طلاس:بواسطة طائرة ,اسرائيل اغتالت الحريري

دمشق ـ القدس العربي
ـ من حسنين كروم:
لا أستطيع القول أنني أقدم صورة كاملة أوحتي شبه متكاملة، عن المواقف: السوري والمصري والسعودي من الأزمة السورية ـ اللبنانية واغتيال رفيق الحريري وقضية عبد الحليم خدام لأن الفترة التي قضيتها كانت قصيرة ولم أتمكن من مقابلة ممثلي الحزب والقوي المعارضة، ولا ممثلي منظمات المجتمع المدني للوقوف علي آرائها في الأحداث وفي نظام الحكم وسياساته وما تواجهه سورية من مشاكل خطيرة الآن، وهي الآراء التي بدونها يستحيل تقديم الصورة الحقيقية للأوضاع خاصة وأنني سافرت بدعوة من اتحاد المحامين العرب لحضور أعمال مؤتمره الثاني والعشرين ولذلك سأكتفي باستعراض ما تمكنت من الحصول عليه.
في منزله بدمشق قابلت العماد مصطفي طلاس وزير الدفاع السابق ونفي تماما وجود أي احتمال لتورط سورية في عملية اغتيال رفيق حريري وقال إن إسرائيل هي التي قامت بالعملية وكذلك باغتيال عضو مجلس النواب ورئيس تحرير جريدة النهار جبران تويني.
أما أدلته علي أن إسرائيل هي التي اغتالت الحريري فهي أن المادة المستخدمة في التفجير هي سومي ليسك وكل كيلوغرام منها يوازي ثلاثة من مادة الديناميت في قوة التفجير، وتم استخدام ثمانمائة كيلوغرام في عملية الاغتيال أي ألفين وأربعمائة كيلوغرام من الديناميت، وهذه المادة لا تنتجها إلا روسيا وسلوفاكيا وأمريكا، وإسرائيل حصلت عليها من أمريكا والمعلومات التي لدي سورية عن تحركات إسرائيل أنها اعتادت ان ترسل طائرة تقوم كل يوم بعملية تصوير للساحل اللبناني والسوري بطول مائة وسبعين كيلومتر وتبدأ جولتها من رأس الناقورة في لبنان إلي الإسكندرونة، ثم تقوم طائرة أخري بجولة داخل دائرة مغلقة ويوم اغتيال الحريري رصدت القوات السورية أربع طائرات إسرائيلية قامت إحداها بعملية التفجير، إذ وضع الإسرائيليون بواسطة عملائهم المتفجرات في طريق سيارة الحريري وقاموا بالتفجير من الجو.
وأضاف طلاس أن سيارة الحريري وغيرها من السيارات المصاحبة لموكبه كان عليها أجهزة تشويش لتمنع إرسال أي إشارات للقيام بعملية تفجير، وقد تم إبطال مفعول أجهزة التشويش بواسطة أجهزة أخري حديثة لا تملكها في المنطقة إلا إسرائيل.
وقال ان لبنان مخترق من أجهزة الأمن لعدد من الدول ومن السهل علي أي جهاز مخابرات أن يستخدم عملاءه في لبنان لأي عملية، وانه علي سبيل المثال في عام 1975 كان يوجد في مدينة جونية التي كانت قوات حزب الكتائب تسيطر عليها ثلاث عمارات كل واحدة منها تتكون من أربعة طوابق، واحدة منها تشغلها المخابرات الإسرائيلية والثانية تشغلها المخابرات العراقية أيام صدام حسين والثالثة تشغلها المخابرات الفلسطينية أيام ياسر عرفات، فما بالك بالأمريكية وغيرها من أي جهاز مخابرات يستطيع أن يفعل في لبنان ما يريد.
ولما سألته عن تفسيره لانتحار وزير الداخلية السابق غازي كنعان وعما إذا كان له علاقة باغتيال الحريري قال:
لا. غازي كنعان أحس أن الرئيس بشار لم يعد يعامله كما كان يعامله الرئيس حافظ، ويجهز لعزله من منصبه وغازي كنعان اعتاد أن يتصل أكثر من مرة يوميا بالرئيس حافظ الأسد ليعرض عليه حتي الأمور السخيفة والتي يجب عليه ان يبت فيها بحكم منصبه أويبت فيها من هم تحت امرته.
ولما سألته عن هذه الأمور السخيفة التي كان غازي كنعان يتصل بالرئيس حافظ الأسد قال: مثل ماذا يفعل أثناء الأزمة التي اندلعت بين الرئيس حافظ وشقيقه رفعت، وكان عندما يتصل بالرئيس حافظ يتم إيصاله به فورا إن كان موجودا، أويتصل به الرئيس بعد فترة قصيرة.
