نظرة موجزة على ممالك الحيرة وغسان وكندة

عندما نتحدّث عن العرب تتجه الأفكار إراديا نحو الإسلام ونحو الفتوحات الكبرى في العصور الأولى للخلافة، نحو هذه الخلافة ذاتها التي هي عند الشرقيين كما هي عند الغربيين حلم برّاق وجميل، وننسى بسهولة بلاد العرب قبل الإسلام ونحن مخطئون إذا لم نتحدّث عن الجنوب العربي حيث النقوش يمكن أن تعود إلى القرن الثامن ق.م. على الأقلّ، فلقد تكوّنت دول على هامش الصحراء في الشمال والشمال الشرقي من بلاد العرب وفي الوسط ذاته من شبه الجزيرة العربية حيث مميّزات العنصر العربي تأكّدت ونمت ، وليس كل ذلك بالشيء اليسير في التاريخ العظيم للإسلام، فسبتيموس اوديناتوس (Septimus Odinatus) قاهر سابور الأول (261 ق.م.) والإمبراطور غاليان (Gallien) في عداد العظماء ويشكّل جانبا من التاريخ الروماني فأوديناتوس هذا لم يكن مجرّد قائد عربي شجاع بل إنّه بادرة لمقدم خالد بن الوليد والمثنّى وعمرو بن العاص ، هؤلاء القادة هم الذين أوقعوا الهزيمة بجيوش قوية وأطاحوا بالمملكة الساسانية وبقسم كبير من الإمبراطورية البيزنطية.
اوديناتوس عربي واذا حذفنا اللاحقة اللاتينية Us يعوذ اسمه إلى أصله العربي : أذينة وابنه في المصادر اللاتينية هو أثينودور (Athenodor) ما هو إلاّ ترجمة للاسم العربي : وهب اللات أي الولد الذي منحته اللات لأوليائه وهو ذات الاسم الذي حمله جدّه من قبله.

تاريخ بلاد العرب (Arabie) القديم مثل تاريخ أيّ بلد آخر متكيّف مع جغرافيتها ففي الشمال والشرق تفصل صحارى كبرى شبه الجزيرة هذه عن سوريا وبابل (العراق) وتحمي سكّانها من اجتياح الأعداء، وتحفظ لغتهم ومميزاتهم القومية من كلّ تشويه وتحريف على عكس اللغة الكلدانية مثلا التي نعرفها من خلال النصوص التي تعود احتمالا إلى الألف الرابعة ق.م. هذه اللغة طرأت عليها تحوّلات عميقة بالقياس مع الشكل البدائي للغات السامية بينما بقيت اللغة العربية في القرن السادس الميلادي بعيدة عن أسباب التحريف في تراكيبها النحوية مثل الفعل، وهذا يعود إلى عزلة العرب واستقلاليتهم، غير أنّ اختلاط العرب بغيرهم من الشعوب بعد الإسلام سيؤثّر في لغتهم التي طرأت عليها تحوّلات عميقة، خاصّة لهجات الأعاجم المستعربين وهم اليوم يشكّلون الأغلبية الساحقة في العالم العربي .

تحدّثنا الحوليات الأشورية عن فتوحات أسنحريب (Sennachérib) وأسرحدّون (Assarhaddon) وأشور بانيبال (ASSOURBANIPAL) ونبوخدنصر (Nabuchodonosor) لكنّنا نعرف كيف نتعامل مع هذه الوثائق بشيء من الحذر باعتبارها وثائق رسمية فالفتوحات الأشورية والكلدانية يمكن أن تصنَّف في جميع الحالات على أنّها غزوات وكانت سيادتهم على بلاد العرب اسمية تقريبا، ولم تدم طويلا ومع أنّ الرومان فتحوا كل العالم المتوسطي إلاّ أنّهم لم يحاولوا الاستيلاء على بلاد العرب إلاّ مرّة واحدة في عهد أوغسطس وفشلوا تماما، وقد تقدّم قائدهم اليوس حتّى الجنوب العربي (اليمن) وانتهى إلى حصار مأرب (Maryab) عاصمة السبئيين ولكن ما لبث أن انسحب ولم يعد معه إلى مصر التي كان قد انطلق منها لغزو بلاد العرب، إلاّ عدد قليل من الرجال وهذا من جيشه الكبير والمجهّز جيّدا.

