الملك حسين :صفحات

طلب الملك حسين اتصالا مباشرا مع إسرائيل على أعلى المستويات. لم تكن لدى ليفي اشكول رغبة في ان يلتقي شخصيا مع الملك حسين، إلا ان الحكومة الإسرائيلية وافقت على إرسال وزير خارجيتها، ابا ايبان، للقاء الملك حسين في العاصمة البريطانية. وتلقى ابا ايبان تعليمات بالتأكيد على نقطة محددة تتخلص في انه سيطرح فقط مقترحات خاصة دون ان تكون هذه المقترحات مصادق عليها من جانب الحكومة الإسرائيلية. جرى اللقاء في منزل الدكتور هيربيرت في ضاحية «سينت جونز وود» بالعاصمة البريطانية في 3 مايو (أيار) 1968. رافق أبا ايبان في ذلك اللقاء الدكتور هيرزوغ، وكان بصحبة الملك حسين سكرتيره الخاص زيد الرفاعي. ولعب زيد الرفاعي دورا رئيسيا خلال العقدين التاليين إلى جانب صديقه الملك حسين في إجراء المحادثات السرية مع المسؤولين الإسرائيليين، وكان بمثابة المستشار والمنظِم والمفاوض. لذا، تستحق أفكار ووجهات نظر الرفاعي حول تلك المحادثات اهتماما جديا. كان الرفاعي يعتقد ان فهم سير الأحداث على مدى العقود الثلاث التالية يتطلب في المقام الأول فهم شخصية الملك حسين. فقد كان الملك حسين بحق رجل سلام يمقت الحرب. كان ذكيا وعمليا وبراغماتيا على نحو كاف جعله يدرك ان النزاع العربي الإسرائيلي لا يمكن التوصل إلى حل بشأنه من خلال العنف وإنما من خلال التفاوض والاتفاق بين الشعبين من اجل العيش في سلام. كانت تلك هي الأرضية التي انطلق منها الملك حسين قبل وبعد حرب يونيو (حزيران). خسارة القدس أثرت عليه أكثر من أي شيء آخر. فقد كانت تحت السيادة العربية لكنها احتلت على مرأى منه. لذا، فإن استعادتها كانت ذات أهمية قصوى لديه، وهنا أدرك مجددا ان تحقيق هذا الهدف لا يمكن ان يتأتى من خلال الحرب، وكان يشعر بقوة انه من خلال المفاوضات والاتفاق فقط يمكن تحقيق انسحاب إسرائيل من الضفة الغربية والقدس الشرقية. الرفاعي يعتقد ان الملك حسين كان يشك منذ البداية في ان خوض إسرائيل حرب يونيو (حزيران) كان دفاعا عن نفسها من خطر هجوم عربي وشيك، أو الحصول على اعتراف من الدول العربية. بدأ العاهل الأردني يشك في ان إسرائيل تعتزم التوسع في كل الاتجاهات، وكان أكثر ما أثار قلقه هو رد إسرائيل على عرض تقدم به خلال اللقاءات الأولى مع الإسرائيليين عقب حرب يونيو (حزيران) عندما اقترح عليهم مرارا توقيع اتفاق سلام رسمي مقابل انسحاب إسرائيل الكامل من الضفة الغربية والقدس الشرقية. كان الملك حسين يدرك انه كان بصدد مخاطرة كبيرة، لكنه كان على استعداد على تغيير مقترحه وقبول حكم شعبه والأمة العربية والتاريخ. كان يعتقد أيضا ان العرض الذي تقدم به كان بمثابة تضحية كبيرة لأنه يعني انتهاك واحد من المحرمات العربية. وشعر بالصدمة عندما جاء الرد على عرضه بأن إسرائيل على استعداد لتوقيع اتفاق سلام مع الاردن ولكن فقط إذا وافق الاردن على التنازل عن أجزاء من الضفة الغربية وكل القدس الشرقية لإسرائيل. المسألة التي طرحت خلال أول لقاء للرفاعي من الإسرائيليين تلخصت في كيفية استغلال حرب يونيو (حزيران) كمدخل للتوصل إلى سلام. وكان واضحا لديه منذ البداية ان الأمر لن يكون صعبا على نحو استثنائي. فالطرفان راغبان في التوصل إلى سلام، وأن واحدا من الطرفين يريد ضم القدس وبعض أراضي الضفة الغربية، فيما الطرف الآخر لم يكن على استعداد حتى لمجرد النظر في التنازل عن أي أراض. كان ذلك طريقا مسدودا منذ البداية. ويمكن القول ان النية في التوصل إلى سلام كانت متوفرة لدى الطرفين، إلا ان الملك حسين كان مصرا بقوة على انسحاب إسرائيل من كافة الأراضي التي استولت عليها في حرب يونيو (حزيران)، إلا ان الإسرائيليين من جانبهم لم يكونوا على استعداد لقبول ذلك. ويمكن القول هنا ان ادعاء الرفاعي ان الأطماع التوسعية الإسرائيلية وتعنتها الدبلوماسي عقب الحرب تدعمه تماما سجلات الوثائق الإسرائيلية. طبقا للسجلات الإسرائيلية حول اللقاء الأول، قال ابا ايبان انه لم يأت للتفاوض أو تقديم التزامات وإنما لتوضيح مسألتين، الأولى معرفة ما إذا كان الاردن قادر على التفاوض وتوقيع اتفاق سلام مع إسرائيل على نحو منفرد دون الاعتماد على أي دولة مجاورة أخرى، والثاني معرفة ما إذا كان الملك حسين قادر على ضمان وقف (النشاطات الإرهابية). جاء رد الملك حسين على المسألة الأولى بأنها ليست مستحيلة، لكنه كان يريد ان يعرف أولا قبل اتخاذ هذه الخطوة نوع التسوية التي كانت إسرائيل على استعداد للتوصل إليها. وجاء رد ابا ايبان