مذاهب في المزاد(2)

زيوس : هات لنا غيره, ادع هذا السيريني* لابس الأرجوان, والمتوّج بالورد.
هرمس : هلمّوا الآن, أرهفوا أسماعكم جيدا. هاهي ذي بضاعة رائعة تصلح للأثرياء, إنها حياة رغدة, سعادتها مضاعفة, من منكم يود تذوّق هذه اللذّة؟ ومن فيكم يرغب في شراء هذا المثال اللطيف؟
شار : هيّا تقدم أنت, وقل لي ماذا في مقدورك أداؤه,لأني سأشتريك إن صلحت لأداء شيء.
هرمس : لا تزعجه يا صاحبي, أو تسله عن شيء, فهو ثمل, ولن يقدر على إجابتك لأن لسانه لا يطاوعه.
الشاري : لعمري, أي امرئ له إحساس رفيع يشتري عبدا, بلغ هذا المبلغ من الفساد والخلاعة؟ يالرائحة العطر المنبعثة منه! ولكم يتأوّد في مشيته ويتهادى! ألا قل يا هرمس, ما هي في الأقل صفاته, وأيّة مهنة يمتهن؟
هرمس : في وسعي إيجازها بأنه جليس ممتع, ونديم طيّب, وفي ميسوره مداعبة عازفه على الناي لدن أستاذ مغرم كريم, ناهيك عن أنّه عالم بصنع الحلوى, وطاه ماهر, وقصارى القول؛ إنّه أستاذ في الميوعة بعد أن تربّى في أثينا وخدم لدى جبابرة سيسيل أولئك الذين غالوا في تقديره, وإن جوهر فلسفته كره كل شيء, والسخرية من كل شيء, وهو لا يفتأ يلوب باحثا عن اللذات.
الشاري : مادام كما وصفت, فيجدر بك أن تبحث له بين الأثرياء عن شار سواي, أما أنا فلست مستعدا لشراء حياة بلغت هذا المبلغ من العبث.
هرمس : أي زيوس! يبدو وكأنّه لن يبرحنا, ولن نعثر له على شار.
زيوس : حسن, في وسعنا أن ننحّيه جانبا ونستبدله بسواه. ولعلّهما ذانك الاثنان:
الضاحك "ابدير" والباكي "ايفيز" لأني توّاق إلى بيعهما معا.
هرمس : اهبطا أنتما الاثنان إلى وسط القاعة...والآن فإني أقدّم للبيع خير حياتين, وأعلن في المزاد عن بيع أعظم حكيمين.
شار : إني لأعجب يا زيوس, فأحدهما لا ينفك ضاحكا, بينما يبدو الآخر في حداد على فقيد, وقد فاضت حقا دموعه..ما بك أنت وما يضحكك؟
ديموقريط : أنت تسأل؟ إني لأرى كل ما تصنعون أكثر إثارة للسخرية منكم أنتم.
الشاري : ماذا تقول؟ أوتسخر منا جميعا, أولا تقدر ما نقوم به من عمل ؟
ديموقريط : هذا ما أردت قوله, إذ ليس من شيء جدّي فيما تعملون, فكلّه فراغ, وحركة ذرّة, ولا متناه.
الشاري : كلا, بل أنت الفارغ, والأحمق. وياللوقاحة, متى تكف عن الضحك... أما أنت يا صاحبي فما الذي يبكيك؟ أخال إني أحسن صنعا في التحدث إليك.
هيراقليط : ذلك لأني أيها الغريب أعتبر أن جميع أعمال البشر تستدعي النحيب والبكاء إذ ليس فيها شيء إلا وهو معرض للفناء, لذا تراني أشفق على البشر وأندب حظّهم... إن الحاضر لا يعنيني, أما المستقبل فيحزنني غاية الحزن, لأني أرى فيه اشتعال الكون ودماره, وهذا ما يهيب بي لأن أتحسّر وانتحب. إني لأذرف الدمع لعدم رؤيتي أي شيء ثابت, فكل شيء متداخل بعضه في بعض, فاللذة تختلط بالألم, والمعرفة تمتزج بالجهل, والكبير بالصغير, والرفيع بالوضيع, وإنها حلقة لا تبرح شخوصها تتعاقب في لعبة الزمن.
الشاري : ماذا تعني بالزمن؟
هيراقليط : ولد يتلهّى, يلعب النرد, يُحمل على مخالفة سواه.
الشاري : وماذا تعني بالناس؟
هيراقليط : آلهة يموتون.
الشاري : والآلهة؟
هيراقليط : أناس خالدون.
الشاري : إنك تتكلم بألغاز يا صديقي أوتستعمل كلاما مبهما, فأنت تشبه "لوقسياس" كل الشبه إذ لم تفه قط إلا بما هو غامض.
هيراقليط : ذلك لأني لا أهتم بك البتة.
الشاري : لذا فلن يشتريك امرؤ ذو حسّ رفيع.
هيراقليط : أما أنا فسيّان لدي إن اشتريتموني أو لم تشتروني, وإني لأطلب منكم أن تبكوا كلكم دون تمييز.
