حول بيان القوتلي

معلوم أن محطة الاذاعة في دمشق أخذت تذيع- بعد خيانة 28 ايلول 1961- سلسلة بيانات صادرة عن لفيف من رجال السياسة، وأساتذة الجامعة، ومحرري الصحف وعلماء الدين، تبريراً لحركة الانفصال.

إن أحد البيانات المذكورة تضمن الكلمة الصريحة التالية :

من المحقق المؤكد أن النظام الذي يجوز تطبيقه في مصر، لا يمكن ولا يجدي تطبيقه في سوريا لاختلاف البيئات جغرافياً، وبشرياً ، وإجتماعياً .

لاشك في ان كل مفكر ينعم النظر في مضامين هذه الكلمة لا يتردد في الجزم بأنها يجب ان تكون صادرة من لسان- ومن قلم- رجل كان معارضاً لقيام الوحدة بين مصر وسوريا من أساسها.

ولكن الحقيقة غيرذلك تماماً : فان هذه الكلمة قد صدرت من لسان رجل كان يعتبر من كبار العاملين للوحدة المذكورة!

انها صدرت عن لسان شكري القوتلي الذي تولى تعميد تلك الوحدة يوم كان رئيساً للجمهورية السورية، فصار يلقب لذلك بلقب المواطن العربي الأول في الجمهورية العربية المتحدة الجديدة!

نعم ، انها من بيان أذاعه شكري القوتلي من محطة الاذاعة في دمشق مساء يوم 21/10/1961، ونشرته الصحف الصادرة في اليوم التالي!

إن المواطن العربي الأول شكري القوتلي، هو الذي أذاع هذه الكلمة، وزعم - بصيغة التأكيد، ودون أي قيد وتحديد-: ان النظام الدي يجوز تطبيقه في مصر، لا يمكن ولا يجدي تطبيقه في سوريا، لاختلاف البيئات جغرافياً و بشرياً وإجتماعياً

وطبيعي، أن أول ما يتبادر إلى الأذهان، أمام هذا الزعم ، السؤال التالي :

إذا كان هذا ما يعتقده شكري القوتلي، فكيف ولماذا طلب الوحدة بين مصر وسوريا، وساهم في تحقيقها؟ .

ولكي لن أتوقف عند هذا السؤال- على الرغم من وجاهته وخطورته- بل سأتركه جانباً، وسأناقش الكلمة المنقولة آنفاً، بقطع النظر عن قائلها.

إختلاف البيئات جغرافياً وبشرياً وإجتماعياً، هل يستلزم إختلاف النظم، بوجه عام؟ ألا تضم كل دولة- لها شيء من الإتساع- بيئات متنوعة، يختلف بعضها عن بعض من الوجوه الجغرافية والبشرية والإجتماعية؟ وفي داخل حدود الجمهورية السورية نفسها : ألا توجد بيئات متنوعة عديدة، يختلف بعضها عن بعض إختلافاً كبيراً من هذه الوجوه؟ مثلاً ، أفلا تختلف البيئات بين محافظة اللاذقية وبين محافظة دير الزور، جغرافياً وإجتماعياً ؟ اللاذقية التي تمتد بين البحر وبين الجبال المكسوة بالغابات، ألا تختلف جغرافياً عن دير الزور البعيدة عن البحر والمحرومة من الجبال؟ فضلاً عن ذلك، أفلا تختلف البيئتان المذكورتان بشرياً وإجتماعياً أيضاً ، لإختلافهما من حيث الحياة المدنية والعشائرية، والأحوال الدينية والمذهبية؟

أفلا يوجد إختلافات مماثلة بين جبل الدروز وبين حلب، وبين حوران وبين الجزيرة أيضاً ؟

وهذه الإختلافات، هل حالت دون خضوع جميع هذه المحافظات لنظام واحد؟

وأفلا يتبين من كل ذلك أن ما جاء في الكلمة التي نقلناها آنفاً لا يدل على تفكير علمي سليم ، في ميدان السياسة بوجه عام ، وفي ميدان السياسة القومية بوجه خاص؟

ولكن في هذه القضية ناحية هامة أخرى، لا بد من إلفات الأنظار إليها :

إن الفرنسيين عندما إحتلوا سوريا وفرضوا إنتدابهم عليها، قسموها إلى دويلات حلب، ودمشق، وجبل الدروز، وبلاد العلويين. وذلك بعد أن فصلوا عنها سنجق الاسكندرون والأقضية الأربعة، وحاولوا أن يبرروا عملهم هذا بملاحظات تشبه إلى حد بعيد ملاحظة شكري القوتلي التي نقلناها وناقشناها آنفاً .

