النزاع بين الجيش الأردني والفدائيين

طغى النزاع بين الجيش الأردني والفدائيين على الأحداث التي جرت عام 1970 في الاردن. وكانت النزاعات المتلاحقة بين الجانبين قد أدت في نهاية الأمر إلى اندلاع حرب في سبتمبر (أيلول) من ذلك العام. المواجهة بين الجانبين كانت قصيرة الأمد وعنيفة، إلا ان العملية التي قادت إلى هذه المواجهة كانت شائكة ومعقدة. قوة وهيبة الفدائيين في المنطقة، وعلى وجه الخصوص في الاردن، ازدادت بصورة سريعة غداة معركة الكرامة، وتلقت مجموعات الفدائيين مساعدات من عدة حكومات عربية وتمتعت بتأييد شعبي واسع. واستمرت هجمات الفدائيين على إسرائيل والضفة الغربية المحتلة في إثارة ضربات انتقامية وحشية ضد المدنيين في الضفة الشرقية، إلا ان تلك الضربات زادت من تأييد الفدائيين وليس العكس. كما أن فشل النضال المسلح لتحرير جزء من فلسطين أو الأراضي المحتلة لم يمنع نمو وتزايد حركة المقاومة الفلسطينية، بل على العكس، زاد النضال المسلح ضد العدو الصهيوني من شرعية منظمة التحرير الفلسطينية ومكتب المنظمة من بناء مؤسساتها السياسية الاقتصادية والاجتماعية. سار النضال المسلح وبناء الدولة جنبا إلى جنب كل منهما يعضد الآخر، وتمتعت مجموعات الفدائيين الفلسطينيين داخل المعسكرات باستقلالية إدارية كبيرة وكانت لها إدارتها المالية وكانت تدير الخدمات الخاصة بها. اما خارج المعسكر، فقد كانت تتمتع حركة الفدائيين الفلسطينيين بحرية حركة وحقوق خاصة، فضلا عن ممارسة أفراد هذه المجموعات نفوذا متزايدا على جزء من السكان، وفي بداية عام 1970 أسست حركة المقاومة الفلسطينية، دولة داخل دولة في الاردن. حركة المقاومة لم تكن كيانا واحدا، وإنما مجموعات مختلفة ومنقسمة من منظمات حرب العصابات مجتمعة تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية. المنظمة نفسها لم تكن كيانا مستقلا تماما وإنما نموذجا مصغرا للسياسة العربية تمثل توجهات أيديولوجية مختلفة فضلا عن مصالح الدول التي كانت تدعم مختلف الفصائل الفلسطينية. كانت حركة «فتح» اكبر هذه المجموعات، وكان قائدها، ياسر عرفات، زعيما لمنظمة التحرير الفلسطينية. وفضلا عن كونها الأكبر حجما، كانت حركة «فتح» الأكثر اعتدالا وسط مجموعات المقاومة الفلسطينية. فقد كانت ايديولوجيتها الرئيسية تقوم على أساس عدم التدخل في شؤون الدول العربية. وبالتالي لم تكن قيادة حركة «فتح» راغبة في اتخاذ موقف ضد النظام الأردني. إلا ان التنظيمات الفلسطينية الأخرى، مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بقيادة جورج حبش، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، لم تراعيا مبدأ عدم التدخل، كما لم تراعيه تنظيمات أخرى ايضا مثل الجناح التابع لحزب البعث السوري والمجموعة التابعة لحزب البعث العراقي.

كانت هذه المجموعات تنظر إلى الملك حسين كـ«رجعي» و«تابع للامبريالية الغربية» و«أداة صهيونية». لذا فإن المواجهة معه لم تكن تعتبر فقط مرغوبة بل ضرورية ايديولوجيا. مع بداية عام 1970 نادى حبش وحواتمة (نايف حواتمة زعيم الجبهة الديمقراطية) علنا بإطاحة الحكم الملكي الأردني وإحلال نظام ثوري محله. كانا يريدان تحويل عمان إلى هانوي عربية، وإعلان ان الطريق إلى تل أبيب يمر عبرها. تزايد سلطة وهيبة حركات المقاومة الفلسطينية صاحبه نوع من الغرور والغطرسة والسلوك الأخرق. على سبيل المثال، كان الفدائيون على اختلاف تنظيماتهم يقودون بصورة مزعجة سيارات الجيب المحملة بالأسلحة في شوارع عمان وكأنهم جيش احتلال، كما كانوا يتجاهلون قواعد حركة المرور، ويحصلون على مساهمات مالية من الأفراد، وفي بعض الأحيان من الأجانب سواء كان في منازلهم أو في الأماكن العامة، فضلا عن انهم لم يسجلوا أو يرخصوا سياراتهم، وكانوا أيضا يرفضون التوقف عن نقاط التفتيش التابعة للجيش الأردني ويقللون من قيمته. ويمكن القول ان مجرد وجودهم في عمان بعيدا عن ميدان المعركة كان يبدو تحديا للنظام الأردني. مأزق الملك حسين لم يخفف منه الضغط من جانب الجيش لمواجهة التحدي الذي بات يشكله الفدائيون. وفي فبراير (شباط) 1970 توجه الملك حسين إلى القاهرة لمقابلة الرئيس جمال عبد الناصر والحصول على تأييده، أو موافقته على الأقل، في اتخاذ سياسة أكثر تشددا في التعامل مع الفدائيين. كان عبد الناصر على استعداد لاستخدام نفوذه لحمل الفدائيين لتخفيف ضغوطهم على النظام الأردني. وغداة عودة الملك حسين من القاهرة أصدرت الحكومة الأردنية لوائح جديدة تنص على عدد من الإجراءات من بينها حمل الفدائيين لبطاقات هوية وترخيص سياراتهم شأنهم شأن غيرهم. اللوائح الجديدة حظرت أيضا حمل السلاح في الأماكن العامة وعقد الاجتماعات وتسيير المظاهرات غير القانونية، وجاء رد فعل الفدائيين حادا وعنيفا واجبروا الملك حسين على التراجع و«تجميد» اللوائح الجديدة. قدم الملك حسين تنازلا آخر تحت ضغوط الفدائيين تمثل في عزل وزير الداخلية المتشدد اللواء محمد رسول الكيلاني.

