سوريا وحطام المراكب المتعثرة(3)

استعطاف عفلق لحسني الزعيم كان كارثة.. وعلاقته بعبدالناصر انتهت بحقد.. وحزب البعث ولد من تلفيقة فكرية
النخب التقليدية كانت مع الاسلام السياسي.. اما الدروز والعلويون والارياف فكانوا مع البعث والمسيحيون شيوعيون
صقر ابو فخر
في خضم الاضطراب العميم الذي شهدته سورية، ولا سيما بعد استقلالها في سنة 1943، كان نبيل الشويري شاهداً علي بعض جوانب هذا الاضطراب. فهو، منذ يفاعته الأولي، عرف ميشال عفلق كسـاحر وقديس معاً. وتدرج في مدارج السياسة وفي معارج الفكر السياسي علي يديه، وتفتح وعيه علي القومية العربية شبه العلمانية التي صاغها عفلق، ثم تمرد عليه وأسقط هالة القداسة عنه، وانحاز إلي أكرم الحوراني، ثم لم يلبث أن انخرط في التآمر السياسي والانقلابات العسكرية مع سليم حاطوم وبدر جمعة، وحُكم بالإعدام. وقادته مصائره اللاحقة في المنفي البيروتي، والباريسي، إلي إدارة الظهر للسياسة كلها، ثم راح، بهدوء، يعيد النظر في تجربته الشخصية، وأسلم عقله لحقبة من التفكير النقدي الهاديء. ولعل نبيل الشويري كان شبه مرآة عكست البعث نفسه وتجربته العاتية في الاضطراب السياسي والبلبلة الفكرية والتآمر وانقلاب الأحوال والأخطاء القاتلة، فضلاً عن النزوع الرومانسي إلي صوغ مشروع مستقبلي لدولة قوية موهومة.
لم يكن لنبيل الشويري أي شأن مباشر في سلطة البعث التي انبثقت في 8 آذار 1963، ولم يشارك في صنع الأحداث العاصفة التي شهدتها سورية منذ ذلك التاريخ فصاعداً، ولم يكن له أي دور في المصائر التي انتهي إليها البعث بشظاياه الكثيرة، إنما كان شاهداً راصداً لتجربة البعث في سورية، وكان، إلي ذلك، مناضلاً في ذلك الحزب إبان صعوده، ثم راقب بحسرة انحداره وتطايره في جميع الاتجاهات. وهذا الحوار هو خلاصة هذه التجربة. ومهما يكن الأمر، فإن أهمية هذا الحـوار لا تكمن في أنه يؤرخ لحقبة من التاريخ المعاصر لسورية، بل في محاولة إعادة قراءة الأحداث في ضوء التجربة الشخصية.

ميشيل عفلـق والبعـث

أنت وميشيل عفلق من سكان الحي نفسه، مع أن هناك فارقاً في السن بينكما بالطبع. كنت قريباً جداً من ميشيل عفلق بل لصيقاً به. وهذا الاقتراب منه، فكرياً وسياسياً، كان انعطافة شـديدة الأهمية في حياتك. كيف تتذكر ميشيل عفلق؟ وكيف ترسم لنا صورته بالتفصيل؟
أنا لا أذكر أنني تعرفت إلي ميشيل عفلق، لأن ميشيل عفلق وآل عفلق علي صلة دائمة بعائلتنا. أبوه كان تاجراً في الميدان وصديقاً لجدّي في الوقت نفسه. كانا صديقين حميمين. وثمة تقاليد لـدي المسيحيين تقضي، عندما يرزق أحدهم بولد، بأن يختار أقرب الناس من أصدقائه، ولا سيما إذا كان من أهل اليسـار، ليجعل منه إشبيناً لابنه بالعمادة، وهذا يدعي العراب .
والعراب عند المسيحيين مسؤول وكفيل معنوي وخصوصاً عند الشدائد. وجدّي هو عرّاب ميشيل عفلق وعرّاب جميع إخوته، أي عرّاب العائلة. وصلة المارون لدي المسيحيين هي نوع من القرابـة الروحية تمنع الـزواج، مثل الرضاعة عند المسلمين. أي أن اخته لا يمكنها أن تتزوج عمي مثلاً.