الشاري : إنه لداء هو نوع من الغيظ الأسود, لذا فلست راغبا في شراء أي من الاثنين.
هرمس : وهذان سيظلان عبئا علينا كذلك.
زيوس : حسن. ناد على آخر.
هرمس : أترغب في هذا الإثيني الثرثار؟
زيوس : حسن.
هرمس : هلم, أنت...إننا نعرض للبيع حياة طيبة ذكية, فمن يشتري أقدس حياة؟
شار : قل لي ما الذي تجيد عمله بخاصّة؟
سقراط* : أنا مغرم بالشباب وعالم بالحب.
الشاري : كيف في مقدوري أن أشتريك؟ولاسيما أنّي محتاج إلى مؤدّب لولدي, وهو ولد طيب.
سقراط : من تراه سيغدو أفضل مني للعيش مع طفل جميل؟ فليست الأجسام بذاتها التي امتلأت نفسي بحبها, بل الروح التي تبدو لناظري جميلة... وثق أنّ في مقدور الشبيبة أن ترقد إلى جانبي تحت غطاء واحد. وليس ثمّة من أحد سيقول لك أني سأداعبهم مداعبات ليست شريفة*.
الشاري : إن ما تقوله لا يصدّق, أمحب للشبيبة متيّم بها, ويُقصر تطلّعه على الروح وحدها, في حين أن له ملء الحق بالرقاد وإيّاهم تحت غطاء واحد؟
سقراط : لاشيء أكثر حقيقة مما أقول, إنّي أقسم لك بالكلب وشجر الدّلب.
الشاري : كيف في مقدوري أن أشتريك؟ ولاسيما أني محتاج إلى مؤدّب...
يالعجبي منك يا هرقل! إنها آلهة فريدة!
سقراط : ماذا عساك تقول؟ أولا تؤمن بأن الكلب يكون إلها؟ أولا تعرف بأن "آنوبيس" إله في مصر؟ وأن "سيروس" إله في السماء؟ وأن "سربير" إله في الجحيم؟
الشاري : أنت محق, ولعلي خُدعت, ولكن ما هو أسلوب حياتك؟
سقراط : إني أقطن بلدا كوّنته وفق عادتي, واشترعت له نظاما جديدا وقوانين خاصّة بي.
الشاري : إني أرغب في معرفة أحد قوانينك.
سقراط : دونك أهمّها, تلك التي تخص النساء, فليس على أي منهن أن يتملكها إنسان دون سواه, وعليها أن تقبل من يهوى الزواج بها.
الشاري : أتعني بقولك إنك أبطلت القوانين للراشدين؟!
سقراط : بلى وحق زيوس, فلقد نبذت, بصدق, كل مالا جدوى منه في تلك القوانين.
الشاري : ولكن ماذا تراك قررت بشأن الصبيان الذين هم في زهرة العمر؟
سقراط : أن تكون قبلاتهم مكافأة لذوي البأس ممن يمتازون بمأثرة لامعة.
الشاري : بحق الآلهة, أي أريحيّة هذه! ولكن ما هي النقطة الأساسية في مذهبك؟
سقراط : الأفكار, النماذج البشرية, وكل ما يقع عليه بصرك, من الأرض وخيراتها, والسماء والبحر, إن لكل الكائنات وجوها غير منظورة تقع فيما وراء الكون.
الشاري : أين تراها توجد تلك الأشياء؟
سقراط : ليست في أي مكان, وإن وجدت في مكان ما فإنها بذلك تكون غير موجودة.
الشاري : إني لا أرى تلك النماذج التي تتحدّث عنها.
سقراط : ليس ذلك منك بعجيب لأنك أعمى البصيرة, أما أنا فأرى صور الكائنات قاطبة, فأنت لك ذات ثانية غير مرئيّة, كما لي أنا ذات فانية, وبكلمة واحدة إني أرى كل شيء مزدوجا.
الشاري : ما دام الأمر كذلك فإني أشتريك لأنك حكيم, ولأن نظرتك صائبة... ولكن أيها المنادي كم ثمنه؟
هرمس : درهمان.
الشاري : إني أشتريه بهذا الثمن, على أن يكون الدفع نسيئة.
هرمس : ما اسمك أيها الشاري؟
الشاري : ديون من سيراقوص*.
هرمس : هلمّ خذه ولتسعد به! تقدّم أنت أيها الأبيقوري من ترى يشتريه؟ إنه أحد مريدي ذينك الاثنين الضاحك والباكي, اللذين قدّمناهما للبيع منذ قليل* إن معرفته لا تعدو معرفتهما, غير أنه أشد منهما زندقة, ومن ثمّ فإنه إنسان لطيف وخدين لكل ما هو طيّب.
شار : ما ثمنه.
هرمس : درهمان.
الشاري : خذهما, ولكنني أود أن أعرف ما يؤثر من غذاء.
هرمس : إنه يتغذى باللبن, والأطعمة المدهونة بالعسل, ويفضّل عليها التين اليابس.
الشاري : من السهل العثور عليه, لهذا فسنشتري له قلائد من تين كاري.