مراوغا على هذه النقطة، إذ قال ان حكومته لا ترى سببا لعدم التوصل إلى قرار ملزم إلى أن تقتنع بأن لديها شريكا عربيا جادا لصنع السلام. أوضح ابا ايبان أيضا ان هناك ثلاثة اتجاهات. أولا من يريد الاحتفاظ بكل الأراضي الواقعة إلى الغرب من نهر الأردن، وثانيا هناك من يفضل التوصل إلى تسوية مع عرب فلسطين، واتجاه ثالث يفضل التوصل إلى سلام مع الاردن على أساس حدود جديدة آمنة ومتفق عليها. وحتى أصحاب الاتجاه الأخير، كما أوضح، لديهم أربعة شروط هي أن لا عودة إلى حدود 4 يونيو (حزيران) 1967، وأن تأخذ التغييرات في الاعتبار الاحتياجات الأمنية والارتباط التاريخي، وجعل المنطقة الواقعة إلى الغرب من نهر الاردن منزوعة السلاح، ورابعا، بقاء القدس عاصمة موحدة كعاصمة لإسرائيل. تجاهل الملك حسين الشروط المحددة، واقترح ان يلتقوا برعاية غونار جارينغ، وسيط الأمم المتحدة، وطلب أيضا التشاور مع القاهرة قبل المضي قدما في إجراء مفاوضات منفصلة. وكان الرفاعي أكثر تشددا وبدا قلقا من أن الملك حسين لم يرد على جوهر ما طرحه ابا ايبان. وقال الرفاعي لأبا ايبان: «كل الأفكار التي طرحتها تعني استسلام العرب وليس التوصل إلى اتفاق». وكان واضحا ان موقف الاردن كان قائما على استعادة أراضي 4 يونيو (حزيران) مع تغييرات طفيفة وعلى أساس متبادل، فضلا عن التأكيد على الوضع العربي، وليس الإسلامي فقط، للقدس، بالإضافة إلى ان أمن إسرائيل يكمن في التوصل إلى تسوية سلمية كاملة وليس طبوغرافية. وكانت آخر كلمات الملك حسين حينها قد أكدت على ضرورة الحصول على موافقة مصرية كافية كي تجرى مفاوضات مفتوحة. بادر هيرزوغ بعد يومين بالترتيب لإجراء لقاء للمتابعة مع الرفاعي. وأكد الرفاعي في اللقاء الثاني على ان موافقة القاهرة أمر حاسم بالنسبة لهم لأنهم مقيدون بقرارات مؤتمر القمة العربية الذي عقد في العاصمة السودانية الخرطوم بعد حرب يونيو (حزيران): لا اعتراف ولا تفاوض ولا تصالح مع إسرائيل (اللاءات الثلاث). خلال الاجتماع التالي للرفاعي مع هيرزوغ في لندن يومي 19 و20 يونيو (حزيران) جرت ترتيبات لقيام الملك حسين بزيارة إلى خليج العقبة في 8 أغسطس (آب) على متن سفينة. إلا ان طائرات تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي أغارت مرتين على معسكرات لحركة «فتح» بالقرب من السلط على الضفة الشرقية وأوقعت خسائر كبيرة وسط المدنيين وأصابت أربع سيارات إسعاف. ووصلت بعد يومين برقية من الدكتور هيربيرت أوضح فيها ان المشاورات قد ألغيت بسبب الأعمال العدائية. وخلال زيارة له إلى لندن، قابل الملك حسين طبيبه وناقش مسألة إجراء لقاء آخر هناك. أوضح الملك حسين في بداية الأمر انه لن يقابل هيرزوغ إلا إذا كان لديه جديد، لكنه عدل عن رأيه فيما بعد، وأبلغ الرفاعي هيرزوغ بأن الملك حسين يريد مقابلته يوم 24 أغسطس الساعة السادسة مساء بمنزل هيربيرت. التقى هيرزوغ والرفاعي مساء ذلك اليوم قرابة منتصف الليل وقرأ هيرزوغ ملاحظاته حول موقف الملك حسين وتسلم تعليقات الرفاعي، وحضر هيربيرت كل تلك اللقاءات. قال الملك حسين ان الهجمات الإسرائيلية، مثل التي استهدفت الكرامة والسلط، لن تحل مشكلة بل ستجعل حركة «فتح» أكثر قوة، وقال في هذه السياق: «هل يعتقد الإسرائيليون انهم من خلال استعمال القوة سيحصلون على قبول من العرب؟». النتيجة العملية التي خرجت بها المناقشات التي جرت في لندن خلال شهري يونيو (حزيران) وأغسطس (آب) تمثلت في القرار الذي اتخذ بعقد لقاءات على مستوى عال في لندن نهاية سبتمبر (أيلول). وعلى الرغم من عدم التوصل إلى نتائج ملموسة من تلك اللقاءات مع الملك حسين، فإنها كانت بالغة الأهمية لدى إسرائيل، ذلك ان ابا ايبان أشار في المجلد الثاني من مذكراته إلى أهمية تلك اللقاءات والسمات الفريدة للملك حسين: «مجرد انعقاد تلك المحادثات أعطى إسرائيل إحساسا بأن النزاعات العربية ـ الإسرائيلية ليست بالضرورة غير قابلة للتسوية والمصالحة. فهناك رجل دولة عربي يتحدر أصله من النبي محمد. قاد بلدا عربيا لفترة طويلة ويعبر عن اعتقاده، ولو على مضض، في ان إسرائيل جزء ثابت من الشرق الأوسط. كان يحرص باستمرار على التعبير عن اعتزازه كعربي، لكنه كان أيضا يحترم انتماءات محاوريه الإسرائيليين. لقاءاتي معه والتمعن في بلاغته وأسلوبه في الكلام واختياره كانت بالنسبة لي ترياقا ضد نظرية دايان المعتمة التي تقول ان النزاع بات مكتوبا للأبد كقانون للعلاقات العربية الإسرائيلية.... الانطباع الذي خرجت