حلم لوقيانوس(2)

6 أمسكت يدي امرأتان وراحت كل منهما تجذبني إليها بقوة وعنف, حتى أوشكتا- وهما تتصارعان- أن تفصلا ذراعي. وبينما كانت إحداهما تشدني وتكاد تجذبني إليها, كنت أعود ثانية إلى سلطة الثانية. وكانتا تتشاحنان في صخب فتقول الأولى: " أريده, إنه لي" وتبادرها الثانية: " إنك لتدعين عبثا ما ليس لك". كانت الأولى عاملة عليها ملامح الرجولة, ذات شعر أشعث أغبر, امتلأت يداها بالبتور, وتمنطقت بحزام, وقد تغشاها غبار المرمر, وكانت تشبه خالي, حين كان ينقر أحجاره, وكانت الثانية ذات وسامة وقسامة وقد أهيف نبيل, ترتدي ثوبا أنيقا......ولم تريا بدا من أن تسلما أمرهما إلي لأقضي لأية واحدة منهما أرغب في أن أغدو مريدا, فشرعت بالكلام من كان مرآها جافا جريئا:

7 // بني العزيز, أنا فن النحت الذي تلقيت بالأمس أول درس من دروسه, أنا صديقة أهلك وقريبتهم(ذكرت اسم أبي) وقد كان جدك(وذكرت اسم والد أمي) مثالا, ونال خالاك بفضلي شهرة عظيمة, فإن رمت ألا تعبأ بثرثرة هذه ولغوها(مشيرة إلى الثانية) وإن رضيت أن تقفو أثري وتنقطع إلي- فستحظى في البدء- بتربية فيها حزم وعزم شديدان, وستغدو قوي الساعدين, ولن تبالي بأي ضرب من ضروب الحسد أو الغيرة, ولن تعاف وطنك وأهلك لتمضي إلى بلاد غريبة, ولن تكسب ثناء الناس من أجل كلام فحسب.

8 واحذر يا بني أن تنفر من هيئتي الذرية, وثوبي المعفر, فما صنع "فيدياس" الشهير تمثال "زيوس" ولا سوى "بوليقليط" تمثال "حيرا" ولا حظي "ميرون" بالهتاف, ولا نال "براكستيليس" الإعجاب إلا لأنهم بدوا كما أبدو لك, ولقد عبد هؤلاء الفنانون كما عبدت آلهتهم, فإن أنت أخذت مطرحك بينهم فمن ذا يخامره شك في أن تغدو شهيرا في العالم أجمع؟ فتجعل من أبيك رجلا محسودا, وتجعل من وطنك وطنا شهيرا ؟ //.
فاهت ربّة النحت بهذه الكلمات وبكثير سواها, وذكرت في صوت أجش يخدش السمع ضروبا من الجمل والألفاظ, وكانت كلماتها تتلاحق بسرعة, الواحدة تلو الأخرى, وكأنها أحد البرابرة, وقد بذلت لإقناعي جهدا ليس باليسير, ولم أعد أذكر ما قالته, إذ غاب عن ذهني معظمه.....ما إن فرغت من كلامها حتى شرعت الثانية تتكلم على النحو التالي تقريبا:

9 // أنا يا بني المعارف... ولعلك عرفتني وألفتني على الرغم من أنك لم تمارسني حتى النهاية...ترى أي خير تجنيه
إن أنت أمسيت نحاتا كما نوهت بذلك تلك المرأة؟ إنك لن تغدو في الحقيقة غير صانع, تعمل بيديك, معلقا عليهما آمال وجودك كلها, وتمسي أنت ذاتك مجهولا, مرغما على الاكتفاء بأجر حقير ذليل, كما تغدو وضيع الفكر, ولا تلفت إليك الأنظار في غدوك ورواحك, غير قادر على مد يد العون لأصحابك, عاجزا عن بث الرهبة في قلوب أعدائك, وإنك لن تغدو محسودا من مواطنيك. والحقيقة أنك ستظل عاملا بسيطا مضطرا لتلبية كل طلب يوجه إليك, وإنسانا طائعا بين الرعاع, تعروك الرجفة أمام العظماء, وتتملق من يجيد الحديث, وتحيا حياة الأرانب, كفريسة ينشدها أهل الحول والطول. وإن أنت أمسيت ك " فيدياس" أو " بوليقليط" وقمت بضروب من الأعمال العجيبة, فلست أنت الذي تمتدح, بل فنك ذاته, وليس ثمة بين الذين يشاهدون روائع فنك ويقدرون معانيها, من يتمنى أن يتشبه بك ذلك لأن مكانتك مهما سمت, فلن يرى الناس فيك غير عامل صانع يعيش من كد يديه.