كان الاجتياح الروماني بطيئا إلاّ أنّه كان إيجابيا بحيث أنّ العرب في الشمال أخذوا في الخضوع له تدريجيا وستكون للأفكار الدينية والحضارية السامية القادمة من البلاد المجاورة (البيزنطيون في الشمال الغربي والساسانيون في الشمال الشرقي) تأثيرات هامّة تضاف إلى التأثير القوي لدول اليمن المزدهرة، ولذلك لم يتأخّر الشمال في تكوين ممالك، حيث بدأ العرب هناك يتعاطون شيئا من التنظيم البدائي لمجتمعهم القبَلي إلاّ أنّ النموذج الذي حقّق تقدّما هامّا هو مملكة الحيرة ومملكة غسان في الشمال ومملكة كندة في قلب شبه الجزيرة ذاتها.

يمكن التذكير باختصار بالأحداث البارزة في حياة هذه الممالك وهي مستخلصة من الأساطير التي نقلها إلينا الشعراء العرب ابتداء من القرن الثالث الميلادي لأنّ أقدم الوثائق باللغة العربية لم تسبق بداية هذا القرن الذي قال عنه رينان (Renan) : وكان أيضا عصر بطولة العرب ومع ذلك نقول أنّن نعرف الآن لغة عربية يمكن تصنيفها بأنّها قديمة ، تلك التي احتفظت بها أشعار ما قبل الإسلام، ولقد عُثر في حوران والجنوب الشرقي من دمشق وحتّى شمالي الحجاز على كتابات مصنّفة ضمن هذه العربية القديمة التي كانت اللغة السائدة آنذاك، وإلاّ فإنّ اللغة الفصحى لهذه البلاد لم تسجّل بها كتابات ما عدا بعض النقوش البسيطة كما نرى في أكبر عدد منها بوادي مقطّب بسيناء وقد حفظت لنا هذه النقوش عددا هامّا من الأشياء الهامّة في التاريخ ولكنها أكثر قيمة في دراسة اللغة ذاتها ، إنّها من العربية الحقيقية للشمال أو إن أردنا أن نكون أكثر دقّة فهي من اللهجات السائدة إلى جانب لهجة الأنباط والعرب الآخرين وهنا نميّز بين ثلاث مجموعات لغوية : الصفئية (Safaïte) اللحيانية (Lehianite) والثمودية (Thamudite) هذا الأخيرة تمثّل لغة ثمود المشهورين من العرب.

اكتشفت كتابة منقوشة بهذه اللغة وهي الأولى التي تتضمّن تأريخا فثمود معروفون لدينا من خلال المؤلّفين الإغريق والرومان (القرن الخامس) وقد كوّنوا فيلقا من فصائل عربية في خدمة الرومان تحت اسم Equites sarraceni tamudeni وقد تعرّف اللغويون على خصوصية لهجتهم القديمة وهي في شكل أداة التعريف التي تختلف عن أداة التعريف العربية ال وهي هـ (Ha) كما في اللغة العبرية فكلمة فرس مع أداة التعريف تصبح هفَرس (Hafaras) ونقرأ في أحد النقوش الأثرية الصفئية بأن المسمى حامل بن سالم اشترى من المسمى حناي هفَرس بخمسة مين ، جاء في النصّ Akhada min Hannay hafaras bi khamsat amni ونقرأ في نقش آخر الغنيمة التي أخذها سنة حرب الأنباط المسمّى إنعام بن قحيص ... وغنم سنة حرب نبط Wa ghanama sanata harb nabat وهذا النقش الأثري هامّ بسبب التاريخ الذي يعود إليه احتمالا وهو حوالي العام 106 في عهد تراجانوس .

