صفحات مشرقة من تاريخ الأدب السرياني في القرن السادس للميلاد

يعتبر القرن السادس للميلاد القلب النابض لعصر السريان الذهبي (1)، لوفرة الإنتاج الأدبي فيه، وجودة العطاء العلمي وتنوعه، وكثرة العلماء الأعلام، والأدباء اللامعين، والشعراء المفلقين، وانتشار المدارس في طول بلاد الشرق وعرضها، وتأسيس المكتبات الزاخرة بآلاف المخطوطات في شتى فنون العلم والمعرفة.
ومما لا يختلف فيه اثنان أن الأدب السرياني أدب ديني مسيحي المنبت، كنسي المنشأ (2) . وخواصه إما كتابية تعنى بدراسة الكتاب المقدس وشرحه وتفسيره، وإما طقسية تهتم بتنظيم العبادة، وإما لاهوتية وجدلية تحاول تثبيت العقائد الدينية، وإما تاريخية تدوّن وقائع التاريخ الديني والمدني القديمين والمعاصرين، وإما نقليه تنقل إليها أسفار الكتاب المقدس من لغاته الأصلية وتترجم شتى العلوم من اليونانية وغيرها من اللغات كاللاتينية والفارسية.
وأغلب من وصلت إلينا مصنفاتهم هم من رجال الكنيسة، كما أن جلَّ المدارس السريانية أسست في الأديرة والكنائس. فصانعوا العصر الذهبي للعلوم والآداب السريانية إذن هم من رجال الكنيسة. ولذلك لا يستكمل بحثنا دون إلقاء نظرة فاحصة وسريعة على أحوال الكنيسة والعالم الشرقي في ذلك العصر، لنتعرف على التربة التي نبت فيها الأدب السرياني والمناخ الذي ساعده على نموه وإعطائه الثمار الناضجة.
الحالة السياسية والتنافر المذهبي:
كانت بلاد الشام وسواحل البحر المتوسط وآسية الصغرى تنوء تحت وطأة الحكم البيزنطي. أما بلاد العراق فقد كانت تحت الحكم الفارسي. وكانت الدولة الفارسية تنازع الدولة البيزنطية السيادة على الشرق (3) وكانت الحروب قائمة بين الدولتين باستمرار حتى الربع الأخير من القرن السادس.
كما اشتد النزاع المذهبي بين الفرق المسيحية، فالقرن السادس هو فترة تنافرات مذهبية جاءت نتيجة للشقاق الذي صدّع جوانب الكنيسة المسيحية على أثر مجمع أفسس عام 431 م، ومجمع خلقيدونية عام 451 م، وتفاقم الخلاف حتى بدا تأثير السيئ في أوائل القرن السادس على اللغة السريانية نفسها إذ انقسمت من حيث لفظها وخطها إلى قسمين يعرفان تقليدياً بالغربي والشرقي بنسبة إلى مواطن الشعوب التي كانت تتكلّمها . ويعتبر نهر الفرات، على وجه التقريب، محوراً يفصل بين هذين الطرازين. فما كان واقعاً في مشرقه اتّبع أهلوه اللفظ والخط ( الشرقي )، وما كان في غربه، اتّبعوا اللفظ والخط ( الغربي ). وبتعبير آخر ، إن غرب نهر الفرات كان يشمل بلاد الشام، وشرقه كان يشمل بلاد ما بين النهرين والعراق وأذربيجان. على أن هذا التوزيع الجغرافي لا يستقيم في كل الأحوال. فإنه يستثنى من القسم الشرقي للشعب العراقي السرياني الأرثوذكسي (4) الذي يتبع التقليد الغربي.
وسنقتصر في بحثنا هذا على دراسة بعض العلماء والأدباء من أتباع التقليد الغربي وهم السريان وأرثوذكس.