وعندمـا توفي جدّي وَرِثَ أبي الصداقة مع آل عفلق كما ورث الصداقة مع سلطان الأطـرش، لأن والدي كبير العائلة. وعندما مات يوسف عفلق والد ميشيل عفلق، صار أبي مشرفاً علي عائلة عفلـق تقريباً. وعلي سبيل المثال كانت ليوسـف عفلق ديون لدي بعض أبناء جبل الدروز، وكانت والدة ميشيل عفلق تأتي إلي أبي وتكلفه باسـتردادها، فيذهب أبي إلي جبل الدروز لتحصيل الديون بحكم صلاته ونفوذه. وإذا حدث أي خلاف داخلي في عائلة ميشيل عفلق نعرف به فوراً في بيتنا، لأنهم يلجـأون إلي أبي لحل الخلاف.
وفي هذا الجو كان أخي الكبير إميل أحد المعجبين بميشيل عفلق وصار من حوارييه الأثيرين. وأنا نشأت في البيت علي أمرين: صلة عائلتنا بآل عفلق، وميشيل عفلق بالتحـديد، لأنني لا أعرف أباه الذي مات قبل أن أُولد، أو ربما كنت طفلاً حين توفي، ثم علاقة أخي بميشيل عفلق التي كانت شـبه عبادة، فأخي كان يعبده حقـاً. فسمعت، إذن، بالبعث أول ما سمعت به في بيتنا، وسمعت بقصص آل عفلق من أبي.
ورأيت ميشيل عفلق في بيتنا. وأنا أري، بالفعل، أن لميشيل عفلق خمس صور: ميشيل عفلق منذ الولادة حتي بداية انصـرافه إلي العمل السياسي. وميشيل عفلق منذ سنة 1941 وحكاية جمعية نصرة العراق وثورة رشيد عالي الكيلاني. وميشيل عفلق منذ 1941 إلي تأسيس حزب البعث ثم إلي سنة 1949 وما تلاها من سقوط حسني الزعيم وتولّيه وزارة المعارف. ثم ميشيل عفلق في خمسينات القرن العشرين حتي انهيار الوحدة السورية ـ المصرية. ثم ميشيل عفلق في السلطة.
والآن إليك التفاصيل. بدأت صلتي بالأستاذ ميشيل هكذا عفو الخاطر، فوجدت نفسي، من جماعته بلا مقدمات. كانوا يسمّوننا الحواريين ، وكنا نمتلك إعجاباً منقطع النظير به. ولأنني، منذ البداية، درجت علي هذه الحياة وكأنني أكبر من عمري الحقيقي، تعاطيت العمل النضالي مبكراً، وقدمت طلب الانتساب إلي حزب البعث في صيف 1947 بواسطة الياس صايغ وهو أحد أصدقاء أخي.

انتسبت للحزب في اول سنة

أي أنك انتسبت إلي الحزب في سنة تأسيسه؟
نعم، في مرحلة التأسيس التي أذكرها تماماً من خلال أحد تلاميذ صفي الذي كان حاضراً في المؤتمر التأسيسي، فضلاً عن أخي.
ما اسمه؟
إبراهيم رشيد إبراهيم. وعندما قرأ ميشيل عفلق اسمي لم يقبل أن أقسم اليمين، فأنا كنت فتي في ذلك الوقت، ولم أبلغ سن الرشد. فقال لي صلاح البيطار: حسناً أنت من الأنصار وكانت المرة الأولي التي أسمع فيها كلمة أنصار. غير أنني، علي الرغم من ذلك، كنت أذهب إلي مكتب الحزب وأشارك في التظاهرات وأنفّذ تعليمات الحزب أكثر من الحزبيين. وفي ما بعد أقسمت اليمين الحزبية في خريف 1948، وكان عمري 15 سنة ونصف السنة. وتألف التنظيم السرّي في أواسط سنة 1949 بعد انقلاب حسني الزعـيم. وكلفت بمهمة حزبية هي توزيع منشورات في قلب المدينة وفي الحارات القديمة مثل الجامع الأموي والأسواق. وفي تلك المهمة أُلقي القبض علي وسجنت. وكانت المرة الأولي التي أدخل فيها السجن. في هذه المرحلة كنت أنظـر إلي ميشيل عفلق كقديس. لكن صورته لم تلبث أن بدأت في الاهتزاز، ولا سيما بعد أن تخرجت في الجامعة.
ميشيل عفلق لم يكن يتعاطي الحياة العامة، ولا علاقة له بالناس البتة. علاقاته كانت محصورة بأنصاف المثقفين والطلاب والمثقفين النظريين الذين لا يتعاطون العمل العام، وهؤلاء أفندية كما قال عنهم أكرم الحوراني في مذكراته. وبالتدريج بدأت أكتشف أن هذا الرجـل غير عملي، وغير صالـح لأن يكون زعيماً، وهو لا يهيئ نفسه ليصبح زعيماً.