به من اللقاءات مع الملك حسين هو انه يتعامل مع محاوريه الإسرائيليين بحد أقصى من الاحترام وحد أدنى من الالتزام». كان الملك حسين صارما باستمرار في صياغة دوره، وكان يعتقد ان لا خيار أمام إسرائيل والعرب سوى التعايش في نهاية الأمر. وكان في بعض الأحيان يفكر في احتمالات مبادرة سلام فردية من جانب الاردن، ولكن فقط في حال نجاحه في عودة حكم العرب في الأراضي المحتلة. ظل شعاره باستمرار ان بوسع إسرائيل الاحتفاظ بالأرض أو السلام ولكن ليس كلاهما معا. وهذا بالطبع لم يكن بعيدا عن ان يصبح إجماعا دوليا، وكان الملك حسين أول زعيم عربي يجعله كذلك. لم يعد هيرزوغ متأكدا من جدوى وقيمة اللقاءات مع الجانب الأردني. ومن أول الأشياء التي قالها هيرزوغ للملك حسين في لقائهما بتاريخ 22 أغسطس (آب) ان لقاءاتهما، من وجهة نظره لم تكن مضيعة للوقت، لكنها لم تسفر عن أي تقدم فيما يبدو. ثمة سؤال يطرح نفسه هنا: لماذا استمر الملك حسين في الاتصالات مع الجانب الإسرائيلي ما دام يدرك بوضوح انه لا يبدو في الأفق شيء ملموس من الجانب الإسرائيلي؟ الإجابة: الخوف والأمل. الخوف من ان تصبح السيطرة في إسرائيل في يد المتطرفين الذين قد يحاولون إطاحة الملك حسين، وربما يحاولون أيضا الاستيلاء على المزيد من الأراضي في الضفة الشرقية لمملكته، مثل الجبال المحيطة بالكرامة. كان الملك حسين يدرك تماما انه ليس لدى العرب خيار عسكري، وكان يشعر أيضا بأنه ليس لدى الإسرائيليين رغبة في السلام، وتوصل إلى نتيجة تتلخص في ان إسرائيل تريد لأسباب دينية وثقافية الاحتفاظ بالأراضي التي احتلتها وتحتاج إلى أراض إضافية بغرض تعزيز موقفها، وكانت (مكافحة الإرهاب) سببا في المزيد من التوسع من جانبها. كان الملك حسين يشعر في ذلك الوقت بقلق إزاء شائعات تحدثت عن محاولة إسرائيلية وشيكة للاستيلاء على أراض على الضفة الشرقية لنهر الاردن كان يستخدمها بعض الفدائيين الفلسطينيين، وذلك الشعور بالقلق دفعه إلى مطالبة السفير الأميركي هاريسون سايمز الحصول على بيان من أعلى سلطة في الحكومة الأميركية توضح فيها موقفها تجاه استقلال وسلامة أراضي الاردن. لم تأبه واشنطن كثيرا بالشائعات التي أثارت قلق الملك حسين، وأكد له الأميركيون مجددا التزامهم بسلامة الاردن، لكنهم رغم ذلك لم ينجحوا في تبديد مخاوف الملك حسين، الذي حاول من خلال الاستمرار في اتصاله مع الإسرائيليين عرقلة وإحباط أي توغل إسرائيلي محتمل يستهدف أراضيه. كان يأمل الملك حسين أيضا في ان تنفذ الولايات المتحدة وعدها في نهاية الأمر وتضغط على إسرائيل بغرض حملها على الانسحاب من الضفة الغربية. وكان في الواقع الشخص الوحيد وسط النخبة الأردنية الذي لم ييأس من دور للولايات المتحدة. اما في مواجهة إسرائيل، فلم يكن في يد الملك حسين أوراق يضغط بها أو شيء ملموس يقدمه بخلاف السلام، لكنه رغم ذلك ظل يحدوه الأمل باستمرار في النجاح نهاية المطاف في إقناع إسرائيل بالتوصل إلى اتفاق سلام مع الاردن على أساس حدود عام 1967. كان الأميركيون على اطلاع بما يجري في المحادثات الثنائية من خلال اسحق رابين، رئيس هيئة الأركان السابق والسفير الإسرائيلي في ذلك الوقت لدى الولايات المتحدة. حدث لرابين تحول مثير للاهتمام من الخيار الفلسطيني إلى ما يسمى بالخيار الأردني. ففي أعقاب حرب يونيو (حزيران) نصح رابين ليفي اشكول بأن الحل الوحيد الممكن بالنسبة للضفة الغربية، من وجهة النظر الأمنية، هو إقامة دويلة فلسطينية. وبنهاية العام رجحت كفة التوصل إلى اتفاق مع الاردن وتحول رابين إلى الخيار الأردني وحاول ان يعمل على دفع هذا الخيار كسفير لدى واشنطن. عومل رابين باحترام بالغ في واشنطن لأنه كان عسكريا متميزا سجل انتصارا حاسما على العرب، على العكس من الأداء الضعيف لجنرالات أميركا في فيتنام. خلال حديث حول قضايا أخرى تتعلق بـ4 يونيو مع عدد من كبار المسؤولين الأميركيين، ألمح رابين إلى مسألة محادثات السلام الأردنية الإسرائيلية. وقال رابين ان عبد الناصر أعطى الملك حسين الضوء الأخضر في هذا الشأن. وقال عبد الناصر في هذا السياق ان الملك حسين لا يستطيع إبرام اتفاق يؤثر على القدس دون موافقة العالم العربي. ولا بد من الإشارة هنا إلى ان لدى إسرائيل معلومات جيدة حول تفكير الملك حسين ومن هم حوله، إلا ان ثمة التزاما بعدم مناقشة هذا الأمر بالتفصيل، لذا كان رابين خاضعا للقيود المفروضة في هذا الجانب. ابلغهم بالطبع بان الملك حسين على استعداد للتوصل إلى اتفاق سلام