بدأت الصحف الغربية تنشر في ذلك الوقت تقارير تفيد بأن الملك حسين ربما يتنازل عن العرش في وقت قريب لأنه بدأ يفقد السيطرة على مملكته، إلا ان تلك التقارير كانت قائمة على أساس شائعات وليس حقائق. لم يكن الملك حسين يفكر في التنحي عن العرش، بل كان يستعد للجولة المقبلة التي كان يعتبرها أمرا لا مفر منه. تنازلاته للفدائيين كانت خطوة تكتيكية الغرض منها كسب الوقت وليس الاعتراف بالهزيمة، ويضاف إلى ما سبق انه تمشيا مع سياسة الموازنات التي كان يتبعها، بدأ يسعى لتأييد خارجي لمساعدته في معركته ضد المعارضين الداخليين. وعلى وجه التحديد استعان الملك حسين بالولايات المتحدة وإسرائيل، إلا ان أنباء لجوئه إلى أميركا وإسرائيل لمساعدته ضد رفقائه العرب ستصب في مصلحة أعدائه وستمكنهم من إثبات تهَمِهم له بأنه «تابع للامبريالية الغربية» و«أداة صهيونية»، ولكن لم تكن لديه خيارات أخرى. وفي 17 فبراير وصل نائب رئيس البعثة الدبلوماسية الأميركية في إسرائيل، اوين زورهيلين، رسالة من الملك حسين إلى وزير الخارجية الإسرائيلي ابا ايبان طرح فيها ثلاثة اسئلة: 1. هل إسرائيل موافقة على تحاشي الاستفادة من فرصة خفض القوات الأردنية في مناطق الحدود للتعامل مع العناصر المخربة في الداخل؟ 2. هل يمكن ان توافق إسرائيل على تحاشي الرد على استفزازات الإرهابيين الذين سيحاولون شن هجمات خلال عمليات خفض حجم القوات الأردنية، بغرض جر إسرائيل إلى عمليات انتقامية؟ 3. هل يمكن ان يعتمد الملك حسين على القوات الإسرائيلية في مساعدته في حال اتجاه قوات دول عربية مجاورة إلى مساعدة الإرهابيين الفلسطينيين خلال محاولة الملك حسين إخراجهم من البلاد؟ لم يكن ايبان مندهشا إزاء اختيار الملك حسين إيصال هذه الأسئلة إلى اسرائيل عبر واشنطن، على الرغم من ان لديه وسيلة لطرح الأسئلة وتلقي إجابات عليها بصورة مباشرة. أدرك ابا ايبان أيضا ان الملك حسين لم يكن يسعى إلى الحصول على وعد من إسرائيل فحسب، وإنما أيضا إلى ضمانة أميركية. وفي مناقشة الحكومة حول الأردن كان لدى وزير الدفاع موشي دايان أكبر تحفظات تجاه مساعدة جارهم المحاصر. لم يكن دايان يريد المساعدة ولم يكن مقتنعا في نفس الوقت بأن الملك حسين قادر على حسم الوضع الذي يواجهه. إلا ان هناك غالبية في الحكومة الإسرائيلية كانت تقف إلى جانب اتخاذ خطوة ايجابية. تبعا لذلك، كانت الرسالة التي طُلب من الأميركيين توصيلها إلى الملك كما يلي: 1. لن تحاول إسرائيل استغلال عمليات خفض القوات الأردنية على الحدود بغرض مهاجمة الاردن. 2. في حال حدوث استفزازات من جانب الإرهابيين عبر حدود الأردن فإن إسرائيل سترد بقوة. 3. إسرائيل على استعداد لمناقشة مسألة مساعدة الأردن، إذا دعت الحاجة. حادثة فبراير (شباط) مهدت لتطورات ومسيرة أحداث الشهور السبعة حتى سبتمبر (أيلول) والحرب الأهلية. فقد تعرضت مدينة إربد الأردنية في 3 يونيو (حزيران) 1970 إلى هجوم بالطائرات والمدفعية الإسرائيلية ردا على هجوم شنه الفدائيون على بيت شين، وأسفر الهجوم الإسرائيلي على إربد عن مقتل سبعة مدنيين وجندي واحد وجرح 26 آخرين. وفي نفس اليوم قصف الجيش الأردني طبرية لأول مرة منذ عام 1948، وأدرك الملك حسين، الذي اصدر تعليمات القصف، ان ما يحدث عبارة عن دوامة جديدة من العنف يجب ان تتوقف. لذا فقد اتصل بالإسرائيليين عبر سفارة الولايات المتحدة في عمان بغرض طرح اقتراح فحواه ان إسرائيل إذا توقفت عن الضربات الانتقامية لفترة فإن ذلك سيمكن الاردن من اتخاذ إجراءات صارمة ضد الفدائيين. وجاء في الرسالة: «تفعل حكومة الأردن كل ما في وسعها لمنع الهجمات الصاروخية على إسرائيل. الملك حسين يشعر بأسف عميق للهجمات الصاروخية. الجيش الأردني تلقى تعليمات لإطلاق النار بغرض قتل أي فدائيين يحاولون إطلاق صواريخ، كما تم إبلاغ قادة الفدائيين مساء 3 يونيو (حزيران) أن كل من يخالف الأوامر سيتعرض لإطلاق الرصاص فورا».

اعتقد الأميركيون ان الأردن لا يرغب في زيادة التصعيد، لكنهم يريدون التأكد من طي هذه الصفحة. إربد كانت النقطة الرئيسية، وإذا تعرضت لأي قصف مرة أخرى، أو جددت إسرائيل هجماتها ضد المدنيين، فإن الأردنيين ربما يشعرون بأنه يتوجب عليهم الرد مجددا على الهجمات. بالنظر إلى هذه المؤشرات، حث الأميركيون الحكومة الإسرائيلية على إعطاء الأردن فرصة لالتقاط أنفاسه بغرض السماح بإجراء المزيد من المناقشات سعيا لوقف العنف المتصاعد ولإعلان وقف إطلاق النار مجددا.