هناك حادثة ذكرها أكرم الحوراني في مذكراته وهاجمني فيها في معرض هجومه علي ميشيل عفلق وهي صحيحة. يقول أكـرم الحوراني انه في إحدي اللقاءات الحزبية لاحظ أن كنبة مهمة وضعت لميشيل عفلق بينما وضع كرسيان عاديان إلي يمينه وإلي يساره لصلاح البيطار ولي (يعني لأكرم الحوراني). وعلم أن مريدي ميشيل عفلـق من طلبة الجامعة هم الذين تصرفوا علي هذا النحو. وهؤلاء هم نـور الدين الأتاسي وإبراهيم ماخوس ونبيل الشويري. وقامت قيامة أكرم الحـوراني في الاجتماع لأنه رأي في هذا التصرف نوعاً من عبادة الشخصية، وهي ممنوعة. كان ميشيل عفلق في البداية عميداً للحزب ثم صـار أميناً عاما.
ونحن نعرف أن الأمين العام هو الأول في أي حزب أو حركة سياسية. لكن تبين أن الآخرين ليسوا مقتنعين به كرجل أول. أكرم الحوراني عندما كان يدخل مكتب الحـزب يُدخل ميشيل عفلق أمامه. لكن عندما يذهب معه إلي القصر الجمهوري يدخل أمامه. أما صلاح البيطار فكان تابعاً له.
صلاح البيطار كان دائماً ثانياً ولم يكن في إمكانه أن يكـون الأول كأكرم الحوراني. يروي أنه في عهد الوحدة، وربما قبل الوحدة بقليل، سافر عفلق والبيطار إلي القاهرة فحجزت المخابرات المصرية جناحاً لصلاح البيطار باعتباره وزيراً، وغرفة واحـدة فقط لميشيل عفلق. ميشيل عفلق متقدّم حزبياً علي صـلاح البيطار بالطبع لكن صـلاح البيطار لم يستغرب ذلك، وأقام في الجناح وترك ميشيل عفلق يقيم في غرفة منفردة. وفي ما بعد، حينما بدأت اصبح رجلاً عملياً، وما عدت طالباً، صرت أتعاطي مع عفلق لا كقديس بل بشيء من العملية، ففترت العلاقة.
في أي سنة كان ذلك؟
في سنة 1958. بين 1956 ـ 1958 التحقت بالجيش. وطيلة مدة الخدمة العسكرية لم أره ولم يرني. كان عفلق مستهتراً بالحزب، لأنه اعتقد، ولا سيما في عهد الوحدة، أنه أصبح وعبد الناصر شيئاً واحداً. وبالتدريج انقطعت صلتي به.

انطباعات عامة عن عفلق

ما هو انطباعك العام عن ميشيل عفلق بعد هذه السنين؟
ميشيل عفلق شاب فائق الذكاء، وألمعي، وكانت له ميول أدبية، فهو شاعر وكاتب وقاص ومتفوق. وكان من الأوائل في سورية في البكالوريا وفي معهد الحقوق بدمشق. ولهذا أُرسل في بعثة إلي فرنسا لمتابعة دراسته وهو في العشـرين. وفي باريس درس الحقـوق والأدب والتاريخ، وعاش حياة خاصة، وكانت لديه حيوية كبيرة وذاكرة عظيمة. وفي العاصمة الفرنسية نال، فضلاً عن دراساته في التاريخ والأدب، دبلوماً في علم الأديان المقارن من السوربون. وللغرابة فإنه لا يذكر شيئاً عن هذا الدبلوم، وهو يتكتم علي دراسته هذه.
قصاري القول إنه عاد إلي دمشق ليعمل في حقل التدريس، ويبدأ الكلام علي النهضة الأوروبية وعلي ضرورة نشوء نهضة عربيـة مماثلة، وبدأ يكتب في مجلة الطليعة وهي مجلة شيوعية، ويلتقي يساريين أمثال كامل عياد وغيره، ولهذا تَردد الكـلام عليه بأنه شيوعي، وهذا غير صحيح بالتأكيد. كان أديباً وشاعراً ويسارياً. وعندما قرر الانخراط في العمل السياسي اخترع تلفيقة فكرية.