وقد تغير هذا الوضع مع الرئيس بشار، ففي خلال شهرين اتصل غازي كنعان به ثلاث مرات ولم يرد عليه، وكان المسؤولون في الرئاسة يطلبون منه أن يكتب ما يريده ويرسله أويخبرهم به لإبلاغه للرئيس.
وقد أثر هذا التغير في المعاملة في نفسية غازي لأبعد الحدود مع ضرورة ان نعرف أن الميل للانتحار مرض موجود في عائلته ففيها أكثر من منتحر. ومنهم ابنته، بالإضافة إلي خشيته من فتح بعض الملفات الخاصة به.
أما بالنسبة لردود الأفعال علي موقف عبد الحليم خدام فقد أحدث أول ظهور له في قناة العربية الفضائية رد فعل شعبياً متعاطفاً مع النظام إلا أنه اخذ في التراجع السريع بعد أن بدأت الحملات ضد خدام واتهامه بالفساد والسرقات لأن الناس بدأوا يتساءلون عن سبب عدم اتخاذ إجراءات ضد الذين تشير إليهم أصابع الاتهام بالتورط في الفساد ومن بينهم أفراد قريبون جدا للنظام ولماذا يصمت عنهم بل ولماذا صمت عن فساد خدام عندما كان في السلطة وزاد من هذه الحالة البطء الشديد في إنهاء الإجراءات الاستثنائية، كما كان لجلسة مجلس الشعب التي تم فيها اتهام خدام بالخيانة والفساد آثار سلبية شديدة.
بينما أخبرني وزير الإعلام مهدي دخل الله أن أزمة عبد الحليم خدام أكدت مدي التفاف الشعب حول النظام. وقد حاولت وسائل الإعلان تضخيم ظاهرة خدام إلا أنها بدأت تخبو وتنطفئ، كما أن خدام ليس له قاعدة شعبية داخل سورية تسانده.
ثم قال عما يشاع عن وجود خلاف بين الموقفين السوري والأمريكي من سورية:
يوجد خلاف فالموقفان غير متطابقين ونأمل في حدوث تطور إيجابي في الموقف الفرنسي، خاصة أن فرنسا بدأت مذ عدة سنوات في اتباع سياسة تستهدف تقوية دورها ونفوذها وتراثها الثقافي في سورية ولبنان. وهوما يعني التنافس أوالتصادم مع النفوذ الأمريكي.
وعن مدي استعداد سورية لاحتمالات فرض الحصار عليها، قال دخل الله:
لا نعاني من أي مشاكل. وليس لنا أي احتياجات مع المؤسسات الاقتصادية الدولية مثل البنك وصندوق النقد الدولي ولا توجد ديون لأي دولة علينا باستثناء الديون التي كانت للاتحاد السوفييتي السابق وهذه تمت تسويتها من مدة مع روسيا، ولا توجد لدينا أزمة في الغذاء، فنحن ننتج غذاءنا بل ونصدر ثلث إنتاجنا من القمح .
ولما سألته عن الموقف فيما لوشمل الحصار الآلات والمواد الخام اللازمة للصناعة وغيرها وهوما يمكن أن يهدد بإصابتها بأضرار شديدة. قال:
صحيح. نحن نستورد مواد كثيرة، إذا توقفت سيعاني الاقتصاد السوري خاصة الصناعة فيما لو صدرت قرارات بالمقاطعة لذلك وضعنا خطة من سنتين لمواجهة هذا الاحتمال لوحدث، وهي تتضمن كيفية تمويل الواردات.
أما الرئيس بشار فقد حدد موقف بلاده في الكلمة التي ألقاها يوم السبت 21 في افتتاح المؤتمر الثاني والعشرين لاتحاد المحامين العرب فقال عن تقريري رئيس لجنة التحقيق الدولية السابق ديتليف ميليس:
علي الرغم من أن التقريرين الصادرين عن اللجنة كانا مليئين بالثغرات، وعلي الرغم من انهما لم يكونا منصفين لسورية، فإننا أعلنا رغبتنا في استمرار التعاون، لأننا كنا دائما مع الشرعية الدولية، ولأن تحقيقا نزيها ومستقلا سيكون في مصلحة سورية حكما، ولكن ظهر جليا أن بعض القوي اللبنانية والأطراف اللبنانية لم ترد للتحقيق أن يصل إلي مداه بصورة موضوعية ونزيهة طالما أنه سيبرئ سورية .
وقال بشار أيضا:
حددوا الفاعل حتي قبل الاتهام. ومن ثم حددوا التهم بدل أن يحددوا مجموعة المتهمين. حددوا متهما واحدا هو سورية. فبدأوا بالبحث عن أدلة لكي يدينوا سورية. طبعا القسم الأول، تفاصيل الجريمة، أهملوه، لأنهم في حالة ساروا فيها بشكل تقني وحيادي ونزيه فسيأخذهم التحقيق باتجاهات أخري وربما شعروا بأن لدينا معلومات ولكن غير مؤكدة .