قرر الإسرائيليون من جانبهم منح الملك حسين ما يريد. وكان الملك حسين قد عبر عن احتجاجه في السابق بشأن السيطرة على الفدائيين، بيد ان قوة لهجته هذه المرة أثارت اهتمام الجانب الإسرائيلي. يضاف إلى ما سبق ان إسرائيل لم تفرض أي قيد زمني على الهدنة. اما الجانب المهم في نظرهم هذه المرة، فقد تلخص في الانتظار لرؤية ما إذا كانت نواياه ستصبح فاعلة تجاه وقف هجمات الفدائيين. حاصرت الصعوبات الملك حسين من كل حدب وصوب، ففيما كان يعمل جاهدا لمنع الفدائيين من استفزاز وإثارة إسرائيل، كان يجب عليه أيضا لجم الجيش الأردني من تصفية أي حسابات معهم. عقب طرد قوات الدفاع الإسرائيلية الفدائيين من وادي الأردن، انتقلت قوات الفدائيين إلى المدن وفرضت ما يمكن تسميته بالإرهاب، ونهبت قواعد الجيش الأردني الموجودة خارج المدن، إلا ان عائلات كثير من الجنود كانت تقطن المدن. نفد صبر أفراد الجيش الأردني من جراء الممارسات المخالفة للقانون من جانب الفدائيين وبسبب إطلاق يدهم في بلد ليس بلدهم، فضلا عن سوء معاملتهم للمدنيين. وهنا بدأ قادة الجيش الأردني أخذ القانون في يدهم، وبدا واضحا ان الملك حسين إذا فشل في اتخاذ خطوة ضد الفدائيين فإن الجيش سيتمرد ضده لأنه لم يعد في مقدور قادته وأفراده تحمل المزيد من الإذلال من جانب الفدائيين. تحركت كتيبة دبابات من منطقة وادي الاردن من دون ان تتلقى تعليمات بذلك، وتطلب الأمر تدخل الملك حسين والشريف زيد بن شاكر، قائد الفرقة المدرعة الثالثة، لوقف هجوم كانت الكتيبة تعتزم شنه على الفدائيين. تحرك الملك حسين وشاكر لاعتراض الدبابات، ووقف شاكر في الطريق أمام رتل الدبابات واصدر تعليماته لقائد الكتيبة بالعودة إلى القاعدة، ولدى رفض القائد ذلك قال له شاكر انه باسم الملك يأمره بتنفيذ التعليمات. رفض القائد تنفيذ تعليمات العودة مرة أخرى، وهدد بدهس شاكر إذا لم يبتعد عن الطريق. ترجل الملك حسين من السيارة التي كان على متنها وكرر التعليمات للقائد بعودة القوة إلى قاعدتها، وهنا انصاع القائد للتعليمات على مضض. تلك الحوادث تثبت ان الجيش الأردني كان يرغب بشدة في مواجهة الفدائيين، ذلك ان القوات الأردنية لم تعد قادرة على تحمل الإذلال والاعتداءات التي انهالت على الجيش من جانب ضيوفهم الفلسطينيين. وفي مقابلة أجريت في وقت لاحق معه، قال الملك حسين عن تلك الأحداث: «وقعت آلاف الحوادث المخالفة للقانون من جراء مهاجمة السكان. كانت الأوضاع منفلتة في الدولة وواصلت محاولة تهدئة الأمور. توجهت إلى مصر، وناشدت العرب المساعدة بأي طريقة يستطيعون ـ خصوصا ان بعضهم كان يدعم بعض هذه الحركات بطريقة أو بأخرى ـ إلا ان تلك المساعي لم تحقق نجاحا كبيرا. وفي نهاية الأمر شعرت بأنني بدأت افقد السيطرة، كما ان الجيش بدأ يتمرد خلال الشهور الستة التي سبقت الأزمة. اضطررت لقضاء معظم وقتي في التردد على تلك الوحدات التي تركت مواقعها وكانت في طريقها إلى العاصمة أو إلى أجزاء أخرى من الاردن بغرض الحسم ضد من كانوا يهاجمون أسرهم أو يهاجمون الجنود الذين كانوا في عطلات. ظننت ان انقساما سيحدث في صوف الجيش، إلا ان ذلك لم يحدث والحمد الله».

اندلع قتال في 7 يونيو (حزيران) 1970 بين الجيش الأردني والفدائيين في مدينة الزرقا، وتعرض الملك حسين نفسه لمحاولتي اغتيال. ففي 9 يونيو أطلق بعض الفدائيين النار على المقر الرئيسي للاستخبارات في العاصمة عمان وأصر الملك حسين على التوجه إلى موقع مسرح الهجوم، وتعرضت قافلة الملك لإطلاق نار مكثف أسفر عن مقتل أحد حراسه. بعد ذلك تعرض مخيما «الوحدات» و«الحسينية»، وهما اكبر معسكرين للاجئين الفلسطينيين للقصف، واندلع قتال عنيف بين الجيش الأردني والفدائيين استمر ثلاثة أيام. توجه زيد الرفاعي إلى السفارة الأميركية وابلغهم بأن الملك حسين تعرض لمحاولة اغتيال لكنه نجا منها. وقال الرفاعي ان الوضع بات خطرا للغاية وان الملك حسين قد يضطر لسحب بعض قواته من مناطق الحدود. طلب الملك حسين من الأميركيين إبلاغ هذه المعلومات للجانب الإسرائيلي وحثهم على التحلي بأكبر قدر من ضبط النفس في حال وقوع هجمات على الحدود. رد الجانب الإسرائيلي قائلا ان الملك حسين إذا أراد ان يفعل ذلك فلا مانع لديهم. تابع الإسرائيليون تطورات الأحداث عن كثب على الجانب الآخر من الحدود، وأعطى الجنرال أهارون يعريف، مدير الاستخبارات العسكرية، قادة قوات الدفاع الإسرائيلية تقريرا كاملا عن القتال. تبعا لذلك أصدر الملك حسين تعليمات بجلب تعزيزات للمعركة في عمان، حيث يوجد عدد يتراوح بين 1500 و2000 من مقاتلي حركة «فتح» المزودين بصواريخ «كاتيوشا» و«هاون». وعلى الرغم من تفوق الجيش الأردني من جانب القوة البشرية والقوة النارية، فإن يعريف كان يرى ان الملك حسين