تلفيقة؟

إنها من أشهر خطبه وكانت بعنوان ذكري الرسول العربي ، وهي مجموعة فقرات كتبها في أوقات متفرقة، ثم جمّعها وجعل منها خطاباً واحداً. وهذا الخطاب المشهور وجد المسلمون فيه بديلاً من العقل الرجعي الذي يمثله الإخوان المسلمون، ووجد الشباب فيه أملاً فأعجبوا به كثيراً، أما الكبار فانزعجوا منه. المهم أنه اخترع تلفيقة وأسس الحزب علي أساسها. لكن الحزب في الحقيقة كان، في الأساس، أربعة أحزاب. ثلاثة أحزاب حمل كل واحد منها اسم حــزب البعث العربي، وهذه الأحزاب اندمجت بين السنوات 1944 و1947 وكان آخرها حزب وهيب الغانم، والحزب الرابع هو حزب أكرم الحوراني، أي الحزب العربي الاشتراكي، الذي تم الدمج معه في عهد الشيشكلي. صار الحزب كبيراً بعد الاندماج مع أكرم الحوراني وفازت قائمة الحزب في حماة في الانتخابات النيابية، واشتهر أكرم الحوراني كثيراً.
وبناء علي ذلك لمع حزب البعث وميشيل عفلق، وبدأ ينتشر في الأقطار المجاورة كالأردن والعراق ولبنان. ولم ينتبه أحد إلي أن المنظمات القطرية للحزب خارج سورية كانت تحت السيطرة الكاملة لميشيل عفلق، فهو مؤسس الحزب، والأدبيات الرائجة بيـن الحزبيين هي أدبيات عفلق. وكان الحزب خارج سـورية مغلقاً تماماً حتي علي صلاح البيطار، في الوقت الذي كان فيه صلاح البيطار وأكرم الحوراني وجلال السيد منصرفين كلية إلي العمل السياسي في سورية.
هل تود أن تقول أن ميشيل عفلق كان انتهازياً وصاحب شخصية مضطربة؟
أقول إن هناك عـدة محطات في حياته تفصـح عن شخصيته. فمثلاً في 3/7/1942 استقال هو وصلاح البيطار نتيجة لصدام الطلاب مع وزارة المعارف. أي أن عفلق والبيطار، عندما كانا مدرّسَين في التجهيز، أوهما الناس بأنهما إلي جانب الطلاب، وقدما استقالتيهما.
لكن الحقيقة أنهما كانا يريدان التفرغ للعمل السياسي، ووجدا في الاستقالة باباً لذلك، فاكتسبا شعبية كبيرة بين الطلاب بسبب موقفهما من المناهج والسياسة التعليمية.
لكن، في سنة 1949، أي بعد سبع سنوات، كان ميشيل عفلق قد صار وزيراً للمعارف، فلم يقم بأي شأن في حقل المناهج والسياسة التعليمية. وهناك محطة غير معروفة للكثيرين، هي أنه عندما عاد عبد الرحمن الشهبندر إلي سورية أُقيمت له حفلات التكريم في معظم أحياء دمشق ومنها الميدان.
فدعاه ميشيل عفلـق إلي بيته. وبعد فترة وجيزة اغتيل الشهبندر فلم يحرك ميشيل عفلق ساكناً لا استنكاراً ولا احتجاجاً. وفي سنة 1943 أراد عفلق أن يترشح للانتخابات النيابية، وقبيل الانتخابات اجتمع عـدد من المثقفين في منزل أحمد الشراباتي لدعم شكري القوّتلي ضد زعماء الكتلة الوطنية الآخرين، وأصـدروا بياناً باسم مثقفي دمشق وقعه كل من ميشيل عفلق وصلاح البيطار تأييداً لشكري القوّتلي.
وتبين أن الأستاذ ميشيل يرغب في الترشّح للانتخابات، وكان شكري القوّتلي رب الناس آنذاك، وهو الذي سيؤلف قائمة دمشق والناس كلها ستنتخب قائمة القوتلي. ولما لم يُدخله القوّتلي في قائمته تغيّر الموقف منه فوراً.
وفي سنة 1947 إبّان حرب فلسطين ذهب أكرم الحوراني إلي فلسطين للقتال ومعه فرقة من المقاتلين السوريين، وذهب أيضاً صلاح البيطار وميشيل عفلق. لكن صلاح البيطار ذهب إلي فلسطين باسم جريدة البعث كصحافي، أما ميشيل عفلق فذهب ولم يقاتل، فهو وصلاح البيطار لا علاقة لهما بالقتال في الأساس. وفي سنة 1949، أي في عهد حسني الزعيم كانت المحطة الكبري.
