قصة الدولة الدرزية 2-2

عملت اسرائيل منذ نشوئها على مبدأ «فرق تسد»، وقد حاولت على مدى حكوماتها
المتعاقبة ‏على تفكيك الدول المجاورة لتبقي سيطرتها على المنطقة بكاملها. ومن
خلال دراستها للطوائف ‏وانتشارها في الدول تبين لها ان الطائفة الدرزية تمثل
الاقلية وبالتالي لا يمـكن ان تكون ‏خطرا على دولة اسرائيل، ومن هذا المنطلق،
كانت لدى اسرائيل استراتيجية دائمة باتجاه ‏اقامة دولة درزية تكون وفق
المخطط الاسرائيلي في المنطقة، وكان دائماً المعطل لهذا المخطط ‏الاسرائيلي هو
عروبة طائفة الموحدين.‏
مشروع الدولة الدرزية :‏
‏1ـ حدود الدولة الدرزية: تمتد هذه الدولة من جبل الدروز الى الشاطئ
اللبناني محيطة ‏باسرائيل. وتشمل: القنيطرة، وقضاء قطنا، وضواحي دمشق (بعض
قرى الغوطة الدرزية)، ‏فقضاءي بلدة الشويفات.‏
‏2ـ عاصمة الدولة الدرزية: ومن المقرر ان تكون السويداء او بعقلين عاصمة
هذه الدولة. ‏وذلك حسب ايّ من دروز لبنان او سوريا يكونون اكثر تعاونا مع
اسرائيل.‏
‏3ـ عَلَم الدولة: هو العلم ذات الالوان الخمسة الذي وضعتْه فرنسا للدولة
الدرزية بعد ‏تقسيمها لسوريا.‏
‏4ـ السكان: يكون المسلمون السنيّون والشيعة في لبنان الجنوبي وكذلك في حوران
والبقاع ‏الغربي مخيّرين بين البقاء كأقلية لا شأن لها ضمن الدولة الدرزّية او
الرحيل. اما ‏المسيحيون فلا ضير من بقائهم. ويمكن اشراكهم في الحكم كأقلية.‏
‏5ـ المقومات الاقتصادية: هي مضمونة من قبل اسرائيل، بتعهدات اميركية. يصبح
ميناء صور ـ ‏بعد تطويره ـ الميناء التجاري للدولة، ويبقى ميناء صيدا
لتصدير النفط.‏
ورصدت اميركا 30 مليون دولار للبدء بتهيئة الاجواء للتنفيذ.‏
طريقة التنفيذ:‏
‏1- تحت ستار مقاتلة الفدائيين الفلسطينيين تقوم القوات الاسرائيلية باقتحام
واحتلال ‏المناطق التي يتواجد فيها الفدائيون. ثم تقوم قوات اخرى باحتلال
جنوبي لبنان حتى صيدا. ‏وتتوجه في الوقت ذاته قوات مدرعة اسرائيلية خارقة
الجبهة السورية على محور درعا - أزرع ‏‏- السويداء، وعلى محور القرى المتاخمة
للحدود السورية الاردنية.‏
‏2- تقوم حركات «سلبية» ضد الجيش الاسرائيلي المحتل، فيشجعها اليهود سرّاً ولا
يقمعونها ‏بعنف، الى ان تبلغ من القوة ما يكفي ظاهريا لنشوب معارك بين
الفريقين، يكون النصر فيها ‏للدروز المحتلة مناطقهم.‏
‏3- في تلك الاثناء يكون الاتفاق قد تمّ مع عدد من زعماء الدروز على الصمود في
مناطقهم ‏والمحافظة عليها، كي لا تعاد الى سوريا ولبنان، تمهيدا لانشاء كيان
سياسي مؤلّف من هذه ‏المناطق «المحرّرة» يتمتّع باستقلال تام.‏
‏4- تتكفّل أميركا بحماية هذا الكيان عن طريق اسرائيل، كما تتكفّل اميركا
بالاعتراف فورا ‏بهذا الكيان السياسي، وبأن تدفع الامم المتحدة والدول الغربية
السائرة في فلكها للاعتراف ‏به. وتكون اسرائيل بذلك قد كسبت «حزاما واقيا
لها» (حسب تعبير يعقوب)، يقيها شرّ ‏الاعتداءات العربية، ان من الجيوش
النظامية او الفدائيين.‏
‏5- بعد انشاء الدولة الدرزية تقوم أميركا بالعمل لجعل لبنان وطنا قوميا
مسيحيا، وتقيم ‏دولة علوية في اللاذقية، ودولة كردية في شمال سوريا تتعاطف
