مذكرات معروف الدواليبي(3)

رواية : د. عبد القدوس أبو صالح
الشرق الأوسط
في هذه الحلقة من مذكراته يختتم محمد معروف الدواليبي روايته لقصة تهريب الحاج أمين الحسيني من فرنسا بعد تدخل المفوض السامي الفرنسي قونصوه الذي أبلغ الرئيس شارل ديغول الذي أمر بدوره بتسليم المفتي وتسفيره الى أية دولة عربية تقبله فيما كانت بريطانيا تترصده لتمنع دخوله الى أي بلد عربي خاضع لهيمنتها.
ويروي الدواليبي ان الحاج أمين الحسيني تم تهريبه في النهاية على متن طائرة أميركية الى روما ومنها وصل الى مصر. أما الدواليبي نفسه فقد خضع للاستجواب ويقول انه أصر على الكتمان. ويروي ان اعتقاله كان نوعاً من التوقيف الإداري الذي لا يساعد القانون الفرنسي عليه.

دعا قونصوه السفراء العرب إلى حفلة شاي، وجئت معهم إلى بيته، وقلت له: أي دولة عربية تطلب تسلم الحاج أمين فسلموها إياه، وستجدون انجلترا ستمنعه من الدخول إليها، وبذلك تكونون أنتم قد أعلنتم للناس قاطبة إطلاق سراحه، ولكن انجلترا هي التي لا تريد الإفراج عنه وتقف في وجه لجوئه. وما كان من السفراء العرب غير فخري باشا عن مصر، وعدنان الأتاسي عن سورية، وفؤاد حمزة عن السعودية، وأحمد الداعوق عن لبنان. وقبل حضور حفلة الشاي ذهبت إلى عدنان الأتاسي وأخبرته بأنهم سيتسلمون اليوم الحاج أمين، فكاد يطير من الدهشة والفرح، وما علم بنبأ الإفراج عن المفتي غيره. ولما تكامل جمع المدعوّين أعلن قونصوه أنه مكلف من الرئيس ديغول بتسليمهم الحاج أمين، وكان الحاج أمين موجوداً في غرفة ثانية، وأي دولة تقبل تسلمه يستطيع اللجوء إليها، وفتح الباب وظهر الحاج أمين، وكانت مفاجأة السفراء جميعاً ما عدا عدنان الأتاسي. وذهب السفراء وأبرقوا إلى حكوماتهم بالنبأ، وجاءت أجوبة الدول العربية مصر وسورية ولبنان إلى عدنان الأتاسي بأنهم كلّفوا رياض الصلح بأن يأتي إلى فرنسا ليرى الحاج أمين. وفي اليوم الثاني طلبت إخراجه من المعتقل إلى بيت خفيّ، إذ لم يعد من الجائز أن يبقى في المعتقل بعد الإعلان عن تسليمه إلى إحدى الدول العربية، وكانت ملاحظة الفرنسيين أنه معرّض للخطر، فقلت: نستأجر له بيتاً خفياً ينتقل إليه، وأنتم تساعدوننا في حمايته. وذهبت إلى خارج باريس واستأجرت بيتاً، وقلت لهم: يلزمنا هوية باسم مستعار لهذا الساكن في البيت، ويلزمنا أيضاً أسلحة، وأنا سأحضر حراساً من عندنا من شمالِ أفريقيا. نقل المفتي إلى بيت خفي