من خلال مفاوضات سرية ومباشرة تحت غطاء مساعي جارينغ. إلا ان ثمة جدلا داخل إسرائيل حول ما إذا يمكن الاعتماد على الملك حسين. سياسة الحكومة كانت قائمة على استمرار مساعي وجهود جارينغ مع مواصلة محاولة إحراز تقدم سرا مع الملك حسين. توفير الغطاء لهذه المحادثات السرية كان ضروريا إذا أخذنا في الاعتبار الخلافات الأساسية بين الملك حسين وجمال عبد الناصر. إسرائيل كانت تدرك نوع التسوية التي كان يريدها الملك حسين، وكان هناك أمل في التوصل إلى تسوية مع الاردن. لم تعد هناك أحاديث حول إطاحته، ووافق كل الأعضاء الرئيسيين في الحكومة الإسرائيلية على «تكييف كل شيء كي يتماشى مع هذه السياسة». مكجورج بندي، المستشار الخاص للرئيس ليندون جونسون، كان لديه وجهة نظره أيضا حول كيفية تفكير الملك حسين. فقد أعرب بندي عن اعتقاده في ان الملك حسين استعاد بعضا من الثقة التي كان يفتقر إليها خلال صيف عام 1967. أكد أيضا الملك حسين على ضرورة إحراز تقدم باتجاه حل عادل بنهاية العام وأهمية ان يكون هناك شيء ملموس قبل ان يواجه الفدائيين الفلسطينيين بصورة مباشرة. بندي، الذي كان قد عاد لتوه من إسرائيل، التقى الملك حسين وحثه على عدم انتظار الآخرين كي يحلوا له مشكلته والاتجاه بدلا عن ذلك إلى التعامل معها بصورة مباشرة مع شخص مثل موشيه دايان، وزير الدفاع. أبلغ بندي أيضا الملك حسين بتحذير وزير الدفاع دايان من ان هجمات الفدائيين إذا استمرت على إسرائيل، فإنها ربما تضطر لتوجيه ضربة للاردن مرة أخرى، الأمر الذي من المحتمل ان يؤدي إلى المزيد من عمليات النزوح. الملك حسين كان يستخدم كلمة «عادل» على نحو متكرر بنفس الطريقة التي يستخدم بها الإسرائيليون كلمة «سلام». وكان أيضا يكرر لبندي وصف إسرائيل بأن لها ثلاثة وجوه: الوجه المتطرف الذي سعى إلى سقوط الاردن واحتلال إسرائيل للضفة الغربية، والوجه الذي يبدو معقولا ويريد ان يكون هناك كيان فلسطيني، والوجه المعتدل. وقال الملك حسين في ذلك السياق ان الوجه الذي ظل يحاول العثور عليه هو وجه الاعتدال. النزعة المعتدلة للملك حسين ساعدته في كسب أصدقاء ومعجبين داخل إسرائيل مثل غولدا مائير، التي التقته وجها لوجه في باريس عام 1965 عندما كانت وزيرة للخارجية الإسرائيلية في حكومة بن غوريون. وفي أغسطس (آب) 1968 زار ثيودور سورينسين، المستشار السابق للرئيس كينيدي، منطقة الشرق الأوسط، وبواسطة سورينسين بعثت غولدا مائير برسالة إلى الملك حسين جاء فيها: «أتمنى ان تكون جلالتكم على علم بأن إسرائيل أفضل أصدقائك في الشرق الأوسط». وعندما تلقى الملك حسين تلك الرسالة ابتسم وقال: «البعض يظن انني أفضل أصدقاء إسرائيل في الشرق الأوسط».

وسلم الملك حسين ويليام سكرانتون، مبعوث الرئيس ريتشارد نيكسون الخاص إلى الشرق الأوسط، في ديسمبر (كانون الأول) ورقة ضمنها النتائج التي توصل إليها وهي ان اسرائيل ليست جادة في التفاوض ومصممة على ضم مساحات كبيرة من أراضي الضفة الغربية بغرض تحسين وضعها الأمني، كما أكد أيضا انه ليس على استعداد ولا يستطيع التخلي عن القدس الشرقية، وأن الدولة الوحيدة القادرة على ممارسة الضغط على اسرائيل هي الولايات المتحدة. شجعت الولايات المتحدة إسرائيل على تطوير هذه العلاقة الخاصة مع الاردن إلى التوصل إلى تسوية منفصلة مع الملك حسين. وكان إرضاء الرئيس ليندون جونسون، واحدا من الأسباب التي أشار إليها ليفي اشكول في اجتماع لحكومته بهدف تجاوز معارضة إجراء محادثات مع الملك حسين. وكان ليفي اشكول نفسه مصرا بعناد على عدم لقاء الملك حسين بنفسه، لكنه كان مرتاحا لتمثيل ابا ايبان الحكومة الإسرائيلية في تلك المحادثات. كما انه كان ينظر إلى ابا ايبان كمتحدث رسمي أكثر منه صانع سياسة، وكان يطلق عليه «المغفل الذكي» لأنه كان يحسن الحديث، لكنه لم يكن يتمتع بحس بديهي. وكان ابا ايبان في واقع الأمر ينتمي إلى التيار الذي فضل التوصل إلى تسوية مع الملك حسين. ولكن بما ان بضعة أعضاء فقط من زملائه في حكومة ليفي اشكول، كانوا على استعداد لقبول هذا الخيار، بدأ ابا ايبان يؤكد على أهمية القيمة التكتيكية للمحادثات مع الأردن، ولخص ذلك في أن القناة المفتوحة مع الملك حسين، يمكن ان تستغل في تفادي ضغوط واشنطن والأمم المتحدة لحمل إسرائيل على تطبيق القرار 242، مؤكدا على ان مواصلة الاتصال بالملك حسين أمر مهم لأنه «ما دامت القوى العظمى تعتقد ان لدى إسرائيل اتصالات مستقلة، فإن ذلك سيحد من ضغوط جارينغ والولايات المتحدة».

