصلنا
الى الاستنتاج بأنه في حادثين مهمين، في مطلع أكتوبر، لم يستغل
السيد زمير كما يجب امكاناته في جلب معلومات أمام رئيسة الحكومة:
أ. الخبر من يوم 30.9 (30 سبتمبر/ أيلول) وفيه انذار بان هجوما
سينفذ ضد اسرائيل في الأول من أكتوبر، وصل بداية الى الموساد ومن
هناك جرى تحويله الى الاستخبارات العسكرية، وتم التعاطي معه
بالطرق العادية المذكورة أعلاه، (لقد وزعت الوثيقة بالتوزيع
العادي، أي الى شعبة الاستخبارات العسكرية والى العناصر ذات
الشأن في الموساد ولم يرسل الى وزير الدفاع ورئيسة الحكومة(زمير
صفحة 378)). السيد زمير برر أمامنا تصرف الموساد بعدم اعطاء
الخبر الى ديوان رئيسة الوزراء قائلا انه أراد أولا أن يفحص ما
إذا كان الخبر صحيحا (زمير، صفحة 7 ـ 906).
خلال الاستيضاح المذكور اعلاه وصلت اخبارية أخرى في 2 أكتوبر،
أصر فيها «المصدر» على رأيه بأن اسرائيل سوف تهاجم، بل أضاف أن
العملية ستبدأ بتدريب ثم تتحول الى هجوم فعلي. هذه البرقية أيضا
لم تحول الى رئيسة الوزراء (أنظر أيضا في البند 63).
في 3 أكتوبر (عيني صفحة 1093)، جرى بحث في الموساد تمت فيه
مناقشة هذه المعلومات. السيد زمير قدم ملاحظة قال فيها ان ((«..ـ
ـ..»)) بلبلة (في اسرائيل) ما بين التمرين والحرب. انه لم يعر
هذه الاخبارية ((«.. ـ ـ ..»)) أهمية من الدرجة الأولى، وذلك
بدافع التقديرات في شعبة الاستخبارات العسكرية حيث يعرفون الرجل
وبدافع التناقضات الواردة في كلامه. ((«.. ـ ـ ..») (زمير صفحة
919). وقال العميد ليئور في شهادته بأن هذه المعلومات لم تصل
اليه (صفحة 2530 وثيقة البينات رقم 57/أ - الملاحق - سؤال رقم
2)، ومن هنا فلم تصل الى القائم بأعمال رئيسة الحكومة في فترة
غيابها في الخارج (شهادة الوزير ألون (الذي حل محل غولدا مئير في
غيابها) في صفحة 5110)، ولا لرئيسة الوزراء لدى عودتها الى
البلاد (صفحة 2 ـ4461). وقالت رئيسة الوزراء في شهادتها حول هذه
القصة: «أنا أعتقد أنه كان يجب أن أحصل على هذه الاخبارية من ذلك
المصدر لأنه مصدر جيد» (صفحة 4463).
وفسر اللواء ليئور الفرق ما بين اعطاء المعلومات مباشرة من
الموساد الى رئيسة الحكومة وبين ارسالها ضمن حزمة الأخبار
الصادرة عن شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش، فأضاف في
شهادته: «... رئيسة الوزراء أصبحت تعرف «المصادر» على اختلافهم.
تسأل عنهم وتهتم بهم. هذه الإخبارية ضاعت بين أخبار أخرى عندما
وصلت ضمن النشرة. فلو كانت هذه المعلومة وصلت الى يدي، لما كنت
أتردد في أن استقل الطائرة وأطير الى نائب رئيسة الحكومة حاملا
إياها اليه. فهذا أمر مختلف عن خبر في نشرة يظهر فيها ان هناك
تدريبا .. فما بين الأخبار الأخرى العديدة الموجودة ضاع هذا
الخبر» (صفحة 530).
حسب رأينا، ربما كان بمقدور السيد زمير أن يفترض بأن الخبر سيدخل
في نشرة شعبة الاستخبارات العسكرية، وبهذه الطريقة تصل ايضا الى
رئيسة الحكومة («من المؤكد انه عن طريق (دائرة) التجميع، ف
(دائرة) التجميع أصدرت هذه النشرة. وشعبة الاستخبارات العسكرية
في الجيش أصدرت نشرة حول هذا») (زمير صفحة 1920). لكن الحديث هنا
يجري عن خبر انذاري ومما لا شك فيه انه كان من الواجب جلبه أمام
رئيسة الحكومة بشكل مباشر. بالإضافة الى ذلك، فإنه بسبب وجود
شكوك حول صحة هذا الخبر بالذات، كان من الضروري أن يجلب الى
رئيسة الحكومة لكي يتاح لها أن تبلور موقفا من الموضوع.