* وتسلّمتُ الحاج أمين، ونقلته إلى البيت الجديد الذي لا يعرف عنوانه أحد سوى قونصوه ورئيس الشرطة العسكرية الذي يعطينا الحماية اللازمة من سلاح فقط، أما فرنسا فنحن مطمئنون لها في عهد ديغول، هكذا جاء التبليغ، ووقفت الأمور عند هذا الحد. وبعد يومين أو ثلاثة كتبت الصحف أن فرنسا خارجة من الحرب محتاجة إلى قرض، وكلفت سفيرها في أميركا أن يطلب قرضاً منها. وبعد شهر تقريباً نشرت الصحف أن أميركا اعتذرت، فتأثر ديغول لذلك، وكان حوله يهود، أشاروا عليه أن يبعث إلى أميركا سفيراً فوق العادة هو ليون بلوم اليهودي، الذي كان رئيساً للوزارة، ووضعت المعاهدة السورية ـ الفرنسية في عهده، فهذا السفير يستطيع الحصول على القرض; لأنه يهودي. واستجاب ديغول لهذه المشورة، وأعلنت الصحف بعد شهرين أن ليون بلوم قد تعين سفيراً فوق العادة، وأنه ذاهب لهذه المهمة التي لم ينجح بها سلفُه. وهنا قلت للحاج أمين: اختاروه يهودياً، وسيستعين باليهود، فإذا حالفه التوفيق فأنت الضحية والثمن. ولذلك دعنا نعد العدّة من الآن للرحيل. كان الحاج أمين لما تسلمناه ودخل البيت الخفيّ خاضعاً لمراقبة شديدة، فالفرنسيون اشترطوا علينا ألا يدخل عليه أحد، سوى المرأة الخادمة التي أرسلوها هم لخدمته وهي تابعة للمخابرات، والطباخ التونسي الذي كان معه في المعتقل، وهو تابع للمخابرات أيضاً. وفهمنا يومها أن هذين للمراقبة، ولذلك كنت أتهيب أي تصرف يؤخذ عليّ، وأمشي في خططي على مراحل. ففكرت بالتخلص من هذه المراقبة الداخلية. وكنت بحاجة إلى صورة للمفتي وهو حليق، لأضعها على جواز مزوَّر، فإذا أقدمت على حلق لحيته لفتُّ نظر المراقبة، وأثرت لديها التساؤل: لماذا حلق ذقنه؟ ولهذا ذهبت إلى أكبر مصوّر أرمني، يعدّ أحد المصورين الستة في العالم، وكنت تعرّفت عليه من قبل، ومعي صورة للحاج أمين، فقلت له: هذه صورة والدي، أود أن أحتفظ بها للذكرى، وأود أن تخفّف اللحية قليلاً بعمل تشذيب (رتوش) أنت قادر عليه بوصفك مصوراً كبيراً. فأجرى الرجل عملية التشذيب (الرتوش) فظهرت اللحية خفيفة. وبعد ذلك انتقلت إلى مصور آخر، وقلت له ما قلته للمصور الأول، على أن تزيل اللحية تماماً بعملية (الرتوش)، ودون عمامة. وبذلك هيأت الصورة المطلوبة. جواز مزور للحسيني