تنتهي هذه النقوش في أحيان كثيرة بكلمة : فوها Fuha مثل : Fuha fa allat salam التي رأى المتخصصون بأن تترجم بـ : السلام أمام اللات ومن الملاحظ أنّ هذه النقوش ذات كتابة تنتمي إلى أبجدية الجنوب العربي وليس للأبجدية الآرامية مع أنّها ومنذ القرن الخامس الميلادي انتشرت في كلّ بلاد ما وراء الفرات، هذه الظاهرة البسيطة تسمح لنا أن نفترض أنّه منذ القرن الأول الميلادي كان اليمن مركز الحضارة الرئيسي في المنطقة ثمّ امتدّ تأثير هذه الحضارة نحو شمالي شبه الجزيرة العربية.

مملكة الحيرة :

نعود إلى الممالك التي تكونت في الشمال وبالخصوص مملكة الحيرة فالحيرة كلمة سريانية الأصل وتعني المكان المسوّر أو المعسكر والمدينة في واقع الحال تحتلّ موقعا هامّا والهواء بها نقي وفي ذلك يقول المثل السائر: يوم تمضيه بالحيرة أفضل من علاج سنة كاملة .

هذا الموقع الممتاز جلب سكّانا عديدين غلبهم من قبيلة تنوخ العربية التي تعيش تحت الخيام وجماعة سكّانية أخرى تسمّى عِباد تنتمي إلى مختلف القبائل المسيحية التي تكوّن السكّان الأصليين للمدينة وتأتي في الدرجة الثالثة بعض القبائل الأخرى الحليفة.
عباد ، تعني الخدم ويمكن أن يكون اسمهم الكامل عباد الله أو بالأحرى عباد المسيح، وهو الإسلام الذي يكونون قد سمّوا به أنفسهم، للتفاخر به وسط قبائل وثنية محيطة بهم من عبدة الأصنام.

لا نعرف عن الطور الأول من تاريخ مملكة الحيرة شيئا وهنا مثل ما هو في كل بدايات قيام الممالك أو تأسيس المدن تحلّ الأسطورة محلّ التاريخ، وتقول الأسطورة أنّ حبّ عدي بن ربيعة لرقش (Raqas) أخت الملك جهينة الأبرش أثار غضب هذا الأخير في الأول ثمّ امتدّ الغيظ إلى ابن أخيه عمرو، وهو صاحب مغامرات غريبة منها أنّ الجنّ اختطفته وهذه الأساطير ستجد في حروب جذيمة ضدّ عمرو بن الزريب وفي شخص الجميلة زنوبيا ميدانا خصبا إلى حدّ أنّه يصعب استخلاص مادّة تاريخية منها.

لدينا معلومات وافية عن الحيرة بداية من الأسرة اللخمية، ويمكن من خلال ذلك تحديد تاريخ ظهور هذه الأسرة بالنصف الثاني من القرن الثالث وأنّ ملكها الأول الذي لا يزال ذا شهرة إلى يومنا هو امرؤ القيس لأنّ كتابات نمارة تعود إليه دون ريب فقد اكتشفها دوسو (Dussaud) في حفرياته التي أجراها في بلاد صافا (سوريا الوسطى) هذه الكتابات التي أثرت منتقيات اللوفر لها أهمّية مزدوجة تاريخية ولغوية وتبدأ بهذه العبارة : تي نفس امرئ القيس بار عمرو مالك العرب كلها أي هذا ضريح امرئ القيس بن عمرو ملك كل العرب وهذا من العربية القديمة التي حافظت على بعض المفردات الأجنبية أو بالأحرى من أصل أجنبي مثل كلمة نفس للدلالة على نصب جنائزي (Stèle) وبار : ابن ، ولكن هذه المفردات مع أنّها ترد في العربية الفصحى إلا أنّها من أصل آرامي حيث كانت الآرامية هي اللغة العالمة (Langue savante) حلال تلك الفترة، ولذلك نلاحظ فروقا بين اللغة المكتوبة واللغة المحكية عند نفس السكان مثل الأنباط الذي هم ساميون ولكن لم يكتبوا بلغتهم الأصلية بل نقشوا كتاباتهم باللغة الآرامية التي نلمح فيها مفردات عربية عديدة.

كان الملك امرؤ القيس الذي وصفته هذه الكتابات بأنّه ملك كلّ العرب سيّدا على قبائل أسد ونزار المعروفة وكذا قبيلة مذحج وقد عمل هذا الملك على توسيع مملكته فغزا نجران ومدينة شمّر، وحسب تزامن الأحداث وقراءتنا للنقوش نعرف في شمّر الملك شمّر يوخاريس (Yukharis) الذي اشترك في الحكم مع أبيه منذ العام 270 وحكم وحده منذ العام 281 .