وكان من مفاخر حلب- في التاريخ الحديث- أنها لم تلتفت إلى مغريات الاستقلال بدولة خاصة بها. وعندما أتاحت لها فرنسا فرصة إنتخاب مجلس تمثيلي - ظناً منها بأن المجلس المذكور لا بد أن يؤيد ويثبت الاستقلال الممنوح لها- لم تتردد في صدم آمال الفرنسيين في هذا المضمار، بتقرير إنهاء الاستقلال، والإنضمام إلى دمشق . ولذلك لم تعش دولة حلب إلا نحو خمس سنوات.

وبعد هذه التجربة، عدلت فرنسا عن سياسة إجراء إنتخابات لتثبيت كيان الدويلات التي خلقتها، وأبقت دولتي جبل الدروز وبلاد العلويين خارج نطاق الجمهورية السورية مدة تقرب من ربع قرن.

ولكن الحكومات السورية- على إختلاف ألوانها ومشاربها- لم تنقطع عن الاحتجاج على هذه الأوضاع، وظلت تطالب بإلحاق تلك البلاد بها، إلى أن تم ذلك، في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

ومن مفاخر أهالي الجبلين المذكورين: انهم رضوا بهذا الإندماج- على الرغم من إختلاف بيئاتهم عن البيئات السورية الأخرى جغرافياً وبشرياً وإجتماعياً - دون أن يطلبوا أنظمة خاصة ببلادهم، وخضعوا للأنظمة السورية العامة.

ومما تجدر الإشارة إليه في هذا المضمار: أن الكتلة الوطنية لعبت دوراً هاماً في هذه النتيجة. ومعلوم أن شكري القوتلي كان من أركان الكتلة المذكورة، وإن إدماج الدويلتين بالجمهورية السورية قد تم في عهد رئاسته الأولى لها.

ومما يملأ النفوس أسى ، انه نسي كل ذلك عندما أذاع بيانه الأخير، وتكلم عن إختلاف البيئات جغرافيا وبشرياً وإجتماعياً ، كما كان فعل الفرنسيون قبل نحو أربعين من الأعوام.

ولكن مآسي بيان شكري القوتلي لا تنحصر في الكلمة التي نقلتها وناقشتها آنفاً ، فإن في البيان المذكور أمراً هاماً آخر، لا بد من الإشارة إليه، والتأمل فيه :

يخاطب البيان قادة الانقلاب الانفصالي- مع الجماعات التي التفت حول هؤلاء- بالعبارات التالية :

أيها المواطنون الأعزاء، اخواني وأبنائي، بعد غياب يزيد على الشهرين [ كان في سويسرا ]، سمعت من البعيد بأنباء وثبتكم وإنتفاضة جيشكم الأمين، لأني أعرفكم معرفة رفقة لصيقة وسير على الطريق الطويل. وأعرف أنه لا يمكن مهما بلغت عظائم الأمور، ان تجتمعوا على باطل وان تجمعوا على ضلال.

أعتقد انه لا يمكن لأي قارىء أن يندهش من صدور هذه الكلمات التملقية من لسان شكري القوتلي، إذا ما تذكر أهم أحداث الماضي القريب في سوريا:

لأنه، قبل نحو أربعة عشر عاماً كانت قد قامت في دمشق حركة مماثلة لحركة 28 أيلول 1961، وهوت بشكري القوتلي من كرسي رئاسة الجمهورية وطردته من البلاد وفضلاً عن ذلك أخذت تلاحقه بشتى الإتهامات والإهانات.

ولا أدري، كيف انه لم يتذكر تلك الأحداث، عندما سمح لنفسه ان يكتب ويذيع هذه الكلمات، تملقاً لقادة الإنفصال.

ولا أدري ماذا يمكنه أن يقول، إذا ما ذكره أحدهم بتلك الأحداث وقال له: قياساً على ما تقوله الآن، هل تعترف بأنك كنت تستحق تلك الإتهامات والإهانات، ما دام كان قد أجمع عليها جماعات مثل التي قامت بحركة 28 أيلول. وما دامت تقول الآن: انها لا تجتمع على باطل، ولا تجمع على ضلال... .