* وكنت قد سرقت جواز سفر من السفارة السورية. أما جواز سفري فقد أخذت عليه تأشيرة خروج بالسرقة أيضاً; لأنني ممنوع من الخروج إلا بإذن خاص. صحيح أنني ما كنت موقوفاً، ولكن تحركاتي مراقبة، وخروجي لا يكون إلا بإذن خاص. وقد دبّرت هذه التأشيرة مع بنت صديقة لأحد إخواننا، كانت الأختام بيدها، بعد أن أكرمناها، فوضعت الموافقة على الخروج من دون استئذان. وجئت إلى الجواز الجديد المسروق وجوازي، وكانت الجوازات الجديدة في ذلك الحين مخروزة خرزاً، ففككت خرزة الجوازين، ونقلت الورقة التي في جوازي وعليها تأشيرة الخروج إلى الجواز الجديد، ولصقت صورة الحاج أمين التي أعددتها كما أسلفت، وهو حليق ودون عمامة. وبذلك كان بيد المفتي جواز سفر عليه صورته، ولكن الاسم: معروف الدواليبي، الذي يؤذن له بالخروج بالتأشيرة التي سبق تدبيرها. وجئنا بعد ذلك إلى تدبير أمر الحجز بالطائرة، وما كان هناك طيران مدني، كل الطيران كان عسكرياً، فرنسياً أو أميركياً. حجزت له بالرشوة والوساطة على الطيران الفرنسي وبلّغتُه فتخوّف; لأن الطيران الفرنسي سيخرج من فرنسا ويمر بتونس إلى ليبيا إلى القاهرة حتى يصل إلى سورية، ولذلك تخوّف من كثرة المراقبة، وعدل عن السفر في الطيران الفرنسي. وأرسلنا شخصاً من إخوان الحاج أمين اسمه أكرم الجاعوني إلى المطارات ليصف لنا المراقبة فيها، فذهب وأبرق لنا: أنه لا توجد مراقبة ولبثنا ننتظر، ونتتّبع الأخبار، إلى أن أعلنت الصحف والإذاعات أن ليون بلوم نجح في مهمته، وحصل على قرض لفرنسا من أميركا، وأنه سيصل إلى فرنسا في يوم كذا. أخبرت المفتي بذلك فانزعج كثيراً، وقلت له: ليس أمامنا إلا الطيران الأميركي، إذ يحسن ألا نلفت الأنظار بالسفر على الطيران الفرنسي بعد أن احتلنا عليهم بواحدة والطيران الأميركي لا يسمح في كل رحلة إلا براكب مدني واحد، فتوجّس المفتي خيفة، ولكنني قلت له: يجب أن تمشي هذه الليلة; وفيها طائرة أميركية مسافرة. وذهبت إلى مكتب الطيران الأميركي، وكان مديره فرنسياً، وقلت له: أنا أريد السفر إلى القاهرة، وبسرعة، لأني رجل أعمال تاجر. قال: يا أخي هذه طائرة عسكرية، ولا يُسمَح فيها إلا بكرسي واحد لمدني، وبإذن من السفارة الأميركية، والأمكنة محجوزة من شهر مايو (أيار) إلى نهاية أغسطس (آب). قلت له: يا أخي أنا عندي صفقة تجارية سأربح منها عشرة ملايين فرنك، إذا وصلت غداً إلى القاهرة، وإني مستعد أن أعطيك مليون فرنك، إذا حققت لي الحجز، وأخرجت له مائة ألف فرنك دفعة على الحساب. قال عد إليّ بعد ساعة. وبعد ساعة عدت إليه فقال: دبّرتُ لك الحجز، على أن تأتي في منتصف الليل، أعطني رقم هاتفك، فأعطيته، وذهبت إلى البيت. كان لا بد لي من التخلص من المراقبين: الخادمة والطباخ، بل كان من الضروري جداً ألا يكونا موجودين حين تحين ساعة الرحيل، ويحلق المفتي لحيته، ويصبغ شعره باللون الأشقر، ويرتدي بزّة (طقماً) ذات لون بُنّي فاتح أشقر اللون، ويضع قبعة على رأسه، وهذا ما كنت أعددته لساعة الرحيل. كانت مراقبة الخادمة والطباخ محكمة مستمرة; فالخادمة تقوم بعملها من الصباح حتى المساء أما الطباخ فكان يأتي في الصباح أيضاً. فكنت أرسلهما أو أرسل أحدهما ليجلب لنا من القرية الفلانية زبدة وجبنة وبيضاً; لأن كل شيء في الحرب خاضع للسوق السوداء، ومفقود، وكنت أفعل هذا بين حين وآخر، وحينما تغيب الخادمة يقوم الطباخ مقامها في التنظيف، وحين يغيب الطباخ تقوم هي مقامه، وبذلك تبقى التقارير من الداخل مستمرة. وقبل السفر بيوم جئت إلى الخادمة وكانت قد نظفت البيت، فأعطيتها مبلغاً من المال، وقلت لها: لا تحضري غداً وسينوب عنك زميلك، وتذهبين إلى القرية الفلانية وتشتري لنا كيت وكيت، وسأعطيك إجازة مدتها خمسة عشر يوماً. وجئت إلى الطباخ وقلت له: لا تأتِ غداً، وزميلتك ستطبخ، واذهب إلى القرية الفلانية وأحضر لنا بعض الحاجات، وهكذا تخلّصت منهما وغيّبتهما عن البيت يوم السفر، لئلا ينكشف أمر تهريب المفتي إلا بعد عودة أحدهما إلى البيت. وأخذت سيارة دبلوماسية من عدنان الأتاسي، وكنت قد تعلمت قيادة السيارة، وخرجت بها في منتصف الليل، ودخلت على المفتي في البيت الذي هو فيه، وأجرينا الإجراءات التي ألمعت إليها آنفاً، وبعد أن ارتدى البزّة ذات اللون البنيّ الفاتح، في سمته الحليق وقبعته وبشرته الحمراء أصبح في هيئة لو فاجأني بها ما عرفته. وقلت للإخوان: الليلة سيكون تهريب المفتي، فإذا براسم الخالدي يبكي ويقول لا أترككم تسافرون حتى أسافر أنا، إذا سافر المفتي فسيعتقلونني غدا. وكنت دبّرت جواز سفر لراسم الخالدي، فقلت له: هيا.. فركب إلى باريس، ومنها إلى مرسيليا حيث يركب الباخرة إلى بلاده.