امبراطور بيزنطية يضطهد الكنيسة:
عندما جلس يوسطينوس الأول على عرش الإمبراطورية البيزنطية عام 518 م أثار اضطهاداً عنيفاً ضد الكنيسة السريانية الأرثوذكسية والكنائس المتحدة معها بالإيمان (5) فغادر مار سويريوس بطريرك أنطاكية مقر كرسيه والتجأ إلى مصر حيث أقام زهاء عشرين سنة يدبّر الكنيسة السريانية بنوّابه ومراسلته. ولم يقوَ الاضطهاد على إيقاف نشاطه الأدبي و الديني، بل حفّزه على الكتابة فخلّف لنا مؤلفات جمّة وضعها باليونانية ومنها نقلت إلى السريانية (6). ونفي مار فيلوكسينوس المنبجي واستشهد مخنوقاً بالدخان، وهكذا امتلأت السجون برجال الكنيسة السريانية. ووسّع يوسطينوس شقة الخلاف المذهبي واستغله في السيطرة على مصر وبلاد الشام وسلب غلاتهما.
ومات يوسطينوس سنة 527 م فورثه على عرش بيزنطية ابن أختّه يوسطينيان ومعه تيودورة (7) زوجته وكانت هذه سريانية أرثوذكسية فعطفت على رجالات كنيستها ولكنها لم تتمكن من إيقاف الاضطهاد لأسباب سياسية وإدارية حيث اتّهم أتباع عقيدة المجمع الخلقيدوني زوجها بالتحيّز للمنفيين (8) انصياعاً لرغبتها.
لم يقوَ الاضطهاد العنيف على إيقاف نشاط السريان الروحي، والذين لم يكتفوا بالدفاع عن عقيدتهم الدينية داخل حدود المملكة البيزنطية، بل حملوها بلغتهم السريانية إلى بلاد بعيدة، من ذلك أن الإمبراطورة تيودورة اختارت القس يوليان السرياني الذي كان يخدم لدى البطريرك الاسكندري، وأرسلته إلى أثيوبيا ( الحبشة ) فنصر الأحباش: ملكاً وشعباً (9) وتمسّكت كنيسة أثيوبيا بالعقيدة الأرثوذكسية وهي متحدة بشركة الإيمان الواحد مع الكنائس الأرثوذكسية غير الخلقيدونية. كما أن تأثير اللغة السريانية ظاهر في اللغة الأمهرية، اللغة الطقسية لكنيسة أثيوبيا الأرثوذكسية، إذ اقتبست الأخيرة كلمات سريانية ومصطلحات دينية لا تحصر. كما أنها لا تزال تستعمل أنافورا ( كتاب القداس ) من وضع مار يعقوب السروجي ملفان الكنيسة السريانية المتوفى سنة 521 م.
وكان السريان قد أوصلوا بشارة الإنجيل المقدس واللغة السريانية وطقسهم الديني الأنطاكي إلى بلاد الهند منذ صدر النصرانية، وواصلوا إرسال البعثات في القرون التالية، ولا يزال تأثير الأدب السرياني الطقسي ظاهراً هناك، كما أن الكنيسة السريانية في الهند لم تزل تستعمل إلى جانب لغاتها المحلية اللغة السريانية والألحان السريانية في طقوسها الدينية ويخضع زهاء مليونين من الهنود للكرسي الرسولي الأنطاكي للسريان الأرثوذكس.
المدارس السريانية ومكتباتها:
اشتهر السريان بمدارسهم التي أسسوها في الأديرة والكنائس وفي القرى والمدن التي استوطنوها، قال في ذلك البحاثة أحمد أمين ما يلي: ( كان للسريان في ما بين النهرين نحو خمسين مدرسة تعلم فيه اليوم العلوم السريانية واليونانية... وكانت هذه المدارس يتبعها مكتبات ... وكان في الأديار السريانية شيء كثير لا من الكتب المترجمة في الآداب النصرانية وحدها بل من الكتب المترجمة من مؤلفات أرسطو وجالينوس وأبقراط، لأن هؤلاء كانوا محور الدائرة العلمية في ذلك العصر، كان السريان نقلة الثقافة اليونانية إلى الإمبراطورية الفارسية ) (10) كما نقلوها في العصر العباسي إلى الغرب.