فيما بعد مع حركة البرزاني، ‏فتقلص الجمهورية العربية السورية الى سوريا
الداخلية وتشل قدراتها.‏
ونفذ كمال ابو لطيف المهمة، فتم ابلاغ كمال جنبلاط وشوكت شقير والسلطات
اللبنانية ‏والسورية. ونقلت المعلومات الى الجمهورية العربية المتحدة (الى عبد
الناصر مباشرة)، وكلف ‏عبد الناصر الضابطين : اكرم صفدي وهيثم الايوبي بنقل
هذه المعلومات الى السلطات ‏العراقية بغية حثها على تكوين الجبهة الشرقية، ثم
استدعي ابو لطيف الى بغداد للاستفسار ‏منه عن بعض التفصيلات.(2)‏
‏*‏ ‏*‏ ‏*‏ ‏* ‏
ولكن، اثر اكتشاف هذا المشروع، قطع ابو لطيف اتصالاته بالمخابرات
الاسرائيلية خوفا على ‏سلامته، والقي القبض على كمال الكنج، وحكم عليه
بالسجن ... واستمر عضو الكنيست ‏الدرزي جبر معدى يعمل باتجاهه، فعقد يوما
اجتماعا صحفيا بمفرده، دعا فيه الى ضمّ هضبة ‏الجولان لاسرائيل. واعترف ان
امنيته هي ان تقوم دولة درزية تضم كل الدروز، وتكون ‏عاصمتها السويداء»
وعندما استهزأ الصحافيون باقواله، اعلن : ان اليهود ايضا ارادوا ‏قبل مئة
سنة ان تكون لهم دولة، واذ ذاك ضحك منهم ايضا. (3).‏
وبعد مدة، طالب «جبر معدى»، وكان نائبا لوزير الاتصال، بقيام «وكالة
درزية» على غرار ‏الوكالة اليهودية، تهتم بالهجرة والتوطين، وتجمع النقود من
ثمانين ألف درزي يعيشون في ‏المهجر للبدء بإنشاء دولة درزية مستقلة (4).‏
الاّ ان «جبر معدى» لم يكمّل شوطه، فقتله أحد عربان فلسطين في أوائل شهر شباط
سنة 1981... ‏وكمال جنبلاط ايضا لم ير لجهوده ثمرة، فقتل هو الآخر في 16/3/1977
... وكمال الكنج قطعت ‏عنه، بعد خروجه من السجن، كل زيارة من أي درزي...
وكمال ابو لطيف فرّ بنفسه من ملاحقة ‏الاستخبارات العاملة لاسرائيل... وشوكت
شقير عزل من منصبه... وسليمان الكنج يدلي ‏بشهاداته على المضايقات
الاسرائيلية (5).‏
من كان وراء كل هذه الملاحقات؟ لم يعد في الامر سرّ. ولماذا استمرار حرب لبنان؟
الاختلاف بين ‏طوائفه؟ أم لأجل انشاء دولة فلسطينية على ارض لبنان؟ أم لاجل
امتيازات مسيحية ‏مارونية؟ أم لأجل غبن يلحق بسنّة الاسلام؟ أم لاجل حرمان عند
الشيعة؟ في ظنّنا ان كل هذه ‏فقاقيع تطفو على سطح المياه، ومواضيع تمويه طمسا
للحقيقة... اما الحقيقة فهي في مخطط لم ‏يحك عنه بعد كفاية.‏
إبحث عما يريح اسرائيل وقل مع ارشييد: اوريكا، أي «وجدتها».‏
هذا المشروع الاسرائيلي هو استمرار لمحاولات عديدة سبقته في التاريخ. وكلها
تضرب على وتر ‏‏«ان الدروز لا يمكنهم ان يتعايشوا مع المسلمين».‏
ففي مخيم عكا 20/3/1798 اعلن الامبراطور نابليون بونابرت للأمير بشير:
ان «رغبتي المخلصة هي ‏ان اقيم للدروز استقلالهم، واعطيهم مدينة بيروت ذات
المرفأ كمركز تجاري لهم».‏

الامضاء
نابليون

واجاب الامير بشير، لا برسالة بل بـ«قوة من الخيالة الدروز لنجدة نابليون
بينما كان يحاول ‏اخضاع عكا، تحت امرة الشيخ عمر الظاهر. وكان ذلك في آذار
سنة 1799 (7).‏
وفي زمن الانتداب قسمت فرنسا بر الشام الى خمس دول «ذات سيادة كاملة»: دولة
لبنان، دولة ‏دمشق، دولة حلب، دولة جبل الدروز، دولة جبل العلويين.