وفي حقيقة الأمر، فلم أستطع فهم الجملة الأخيرة بشكل كاف، فهل لدي سورية بالفعل معلومات عن المنفذ الحقيقي لعملية اغتيال الحريري أم المقصود بها أن من أرادوا من البداية اتهام سورية خشوا أن يكون لديها تلك المعلومات!؟ وأكد بشار أيضا أن القوي اللبنانية التي تناوئ سورية وتريد إحداث قطيعة بين البلدين لن تنجح في مسعاها وقال:
لن تمنع سورية من تقديم الدعم للشعب اللبناني في كل ما له صلة بتمسكه باستقلاله وبرفضه للتدخلات الأجنبية وبتأمين مستقبل كريم لأبنائه. لست قلقا علي العلاقة بين اللبنانيين كما يصورها البعض في الإعلان، مستندين في ذلك إلي وعي الشعب اللبناني ومعرفته تماما بحجم المؤامرة .
وقال: هناك علاقات جيدة مع الكثير من اللبنانيين وأقول بشكل أوضح. القسم الأكبر من اللبنانيين هم مع هذه العلاقة خاصة المواطنين، والمشكلة هي مع بعض السياسيين .
وإذا جئنا إلي اللبنانيين أوفريق منهم الذي أشار إليه الرئيس السوري فقد شارك في مؤتمر اتحاد المحامين ممثلون عن أحزاب وقوي هذا الفريق، من المحامين بلغ عددهم حوالي مائة تحديا لقرار نقابتي المحامين اللبنانيين في بيروت وطرابلس بمقاطعة المؤتمر. لأنهما ـ حسب قولهما ـ ان الاتحاد لم يأخذ رأيهما في مكان انعقاد المؤتمر وعدم إدراج المشكلة اللبنانية علي جدول أعماله، واللبنانيون الذين شاركوا ينتمون لحزب الله والاتحاد الاشتراكي العربي والشيوعي وحركة الشبيبة الديمقراطية وحركة أمل والحزب الديمقراطي الشعبي وحزب البعث وشبيبة اللجان والروابط الشعبية والحزب السوري القومي الاجتماعي وحزب الطاشناق الأرمني ومنظمة شباب المردة التابعة لتنظيم سليمان فرنجية وشباب التجمع العربي والحزب الديمقراطي اللبناني وحركة التوحيد الإسلامي والأحباش والتنظيم الشعبي الناصري وجمعية شباب المشاريع التابعة لطلال أرسلان واتحاد الشباب الوطني.
وقد سألت عددا من الشباب اللبنانيين عن قضية المخطوفين اللبنانيين الذين يقال انهم في السجون السورية فقالوا أن جميع القوي والأحزاب أثناء الحرب الأهلية شاركت في عمليات الاختطاف والتصفية، والمشكلة يثيرها البعض لأن اغلب المختفين من المسيحيين وينسون أن قوي مسيحية قامت بعمليات اغتيالات واختطاف لعناصر من قوي مسيحية أخري.
وكانت قد تشكلت في سورية اللجنة الأهلية للمفقودين السوريين في لبنان وتقدمت بطلب للمؤتمر ليساعدها في البحث عنهم وإيجاد حل لها. وقالت اللجنة انها تقدمت بطلب سابق للحكومة اللبنانية إلا أنها لم تهتم به.
ومن الواضح أن هذه اللجنة تم تشكيلها ردا علي اللجنة اللبنانية. ونصل أخيرا إلي الموقف المصري وتقديراته لعملية اغتيال الحريري وقال لي مصدر موثوق به: هناك ثلاثة تقديرات مختلفة لثلاث جهات رئيسية.
الأولي: تستبعد تماما تورط الرئيس بشار في العملية لأن طبيعته تختلف تماما مع هذا السلوك.
والثانية: تري أنه متورط بنسبة ثمانين في المائة لكن العملية لا تندرج تحت وصف الإرهاب، وإنما تحت بند التصفيات والاغتيالات السياسية.
والثالثة: تري أن الاغتيال تم بأوامر من بشار.
لكن الموقف المصري بشكل عام يحس بالخطر الحقيقي علي سورية أولا وعلي المنطقة كلها إذا ما سقط النظام السوري وفقا للسيناريوالأمريكي ـ الفرنسي بصفة خاصة. وأن التحقيق مع الرئيس بشار أمر خطير ومن شأنه أن يكون بداية لسلسلة من التداعيات ستنتهي بسقوط النظام، لذلك بذل الرئيس مبارك جهودا لدي الأمريكيين والفرنسيين لإيجاد مخرج لمشكلة التحقيق مع الرئيس بشار.