وكانت مواد الدراسة في هذه المدارس لاهوتية على الغالب، واستعانوا بالفلسفة اليونانية على إثبات الحقائق الدينية، واهتمّوا إلى جانب اللاهوت والفلسفة بعلوم الطب والفلك والرياضيات والطبيعيات والتاريخ والآداب وغيرها.
وكانت اللغة السريانية لغة البلاد في ذلك العصر(11) اللغة الرسمية للمعاهد السريانية، فهي لغة الكنيسة والأدب والتجارة في آن واحد إلى جانب اليونانية التي كان يتكلّمها الشعب اليوناني في المدن الكبيرة. وكان السريان يعرفون عدة لغات دائماً فإن الذين اهتموا منهم بالمحاماة درسوا اللغة اللاتينية، أما الذين عكفوا على دراسة الفلسفة فتعلّموا اليونانية، ولكن بقيتهم وخاصة أولئك الذين وجدوا خارج المراكز ذات الصفة العالمية فإنهم تمسكوا بلغتهم الوطنية، اللغة السريانية. ذكر البطريرك يوحنا فم الذهب المتوفى سنة 407 م بإحدى عظاته في أنطاكية أن أغلب الذين كانوا ينصتون إليه من الكهنة والشعب لا يتمكنون من فهم عظاته باليونانية لأن لغتهم هي السريانية.
واشتهرت الأديرة بمدارسها الزاهرة، وانتشرت حول مدينة أنطاكية من ذلك مدارس دير مار باسوس، ودير تلعدا، والجب الخارجي. كما اكتظت على جبل الرها، وطور عبدين ونصيبين ورأس العين وغيرها. واشتهرت في القرن السادس خاصة مدرسة قنسرين التي أنشأها سنة 530 م يوحنا بن أفتونيا المتوفى سنة 538 م مؤسس دير قنسرين نفسه على الضفة الشرقية لنهر الفرات إزاء مدينة جرابلس. واهتم بها كثيراً فصارت أكبر مدرسة لاهوتية سريانية في ذلك العصر، وحتى أوائل القرن التاسع، وبقي الدير عامراً إلى أواسط القرن الثالث عشر (12). وتخرّج في تلك المدرسة علماء أعلام، منهم ساويرا سابوخت في القرن السابع للميلاد الذي على يده، في ما يقال، وصلت الأرقام الهندية إلى العرب (13). ووضع مؤلفات فلسفية وفلكية قيّمة .
واكتظت الأديرة ومدارسها بالخطاطين الذين أغنوا الأديرة والكنائس بالمجلدات الضخمة، فتكونّت المكتبات السريانية وانتشرت في كل مكان، ومن أشهرها مكتبة دير والدة الله في وادي النطرون بمصر، الذي يدعى أيضاً بدير السريان، وهو عامر. وتزهو اليوم مكتبات الشرق والغرب بالمخطوطات السريانية التي جاءتها من مكتبة هذا الدير لوفرتها، ونفاستها، وقدمها، حيث يرتقي عهد بعضها إلى القرنين الخامس والسادس للميلاد. وقد حفظ لنا الدهر من مخطوطات القرن السادس مخطوطتين للكتاب المقدس، الأولى في مكتبة الفاتيكان كتبت سنة 548 م والثانية في مكتبة فلورنسة خطها سنة 586 م الربان رابولا ، ولذلك تدعى بـ ( إنجيل رابولا )، وتتخلل هذه المخطوطة ست وعشرون صورة ملوّنة (14) .