سعيا لإيجاد توازن مضاد لأبا ايبان المعتدل، اقترح هيرزوغ على ليفي اشكول ان يمثل ييغال آلون نائب رئيس الوزراء ووزير العمل، الحكومة الإسرائيلية إلى جانب وزير الخارجية، ابا ايبان. وكان آلون جنرالا سابقا في الجيش الإسرائيلي ومحسوبا على تيار الصقور وأصحاب النزعة التوسعية. وكان إرسال آلون إلى لقاء الملك خطأ فادحا إذا كان الغرض من المحادثات التوصل إلى تسوية، اما إذا كان غرض تلك المحادثات الوصول إلى طريق مسدود، فإن اختيار آلون كان موفقا بالتأكيد. ففي واقع الأمر كان عدائيا تجاه الملك حسين على المستويين الشخصي والسياسي، إذ قال خلال اجتماع للحكومة الإسرائيلية في 7 ابريل (نيسان): «على العموم لسنا مدينين للملك حسين بأي شيء. فهو قد خرق التزامه للولايات المتحدة عشية حرب الأيام الستة بتحريكه دبابات إلى الضفة الغربية. لن أبادر بإطاحة الملك حسين، لكنني لن أتردد في اتخاذ أية إجراءات أراها ضرورية للدفاع عن إسرائيل». ولدهشة زملائه في الحكومة، أردف آلون قائلا: «إذا ظهرت حكومة فلسطينية في الاردن، فلا استبعد احتمال ان تجرؤ على التفاوض معنا أكثر من حكومة الملك حسين». وفي وقت لاحق تقدم آلون للحكومة الإسرائيلية بمقترح خطة سميت باسمه تهدف إلى ضم شريط من الأرض يتراوح عرضه بين 10 و15 كيلومترا بمحاذاة نهر الأردن، فضلا عن أجزاء واسعة من المنطقة الصحراوية حول البحر الميت ومنطقة كبيرة حول القدس، بما في ذلك اللاترون. وكانت تهدف الخطة إلى ضم أقل عدد ممكن من العرب وإقامة مستوطنات وقواعد للجيش الإسرائيلي في هذه المناطق. نادت الخطة أيضا بفتح مفاوضات مع القادة المحليين بصدد جعل الأجزاء المتبقية من الضفة الغربية منطقة حكم ذاتي تكون مرتبطة اقتصاديا بإسرائيل. لكنه عندما فقد الأمل في التوصل إلى اتفاق مع قادة الضفة الغربية، اقترح آلون إعادة تسليم أجزاء من الضفة الغربية لا تحتاجها إسرائيل إلى الأردن. لم يغيّر آلون خارطة يوليو (تموز) 1967، لكنه بدلا عن اقتسام الضفة الغربية مع الفلسطينيين عرض اقتسامها مع الملك حسين. لم يتخذ قرارا بشأن خطة آلون، لكنه تلقى تفويضا بمناقشتها بصورة عامة مع الملك حسين في لقائهما المقبل. انعقد ذلك اللقاء في لندن في 27 سبتمبر (أيلول) 1968، وكان بصحبة الملك حسين مستشاره زيد الرفاعي، وحضر في معية ابا ايبان كل من آلون وهيرزوغ. استهل ايبان اللقاء واصفا إياه بأنه مناسبة تاريخية. وقال ان قد جرى تفويضهم لمناقشة احتمالات التوصل إلى سلام دائم مع الاردن، لكنه لمح إلى انه في حال رفض الملك حسين للمبادئ المطروحة عليه، فإنه سيتعين عليهم البحث عن سبل إلى التوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين من دون الأردن. أما آلون فقد وصف اللقاء ذلك اللقاء مع الملك حسين كأسعد لحظة في حياته، وتحدث عن الأخطار التي يشكلها التعاون السوفييتي ـ العربي على النظام الأردني، مشيرا إلى ان التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل سيضمن سلامة النظام الأردني في مواجهة أي تدخل خارجي، وعدم استقرار داخلي. أوضح ابا ايبان أيضا ان الهدف هو التحول من حالة الحرب إلى السلام المتبادل مجسدا في اتفاق بين الطرفين، ثم طرح بعد ذلك سلسلة من الأسئلة: هل الملك حسين قادر على السيطرة على «فتح»؟ هل باستطاعة الملك حسين توقيع اتفاق سلام بدون موافقة عبد الناصر. وأشار كل من ايبان وآلون إلى ان الحكومة الإسرائيلية لم تتوصل بعد إلى قرار حول مستقبل الضفة الغربية، وأن الملك حسين إذا كان راغبا في الأفكار التي طرحوها، فإنهم سيسعون إلى الحصول على تخويل من الحكومة الإسرائيلية للتفاوض. أجاب الملك حسين قائلا: «مشاعري صادقة. آمل في ألا نفوت فرصة التوصل إلى سلام. وكي يكون هذا السلام سلاما دائما، يجب ان يكون في المقام الأول سلاما تحترمه وتلتزم به الأطراف المعنية، وإلا لن يكون سلاما دائما. نريد سلاما دائما. نعترف بأنك طرف قوي، وانه بوسعكم استخدام قواتكم لبعض الوقت. وإذا حدث ذلك، فسيكون هناك رابحون وخاسرون. ولكنن بصراحة، إذا أصبحت القوة هي الحل الوحيد للمشكلة، فإن سلام المنطقة، وبالتأكيد سلام العالم، سيتهدده الخطر. ربما تحققون الكثير من الانتصارات، لكنهم لن تستطيعوا خسارة معركة واحدة. إذا تحقق سلام عادل ودائم، فسنربح جميعا. أتمنى ان أساهم خلال ما تبقى من حياتي في تحقيق هذا الهدف. أخيرا، اشعر بالارتياح لسماع موقف الحكومة الإسرائيلية».