تقصد البيان الاستعطافي المشهور الذي أصدره عفلق من السجن تأييداً لانقلاب حسني الزعيم؟
نعم. وكان هذا البيان كارثة. وترك الكثيرون الحزب بسببه. لا يجوز أن يكتب زعيم مثل هذا البيان وهو لم يتعرض للتعذيب قط. وهناك قصة يعرفها عشرات الأفراد من الجيل الأول في الحزب، لكنهم سكتوا عليها، لأنهم رغبوا في عـدم فضح مؤسس الحزب وهي قصة نسائية سخيفة تتعلق بامرأة لعوب أقام عفلق علاقة غرامية معها، وكان زوجها عضواً في الحزب.
وبعد افتضاح أمر هذه العلاقة طلق الزوج زوجته وفُرض علي ميشيل عفلق مغادرة سورية إلي حين.
يبدو أنها كانت من عائلة متنفّذة جداً كي يُفرض علي عفلق مغادرة بلده.
لا. بل جري الأمر بالاتفاق معه. كانت فضيحة تم التستّر عليها. وذهب عفلق إلي البرازيـل. جميع الناس تسـاءلوا: لماذا ذهب إلي البرازيل؟ أما الحقيقة فظلت محصورة بين 10 أو 15 شخصاً فقط. جلال فاروق الشريف كان يعرف القصة، ومع ذلك لم يذكرها في مذكراته التي لم تنشر حتي اليوم وفيها يقول: اختفي الأستاذ ميشيل فجأة ولم نعد نستطيع الاتصال به من أجل تنفيذ مقررات المؤتمر.
وماذا حدث للزوج؟
أرسل في بعثة تعليمية للحصول علي الدكتوراه.
والمرأة؟
تزوجت ثانية وتزوج زوجها غيرها. وللعلم فقط، إنها ليست سورية بل مصرية. وربما لأنها ليست من بنات البلد، لم يهتم أحد بالموضوع. ربما لو كانت المرأة سورية لكانت الفضيحة أكبر.
خذ قصة الوحدة السورية ـ المصرية مثلاً. فقد ألقي عفلق خطاباً وافق فيه علي حل الحزب، وقال: إن الاتحاد القومي هو بديل من البعث، وأنه طالما عمل مع أولاد في السياسة، والآن يريد أن يعمل مع جمال عبد الناصر. وهذا الخطاب لم ينشر البتة ومنع عفلق نشره بذريعة أنه يثير الحساسية مع عبد الناصـر. وهذا الخطاب غير موجود في الأدبيات الحزبية قط. لكن ورقة الحـرير التي طبع الخطاب عليها ظلت موجودة. فهذا الخطاب سُحب علي الستانسل عند جلال فاروق الشريف الذي أورد هذا النص، في ما بعد، في مذكراته. المهم ذهب عفلق إلي مصر في عهد الوحدة، ولم يكن عبد الناصر ينظر إلي عفلق بالنظرة نفسها التي ينظر بها هو إلي ذاته. عبد الناصـر يريد زعماء يقبلون زعامتـه لتحويلهم إلي أتباع. ولهذا السبب حقد ميشيل عفلق علي عبد الناصر حِقْداً كبيراً، وعاد إلي دمشق.

عبد الناصر والشيطان

مرة، في إحدي الليالي في سنة 1959، كنا نسير أنا وعفلق في شارع بغداد وحدنا. وبعد أن ظل يحدّثني نصف ساعة عن عبد الناصر، توقف فجأة بطريقة مسرحية
وقال لي: يقولون: خُلق قبل الشيطان. إن عبد الناصر هو الشيطان بعينه . وفي المقابل كان عبد الناصر يستثقل دم عفلق، وكان يتساءل: بأي حق يعمل عفلق في السياسة، فهو مسيحي. هناك بعثيون اجتمعوا إلي عبد الناصر، ومنهم سليم حبي الذي روي لنا كيف استغرب عبد الناصر أن يسير البعض خلف هذا المسيحي.