من مختارات الجمل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بدأ العصر الذهبي للأدب السرياني في القرن الرابع للميلاد وامتدّ إلى القرن الثامن، ثم خمدت جذوته ثلاثة قرون ، وسطع نوره ثانية في القرنين الثاني عشر والثالث عشر. ( اللؤلؤ المنثور في تاريخ العلوم والآداب السريانية للبطريرك أفرام الأول برصوم. الطبعة الثالثة بغداد 1976ص 187 ) وعصر السريان الذهبي للفيكنت فيليب دي طرازي ـ بريوت 1946 ص 5 عن روبنس دوفال: الآداب السريانية قسم2 ص337 والأب لابور:المسيحية في الدولة الفارسية ص 371 واللمعة الشهية في نحو السريانية للمطران، إقليميس يوسف داود 1: 201-203 .
(2) روبنس دوفال، مقدمة كتاب في تاريخ الآداب السريانية ـ عربت ونشرت في مجلة الحكمة ـ القدس سنة 1929 ص 464 .
(3) تاريخ سورية ولبنان وفلسطين للدكتور فيليب حتي ـ بيروت 1958 الجزء الأول ص 413.
(4) اللؤلؤ المنثور ص 16.
(5) ذخيرة الأذهان للقس بطرس نصري الكلداني ( الموصل 1905 مج1 ص221 ) عن يوسف شمعون السمعاني ( المكتبة الشرقية باللاتينية مج2 مقالة 47-53 ).
(6) اللؤلؤ المنثور ص239 و 240 عن التاريخ الكنسي للعلامة المفريان مار غريغوريوس يوحنا ابن العبري بالسريانية مج1 في ترجمة مار سويريوس.
(7) ولدت تيودورة في منبج الواقعة بين حلب والرها في مطلع القرن السادس للميلاد ووالدها قسيس سرياني أرثوذكسي، وكانت تتحلى بجمال الجسم والنفس فخطبها يوسطينيان حين مر بمنبج وهو في طريقه إلى محاربة الفرس، واعداً إياها أن لا يجبرها على تغيير إيمانها، وتم زواجه منها، وارتقت معه عرش المملكة البيزنطية سنة 527 ومنحها الإمبراطور صلاحيات واسعة فشاركته الحكم. وكانت حكيمة شجاعة أنقذته من دسائس أعدائه ووطدت دعائم حكمه، وخلدت أمجاداً لإمبراطوريته، الأمر الذي لم يستطع إنكاره حتى ألد أعدائها وفي مقدمتهم بروكوبيوس المؤرخ الذي رغم محاولته تشويه تاريخها لم يتمكن من إخفاء نور جهادها وحكمتها السامية فاعترف بذلك, وبهذا تظهر حقيقة فضيلتها وأصالتها التي صارت شوكة في أعين حسادها. وانتقلت إلى جوار ربها عام 565م ( كتاب المثال السرياني في ترجمة أخبار القديس مار يعقوب البرادعي السرياني بقلم الراهب يوحنا دولباني (( طران ماردين بعدئذ )) المطبعة السريانية بونس أيرس 1942 ) . وكتاب تيودورة للملفان المطران بولس بهنام الموصل 1956 عن تاريخ الراهب القرتميني السرياني طبعة لوفان 1953 ص192 وتاريخ الرهاوي السرياني م1 ص191 و 192 و 200 وتاريخ مختصر الدول لابن العبري ص78 ودائرة المعارف البريطانية الطبعة 11 مج26 ص764.
(8) تيودورة ـ للملفان المطران بولس بهنام ص8.
(9) التاريخ الكنسي لابن العبري بالسريانية مج1 في ترجمة البطريرك سرجيس التلي.
(10) ضحى الإسلام لأحمد أمين ( 2 : 59 -60 ) .
(11) تاريخ سورية ولبنان وفلسطين لفيليب حتي ( 1 : 409 ) .
(12) اللؤلؤ المنثور ص20.
(13) عصر السريان الذهبي لطرازي ص8 عن مجلة المشرق 14 ( 1811ص239).
(14) عصر السريان الذهبي لطرازي ص84 و 85 و 86 عن فهرست مخطوطات فلورنسة رقم1.
قداسة مار أغناطيوس زكا الأول ـ بطريرك أنطاكية وسائر المشرق على الكنيسة السريانية في العالم أجمع