تراجع، مثلما حدث في مرات سابقة، عن استخدام القوة المتاحة له بأنه لا يريد ان تحدث مذبحة على يده، لا سيما مذبحة تطال المدنيين. وتردد أيضا ان مستشاري الملك كانوا منقسمين في الرأي، فقد حثه بعضهم على المضي قدما وإنهاء المهمة، فيما حذره آخرون من ان إنجاز هذه المهمة سيؤدي إلى وقوع آلاف الضحايا وأن هذا أمر غير مقبول. تراجع الملك حسين وجاءت النتيجة غير حاسمة. فقد أسفر القتال عن وقوع 250 ـ 300 قتيل وحوالي 700 جريح، بعضهم من المدنيين. بعد ثلاثة أيام من القتال أعلن كل من الملك حسين وياسر عرفات شروط وقف إطلاق النار وحثا أتباعهما على العودة إلى حياتهم العادية. ومن السمات الرئيسية لوقف إطلاق النار اتفاق الجانبين على عودة كل طرف إلى قواعده والالتزام بإطلاق سراح السجناء. إلا ان الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين رفضت الانصياع لاتفاق وقف إطلاق النار واحتجزت 68 رهينة من الأجانب في فندقين في عمان وهددت بنسف المباني إذا لم تصدر قرارات عزل ضباط بارزين في الجيش الأردني، من ضمنهم الشريف زيد بن شاكر، والشريف ناصر بن جميل، وتسريح وحدة المظلات التابعة للقوات الخاصة الأردنية. الخوف من الخسارة في أوساط الرأي العام أمام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين دفعت ياسر عرفات إلى الوقوف إلى جانب مطالب الجبهة الشعبية، ورضخ الملك حسين للضغوط واصدر قرارا بعزل كل من الشريف زيد بن شاكر والشريف ناصر بن جميل. وبعد وقت قصير من عزلهما استقال الطلحوني وحكومته، وجرى تشكيل حكومة جديدة برئاسة عبد المنعم الرفاعي، وهو شخص مقبول لدى الجانبين، لكنه سياسي ضعيف. كما ان ستة من وزراء الحكومة الجديدة كانوا من العناصر القومية المؤيدة للفلسطينيين. اما على صعيد الجيش، فقد جرى تعيين منصور حديثة رئيسا لهيئة أركان الجيش، وهو ينتمي إلى جناح معتدل داخل الجيش الأردني أكثر ميلا للتسوية. وكانت تجمع بين الرئيس الجديد لهيئة الأركان وياسر عرفات علاقة جيدة. كما انه من المؤيدين لفتح جبهة ثانية في حرب الاستنزاف ضد إسرائيل والتعاون مع الفدائيين. وطبقا لتقارير الاستخبارات الإسرائيلية، كان منصور حديثة يتمتع بنفوذ كبير في صفوف الجيش الأردني، ذلك ان اثنين من كل ثلاثة من قادة الفرق في الجيش الأردني كانوا من أصدقائه المقربين. ليس ثمة شك في ان الملك حسين خرج من تلك الأزمة وقد ضعفت سلطته وقوته بصورة بالغة. فقد آثر التسوية والتعايش مع حركة المقاومة الفلسطينية، بيد ان ذلك تطلب إجراء تغييرات في سياسته وفي العاملين معه. كما ان التضحية باثنين من اقرب أقربائه، الشريف زيد بن شاكر والشريف ناصر بن جميل، كانت مؤلمة بالنسبة له، فكلاهما يعتبر من أعمدة المؤسسة الحاكمة ومن رموز الحكم الهاشمي في الاردن.

وكان هنري كيسنجر، مستشار شؤون الأمن القومي للرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون، قد شجع الملك حسين على شن حملة مشددة على الفدائيين. وحول هذا السياق، كتب كيسينجر في مذكراته: «بنهاية صيف عام 1970 كان الملك الشاب والمقتدر والشجاع في ورطة بالغة. فمنظمات حرب العصابات، التي كانت تشعر بالاستياء إزاء مساعيه للتوصل إلى تسوية سياسية مع إسرائيل، شكلت تحديا لجيشه». وأطرى كيسنجر في مذكراته بالملك حسين، إذ كتب: «ظل الملك حسين مؤيدا باستمرار لنهج الاعتدال وقاوم المد المتطرف وتجنب الشعارات الرائجة المناوئة للغرب. الصعوبات التي واجهت الملك حسين كانت نابعة من إحجامه عن إطلاق يد مجموعات حرب العصابات. سقوطه سيؤدي إلى انتشار التطرف في منطقة الشرق الأوسط بكاملها. إسرائيل لن تذعن لتأسيس قواعد لمجموعات حرب العصابات على طول حدودها مع الأردن، واندلاع حرب أخرى في منطقة الشرق الأوسط أمر وارد الحدوث. لذا، فإن الاردن في وجهة نظري يمثل اختبارا لمقدرتها على السيطرة على الأحداث في المنطقة، والرئيس نيكسون يتفق وهذا الرأي».

شهر يونيو 1970 كان من أسوأ الفترات التي واجهت الحكم الهاشمي في الاردن. فغالبية المراقبين الأجانب، بمن في ذلك دبلوماسيون أميركيون في عمان، أعربوا عن اعتقادهم في أن سير الأحداث جاء في مصلحة منظمات حرب العصابات الفلسطينية، وأن إزالة الحكم الهاشمي باتت مسألة وقت فقط. حتى بعض أعضاء الأسرة المالكة بدأوا يتساءلون عن مدى الفترة الزمنية التي يستطيعون خلالها الصمود أمام هذا المد المتزايد. من ضمن هؤلاء الشريف ناصر، الذي توصل إلى خلاصة فحواها انه لم يعد هناك مستقبل للأسرة الهاشمية في الاردن. لذا توجه إلى ابن عمه الملك حسين وأبلغه بأنه بات عليهم التفكير في المغادرة. إلا ان الذين يعرفون الشريف ناصر لا يصدقون انه يمكن ان ينصح بالمغادرة هكذا بكل سهولة. ففي الجيش عرفت عنه الشجاعة وليس التخوف.