* أريستيب مؤسس مذهب اللذة المعدلة بقوة العقل.

*سقراط الذي يعنيه لوقيانوس هنا, ليس سقراط الحقيقي, بل سقراط الموجود في حوار أفلاطون وهو الذي يهب أفلاطون على لسانه مدينته الفاضلة لأفكاره, كذلك صنع أرسطو, فحين كان ينتقد الحوار في بعض جوانبه كان أفلاطون يقول على لسان سقراط إنه لم يذكر أفلاطون بل سقراط. كما لو كان هو نفسه المتكلم لحسابه الخاص.

* " المأدبة " لأفلاطون.

* تلميذ أفلاطون وصديقه.

* أخذ "أبيقور" نظرية الجوهر الفرد عن ديمقريطس, ونظرية الخير الكامن في اللذة عن أريستيب.





هوامش الجزء الأول مع شديد الأسف للخطأ الذي حصل:



* نظرية التذكر التي اعتنقها أفلاطون.

* كان أحد أبناء قريزوس أخرس.

* الجمع 1+2+3+4=10 لأن المثلث الكامل كان ممثلا بعشر نقاط  وهو مثلث متساوي الأضلاع.

* تورية تعني منظمة الأخوة التي وضعها فيثاغورس في اليونان الكبرى.

* ولد ديوجين الكلبي في سينوب وهي مدينة في بافلاقونيا واقعة على ضفاف جسر أوكسين.

*هيبولت 612 :{ لقد أقسم لساني ولكن عقلي لم يقسم }.

*مات ديوجين كما يقال, لأنه أكل إخطبوطا نيئا.