كانت نجران المدينة المشهورة بالجنوب العربي وكانت الكتابة بها نبطية مع خصوصية ملحوظة مثل اللام ألف التي تشبه اللام ألف في العربية ومرّة أخرى تزداد أهمّية هذه النقوش في التاريخ الذي تحمله حيث استنتج كلّ من ايخهورن (Eichhorn) وكوسان دي برسفال (Caissin de Perceval) أنّ حكم امرء الملك امرئ القيس كان في بداية القرن الرابع، على عكس الروايات التقليدية العربية فتشير إلى هذا الملك بإبهام وتكتفي بتسميته ابن عمرو ولهذا نعتبر ما أمدّتنا به النقوش مكسبا كبيرا لتاريخ الحيرة.

الملك المرؤ القيس في كتابات نمارة هو امرؤ القيس في اللوائح العربية وتاريخ وفاته الصحيح هو السابع من شهر ديسمبر 328 م وهذه نقطة انطلاق هامّة جدّا لتحديد تاريخ تسلسل ملوك الحيرة ومن هؤلاء النعمان الأول حفيد امرئ القيس وكان وقْع اسمه شديدا في الشعر العربي يقترب من الأساطير، وفي هذا السياق تقول الروايات العربية أنّه كان تحت قيادته فيلقان من الفرسان الأول اسمه الدوسر والثاني اسمه الشهباء وهذا شيء في غاية الأهمية لأنّ فرق الفرسان تلعب دورا أساسيا في حماية المملكة من القبائل المجاورة التي تعيش على الغزو والنهب.

عندما فرض الساسانيون سيطرتهم على مملكة الحيرة نلاحظ أنّ يزد - جرد يكلّف النعمان بتربية ابنه بهرام غور (Bahram gor) وهذا لما تتوفر عليه مملكة الحيرة من تقاليد في الفروسية، كما كلّفه ببناء قصرين هما : الخوَرْنق والسدير وبعد إنجازهما ازدادت مكانة الحيرة علوّا ، وأضاف ملوكها إلى حكمهم قوّة وأبّهة والواضح أنّ اسم الخورنق من اللغة الفارسية وتكون صيغته الأساسية Huwarnaq وهي كلمة تعني الذي يغطّي ويحمي جيّداً .

لقد كان قصر الخورنق من عجائب الفنّ نجزه مهندس معماري إغريقي يدعى سنمار وتروي الأسطورة أنّ النعمان قد زهد في ثروته واعترته أفكار حزينة وأصبح يقول : اليوم كلّ هذا لي وغدا سيكون لغيري وصارت له فلسفة سوداوية عن الدنيا وموقفا من الحياة وأمضى بقية حياته في العزلة والتقوى وفي هذا يقول الشاعر :

فتفكّر ربّ الخورنق إذا
شارف يوما وللهدى تفكير
سَرَّه ماله وكثرة ما
يملك والبحر معرّض والسدير
فارعوى قلبه وقال : وما
غبطة حيّ إلى الممات يصير

إنّ أساطير الملوك الأقوياء الذين يتخلّون عن الدنيا فجأة وينزوون في حياة العزلة معروفة ومألوفة والنعمان ليس الوحيد فقد تحدّثت الروايات العربية عن كلاب ملك الحبشة فبعد انتصاره على ملك اليمن وعلو شأنه تحوّل إلى راهب وفي هذا السياق تقول الروايات العربية أنّ سقراط وأفلاطون أصبحا في نهاية حياتهما ناسكين.

لقد كان النعمان وثنيا ولذلك اضطهد النصرانية ومنع العرب من زيارة القديس سمعان العامودي الناسك الشهير، ومنعهم أيضا من الاستماع إلى حديثه غير أنّ القدّيس تراءى له في المنام ووبّخه توبيخا عنيفا مصحوبا بعدّة ضربات بالعصا، بعدها رخّص النعمان للنصارى ممارسة طقوسهم في الحيرة وبناء الكنائس واستقبل الكهنة والأساقفة ومن هذه الأسطورة الغريبة يمكن استنتاج أنّ النعمان بقي على وثنيته ولكنه تسامح في منح حرية العبادة للمسيحيين، وهو ما تؤكده المصادر الأدبية العربية أيضا.