وعرفت «ان هذه الدول تتألف من ‏شعوب مختلفة، لا جامع بينها. لا تشدها اواصر
واحدة، ولا تجمعها اية مصلحة مشتركة (8)‏
لقد عرف دروز اسرائيل هذه الحقيقة واعترفوا بها واعلنوها على صفحات الجرائد.
فقال «شريف ‏مهنا» ــ من البقيعة ــ :نعيش نحن ابناء الطائفة الدرزية
اقلية صغيرة ذات عقيدة، ‏دينية وطقوس وعادات تختلف عمّا لدى الشعوب والطوائف
الاخرى (9). وينقل سلمان فراج عن ‏لسان فلاح عجوز هذه الحقيقة: اسمعوا يا
شباب: صحيح انني فلاح بسيط، لكن بودي ان ابدى ‏رأيي: «لقد كان دروز سوريا
هم الذين اشعلوا الثورة على الفرنساويين وخسروا، وضحوا في ‏سبيل استقلال
بلادهم اكثر من غيرهم بكثير. ولكن، عندما جاء الاستقلال، خسروا ثمرة تضحياتهم
‏وخسروا مركزهم واحترامهم، لانهم لم يدركوا انهم اقلّية، وانهم رضوا ام ابوا فهم
دروز، يعني ‏دروز، لا يحق لهم اكثر مما يسمح به وزنهم العددي». (10)‏
ويعلق احد الباحثين الاجتماعيين الاسرائيليين على هذه الظاهرة الاقلية: ان
الدروز هم ‏اقلية صغيرة، حتى انهم طيلة تاريخهم كان همّهم الاساسي تقرير مَنْ هي
القوة الاكبر ليتحالفوا ‏معها. وينقل رأي احد مشايخ العائلات الدرزية الذي
يبلغ الرابعة والتسعين من سنّيه، قال ‏له: في رأيي، كل مَنْ يتركك تعيش، وموجود
في السلطة، يجب ان ينال دعمكَ. (11).‏
هذا الوعي الدرزي عرفته اسرائيل وادركته، وهي تسعى لتساعده كالام الرؤوم،
اقلية ‏مقهورة ظلمها العالم باسره واضطهدها كل صاحب سلطان أسرائيل تعرف،
والدروز سوف يعرفون ‏بأن سرّ حكمتهم لن يدوم الى الأبد سراً. فأصحاب المطابع
يقتنصون المخطوطات من تحت الأرض، ‏وأصحاب دور النشر يسيّرونها الى أقطار
الدنيا. والعلم لم يعد احتكارا على اصحابه ‏ومستحقيه. فلا ذريعة، بعد
اليوم، أن ليس بمقدور أحد، غير بني معروف، معرفة مضامين الحكمة ‏وأسرارها
وألغازها وألوانها ونقطها وتآويلها ورموزها..‏
قبْلهم، عرفت أسرائيل ذلك، وراحت تعمل لأجلهم، بالرغم عنهم، أحياناً،
وبرضاهم، أحياناً ‏أخرى. تعمل لمصلحتهم، كما تعمل مصلَحتها. ومصلحتها الكبرى
أن تتعاون مع هؤلاء. وهي ‏تعمل. هي تعرف أن أفضل جار لها هم الدروز. هؤلاء،
ان اكتشفت حقيقتهم، لن يكون لهم عون ‏الا من اسرائيل. فهم، كجيران لها، أقل
خطراً من المسلمين والفلسطينيين والمسيحيين والعرب ‏والعجم.. لأنهم محدودو العدد،
لا يتكاثرون ولا يتزاوجون مثنى أو ثلاث أو رباع، ولا مصلحة لهم ‏فيما وراء
البحار أو مع سكان البوادي. يكتفون بما لهم. ويصبرون. ويتحمّلون. وينامون.
‏ويبقون كهم حيث هم ومن حيث هم.‏
‏*‏ ‏*‏ ‏*‏ ‏* ‏
وفي الختام، نريد أن تسمع صوت الشهيد كمال جنبلاط الذي قال بنظرية «تتمتع
بها كل أقلية ‏مذهبية أو اتنية في أن تراجع الامم المتحدة بشأن كيانها ومصيرها،
استنادا الى الحق الطبيعي ‏والحق الدولي وشرعة حقوق الانسان».(12)‏
-الديار