ذيل

- 1-

في العدد الخامس والعشرين من مجلة بناء الوطن الصادر في تموز/ يوليو 1961، مقالة عنوانها ثورة 23 يوليو بقلم شكري القوتلي.

وقد جاء في المقالة- بعد الحديث عن الثورتين المصرية والسورية- العبارات التالية:

لقد انتصرت الثورتان والتقت الارادتان في تصميم ثورى واحد، وهدف قومي مشترك، جمعته الآمال والآلام ووحدة المصير، فكانت الجمهورية العربية المتحدة.

وبعد بعض التفاصيل، انتهت المقالة بالعبارات التالية:

ونحن، إذ نذكر ذلك كله، لواثقون بأن القائد الملهم جمال عبد الناصر، لمحقق ما يصبو إليه العرب من أمانٍ قومية في الوحدة الكاملة والسيادة الشاملة.

إن المدة التي مضت بين نشر هذه المقالة وبين إذاعة البيان الآنف الذكر، كانت نحو ثلاثة أشهر. وإذا افترضنا ان المقالة كتبت قبل نشرها بمدة شهر واحد، علمنا أن المدة التي مضت بين كتابة المقالة ونشر البيان كانت نحو أربعة أشهر، تقريباً .

فيجدر بنا أن نتساءل: ماذا حدث خلال هذه الأشهر الأربعة- حتى تحول- في نظر شكري القوتلي القائد الملهم إلى رئيس حكم التعسف والارهاب . ذلك الحكم الذي بات خلاله المواطنون لا يأمنون على حياتهم بعد أرزاقهم ؟

وأظن أن معرفة ما جدّ خلال الأشهر المذكورة لا يحتاج إلى بحث طويل، فانه غير خاف على أحد من المتتبعين للأمور: صدور قوانين التأميم ، وما نجم عن ذلك من اختلال مصالح الرأسماليين .

-2-

لقد نشر الكاتب الافرنسي المعروف بنوا مشن Benoist - Mechin في كتابه ربيع عربي Un Printemps Arabe الحديث الذي جرى بينه وبين الرئيس شكري القوتلي، إبان أعلان الوحدة بين سوريا وبين مصر.

كان الكاتب في حيرة شديدة من تتابع الاحداث. كان يعجز عن تعليل ما يشاهده من اندفاع الجماهير- على إختلاف طبقاتهم- نحو الوحدة مع مصر، وكان يقول: ان ما تكسبه مصر من هذه الوحدة ظاهر إلى العيان، ولكن ماذا تكسب سوريا منها؟ ويعترف بأنه يشق عليه- وهو الفرنسي- أن يفهم: كيف توافق سوريا على أن تخسر، في جملة واحدة: اسمها، جيشها، علمها، وسيادتها، فتتحول من دولة مستقلة إلى ولاية . ويتساءل: هل يمكن أن يتم كل ذلك، دون أن يحدث غصة في القلب؟

وعندما شرح هواجسه هذه إلى الرئيس شكري القوتلي قام الرجل من كرسيه، وأمسك يده وأوصله إلى الشباك المطل على الميدان، حيث كانت الجماهير تهدر بأهازيج الوحدة، وتسبح في بحر من الفرح والحبور وقال له:

- خذ الجواب على سؤالك من هذه الجماهير.

ثم أخذ يبين له حقيقة الاوضاع العربية فقال:

- إن الحدود الفاصلة بين الدول العربية الآن، ليست خطوطاً وحدوداً، بل هي : جروح ...

كما قال :

- خلال بضعة أيام، سأحول سلطاتي إلى جمال عبد الناصر، وهذا لن يكون تنازلاً عن الرياسة بل سيكون تتويجاً لحياتي السياسية .

إني كنت قرأت حديث شكري القوتلي في كتاب بنوا مشن بتقدير واعجاب.

غير اني.. عندما قرأت بيانه الآنف الذكر، لم أستطع أن أمنع نفسي عن التساؤل:

- انه كان اعتبر تسليم سلطات رئاسة الجمهورية السورية إلى جمال عبد الناصر رئيس الجمهورية العربية المتحدة تتويجاً لحياته السياسية . ولكني لا أدري ماذا يجب أن يعتبر البيان الذي أصدره تأييداً للانفصال وتملقاً لرجال الانفصال؟