وكان ترتيبي لهروب المفتي أن آخذه إلى بيتي في الساعة التاسعة، ومن هناك ننطلق إلى المطار، ولكننا ما كدنا نصل إلى البيت حتى رنّ جرس الهاتف يخبرني أن زوبعة هبت في لندن، والطائرة لا تستطيع الخروج إلا في الساعة الثامنة من صباح غد. واضطررنا إلى النوم في بيتي تلك الليلة، وفي الساعة السادسة صباحاً علمنا أن الزوبعة مستمرة، وأن زمن مجيء الطائرة غير معروف ورحنا نراقب محطات الإذاعة، ونستعرض المراحل السابقة التي جرى فيها تهريبه وقُبِض عليه، وما وصلنا إليه الآن من إعداد لتهريبه، فقد هيأت له على مراحل: الجواز والصورة والتأشيرة كما أسلفت، كل مرحلة مستقلة عن الأخرى، كنت أقوم بها بنفسي; لأنه لا يجوز أن يطلع عليها أحد. والشخص الوحيد الذي كان يساعدني هو أم محمد. نقل المفتي إلى روما بطائرة أميركية

* ويسّر الله تسفير المفتي على طائرة أميركية إيطاليا (روما) إلى القاهرة. ولم يكن من الدول العربية السبع دولة مستعدة لاستقباله وحمايته غير مصر. والملك فاروق كان يسعى لحمايته ويحذر من الإساءة إليه. ولذلك فكرنا بنقله إلى مصر، فهرَّبنا رجلاً من جماعة المفتي اسمه أكرم الجاعوني إلى مصر، ليتصل بشخص فيها ممن يعتمد عليهم المفتي من التجار اسمه علي رشدي، ليهيئ مكاناً لاختفائه حين وصوله مصر، على أن يبقى هذا كله سراً لا يعلم به أحد. أما التخطيط لسـفري والــذي أصبح للمفتي فكان الحجز إلى سورية ولكن جوازي مكتوب فيه TRANSITE MOIS أي مرور بالقاهرة بدون إقامة. فغيّرت العبارة إلى TROISMOIS، أي إقامة ثلاثة أشهر; وذلك بالاستعانة بالمزيل في طمس الحروف وتعديلها وإزالة الخط من فوق MOIS، وتثبيت الحروف بلون الحبر نفسه. وبذلك صار لديّ إقامة ثلاثة أشهر في القاهرة بدلاً من ترانزيت، وأخذ ذلك كله المفتي.

* ألم يتخذ الفرنسيون أي إجراء قضائي؟ ـ لا، لأنني لست موظفاً عندهم، وإنما أبقوني في البيت.

* ألم يؤاخذوك بإعطائك جوازك إلى الحاج أمين؟ ـ ما كانوا يعرفون.

* ولما عرفوا بعد شهر من تهريبه ألم توجه إليك تهمة مساعدته على الهرب؟ ـ كانت الأوضاع قد تغيرت، والأفراح أقيمت في العالم العربي، حتى إن ديغول كان في ذلك الحين من أنصار التهريب والعالم العربي قدّر موقف فرنسا. ولا شك أن الرأي العالمي أدرك أن ديغول سـدّد ضربتين لكبرياء انجلترا، عبّر بهما عن كراهيته لها، الأولى إعلان استقلال سورية ولبنان، والثانية تهريب الحاج أمين وإفلاته من يد انجلترا، وقد تم هذا كله بما بذلنا من مساعٍ سلف ذكرها. وجاء التحقيق، وكل ما طلبوه مني إقامة جبرية في بيتي. وأقبل مراسلو الصحف العالمية في أميركا وغيرها على باب البناية التي أسكن فيها، يريدون أن يسألوني كيف خرج المفتي وغادر فرنسا؟ وتضايق الفرنسيون من هذه الزحمة الصحافية، ومنعوا بعض الوفود الصحافية من المرابطة أمام باب البناية، وطلبوا مني أن أخرج إلى بيت آخر يكون تحت المراقبة بعيداً لا يعرفه أحد، فذهبت إلى بعض ضواحي باريس التي تبعد 30 كم عن المدينة، وحجزت غرفة في فندق لي ولعائلتي وأمضينا المدة المطلوبة.