حدد ابا ايبان عند ذلك ستة مبادئ ترتكز عليها إسرائيل في التوصل إلى تسوية مع الأردن. وقال آلون من جانبه، انه لا يستطيع ان يؤيد أي اتفاق لا يتضمن تغييرات كبيرة في خارطة الأراضي والحدود الدفاعية لإسرائيل. إسرائيل لا تسعى، كما قال، إلى الحصول على أراض خصبة أو عدد إضافي من السكان، وإنما تسعى إلى تحقيق أمنها، وبدون الأمن لن تكون هناك أية تنازلات، على حد قوله. هنا رد الملك حسين قائلا ان هناك عدة آراء أيضا داخل العالم العربي. مشكلة الملك حسين كانت تكمن في كيفية توضيح الحل لشعبه، وكان يعتقد ان مجلس الأمن يمكن ان يشكل إطارا لحل شامل في المنطقة، علاوة على ان الأمن في نظره لم يكن مسألة أراض، وإنما قضية ثقة بين الدول. إلا ان آلون أعرب عن اختلافه، وقال ان الطبوغرافيا أكثر أهمية من حسن النوايا. واقترح أيضا في إطار ترقية وتطوير الأمن المشترك عقد لقاء بين رئيسي هيئة أركان البلدين. فيما يتعلق بقرار مجلس الأمن، قال ابا ايبان انه ليس هناك خلاف وان مبادئ إسرائيل تتماشى مع القرار. تدخل زيد الرفاعي وأشار إلى ان قرار مجلس الأمن أدان الاستيلاء على الأراضي بالقوة. وجاء رد ايبان على حديث الرفاعي بأن قرار مجلس الأمن تحدث ان الانسحاب من «أراض» وليس من «الأراضي». رد الرفاعي على وجه السرعة قائلا ان أفكار ابا ايبان لا تضيف شيئا إلى ما قيل في لقائهم السابق في مايو (أيار). جاء في السيرة الذاتية لأبا ايبان انه كان من الواضح ان الملك حسين قد رأي انه من الأفضل ان يترك إسرائيل تحت رحمة الانتقادات العالمية بسبب الاستيلاء على الضفة الغربية، بدلا عن تحمل مسؤولية التنازل عن 33 في المائة منها لإسرائيل. وقال أيضا ان الملك حسين اتخذ موقفا مبدئيا بموافقته على اتفاق سلام بين الجانبين يقوم على أساس تغييرات طفيفة على الحدود، كما انه كان معارضا بشدة لاحتفاظ إسرائيل بثلث الضفة الغربية. وفي مذكرة بخط اليد إلى ليفي اشكول، كتب ابا ايبان انه بات من الضروري على إسرائيل ان تركز على الهدف التكتيكي المتعلق بضمان استمرار المحادثات مع الاردن. كتب ايبان أيضا في نفس المذكرة انه سيتأكد من ان واشنطن تعرف ان لإسرائيل اتصالات حقيقية مع حكومة الملك حسين وانهم عرضوا عليه مخرجا مشرّفا من محنته وانه من الضروري ان تكون هناك ضغوط عليه لحمله على إبداء موقف أكثر واقعية وألا يفقد الفرصة. جاء المقترح الإسرائيلي بصورة عامة منتقصا في حق الجانب الأردني ونقيضا لمفهوم الملك حسين حول السلام العادل والمشرّف. مضت 16 شهرا على نهاية الحرب، وكان ذلك أول مقترح ملموس من الجانب الإسرائيلي بشأن التوصل إلى تسوية، وكان مقترحا إشكاليا وغير مرض. إلا ان الأسوأ من كل ذلك انه حتى في حال موافقة الملك حسين، لم يكن هناك ما يشير إلى ما إذا كان الحكومة الإسرائيلية ذات النزعة التوسعية ستوافق من جانبها. على الرغم ان الملك حسين رفض خطة آلون من دون أدنى تردد، اقترح الوزراء الإسرائيليون عقد لقاء آخر خلال فترة اسبوعين لإعطائه فرصة في النظر مجددا إلى موقفه. لم يكن الملك حسين في حاجة إلى اسبوعين، فقد اتصل زيد الرفاعي بهيرزوغ وأجريا ترتيبات بشأن عقد لقاء معه في اليوم التالي. سلم الرفاعي هيرزوغ وثيقة تتضمن ستة مبادئ من جانب الملك حسين ردا على مبادئ ايبان الستة، وتناولت الفقرة الخامسة مسألة الحدود الآمنة وتضمنت ردا واضحا وجليا من جانب الملك حسين على خطة آلون: «الخطة برمتها غير مقبولة لأنها تنتهك السيادة الأردنية. السبيل الوحيد هو تبادل الأرضي على أساس مشترك».