كانت سورية تتطور قبل الوحدة تطوراً طبيعياً نحو الديمقراطية. وفي الاجتماع الذي جري فيه حل الحزب سأل أحد الحزبيين ميشيل عفلق: يا أستاذ هل أخذتم ضمانات من عبد الناصر في شأن الديمقراطية قبل حلّ الحزب؟ فأجابه عفلق: ضمانات! إننا نتحدث عن صناعة التاريخ وعن الوحدة العربية، وأنت تتكلم علي ضمانات؟
روي لي عبد البر عيون السود أنه سمع أحد الحزبيين يقول لرفيقه: يا الله يا شباب، كل واحد إلي عشيرته أو إلي طائفته ، أي أن الحـزب انتهي. وبسبب نزاعه مع عبد الناصر قرر عفلق أن يدير الحزب علي كيفو . فراح يرتب المؤتمرات منفرداً: مؤتمر للأردن ومؤتمر للعراق ومؤتمر للبنان، ويعين قيادات حزبية لهذه الأقطار. وكان من نتائج ذلك خروج قيادة الأردن بزعامة عبد الله الريماوي، وقيـادة العراق بزعامة فؤاد الركابي. لقد كان عفلق يرغب بهذه التصرفات في مقارعة عبد الناصر وأكرم الحوراني، فركب موجة الوحدوية في عهد الانفصال وأشاع أن أكـرم الحوراني انفصالي. ثم ارتكب الجريمة الكبري بحق حزب البعث في أيار (مايو) 1962 عندما عقد المؤتمر القومي الخامس، وتمكن من فصل أكرم الحوراني من الحزب. لكن الحوراني بعدما خاب أمله في الحزب حاول أن يعيد تجربة الديمقراطية إلي سورية، فأدار ظهره للحزب وأسس حركة سياسية جديدة.
وسار معه كثيرون من البعثيين من جميع المحافظات. ومن السلوك البائس لميشيل عفلق ما فعله في العراق، حينما مكّن صدّام حسين السـيطرة علي الحزب، وكانت النتيجة أن صـدّام قتل متعمّداً الجيل المؤسس للحزب في العراق وأبرز هؤلاء فؤاد الركابي.

ما اسمه؟

أما ميشيل عفلق فعاش أيامه مترفاً في منزل كبير في إحـدي ضواحي جنيف. وهذا المنزل الذي يقع في أروع مناطق سويسرا كان مخصصاً للصيف فقط. وأحيانا يستأجر منزلاً للصيف في كان علي شاطئ الريفييرا الفرنسية أي الكوت دازور ، ومنزل ثالث في باريس، ورابع في بغداد مع حرس وأبّهة. لكن، من غير أي نشاط سياسي ومن غير أي مشاركة في القرار السياسي. وللغرابة، فإن الحرب ضـد إيران اندلعت ولم يعلم عفلق خبرها. كان مقيماً في باريس وجاءه السفير العراقي في فرنسا ليخبره أن محطة TVI تـريد أن تجري مقابلة مشتركة مع السفيرين العراقي والإيراني، وأن صدّام حسين أمره أن يأخذ توجيهاته من الأمين العام. وبعد ذلك عندما مات عفلق نشر صدّام حسين علي الملأ أن ميشيل عفلق أعلن إسلامه. متي حدث ذلك؟ كيف يكون اعتناق الإسـلام من غير إشهار؟ ما هذه القصة التي لا يعرفها أبداً إلاّ صدّام حسين، بينما زوجة ميشيل عفلق نفسها لا تعرفها ولا يعرفها، فوق ذلك، قدماء الحزبيين في القيادة القومية.
أمثال الياس فرح وشبلي العيسمي مثلاً؟
وعلي غنام وطارق عزيز.
من أسس حزب البعث العربي الاشتراكي؟
ثمة جدال كبير في هذا الشأن لم يُحسم قط. والسؤال الذي لا ينفك يتردد هو: من أسس الحزب حقاً؟ ميشيل عفلق أم زكي الأرسوزي؟ لم يوضح أحد هذه النقطة إيضاحاً قاطعاً. ومَن يعتقد أن ميشيل عفلق هو المؤسس لديه الحق. لكن كلمة البعث بدأت عند زكي الأرسوزي في انطاكية أولاً لا في الشام. بدأت تتردد قبل سلخ لواء الاسكندرون في سنة 1938، وكان الأرسوزي يصدر جريدة البعث هناك وتلامذته يقومون بتوزيعها. وفي الوقت نفسه كان ميشيل عفلق يؤسس في دمشق مع صلاح الدين البيطار حركة عُرفت باسم حركة الإحياء العربي لأن الحزب في التراث الإسلامي كلمة مكروهة إلاّ حزب الله فـ هم الغالبون . أول حزب أُسس في سورية هو حزب الشعب الذي أسسه عبد الرحمن الشهبندر. ولكن عندما أصبح الشهبندر خارج البلاد منفياً ومحكوماً بالإعدام، وقاده آخرون من الملاكين والتقليديين سموه الكتلة الوطنية .