رفض الملك حسين نصيحة الشريف ناصر بن جميل، مثلما رفض نصيحة مماثلة إبان أزمة ابريل (نيسان) 1957. التنازل والمنفى كانا في ما يبدو سيان بالنسبة للشريف ناصر، إلا أن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة للمك حسين. فالشريف ناصر ينتمي إلى فرع الأسرة الهاشمية، الذي طرد من بغداد عام 1958، والعيش في المنفى بالنسبة لهم كان وضعا مألوفا. اما بالنسبة للملك حسين، فقد ولد ونشأ في الاردن ولم يعان من الشعور بأنه غريب. كما ان إحساسه بالانتماء للأردن وشعبه عزز لديه الشعور القوي بأن واجبه، كهاشمي، ان يحكم ويقود البلاد. وكان مصمما تماما على التمسك بموقفه والمضي قدما والدفاع عن حكمه. ويمكن القول ان التنازل بدا بالنسبة له خيارا سهلا معادلا للجبن والخيانة.

اجتاز الملك حسين في نظر الأمير زيد بن الحسين اختبار الملك الهاشمي بنجاح تام. زيد هو الابن الأصغر للحسين شريف مكة، والوحيد الذي لم يصبح ملكا عقب التمرد العربي ضد الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى. زار الأمير زيد بن الحسين الاردن مطلع يونيو (حزيران) 1970، وكان في ذلك الوقت مقيما في بغداد، واستقبل الملك حسين الأمير زيد، الذي كان في ذلك الوقت في الثانية والسبعين من عمره، في المطار واصطحبه إلى قصر الندوة. اندلع القتال بين الجيش الأردني والفدائيين (المنظمات الفلسطينية) في اليوم التالي لوصول الضيف الملكي، وتعيّن عليه البقاء داخل القصر لفترة عشرة أيام، توفرت له الفرصة خلالها في الوقوف عن كثب على كيفية تعامل الملك حسين مع الجيش والحكومة وترتيبات وقف إطلاق النار مع منظمة التحرير الفلسطينية. تركت تلك التجربة انطباعا ايجابيا لدى الأمير زيد عن الملك الشاب، وهو يحاول معالجة الأوضاع في خضم المشاكل والضغوط والتحديات التي كانت تواجه البلاد خلال تلك الفترة. وابلغ الأمير زيد قبل مغادرته الاردن ابنه رعد بأنه يعتبر الملك حسين العضو الأكثر أصالة واقتدارا وشجاعة في الأسرة الهاشمية وأعظم زعيم وسط ملوك الأسرة الهاشمية. لم يكن أي من الملك حسين أو ياسر عرفات يرغب في خوض معركة شرسة بغرض تسوية مسألة من كان يسيطر على الاردن. فكلاهما كان معتدلا يسعى إلى تثبيت أسس للتعايش، إلا ان كلاهما لم يكن يملك زمام السيطرة على بيته الداخلي. كلاهما عمل جاهدا على تفادي الاستقطاب، إلا ان المتطرفين في الجانب الفلسطيني شجعوا المتطرفين في الجانب الأردني ونسفوا بذلك أي موقف وسط في خضم تلك الأوضاع. وفي 10 يوليو (تموز) 1970 وقّع كل من الملك حسين وياسر عرفات اتفاقا لوقف إطلاق النار اعترف باللجنة المركزية للمقاومة الفلسطينية، وأضفى شرعية على وجود الفدائيين في الاردن. وتعهدت الحكومة الأردنية من جانبها بإلغاء إجراءات الطوارئ التي تبنتها خلال الأزمة، فيما التزم الفدائيون من جانبهم بالسيطرة على أعضاء المنظمات الفلسطينية، وجرى تشكيل لجنة مشتركة لتطبيق الاتفاق. إلا ان النزاع بين الجانبين برز مجددا اثر الإعلان عن مبادرة دبلوماسية أميركية جديدة للتوصل إلى سلام بين الدول العربية وإسرائيل، إذ اعلنت «خطة روجرز» الثانية التي نادت بوقف لإطلاق النار وتهدئة الأوضاع على طول قناة السويس وتفعيل مساعي غونار جارينغ مجددا لحمل طرفي النزاع على التوصل إلى اتفاق سلام على أساس قرار مجلس الأمن رقم 242. كان الملك حسين مؤيدا لخطة روجرز الثانية، لكنه كان في حاجة إلى توفيق خطواته مع عبد الناصر (الرئيس المصري)، الذي كان تأييده أمرا ضروريا في النزاع الذي كان يعتمل داخل الاردن مع الفدائيين. وفي 24 يوليو (تموز) قبلت الحكومة المصرية المبادرة الأميركية الجديدة وأعلن الاردن بعد يومين من ذلك التاريخ قبوله له، وكتب الملك حسين برقية إلى عبد الناصر جاء فيها: «ما تقبلونه نقبله، وما ترفضونه نرفضه». إلا ان عرفات من جانبه رفض المقترحات الأميركية، لكنه تحاشى شن هجوم شخصي على عبد الناصر أو الملك حسين. اما اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية، فقد أدانت المقترحات ووصفتها بأنها مخطط يهدف إلى تصفية المقاومة الفلسطينية. هاجمت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عبد الناصر والملك حسين بصورة مباشرة وبلهجة قوية ونظمتا مظاهرات سلمية ضد الخطة. قبلت الحكومة الإسرائيلية خطة روجرز الثانية، ولكن بعد ان انسحب مناحيم بيغن ورفاقه في حزب جاحل اليميني احتجاجا على ما اعتبروه مخططا لإخراج إسرائيل من الضفة الغربية. شعر الفدائيون بالخيانة