10 أما ما يغاير ذلك, فإنك إن وعيت كلامي وتدبرته, فسأطلعك-أولا- على ضروب من الأشياء حول الرجال الذين غبروا, وسأقص عليك ما خلدوا من عجيب الأعمال, وما فاهو به من عظيم الأقوال, فأجعل منك عالما يكاد يلم بمختلف شؤون الدنيا, وفي الوقت نفسه سأزين نفسك- وهي الجزء السامي منك- بضروب جمّة من الأشياء الجميلة, كالاعتدال, والعدل, والتقوى, والوداعة, والإنصاف, والذكاء والصبر, وحب الجمال, ونشدان المثل العليا, وهي حقا الزينة الصافية للنفس, ولن يغيب عنك شيء مما أبدع في الماضي, وما يجب أن يبدع في الحاضر, وحين تمسي معي فستتنبأ بالمستقبل, وقصارى القول, سأطلعك على كل ما هو كائن من أمور الآلهة, وأمور البشر.

11 ومن هو الآن فقير الحال, وضيع الأصل, سبق له أن اختار حرفة حقيرة فسينافسه ويحسده الجميع على نعمه, وسيمسي محترما ممدوح السيرة, معروفا بأجمل الخصال, يعجب به جميع من امتازوا بنبلهم وثرائهم, وسيرتدي رداء كهذا " تشير إلى ردائها الذي كان برّاقا وزاهيا", ويعترف بجدارته للحكم, ويتبوأ المركز الرفيع, وحين تجوب حتى البلاد الغريبة, فلن تغدو مجهولا مهملا, وسأضع على مفرقك علامات براقة, حتى أن كل من يراك يكز جاره مشيرا إليك بإصبعه هاتفا: "هوذا ".

12 وإما بَغَتَ أصدقاؤك أو الدولة نفسها حدث هام, فستصوب إليك الأنظار كلها, وإما صادف أن تحدثت فإن الشعب سيصيخ إليك بسمعه فاغرا فاه, وقد امتلأ إعجابا بقوة خطبك, عندها يهنأ والدك بأنه أنجبك.
أما ما يحكى عن بعض الرجال أنهم أمسوا خالدين, فسأجعلك مخلدا مثلهم, لأنك حتى لو لقيت حتفك فستظل حيا مع العلماء, وتتحدث مع رجال الفكر.
هاك "ديموستين" الشهير ترى من كان أبوه* ؟ وأي رجل عظيم جعلت منه؟ وهاك "اسكين" ابن ضاربة الطبل, أرأيت كيف كرمه من أجلي "فيليب" ؟ إن "سقراط" الذي ربته المثالة* ما كاد يعلم أن عليه أن يبدع أروع ما تعلمه منها, حتى لاذ بالفرار وهرع إلي, ولعله بلغك كيف أصبح ذائع الصيت في العالم أجمع.

13 فإن أنت صرفت النظر عن هؤلاء الرجال الذين امتازوا بقدر وفضل منقطعي النظير, ولم تعتبر أعمالهم البارزة
وأعمالهم الجليلة, وأعرضت عن اللباس الوقور, والشرف والمجد والمديح, والمقام الرفيع والسلطة والريادة, وشهرة الخطيب, والثناء الذي يلحق بالعباقرة, فلن يبق عليك إذن إلا أن ترتدي هذا الرداء القذر, وتتزيا بزي العبد, وتمسك بيد, الرافعة والمقص والإزميل والمطرقة, وتنكب على عملك, وتنحني إلى الأرض ذليلا مطأطئ الرأس دوما, غريبا عن كل فكر حر جريء, لا تحلم إلا بأعمالك اليدوية, كيما تمنحها التناسق والطلاوة, في حين أنك لن تغدو أنت ذاتك متناسقا ظريفا, لأنك لن تحفل البتة بذلك, بل ستعود أقل قيمة من الحجارة.//.

14 ما انفكت تسوق الحديث حتى قمت قبل أن تتمه, فقضيت بينهما وأعرضت عن تلك العاملة الدميمة, وأخذتُ سمتي
نحو المعارف, وقد استحوذ علي السرور وفاض قلبي بالغبطة, ولا سيما أن حلمي بالعصا كان يعتادني, والخفقات الجمة التي كانت بالأمس تنثال علي في بداية عملي, وما انفكت تتبدى لي.......وما أن ألفت العاملة نفسها مهجورة حتى بلغ بها الغضب مداه, وراحت تشد على يدي وتعركها عركا, وقد اتقدت عيناها شررا, وبدأت تتصلب, واستحالت حجرة.
فإن أنتم ألفيتم هذا الحلم غريبا فصدقوه لأن الأحلام تصنع المعجزات.