هذا يعني أن حزب الشعب أُسس قبل الحزب الشيوعي؟
حـزب الشعب أُسس في أوائل حزيران (يونيو) 1925. طبعاً قبل تأسيس الحزب الشيوعي. لهذا يمكن تكوين فكرة عن مسايرة ميشيل عفلق للشارع الدمشقي في بداياته. عندما حَكَمت الكتلة الوطنية سورية في أواخر الثلاثينات، بعد المعاهدة السـورية الفرنسية، وعـاد المنفيون إلي بلادهم وعلي رأسهم الشهبندر وسلطان الأطرش، رفض الشهبندر أن ينتمي إلي الكتلة الوطنية.
عند ذلك هاجمه رجـال الكتلة الوطنية وفرضوا عليه الاقامة الجبرية في بلودان واطلقوا عليه شائعات كثيرة كقولهم انه ملحد وكافر وماسوني..الخ. وكل من كان تقدمياً ومعارضاً للكتلة الوطنية هوجم بشراسة. ومن جملة هؤلاء كان زكي الأرسوزي الذي كان قادماً للتو من لواء الاسكندرون، ومعه نخبة من أنصاره الشباب. وعندما استقر في الشام في أوائل الأربعينات، بعد أن عاد من العراق وواجه اضطهاداً فرنسياً له، قرر أن ينشئ حزباً أسماه حزب البعث.
روي ذلك سامي الجندي في كتابه البعث
وسليمان العيسي أيضاً وعبد الحليم قدور ويحيي السوقي. فالكتلة الوطنية في ذاك الوقت تصرفت بشراسة مع انطون سعادة أيضاً. نصري المعلوف ضُرب ضرباً مبرحاً في الشارع بدمشق لأنه يشبه أنطون سعادة بعض الشيء، وظل يُضرب حتي تعرّف إليه واحد مـن الكتلة الوطنية فقال لهم: توقفوا يا جماعة هذا منّا وفينا.
نصري المعلوف أحد متخرجي معهد الحقوق العربي في دمشق.
نعم.
في تلك الفترة كان لا يزال طالباً أم كان قد تخرّج؟
كان متخرّجاً يتردد علي دمشق. هناك قصة تروي، لا أستطيع التحقق منها ولكني سمعتها من أناس معاصرين. كان زكي الارسوزي جالساً في مقهي الكمال في دمشق فأرسلت إليه جماعة الكتلة الوطنية اثنين من الزعران ليعتدوا عليه. وهذه التصرفات كانت من أساليب الكتلة. فشعر الارسوزي أنه ضعيف ولا حيلة له ولا يوجد من يناصره فمرض... ولما علم أن ميشيل عفلق وصـلاح البيطار ينشـــــران المبادئ نفســها قال لأنصاره: اذهبوا وانضموا إليهما. وكان وهيب الغانم تخرج طبيباً وصار أحد مناصري الأرسوزي البارزين، وعاد إلي اللاذقية لتأسيس حزب هناك باسم حزب البعث . وانتشر الحزب في أوساط الفقراء والمتعلمين بسرعة. وكان حزب البعث بدأ ينتشر أيضاً في أوساط دمشق.
وبين السنوات 1942و1947 راح ميشيل عفلق يكتسب شهرة لافتة بكتاباته ومحاضراته. وثمة رافد ثالث للحزب هو جـلال السيد الذي كانت لديه مجموعة في دير الزور وله أصدقاء في دمشق من المعجبين به. وعندما سـمع بميشيل عفلق من خلال كتاباته جاء إلي دمشق والتقيا، ونشأت بينهما علاقة متينة جداً. وعندما عقد المؤتمر التأسيسي للحزب في 7 نيسان (ابريل) 1947 كانت الفئات الثلاث حاضرة كلها: حزب ميشيل عفلق وصلاح البيطار وبعض الطلاب والمعلمين ولا وجـود لأي عامل أو فلاح أو صاحب مهنة شعبية أو ملاّك أبداً بل أفندية فقط بحسب أكرم الحوراني، وحزب جلال السيد وهو عبارة عن زعامة عشائرية لها تطلعات عصرية، وجماعة وهيب الغانم من اللاذقية التي كانت الأكثر فاعلية. وعقد المؤتمر في مقهي الرشيد الذي كان اسمه لونابارك الواقع في شارع 29 أيار بين بوابة الصالحية والسبع بحرات. وحضر المؤتمر عدد من المندوبين تراوح ما بين 250 إلي 300. وعندما عُرض موضوع الاشتراكية ، وجري الاقتراح باستخدام مصطلح الاشتراكية بدلا من العدالة الاجتماعية، انقسم المؤتمرون علي الفور بين يمين ويسار. وعندما وقف جلال السيد ضد هذا الاقتراح تبين أن الأكثرية مع الاقتراح.