إنّ التشديد على النصرانية يدل على وجودها كقوّة عقائدية كما يدل على قوة أتباعها من العباد الذين يكونون السكان النصارى بهذه المدينة ولا ريب أنهم اثروا كثيرا النخبة العربية في المدينة.

خلف النعمان ابنه المنذر (حوالي 418) فحكم إلى حوالي 462 وقد ورد اسمه في المصادر الإغريقية والسريانية بهذه الصيغة Mundar لكن العرب يعطون للاسم صيغة اسم الفاعل (بكسر الذال) وتنسب إليه الروايات العربية خصالا خارقة للعادة ولعبت مملكة الحيرة في عهده دورا هامّا من ذلك أنّه أقنع كهنة الفرس بتتويج بهرام غور (الذي تربى على الفروسية في الحيرة) الموسوم بالعلي ملكا على الإمبراطورية الساسانية، وكان قد أُقصي قبل ذلك، لكن بعض الكتّاب العرب يزعمون أنّ النعمان (والد المنذر) هو الذي ساعد بهرام غور ونحن هنا أمام روايتين تقليديتين غير أنّ تزامن الأحداث يدلّ على أنّ الرواية الثانية غير صحيحة، لأنّ المنذر ظل يمدّ بهرام في حربه الظافرة ضدّ البيزنطيين بفرق عسكرية مع أنّ فرقه تلك قضت بسبب وقوعها في حصار بين الجيش البيزنطي والنهر وعندما حاولوا قطع النهر وقعت الكارثة لأنّ الجميع غرق.

أصبح ملوك الحيرة إذن طرفا في الحرب الساسانية - البيزنطية فقد كانوا على رأس فرقهم العسكرية ضمن الجيوش الساسانية ومنهم المنذر الثالث الذي توفي متأثرا بجراحه في إحدى المعارك بالقرب من كركسيوم (Circesium) سنة 554 بعد أن حكم زهاء خمسين سنة، ومن المحتمل أن يكون هو الذي وصفه بروكوب (Procope) بالذكاء والشجاعة .

منذ بداية حكم يوستنيان (Justinianus) أصبح السلم منتهكا بين الساسانيين والبيزنطيين وكان المنذر الحليف القوي للفرس وقد تمكّن من أسْر قائدين إغريقيين ولم يستنكف يوستينيان من إرسال سفارة إليه لافتداء القائدين الأسيرين كما استقبل المنذر أيضا سفارة يمانية وهذا دليل على قوته ومكانته في الصراع الدائر بين القوتين الكبيرتين آنذاك: فارس وبيزنطة، كما لعب في حرب كوباد (Cobad) دورا رائدا حيث أغار مرّات على الأقاليم التبعة لبيزنطة، وكان يعرف دائما كيف يتقي متابعة البيزنطيين له.

في تلك الفترة تظهر دويلة عربية أخرى على الحدود البيزنطية، سرعان ما أصبحت قوّة منافسة ومعادلة لقوة مملكة الحيرة وهي في خدمة البيزنطيين ضدّ الساسانيين وأتباعهم اللخميين ملوك الحيرة، وهذه المملكة هي مملكة الغساسنة، التي كانت بدايتها كبداية مملكة الحيرة، وتذكر الروايات أنّ الغساسنة قدموا من جنوب شبه الجزيرة العربية واستقروا بناحية بصرى التي وجدوها من طرف قبائل عربية أخرى، فخضعوا لها لفترة، وحوالي منتصف القرن الرابع الميلادي قلّد البيزنطيون حكْم البلاد التي أصبحت فيما بعد مملكة غسان، لثعلبة بن عمرو، وتسلسل الحكم تباعا في أمراء من عائلة جفنة.