الدواليبي وديغول

* طلب الرئيس الفرنسي الجنرال شارل ديغول مع وزير الخارجية الفرنسي آنذاك جورج بومبيدو الاجتماع بي لأفهمه القضية السورية.. دهشت عندما اكتشفت ان الرجل الذي خرج لاستقبالي في الخارجية الفرنسية هو الذي ضربته يوم سحبوا منا هويّاتنا وجوازاتنا.. قلت له: أنا أعرفك ومن المصلحة قبل البدء بالحديث أن تعرف من أنا، أنا جندي مجهول قاوم احتلال فرنسا لبلاده. وأنت جندي قاوم الاحتلال الألماني لبلاده. إلا أن الاحتلال كلما زادت مدته زاد الشعور الوطني لدى المقاومين، فأنا أعرفك وأعرف وطنيتك وأقدرك، لقد خرجت على الاحتلال الألماني لبلادك، ولكن وطنيتك وشعورك الوطني بنسبة ست سنوات، وأنا وطنيتي وشعوري بنسبة ربع قرن. فإذا كنت تريد أن نصل إلى درجة واحدة في المشاعر الوطنية ضد المحتل، فتعال ندعو الله أن يعيد هتلر إلى الحياة، ويحتل فرنسا مرة أخرى، وتصبروا على الاحتلال خمساً وعشرين سنة حتى نتساوى في الشعور بالنقمة على المحتل، فقال: لا، يكفينا خمس سنوات، وقلت: ونحن يكفينا 25 سنة. هكذا افتتحت الحديث بترطيب الجو، واسترسلنا في قصة الاحتلال الفرنسي لسورية. قال: لقد أعلنت إنجلترا وأميركا استقلال سورية بعد ثورة العراق سنة 1941، من دون أن يستشيروا الجنرال ديغول. والآن بعد أن انتهت الحرب طلب ديغول أن تُوقَّع معاهدة كمعاهدة 1936 فرفض السوريون. وجاء الإنجليز والأميركان إلى جيوشنا فاعتقلوها. فنحن لا نستطيع أن نخرج من سورية بهذا الذل، وإنجلترا تدعونا اليوم إلى اجتماع ثلاثي للبت في قضية سورية، تحضره أميركا وإنجلترا وفرنسا. وديغول يرفض هذه الدعوة; لأنهم تجاهلوه ولم يسألوه الرأي، ولذلك هو يرفض دعوتهم اليوم، ولا يقبل إلا باجتماع خماسي، يكون فيه الاتحاد السوفياتي والصين، أي الدول الخمس، فقلت له: يا معالي الوزير، بعد أن وقعت فرنسا معاهدة 1936، عادت وسحبت توقيعها تحت تأثير اليهود، فهل اطلعت على ما تم في تلك المرحلة؟ وشرحت له ذلك، ثم قلت له: عندنا مثل يقول: لا يلدغ المؤمن جحر مرتين، ولقد لدغنا منكم لدغة واحدة كافية، ولا يمكن أن تجد سوريّاً واحداً يقبل أن يعيد معكم الكرّة. قال: لكننا نحن الآن غير فرنسا القديمة. قلت: دعنا يا معالي الوزير نتكلم بصراحة ووضوح وبشعور ودي، نحن نعطف على قضيتكم ونتفهّم تخوفكم، وأرجو أن تفهمونا جيداً. أنتم ترفضون الاجتماع الثلاثي، ولكن في النهاية ستخرجون من سورية. أما المعاهدة فاغسلوا أيديكم منها، فلن تقبل سورية بها. قال: إذاً فلنخرج، ولكن لا يمكن أن نجتمع مع خصمين لديغول: إنجلترا وأميركا. أما إذا كان الاجتماع بحضور صديقين آخرين: الاتحاد السوفياتي والصين فيمكن أن نجتمع. قلت له: إذاً دعنا ندرس الموضوع برويّة وأناة. أنتم ستُجبَرون على الخروج من سورية في الأحوال جميعها ولكن أتعلم إذا حضرتم الاجتماع الثلاثي ماذا نقول نحن؟ سنقول عندئذ: الفضل لإنجلترا وأميركا، وليس لكم. ولو اجتمعتم الاجتماع الخماسي سنقول: الفضل لإنجلترا وأميركا والاتحاد السوفياتي والصين، فأنتم في الحالتين خاسرون، ونحن كنّا سندفع العمولة لدولتين، فجعلتمونا ندفع لأربع دول. فما رأيك أن ندفع العمولة لكم وحدكم؟ قال: وهل هذا ممكن؟ قلت: نعم، لقد أهانت إنجلترا وأميركا ديغول إذ تجاهلوه ولم يستشيروه في قضية استقلال سورية، وأثاروا الرأي العام العربي ضده، إذ ضرب دمشق، وفوق ذلك حملوكم على اعتقال الحاج أمين الحسيني، وبذلك وجّهوا ضربتين على الرأس; فقضية استقلال سورية وقضية الحاج أمين قضيتان ستبقى إنجلترا تستخدمهما لتسويد سمعتكم في البلاد العربية قاطبة، بحيث لا تستطيعون التحرك فيها. وأنا بصفتي رئيساً لجمعية الطلاب العرب حريص على أن أنشئ معكم صداقة وأضع بين يدكم طريقة للحل الأمثل بيننا وبينكم، تعلنون قرار الانسحاب من سورية في أقرب وقت، وتعترفون باستقلال سورية، وتقدمون معدّات الجيش الفرنسي وإمكاناته هدية للجيش السوري، من دونما حاجة إلى اجتماع أو توقيع أو معاهدة، وبذلك توجّهون صفعة موجعة لإنجلترا، وتستغنون عن الاجتماع الثلاثي والاجتماعي الخماسي. وعندئذ يمكننا القول: إن فرنسا اليوم غير فرنسا الأمس، وتنقلب عداوتنا إلى صداقة. وهنا انفجر بومبيدو ضاحكاً، وقال والابتسامة تعلو شفتيه: يأتي على الإنسان كثير من الأوقات يكون فيها بليداً حيواناً لا يرى الحقيقة! معك الحق. قلت: أقبلتَ الفكرة؟ قال: نعم، وسأتبنّاها. قلت: بذلك تغيظون إنجلترا، وتكسبون سورية إلى جانبكم، وتثبتون للعالم بإعلانكم استقلال سورية من طرف واحد: أن فرنسا اليوم غير فرنسا القديمة. قال: انتظر مني هاتفاً غدا، وفي طريق عودتي إلى البيت مررت بعدنان الأتاسي، وقصصت عليه ما جرى، فلم يصدق، وظل متخوفاً من اعتقالي. وفي اليوم الثاني هتف لي الوزير بومبيدو قائلاً: أهنئك، لقد قبل ديغول الفكرة، وكلف الكونت سترولو بالسفر إلى لبنان، ليعلن من هناك استقلال سورية من دون قيد ولا شرط ولا مفاوضات.

* هل أعلنت فرنسا استقلال سورية ولبنان في آن واحد؟

ـ نعم، في آن واحد.

* والجلاء متى تم؟

ـ إعلان الاستقلال كان في سنة 1945. أما الجلاء فقد تم في سنة 1946 . وبقي عليّ بعد إعلان استقلال سورية ولبنان أن أتفرّغ لقضية الحاج أمين وبيتي المصادر. أما البيت فقد وكلت المحامي أوجار فاستطاع أن يحصل على قرار بإخلاء البيت، وأخرِج الشخص الذي كان يحتلّه، وباستعادة البيت لم يعد ثمة مجال لاعتقالي أو ملاحقتي، ولا سيما بعد أن عُرِف في الأوساط السياسية أنني أصبحت عند ديغول الشخص الذي يُسمَع كلامه.