أوضحت الوثيقة مدى الهوة الشاسعة بين الموقفين الإسرائيلي والأردني، وهكذا، فقد كان اللقاء بمثابة ضربة لفكرة التوصل إلى تسوية إسرائيلية ـ أردنية منفصلة في غياب أي دول عربية أخرى.

على الرغم من ان الملك حسين رفض الشروط الإسرائيلية للتوصل إلى تسوية، فإن اللقاءات السرية تواصلت إلى ان تم التوصل إلى اتفاق سلام بين الاردن وإسرائيل في أكتوبر (تشرين الأول) 1994، ولم يتحدث الملك حسين علنا بشأن اللقاءات السرية مع قادة إسرائيليين على مدى العقود الثلاث السابقة إلا بعد التوقيع على ذلك الاتفاق.

عندما ناقش خطة آلون، جاءت كلمات الملك حسين واضحة ومباشرة: «الخطة كانت مرفوضة تماما. وفي واقع الأمر، عرضت خلال فترة المفاوضات والمناقشات إعادة حوالي 90 في المائة من الأراضي، بل وحتى 98 في المائة منها، باستثناء القدس، لكنني لم اقبل. الأمر بالنسبة لي كان إما كل شبر كنت مسؤولا عنه، أو لا شيء. فقد كان ذلك ضد خلفية ما حدث عام 1948 عندما أنقذت الضفة الغربية بكاملها، بما في ذلك المدينة القديمة. جدي دفع حياته ثمنا لمحاولاته التوصل إلى سلام. إذا كان على مسؤوليتي، يجب علي إعادة كل شيء، ليس إلي أنا شخصيا، وإنما لوضع الأراضي تحت رعاية دولية حتى يقرر الشعب ما يجب ان يكون عليه مستقبله».

رأي الجانب الإسرائيلي ان من مصلحته مواصلة الاتصالات السرية على الرغم من رفض الملك حسين الواضح للتسوية بشأن الأراضي. من ضمن الأغراض التي خدمتها الاتصالات السرية التعامل مع المسألة الأمنية، وعلى وجه التحديد الضغط على الملك حسين للجم هجمات الفدائيين ضد إسرائيل انطلاقا من الأراضي الأردنية. أرسل رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي حاييم بار ـ ليف إلى لندن للقاء نظيره الأردني عامر خماش. وتلقى بار ـ ليف تعليمات صارمة من الحكومة الإسرائيلية بتناول الوضع الأمني فقط وعدم الدخول في أية مسائل سياسية. عقد اللقاء في 16 أكتوبر (تشرين الأول) في منزل هيربيرت بحضور الرفاعي وهيرزوغ، وناقش الجنرالان على مدى ساعتين الوضع على الحدود وسبل ووسائل الحد من هجمات الفدائيين والرد الإسرائيلي على أهداف أردنية. جرى لقاء آخر بعد يومين، وانضم الملك حسين بمبادرة شخصية إلى المشاركين الأربعة. طرح بارليف آراءه مجددا حول أمن الحدود، وقال الملك حسين ما طرحه رئيس هيئة أركانه مسبقا انهم يفعلون ما بوسعهم لمنع هجمات الفدائيين وانهم لا يستطيعون وقف هذه الهجمات تماما في غياب تسوية. فالتسوية، كما أوضح الجانب الأردني، ستمكّنهم من اتخاذ إجراءات إضافية ضد الفدائيين. بار ـ ليف قال من جانبه ان الضفة الغربية في وجهة نظره منطقة حيوية لأمن إسرائيل وأن الحدود الطبيعية، من وجهة النظر الأمنية، هي نهر الأردن. وحتى إذا جرى التوصل إلى تسوية مع الأردن، فسيكون هناك خطر من العراق وسورية ومصر. وكان ذلك سببا إضافيا لتأسيس (أمن إسرائيل على الضفة الغربية ونهر الاردن). وناقش هيرزوغ مع الملك حسين آخر التطورات فيما يتعلق بمهمة جارينغز، وشكا من انه على الرغم من وعد الملك حسين بمنحهم مزيدا من الوقت، فإنهم ظلوا يتعرضون لضغوط من جانب جارينغ بشأن قبول قرار الأمم المتحدة رقم 242. وأكد الملك حسين على ان القرار هو الإطار الوحيد لتحقيق تقدم في الوضع، إلا ان هيرزوغ إلى أشار من جانبه إلى ان القرار قابل لمختلف التفسيرات. أكد الجانب الإسرائيلي أيضا على استعداد إسرائيل للتوصل إلى اتفاق سلام، وان خطة آلون هي الحد الأدنى الذي يتطلعون إليه. ورد الجانب الأردني غاضبا بأنه كان يعتقد ان خطة آلون حد أقصى. تواصل الأخذ والرد ورد هيرزوغ قائلا ان الحكومة الإسرائيلية لم تصادق على خطة آلون، وأن ابا ايبان وآلون ينظرون إلى الخطة بوصفها حدا أدنى ويأملان في المزيد. أشار بار ـ ليف إلى ان وجود الجيش الإسرائيلي على طول وادي الاردن بكامله أمر مهم بالنسبة لأمن إسرائيل، ورد الملك حسين قائلا انه يتفهم وجهة النظر الإسرائيلية، ولكن يتعين عليه ان يقنع العالم العربي بأي اتفاق يجري التوصل إليه وانه يستطيع ان يفعل ذلك فقط، إذا كان الاتفاق عادلا. رغم كل ذلك لم يوصد الباب، وأضاف الملك حسين قائلا ان بعض القوى الكبرى تؤيد موقفه وانه ينسق خطواته مع عبد الناصر. كان من الضروري على إسرائيل ان تعلن موقفها بوضوح إزاء تطبيق قرار