مهما يكن الأمر فانه وابتداء من النصف الثاني من القران الرابع بدا الغساسنة يتشكلون في التاريخ كحلفاء لبيزنطة وفي 373 بعد وفاة الحارث الثاني يحتمل أن تكون أرملته ماريا قد مسكت زمام السلطة وحسب الرواية التقليدية تكون هذه الأميرة المحاربة المظفرة قد دفعت البيزنطيين إلى طلب السلم فقبلت شرط أن تمنح بلادها أسقفا بشخص رجل قديس اسمه موسى وتدل أسطورة القداسة هذه على تقدم النصرانية عند العرب في هذه البلاد ومن هنا نرى أن أفكار هؤلاء أخذت في الابتعاد تدريجيا عن الوثنية لاعتناق دين أسمى.

حمل عدد من ملوك الحيرة وغسان اسما غريبا وهو محرّق وعلى الخصوص جفنة الثاني ونقرا قصصا تعلل حمل ملوك الحيرة وغسان له غير انه ينبغي أن نعود إلى دلالة الكلمة في اللغات السامية على غرار اسم المعلقات السبع المعروفة التي بنيت أسطورة تعليقها على الكعبة من مدلول كلمة معلقات لكن في واقع الأمر نستخلص أن غياب ال التعريف يجعلنا نعيد النظر لنصل إلى أن محرق هو اسم علم واحتمالا يكون اسم اله أو بطل أسطوري.

ازدادت مملكة غسان أهمية خلال القرن السادس وصادف ذلك أن اكتسبت مملكة الحيرة هي الأخرى قوة كبيرة بحيث أصبح الصدام بينهما امرأ لا مفر منه فهما تابعتان لدولتين متعاديتين فارس وبيزنطة فحلت البغضاء بينهما رغم بعض فترات من السلم العابر وكان جبلة الثالث والحارث الأكبر قد عاصرا الصراع ضد المنذر الثالث وتغلبا عليه ذلك الحارث الأكبر الذي كان لزوجته ماريا قرطان شهيران بكل واحد منهما جوهرة بحجم بيضة حمامة .

كان اكبر ملوك غسان الحارث الخامس ابن الحارث الأكبر من زوجته ماريا المشار إليها وقد عينه يوستينيان بطريقا الشيء الذي رفع مقامه وجعل معاصريه يطلقون عليه لقب ملك وهو اللقب الذي سيحمله كل الأمراء الذين حكموا من بعده كما سلم له يوستينيانوس قيادة كل العرب المجاورين للحدود الرومانية حتى يتساوى سلطانه مع نفوذ ملوك الحيرة أتباع الفرس.

في القرن السادس هيمنت شخصية الحارث الخامس والمنذر الثالث على تاريخ العرب فقد فاق المنذر خصمه مرارا وخاصة العام 544 في إحدى المعارك حيث اسر ابن الحارث وقدمه قربانا للآلهة العزى فهل كان المنذر هذا متوحشا إلى هذه الدرجة ؟

تتحدث الرواية العربية عن ثلاث معارك كبيرة خلال الحروب بين الغساسنة واللخميين وهي معركة عين أباغ و حيار و حليمة ونعرف من خلال وثائق موثوق منها أن معركة عين أُباغ حدثت في وقت لاحق فقد كانت وفاة المنذر في شهر جوان 554 ليس في عين اباغ ولكن في حيار قرب قنّسرين على بعد يومين من حلب أما معركة حليمة فيبدو أنها هي ذاتها معركة حيار وحليمة هي إحدى بنات الحارث الخامس التي أمر أبوها أن تدهن مائة من محاربي النخبة بعطر حلوق ؟ غير أن حليمة هو اسم لمكان أيضا هو وادي حليمة أم مرج حليمة الذي أشار إليه شعراء العرب القدامى وكما نعرف فان الأشعار هي مصدر أساسي لتاريخ العرب لان الشعر ديوان العرب كما يقال، فالأشعار القديمة هي أرشيف العرب وفي هذا السياق نذكّر بقول الشاعر ابن أبي ارغلة يمجد ملوك غسان :

ليس من فاستراح بميت
إنّما الميت ميت الأحياء

كان الحارث رغم خضوعه للقسطنطينية شخصا مهابا فقد كانت نظرته تلقي الرعب في من حوله، وكثيرا ما قال ندماء يوستينيان له كن وديعا ها هو الحارث قد جاء !