من جانب عبد الناصر، ولكن لم يكن في يدهم ما يفعلونه تجاه ذلك، لذا صب الفدائيون جام غضبهم على صديقه في الاردن. وقال عرفات في 15 أغسطس (آب) قررنا ان نجعل من الاردن مقبرة لكل المتآمرين، وستكون عمان هانوي الثورة». شأن كل الحروب الأهلية، لم تكن الحرب الأهلية في الاردن استثناء في التعقيد والتشابك وتداخل الأمور مع بعضها بعضا. كان للجيش الأردني تفوق واضح في العدد والعتاد مقارنة بالفدائيين. فقد كان يتشكل من قوات جيدة التدريب والتجهيز قوامها 56000 جندي وضابط في مواجهة 15000 من أفراد ميليشيات فلسطينية مزودين بأسلحة خفيفة وتم تدريبهم على عجل، إلا ان وجود آلاف الفلسطينيين في صفوف الجيش الأردني كان مصدر خطر لحدوث انقسام في أوساط الجيش واحتمال ترك بعض القادة الفلسطينيين صفوف الجيش الأردني إذا تلقوا تعليمات بإطلاق النار على الفدائيين الفلسطينيين. وعلى الجانب الآخر، هناك عدد من مجموعات حرب العصابات المنفصلة والمنقسمة، التي تدعمها دول عربية منافسة، وبصورة عامة لم تكن المسألة مواجهة مباشرة بين الجيش الأردني والفدائيين، بقدر ما كانت حربا أهلية عربية داخلية يتلقى الفدائيون الدعم فيها من كل من سورية والعراق والجزائر وليبيا ضد الحكم الملكي الأردني، وتقف فيها مصر موقفا وسطا غير مؤكد. كان يدرك الملك حسين ان تحت تصرفه قوة عسكرية تمكنه من سحق الفدائيين، إلا انه كان من الصعب التكهن بالنتيجة النهائية لمواجهة يتلقى فيها الفدائيون دعما خارجيا. وبما ان الكثير من الاحتمالات لم تكن في صالحه، فقد كان احتمالا واردا ان ينتهي إلى الخسارة في نهاية الأمر إذا لم يتلق هو أيضا دعما خارجيا. وفي ظل تلك الأوضاع كان مصدر الدعم الوحيد أمامه الولايات المتحدة وإسرائيل. استهل الفدائيون المواجهة في 1 سبتمبر (أيلول) 1970 عندما تعرض موكب للملك حسين في طريقه إلى المطار لإطلاق نار مكثف، وكانت تلك هي المرة الثانية التي يتعرض فيها العاهل الأردني للاغتيال خلال فترة ثلاثة أشهر. وأشعلت تلك الحادثة القتال بين القوات الموالية للملك حسين والفدائيين في عدة مناطق في العاصمة عمان. أرسلت الحكومة العراقية إشارة إلى الاردن أوضحت فيها ان القصف الأردني إذا لم يتوقف فإنها «لن تتمكن من وقف أفراد القوات العراقية من التدخل لصالح الفدائيين. وكانت القوات العراقية المؤلفة من 17000 جندي وضابط مرابطة في الأردن منذ حرب يونيو (حزيران) 1967. وفي وقت لاحق من نفس اليوم توجه زيد الرفاعي، الذي كان وقتها رئيسا للديوان الملكي، إلى السفارة الأميركية في عمان، وأبلغ مسؤوليها بالتحذير العراقي وأعرب عن أمله في تلقي الاردن دعما أميركيا. طلب الرفاعي أيضا معرفة ما إذا كان لدى السفارة الأميركية أي فكرة حول رد إسرائيل المحتمل في حال تحرك العراق. جدير بالذكر ان الرفاعي كان طالبا لهنري كيسينغر في جامعة هارفارد، وكان من مؤيدي وجهة نظر لكيسينغر تتلخص في أن العلاقات الدولية أمر يتصل بالقوة ومصالح الدول أكثر منها بالمشاعر والأخلاقيات. إلا ان الجانب الأميركي واجه صعوبة في الإجابة على تساؤلات الرفاعي بسبب خلاف جدي في الرأي بين وزارة الخارجية الأميركية من جهة ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية والبيت الأبيض من الجهة الأخرى. فوجهة نظر وزارة الخارجية الأميركية كانت تتلخص في أن النظام الملكي الأردني لن يصمد وأن الفدائيين سيفرضون سيطرتهم، وبالتالي فإن أفضل سياسة هي عدم المراهنة عليه بصورة كاملة وانه من الأفضل فتح خطوط اتصال بالمعارضة. كانت تلك في واقع الأمر وجهة نظر السفير هاري سيمز، الذي كان متعاطفا مع الفلسطينيين. وبتنصت أجهزة الأمن على هاتفه تبيّن انه كان على اتصال ببعض قادة الفدائيين، واعتبرته السلطات الأردنية شخصا غير مرغوب فيه وجرى استدعاؤه للولايات المتحدة. افترض كيسينغر ان إسرائيل لن تقف متفرجة في حال تحرك القوات العراقية المرابطة في الاردن باتجاه حدودها في حال احتلال الفدائيين منطقة وادي الأردن، كما انه أدرك ان انضمام قوات إسرائيلية إلى جانب الملك حسين في هذا النزاع ليس بالأمر العادي، وكتب في هذا السياق: «في إطار دفاعه عن استقلاله السياسي، ليس للملك حسين دافع في نسف موقفه الأخلاقي في العالم العربي». كما جاء رد القائم بالأعمال الأميركي في سفارة الولايات المتحدة في عمان على استفسارات الاردن المتكررة حول النوايا الإسرائيلية بأنه لا يستطيع ان يتخيل قبول الاردن مساعدة من عدوتها إسرائيل ضد دولة عربية.