كما تحرك علي جبهة اخري وهي إنهاء الأزمة بين السعودية وسورية، فقد أحس السعوديون بالغضب لسببين الأول: أن الرئيس بشار لم يحضر مؤتمر القمة الإسلامي الطارئ الذي عقد بالسعودية، والثاني أن وزير الخارجية فاروق الشرع أشاد بالدور الروسي بسبب صدور قرار مجلس الأمن بطريقة مخففة وتجاهل دور السعودية الذي لعبته في صدور القرار بالصيغة المخففة.
وسافر بشار للسعودية واجتمع مع الملك عبد الله ونجح في إنهاء الأزمة من جانبهم.
وهذا ما يدعوالرئيس بشار إلي أن يردد في بعض اجتماعاته المغلقة أنه لا يثق إلا في الرئيس مبارك ويحس أنه يريد تجنيب سورية الأزمة بالفعل. وقد وقعت حادثة ذات مغزي فقد عزمت السلطات في سورية علي إصدار قرار بمنع دخول السودانيين من دارفور والصوماليين والمصريين من المهمشين ومن لا يملكون مالا من دخول سورية، إلا إذ كان كل واحد منهم يملك مبلغا معينا من المال، وتم اتصال سريع بالمسؤولين السوريين وإقناعهم بأن نشر مثل هذا القرار سوف يعرض سورية إلي حملات إعلامية ضدها في مصر. وسوف يتم تفسيره بشكل خاطئ واعتباره موجها ضد المصريين ونكرانا لجهود مصر في مساندتها.
صحيح أن القرار يستهدف وقف تدفق العمالة الأجنبية التي ستزيد من أزمة البطالة خاصة بعد عودة عشرات الألوف من العاملين السوريين في لبنان ولكن لا أحد سوف يفهمه علي هذا النحو وبالفعل لم يتم نشر الخبر.
وبالنسبة للموقف السعودي فقد سمعت من مسؤول سعودي أن بلاده تحس بالخطر الشديد إذا ما تعرضت سورية للأخطار، وأنها لو قامت بتفعيل المحور السعودي ـ المصري ـ السوري إلا أنها غير مرتاحة، لا لموقف الإعلام السوري واستمراره في النهج السابق ولا بالنسبة لبطء النظام في اتخاذ إجراءات سريعة تتجاوب مع متغيرات الموقف ويرون أن علي سورية ان تكون المبادرة نحو طمأنة اللبنانيين وتلقي باللوم علي المحيطين بالرئيس بشار خاصة من الخارجية السورية رغم أنه ـ أي بشار ـ يمتلك مؤهلات وتمكنه من تحقيق الكثير.
وقال المصدر السعودي ان بلاده ومصر تريان بذل جهود مشتركة لدفع اللبنانيين والسوريين لاتخاذ كل منهم خطوات نحوالآخر لإنهاء الأزمة وأن ما طرحته الدولتان لم يكن مشروعا وانما اقتراحات ليبحثها كل طرف ثم يبدي الرأي فيها، إلي أن يتم التوصل لاتفاق لكن أطرافا لبنانية فهمت الموقف خطأ، وأسرعت بإعلان رفضها والهجوم علي ما تم التوصل إليه.
ولما سألته إن كان سعد الحريري فد وافق أثناء وجوده في السعودية علي الاقتراحات قال.. لا.. وسعد متأثر باغتيال والده ولن يتراجع عن استمرار التحقيق وأن رئيس الوزراء فؤاد السنيورة أقل تشددا.
ولما سألته إن كان هناك تنسيق بين سعد الحريري ووليد جنبلاط علي أساس أن يقوم بشن حملة ضد الاقتراحات ويفشل الوساطة السعودية ـ المصرية حتي لا يعرض سعد الحريري للإحراج أمام السعوديين قال ..لا.. لأنه كما قلت فإن سعد لم يوافق وهو في السعودية، كما أن هناك مشكلة في التعامل مع وليد جنبلاط لأنه يغير مواقفه باستمرار وقد حاولنا معه وحاولت روسيا أيضا ولم تفلح. وأضاف أن استمرار التحقيق والتعاون مع اللجنة مسألة لا نقاش فيها وان الرئيس بشار يبدي قدرا كبيرا من التعاون في هذا المجال لكنه لم يكن موفقا في استقباله رئيس الجمهورية الإيرانية محمود أحمدي نجاد في هذا التوقيت بالذات كما لم يكن موفقا في خطابه الأخير الذي ألقاه في افتتاح مؤتمر اتحاد المحامين العرب وكانت لهجته متشددة.