بدا انحطاط الحيرة وغسان حوالي نهاية القرن السادس منذ تولي عمرو بن المنذر الثاني الذي خلف أباه في 562 ومع أنّه كان ذا بأس إلاّ أنّ الشعراء لم يترددوا في هجائه فوصفوه بأنه محرّق وقيل انه لقب كذلك لحرقه مائة من بني تميم .

كان الشاعر الكبير طرفة بن العبد احد ضحاياه حسب رواية معروفة تقول أن الملك أرسله مع عمه المتلمس إلى عمان برسالة إلى حاكمها وفي الرسالة أمر بقتلهما معا وقرا المتلمس الرسالة وتمكن من النجاة أما طرفة فهلك لأمانته .

تتضح قوة شخصية عمرو بن المنذر من خلال مراسلاته إلى الإمبراطور البيزنطي الذي يبدو انه كان أموالا لتحييد اللخميين في صراعه ضد الفرس ولكن عمرو أعلن الحرب على الغساسنة أتباع بيزنطة وعموما فان كبرياء عمرو كانت شؤما عليه فقد شتم تغلب في شخص قادتها وقتل شاعر المعلقات عمرو بن كلثوم بنفسه وفي أشعار الأخطل نقرا عن تباهيه بأعمامه الذين قتلوا الملوك وحطموا الأغلال.

تولى الملك بعد عمرو ابنه قابوس ورغم شجاعته فانه لم يكن موفقا في صراعه ضد الغساسنة وتنتهي الأسرة اللخمية بوفاة النعمان الذي فقد ثقة الأكاسرة فقد حبسه خسرو (Chosroês) إلى وفاته التي اختلفت الروايات في سببها فالبعض يذكر أن ذلك كان بسبب الطاعون أو التسمم ولكن البعض الآخر يذكر أن الموت كان بأمر من خسرو الذي أمر بان تدوسه الأفيال بأرجلها وهي طريقة يستعملها ضد أعدائه ويؤيد هذه الرواية ما جاء في قصيدة للشاعر سلامة بن جندل.

تضع هذه الوفاة النهاية للأسرة اللخمية لان خلف النعمان وهو إياس بن قبيصة لا ينتمي إلى لخم ولكن لقبيلة طي فكانت تلك نهاية المملكة وخلال هذه الفترة وقعت معركة ذي قار حيث أوقع العرب وبالأخص البكريين بالفرق الفارسية في هزيمة نكراء وحققوا نصرا أشاد به شعراؤهم ونستطيع القول بان هذا الانتصار سيفتح الباب أمام انتصارات العرب على الساسانيين فيما بعد تحت راية الإسلام

لم يكن انحطاط غسان اقل سرعة من انحطاط الحيرة فالحارث السادس خليفة الحارث الكبير أحرز عدة انتصارات على لمنذر الرابع في غين اباغ غير أن مملكته الصغيرة انهارت بعده وبصرف النظر عن القادة العديدين الذين عاصروا عمرو الرابع فانه كان ذا شهرة لم تحجبها شهرة الآخرين من معاصريه فقد مجده شعراء كبار في بلاطه وقد استمر الأمراء الذين حكموا من بعده يحملون لقب سيّد الفتية الذي كان يحمله إلا أن ضعفهم اضر بالمملكة التي تهاوت أمام ضربات الفتح الإسلامي.

مملكة كندة

بقي لنا أن نتحدث عن المملكة الثالثة في بلاد العرب وهي مملكة كندة التي ظهرت فجأة في نهاية القرن الخامس وبداية السادس وسط شبه الجزيرة العربية ويعد الشاعر امرؤ القيس من أمرائها.

يعتبر حجر بن عقيل المرار مؤسس هذه المملكة التي كانت أكثر قربا من حمير في الجنوب ولان موقع المملكة الكندية بجانب حمير مثله مثل موقع اللخميين على حدود الدولة الساسانية والغساسنة على حدود الدولة البيزنطية فإنها كانت تحت النفوذ الحميري اليمني غير ن عدوها كان في الشمال وهو مملكة الحيرة.