خلال انتظار الاردن استجابة من حلفائه تعرضت سلطة الملك حسين لتحد خطير، عندما اختطفت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أربع طائرات غربية تقل عدة مئات من الركاب، وأجبرتها على الهبوط في «دوسونز فيلد»، وهو مهبط مهجور بالقرب من مدينة الزرقاء. عرض الخاطفون إطلاق سراح الرهائن باستثناء من يحملون جنسيات إسرائيلية أو إسرائيلية ـ أميركية مزدوجة مقابل إطلاق معتقلين فلسطينيين في سجون سويسرية وألمانية وبريطانية. وفي 14 سبتمبر (أيلول) ناشدت صحيفة كانت تصدرها حركة فتح بالدخول في إضراب عام في الأردن وإقامة سلطة وطنية في البلاد تعزل «العناصر الحاقدة والعملاء من الدولة والجيش وأجهزة الأمن». وفي اليوم التالي استولى الفدائيون على مدينة اربد وأعلنوها منطقة محررة تحت حكومة شعبية. بدأ المجتمع الدولي يشك في مقدرة الملك حسين على حكم مملكته. كما بدأت تشك أيضا في اعداد متزايدة من قوات البدو الموالية له. اختطاف الطائرات كان بالنسبة للملك حسين بمثابة القشة الأخيرة. فمنذ بداية أزمة الاختطاف ظل يخضع لضغوط متواصلة من جانب الجيش ومستشاريه المقربين ومن اخويه محمد وحسن كي يتخذ خطوات لتعزيز سلطته. الجيش كان على حافة التمرد، وسيطر المتشددون في أوساطه على الأمور ولم يعد ممكنا حملهم على المزيد من ضبط النفس. وفي قمة تلك الأزمة استقال رئيس هيئة أركان الجيش الأردني، منصور حديثة، وهو معروف بتأييده للفلسطينيين، ليحل محله المشير حابس المجالي، الذي استدعي من التقاعد. بعض المراقبين كان يعتقد بان الملك حسين فقد أعصابه خلال الأزمة، إلا ان التفسير الأرجح هو انه آثر عدم اتخاذ أي خطوة عنيفة وقاسية لأنه لم يكن يرغب في التأثير سلبا على موقفه كملك لجميع الأردنيين. فهو صبور بطبعه ويدرك جيدا أهمية التوقيت. ويمكن بصورة عامة تحديد ثلاث مراحل في سياسة الملك حسين في تعامله مع منظمة التحرير الفلسطينية عام 1970: التصالح ثم الاحتواء ثم المواجهة. كان يريد العاهل الأردني ان يدرك شعبه جيدا انه فعل كل ما لديه لتجنب نزيف الدم. وكانت عمليات خطف الطائرات في ذلك الوقت قد أحدثت تحولا في اتجاهات الرأي العام، في نهاية المطاف لم يكن في صالح الفدائيين داخل الأردن وخارجه. استدعي الملك حسين أقرب مستشاريه إلى اجتماع طارئ، وكان من بين المدعوين وصفي التل وزيد الرفاعي والشريف زيد بن شاكر وحابس المجالي، وجميع هؤلاء من الذين ظلوا يحثون الملك حسين على مدى فترة على شن حملة مشددة على الفدائيين. وقال العسكريون في ذلك الاجتماع ان عملية إخراج الفدائيين من المدن الرئيسية ربما تستغرق يومين أو ثلاثة. قبل اصدار تعليمات للجيش بالتحرك اتخذ الملك حسين قرارا بعزل الحكومة المدنية وتعيين حكومة عسكرية برئاسة اللواء محمد داؤود، وهو اصلا فلسطيني، لكنه من الموالين للملك حسين ومن المؤيدين لاتخاذ خطوة صارمة دفاعا عن النظام. وكان الملك حسين يفضل النظر إلى المواجهة المحتملة ليس على اعتبار كونها حربا بين الأردنيين والفلسطينيين، وإنما صراع بين قوى القانون والنظام وقوى الفوضى. بدأت الحرب الأهلية في ساعة مبكرة من صباح يوم 17 سبتمبر (أيلول). دخل اللواء 60 المدرع العاصمة عمان من اتجاهات مختلفة وبدأ في قصف معسكري الوحدات والحسيني للاجئين الفلسطينيين، حيث المقر الرئيسي للفدائيين الفلسطينيين، وكان الفدائيون على استعداد جيد وابدوا مقاومة ضارية. لم تقتصر عمليات القصف المتواصل بالدبابات والمدفعية والهاون على معاقل الفدائيين فحسب، بل اشتملت على مراكز يقطنها مدنيون فلسطينيون داخل وخارج العاصمة عمان. تواصل القتال المكثف من دون توقف على مدى الأيام العشرة التالية، وظل الجيش الأردني في نفس الوقت يحاصر ويقصف مدنا أخرى يسيطر عليها الفدائيون، مثل اربد وجرش والسلط والزرقاء، لكنه لم يحاول دخولها. لم يكن هناك قتال من منزل إلى منزل ومن شارع إلى آخر، مثلما هو الحال في العاصمة عمان، وإنما سويت الكثير من أبنية الشقق السكنية بالأرض، وأسفر الدمار عن وقوع عدد كبير من الضحايا، وكان عدد القتلى، طبقا لإحصائيات منظمة التحرير الفلسطينية 3400 خلال الأيام العشرة الأولى من القتال. ويلاحظ عدم دقة تقديرات العسكريين الأردنيين المبكرة التي قالوا فيها ان عملية إخراج الفدائيين من المدن الأردنية تحتاج إلى يومين أو ثلاثة أيام. ومع استمرار القتال زادت ضغوط القادة العرب على الملك حسين لحمله على التوصل إلى تسوية مع الفدائيين. التدخل الخارجي الذي كانت تتخوف منه الاردن أصبح واقعا عندما عبرت قوة سورية مدرعة صغيرة الحدود الأردنية بالقرب من الرمثاء باتجاه مدينة اربد، التي كانت تحت سيطرة الفدائيين، تبعه توغل آخر أكبر حجما في وقت لاحق من نفس اليوم. لم تتضح دوافع التوغل السوري ولم يصدر بيان بشأنه، إلا ان كل المؤشرات كانت تدل على ان القيادة السورية كانت تهدف إلى مساعدة الفدائيين في إطاحة الملك حسين. ولكن حتى إذا كان ذلك هو هدف القيادة السورية، لم يتضح أيضا السبب وراء حذر التدخل السوري وحصره ضمن دائرة محددة. إلا ان التفسير الأرجح هو ان القادة السوريين كانوا يريدون حماية الفلسطينيين من حدوث مذبحة، وذلك من خلال تأمين ملاذ لهم شمال الأردن يمكنهم منه التفاوض مع الملك حسين. دعا الملك حسين إلى اجتماع