الأكثرية من جماعة وهيب الغانم؟
انحاز ميشيل عفلق إلي كتلة اليسار فصارت الأكثرية معه علي الرغم من أن رئاسة المؤتمر كانت لجلال السيد. ولم يتخذ صلاح البيطار موقفاً في هذا الموضوع. إذن اختار جلال السيد اليمين واختار ميشيل عفلق اليسار وظل صلاح البيطار لا يمين ولا يسار. ومنذ ذلك اليوم وهذه الكتل الثلاث لا تميل الواحدة منها إلي الأخري. أما الكتلة الرابعة التي اندمجت فكانت الحـزب العربي الإشتراكي بزعامة أكرم الحوراني. إذن كان الحزب في الأساس أربع كتل ولكل كتلة نكهة خاصة، ولها اتجاه يختلف عن الأخري.
فمنها من يعتبر نفسه يسارياً والبعض يعتبر نفسه يمينياً، ومنها مَن يغلب القومية علي الاشتراكية، ولا يجد غضاضة في التعاطي مع البرجوازية، بينما يكن الآخر العداء للبرجوازية، فضلاً عن أن البعض كان يصر علي علمانية الدولة، بينما يعتقد البعض الآخـر بأن من الضروري مسايرة التيار الإسلامي. إذن لم يكن هناك حزب متماسك منذ البداية، أي مؤسسـة سياسية، بل كان هناك تجميع لأربعة أحزاب: ميشيل عفلق الذي يعتمد علي صلاح البيطار بالدرجة الأولي. وجـلال السيد ذو الفكر التطوري لا الثوري، وهو قومي أولاً وأخيراً ويرغب في الوحدة والتعاون مع الرأسمالية ومع العراق ومع نوري السـعيد. وهناك جماعة وهيب الغانم اليسارية، ثم أكرم الحوراني وحزبه وأنصاره.
هل انضم زكي الأرسوزي إلي الحزب؟
كلا. الأرسوزي كان يعتبر نفسه أرفع منهم جميعاً.
هذا ما يقوله جلال السيد. يقول أن لا علاقة للأرسوزي بالحزب.
صحيح. لكن مجموعته اندمجت بالحزب.
من هي الشخصيات البارزة في المرحلة التأسيسية؟
مدحت البيطار (من دمشق)، جمال الأتاسـي (من حمص)، شبلي العيسمي (من السـويداء)، فؤاد الصـواف (من دمشـق)، محمد السـيد (من حلب)، عبد البر عيون السود وشاكر الفحام وأبو النور طيـارة (من حمص)، فيصل الركبي (من حماة)، وجلال فاروق الشريف (من دمشق).
الشائع أن حزب البعث العربي الاشتراكي هو عبارة عن مجموعة من الطلبة الريفيين ومعلمي المدارس الذين تمكن عفلق من تجنيدهم لحزبه. وهؤلاء عندما تخرجوا في جامعة دمشق وعادوا إلي أريافهم نشطوا لترويج الأفكـار التي اكتسبوها في المدينة. لهذا يقال ان حزب البعث العربي بقي هزيلاً في المدن، ولا سيما في دمشق، وله حضور قوي في الأرياف. إلي أي مدي تعتبر هذه المقولة صحيحة؟
ليس فقط حـزب البعث بل معظم الأحزاب. المدن في سورية والنخب المدينية الحاكمة في سورية لا تريد أي تغيير، وتعتبر أن سورية لا تحتاج أي نهضة. الذين يشعرون بضرورة التغيير هم فقراء الريف، فالظلم في الريف كان ظلماً مضاعفاً: ظلم الدولة وظلم الإقطاعيين. بينما فقراء المدن مظلومون مرة واحدة.
وهؤلاء كرس الشيوعيون أنفسهم لاستقطابهم ولم يستطع حزب البعث التأثير فيهم. بينما تمكن أكرم الحوراني من التأثير بقوة في مدينة حماة. وعندما شرع أكرم الحوراني يخرج من حماة لتأسيس حزب علي مستوي سورية راح يعمل في أوساط الفقراء في المحافظات كلها.
أما حزب البعث فلم يكن يتوجه إليهم بتاتاً إلا بالحكي فقط. من هنا شهدت الأرياف انتشار حزب البعث فيها. لكن أي أرياف؟ إنها أرياف الأقليات مثل جبل الدروز وجبل العلويين، ولم ينتشر هذا الحزب بين المسيحيين لا في المدن ولا في الأرياف. الحزب الشيوعي والحزب السـوري القومي الاجتماعي انتشرا بقوة بين المسيحيين، أما في المدن التقليدية فانتشر الإسلام السياسي.