كان الحارث بن عمرو أحد ملوك كندة (نلاحظ انتشار اسم الحارث في هذه الأسر من الأمراء اللخميين والغساسنة والكنْديين وهو اسم يعني الأسد) الأكثر شجاعة وكاد أن يصبح سيّد مملكة الحيرة أو على الأقلّ على قسم منها وهذا بعد صراع مرير فقد وقعت الحرب بين الحارث الكندي والمنذر اللخمي وأدّى ذلك إلى انهزام الحارث الكندي وفراره أمّا قادة جيشه الذين وقعوا في الأسر فقد ذبحوا بوحشية بشعة وصفها امرؤ القيس في المرثية التالية :

ألا يا عين بكّي لنا شنينا
وبكّي لي الملوك الذاهبينا
ملوكا من حجر بن عمرو
يساقون العشية يقتلونا
فلو في يوم معركة أصيبوا
ولكن في ديار بني مرينا
فلم تغسّل جماجمهم بغسل
ولكن بالدماء مرمّلينا
تظلّ الطير عاكفة عليهم
وتنتزع الحواجب والعيونا

انحلّت مملكة كندة بسبب خلاف ولدي الحارث سلاّم وشرحبيل الثاني الذي اغتيل في كولاب، وتكمن خلف ذلك عداوة مختلف القبائل العربية التي تسبب في حروب شهيرة في الجاهلية، وكان امرؤ القيس يبحث ليثأر لوالده وهو الذي خاطب روح والده قائلا : تركتني صغيرا وحمّلتني دمك كبيرا، وليستعيد مملكة كندة فذهب إلى القسطنطينية يستجدي العون من يوستينيان على أمل أنّ عداوته للحيرة يمكن أن تجعله ينال عطف إمبراطور بيزنطة غير أنّه لم يجن شيئا من ذلك فانتهت مملكة كندة.

مع أنّ مملكة كندة لم تدم طويلا إلاّ أنّها ذات أهمّية كبيرة لمستقبل العرب فتجمّع قبائل عديدة تحت سلطة عقيل المرار يمكن التعبير عنه بأنّه أول محاولة لعرب الوسط للانتظام تحت قيادة واحدة وهو ما يضع الأساس لفكرة الوحدة التي سيحققها الإسلام في وقت لاحق، وما كانت تفتقر إليه القبائل العرية هو الجانب الديني وهو ما سيكتمل بالإسلام، الذي سيصبح قوة عظمى.

حدث انحلال مملكة كندة أثناء الردّة التي أعلنتها قبائل عربية بعد وفاة الرسول (ص) وهذه الحركة التي قضي عليها في حينها تدلّ على محاولة كندة الاستمرار في استقلالها ولو بابتداع دين مشوّه.

هذه إذن هي الممالك الثلاث التي تقاسمت السيادة على بلاد العرب في الشمال الحمْيريون من اللخميين والغساسنة وهم من القبائل اليمنية التي شكلت قوة سياسية ، والواضح أنهم حملوا بذرة الحضارة التي مهما يكن فإنّ عرب الشمال كانوا غرباء عنها، فالعرب وخاصّة عرب الحيرة وغسان كانوا قد انشغلوا بالصراع الكبير ين فارس وبيزنطة واندمجوا فيه وهو ما مكّنهم من الاطلاع على حضارة الدولتين، ففي فنّ الحرب أخذوا فنّ العلوم العسكرية عن كبار القادة في ذلك العصر، وهنا ندرك بسهولة أهمّية ما استفاد منه العرب من ذلك الاحتكاك وهو استيقاظ سيفيد الإسلام في كفاحه في الفترات الأولى على الخصوص ومن الخطأ الفادح أن نعتبر خالدا أو المثنّى شخصين غير جديرين بفنون القتال أو أنّ فرقهما الحربية كانت من بدو رحّل وأصبحت جندا بين عشية وضحاها لأنّ تقدّم العرب واضح في آدابهم وفي فنون القتال التي برعوا فيها ويمكن إضافة عامل آخر وهو عمليات الغزو الدائم بين القبائل العربية الذي هو عبارة عن تدريب دائم على القتال واستعداد له، وذلك هو الاحتياطي الذي سيفيد الإسلام في فتوحاته الأولى على الأقل.

العربي عقون