15 والتفتت إلي الثانية قائلة: //حسن, سأثيبك توّا على ما قررت, وأكافئك على خير ما قضيت, فادن الآن مني واصعد هذه العربة{ أرتني في الوقت نفسه عربة تجرها خيل مجنحة كأنها البراق } لتعلم كم من الأشياء العظيمة كنت ستبقى جاهلا إياها, لو أنك رفضت أن تتبعني//, ما إن صعدت العربة حتى أطلقت للخيل العنان بعد أن أمسكت بزمامها, وحين صعدت في السماء, وجهت طرفي من الشرق حتى الغرب نحو الأمم والمدن والشعوب, ملقيا نظير "تريبتوليم" ضربا من البذار على الأرض: إني لم أعد أذكر ما كان هذا البذار, وكل ما أعرف أن الرجال الذين كانوا ينظرون إلي من الأرض كانوا يغدقون علي المديح, وأما الذين دانيتهم فكانوا يتابعون تصعيدي بهتافهم.

16 وبعد أن أطلعتني على كل ذلك, وأرتني أولئك الناس الذين يثنون عليّ أعادتني لابسا لا الرداء الذي كنت أتدثر به حين صعدت, بل حلة بيضاء, بدت لي كأنها حاشية من أرجوان, ثم أبصرتها تجيء إلى أبي الذي كان ينتظرني في الدار, وتريه كيف غدوت حسن الهندام, وتطلعه على الحال التي بلغتها, وتذكره بما كانوا على وشك أن يقرروا بشأني. تلك رؤياي التي راودتني عند خروجي من طفولتي, وإني لأعزوها إلى الاضطراب العميق الذي تأتى لي من خوفي من الضرب.

17 وبينا كنت أتحدث سمعت شخصا يصرخ: يالهرقليس, إنه لحلم طويل جدا تستشف منه المرافعة ـ فقاطعه آخر قائلاـ: إنه حلم شتاء ذي الليالي الطويلة جدا, وقد يكون صاحبه نفسه رجلا له ثلاث ليال* كهرقليس....ترى أي شيطان حل فيه حتى يقص علينا هذه الترهات ؟ ويذكر هذه الليلة من طفولته وأحلامه القديمة الباطلة؟ إنها لعمري باردة لا عطر فيها....أو يخالنا مفسري أحلام ؟.

كلا يا صاحبي, فما صنعت إلا كما صنع"كزينفون" حين روى الحلم الذي خال إنه رأى فيه حريقا دهم دار أبيه, وإن لقصته خاتمة تعرفونها*. وما كان حلمه كلاما منمقا, ولم تكن غايته رواية الترهات, وهو يخوض غمار حرب, ويصطلي بنار المعركة, ويرى بعينيه كيف كانت الحال يائسة, والعدو محاصِِِِرا, بيد أن ما رواه ينحو نحو الفائدة والنفع.

18 أما أنا فلئن قصصت عليكم حلمي, فلكي يقرر الشباب ما فيه خيرهم, فيكرس نفسه للدرس, خاصة أولئك الذين يوحي إليهم الفقر بسيئ الأفكار, ويوجه نفوسهم نحو أوخم الحلول عاقبة, ويشوه في نفوسهم سجايا لا تخلو من نبل.
إن ما قصصته عليهم ليشجعهم, فيجعلونه مثلا ينطبق عليهم, مقدرين من أي نقطة انطلقت نحو أجمل حرفة, فتعلقت بالدرس دون أن يثبط الفقر من عزيمتي, ذلك الفقر الي كان يلح علي بالأمس إلحاحا متزايدا.


وها أنذا أعود إليكم أخيرا, وفي وسعي القول أني قد ازددت شهرة, ليست بأقل من شهرة أي نحات أن لم تفقها!...




*كان ديموستين ابن صانع أسلحة.

*كان سقراط ابنا للمثال سوفرونيسك Sophrionisque

*جاء على لسان هيليوس في "محاورات الآلهة" بعد أن انتابه الونى جعل ليل هيليوس ثلاثة أضعاف نهاره.

*وردت حوادث هذا الحلم في "الأناباز Anabse 3-1-11" على النحو التالي:"....وفي الصيف الذي كانوا يقضونه, قاسم كزينفون Xenophon شعبه البلاء العام, فجفاه الرقاد. ولكن حين راوده النعاس هنيهة رأى حلما, إذ بدا له بعد قصف الرعد, أن صاعقة سقطت على بيت أبيه فجعلته يشع بأكمله".