مجلس الأمن. إلا ان الملك حسين كان في مأزق حاد. فقد كان في حاجة ماسة إلى تصريح إسرائيلي مقنع كي يستطيع ان يقنع شعبه وبقية العالم العربي بفكرة التفاوض. اما إذا لم يحقق تقدما في المفاوضات عبر جارينغ، فإن إفلاس سياسته السابقة سينكشف وستتزايد عليه الضغوط كي يتبنى نهجا أكثر تشددا. كما انه كان في حاجة ماسة أيضا إلى المفاوضات لكي يبرر الإجراءات ضد مجموعات الفدائيين التي كانت تعمل انطلاقا من الاردن. فكل شيء الآن بات يعتمد على إسرائيل. استمر الجانب الإسرائيلي في المماطلة لأسباب من بينها الاختلافات داخل الحكومة، وانعقد لقاء آخر على مستوى عال في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) على متن سفينة إسرائيلية في خليج العقبة بالقرب من ايلات. مثل الجانب الأردني الملك حسين وزيد الرفاعي والشريف ناصر بن جميل، فيما مثل الجانب الإسرائيلي ابا ايبان وآلون وهيرزوغ. كان ذلك أول لقاء بين الجانبين الإسرائيلي والأردني يعقد في المنطقة، واستفاد الإسرائيليون من وضعهم كمضيفين وسجلوا المناقشات سرا. تحدث آلون وايبان مطولا، ولكن لم يكن في جعبتهما من جديد، وتحدث الجانب الإسرائيلي مطولا حول خطة آلون، التي وصفها الجانب الأردني مسبقا بأنها «غير مقبولة مطلقا»، فضلا عن ان الحكومة الإسرائيلية لم تصادق عليها. شعر الملك حسين بأن الجانب الإسرائيلي كان يداور، فيما كان هدفه هو التوصل إلى سلام دائم وعادل. وكل ما قاله في ذلك اللقاء تمحور حول قبول قرار مجلس الأمن. أما الفكرة الجديدة الوحيدة التي طرحها خلال النقاش، فقد تلخصت في التخلي عن أراض في الضفة الغربية مقابل سيطرة الاردن على قطاع غزة ومنفذ للبحر، وقال إن ميزة هذا المقترح انه سيضع كل الفلسطينيين تحت مظلة واحدة، إلا ان ممثلي إسرائيل لم يكونوا مفوضين لمناقشة مقترحه. واعترفوا بأن وجود حدود مشتركة بين الاردن وإسرائيل ليس من مصلحتهم في شيء. كما انهم كانوا يدركون ان حكومتهم كانت تعتزم ضم قطاع غزة وان لديها خطة سرية لـ«تشجيع» هجرة اللاجئين الفلسطينيين من هذه المناطق المزدحمة. وبات واضحا ان فكرة الملك حسين لا تلائم هذه الخطط التوسعية. أوضح الملك حسين مجددا، انه لا يمكن التوصل إلى أي اتفاق إذا تضمن ضم إسرائيل لأراض أردنية. وطبقا للشروط المطروحة كان من المستحيل عليه التوصل إلى اتفاق سلام. فالأساس الوحيد للسلام هو تعديل خطوط الهدنة على أساس مشترك. فالأردن قبل بقرار مجلس الأمن 242 وبحق إسرائيل في العيش في سلام وأمن ضمن حدود معترف بها. ولكن في المقابل يتعيّن على إسرائيل قبول مبدأ الانسحاب بدون شروط. لم يثمر ذلك اللقاء عن أي شيء سوى الاتفاق على عقد لقاء آخر في أوروبا خلال الشهر التالي. من الصعب معرفة ما إذا كان الملك حسين أكثر إحباطا، إسرائيل أم الولايات المتحدة. من المؤكد انه كان يشعر بأنه يجب على الولايات المتحدة من أجل نفسها ومن أجل أصدقائها العرب ومن اجل تيار الاعتدال في إسرائيل ان تستخدم نفوذها بهدف التوصل إلى تسوية سلمية. لكنه أكد على ان فشل الولايات المتحدة في لعب دور لتحقيق السلام في الشرق الأوسط يشجع فقط المتطرفين في إسرائيل. لم يفوت الملك حسين أي فرصة في التأكيد على هذه النقاط في لقاءاته مع أي مسؤول أميركي زار الاردن.

فقد سلم الملك حسين ويليام سكرانتون، مبعوث الرئيس ريتشارد نيكسون الخاص إلى الشرق الأوسط، في ديسمبر (كانون الأول) ورقة ضمنّها النتائج التي توصل إليها: اتصالات الأردن مع إسرائيل، المباشرة منها وغير المباشرة، فشلت في تحقيق تقدم باتجاه التوصل إلى تسوية سلمية. وأن إسرائيل، لأي سبب من الأسباب، لم تكن جادة بالفعل في التفاوض من أجل التوصل إلى تسوية مع الاردن، وأن إسرائيل مصممة على ضم مساحات كبيرة من أراضي الضفة الغربية بغرض تحسين وضعها الأمني، كما أكد أيضا انه ليس على استعداد ولا يستطيع التخلي عن القدس الشرقية، وان الشروط التي وضعتها إسرائيل لا يستطيع هو أو أي زعيم عربي آخر قبولها، وانه لا يستطيع فعل أي شيء أكثر مما فعل من أجل التوصل إلى تسوية. وأكد أيضا في الورقة التي سلمها لسكرانتون ان الضغط الخارجي وحده ربما يحمل إسرائيل على الموافقة على شروط معقولة يمكن ان يقبلها العرب، وأن الدولة الوحيدة القادرة على ممارسة هذا القدر من الضغط هي الولايات المتحدة.