طارئ مساء ذلك اليوم كان الغرض منه الحصول على موافقة الحكومة الأردنية الجديدة، التي لم يتعد عمرها ثلاثة أيام، على طلب مساعدة خارجية إذا دعت الضرورة. غالبية وزراء تلك الحكومة كانوا من العسكريين، وكان الملك حسين قائدهم العام، لذا كان الاكثر اثارة للدهشة ان الملك اختار ان يستشيرهم بدلا من ان يصدر أوامر. تركز حديث الملك حسين إلى حكومته في ذلك الاجتماع الطارئ في ان قوات سورية دخلت الاردن وتتقدم باتجاه اربد، على الرغم من تصدي القوات الأردنية لها، وانه كخطوة احترازية ربما تحتاج البلاد إلى طلب مساعدة من أصدقاء، وانه يريد منهم منحه تفويضا لطلب هذا المساعدة إذا دعا الأمر. لاحظ الملك حسين نوعا من عدم الشعور بالارتياح على وجوه وزرائه وقال لهم انه أراد فقط طرح الفكرة عليهم على ان يناقشوها ويبلغوه برأيهم عندما يتوصلون إلى قرار بشأنها، وغادر غرفة الاجتماعات. برزت مواقف متباينة إزاء مقترح الملك حسين. ففريق من الوزراء كان يرى ان القضية مسألة عربية داخلية، وعارضوا بشدة طلب مساعدة خارجية، فيما كان يرى فريق ثان ان الأردن يخوض صراعا من أجل البقاء ورأوا تبعا لذلك ان لا غضاضة في طلب مساعدة من دولة صديقة، على ان تكون الولايات المتحدة أو بريطانيا وليست إسرائيل. لم يساور أي من أفراد الفريقين شك في ان (الدولة الصديقة) المذكورة من المحتمل ان تكون إسرائيل. وفي نهاية النقاش غلب رأي الفريق الثاني ومنح الملك حسين التفويض الذي طلبه. تقدم الملك حسين بأول طلب للمساعدة إلى السفارة البريطانية، بسبب تعذر الاتصال بالسفارة الأميركية، وطلب على وجه التحديد «تدخلا جويا من إسرائيل أو غيرها» ضد القوات السورية، وطلب من الحكومة البريطانية النظر في هذا الطلب وتوصيله إلى إسرائيل. قوبل الطلب بمعارضة بالإجماع من جانب بريطانيا، ذلك ان خبراء الخارجية البريطانية كانوا يعتقدون ان الفلسطينيين سيكسبون الصراع في نهاية المطاف، وأن أي تدخل من جانب بريطانيا لإنقاذ عرش الملك حسين سيلحق ضررا بمصالحها في العالم العربي، وسيقابل باستياء واسع من جانب الدول العربية، فضلا عن وجهة نظر طرحت بصورة واضحة ومباشرة، تلخصت في ان «الاردن دولة غير قابلة للبقاء والاستمرار». رفضت الحكومة البريطانية فكرة التدخل العسكري في الاردن واكتفت بإبلاغ الرسالة إلى الجانب الأميركي، وتركت أمر إبلاغ الرسالة إلى إسرائيل لتقدير الجانب الأميركي. عقب الاتصال بالسفير البريطاني أجرى الملك حسين مباشرة اتصالا بالسفير الأميركي، دين براون، الذي كان قد وصل إلى الاردن إبان أزمة الرهائن ووصل إلى القصر الملكي على متن مركبة مصفحة لتقديم أوراق اعتماده. وتقدم الملك حسين للسفير الأميركي بطلب لتنفيذ ضربات جوية وغطاء جوي «من أي طرف»، لكنه لم يذكر اسم إسرائيل على وجه التحديد، غير ان مضمون طلبه أرسل إلى ممثل إسرائيل في واشنطن. نيكسون وكيسينغر كانا ينظران إلى دخول القوات السورية الاردن كونه تحديا سوفياتيا وان السوفيات يدفعون السوريين، والسوريون بدورهم يدفعون الفلسطينيين. كان نيكسون يعتقد أيضا ان الكرملين هو الذي دبر الأزمة الأردنية بغرض تشكيل تحد أمام مصداقية الولايات المتحدة في العالم الثالث. مضى نيكسون وكيسينغر قدما في الاستجابة بقوة لطلب الملك حسين المساعدة، وصادق نيسكون على كل توصيات كيسينغر بشأن إعادة نشر قوات أميركية، وصدرت بالفعل التعليمات بوضع الفرقة 82 الأميركية المحمولة جوا على اهبة الاستعداد، كما صدرت تعليمات أيضا بتوجه الأسطول السادس باتجاه منطقة النزاع شرق المتوسط. وكان كيسينغر يفضل تدخلا عسكريا إسرائيليا ضد القوات السورية مع تأهب الولايات المتحدة لمنع أي تدخل سوفياتي ضد العمليات الإسرائيلية، إلا ان نيكسون لم يكن ميالا إلى الاعتماد على القوات الإسرائيلية وكان يريد ان تستخدم القوات الأميركية فقط إذا باتت المواجهة خيارا لا بد منه. في مساء نفس اليوم تلقى نيكسون رسالة عاجلة من الملك حسين عكست قلقا بالغا من جانب الملك حسين وحملت نيكسون على العدول عن رأيه فيما يتعلق بتدخل القوات الإسرائيلية. فقد ابلغ الملك حسين نيكسون في تلك الرسالة بأن القوات السورية احتلت مدينة اربد وان قلقا وانزعاجا قد بدأ وسط القوات الأردنية في العاصمة عمان. جاء في الرسالة أيضا ان توجيه ضربات جوية للقوات الغازية السورية بات أمرا لا بد منه بهدف إنقاذ البلاد وانه ربما يطلب عاجلا قوات أرضية أيضا. كما طلب أيضا من الأميركيين إبلاغ بريطانيا بمحنته. وفي مساء 21 سبتمبر (أيلول) 1970 تلقى الملك حسين رسالة من آلون، الذي كان في ذلك الوقت رئيس وزراء مكلفا، سعى من خلالها إلى طمأنة جاره إلى ان إسرائيل لن تستغل الصعوبات التي يعاني منها على الصعيد الداخلي، وان إسرائيل على استعداد لمساعدته ضد اي واحد من أعدائه العرب. وبعد حوالي ساعة تقريبا رد الملك حسين على آلون شاكرا له اهتمامه، ومؤكدا له ان الوضع لا يزال خطرا للغاية في الشمال وان حدوث تطورات أمر وارد، كما أبلغه أيضا ان ذلك سيتطلب خطوة فورية. أبلغ الملك حسين آلون في نفس الرسالة انه كان يود ان يكون اللقاء شخصيا إلا ان ذلك غير ممكن في تلك الظروف، لكنه أعرب عن أمله في ترتيب لقاء قريب. ويمكن القول ان رد الملك حسين لآلون عكس ارتياحه لعودة الاتصال المباشر «عبر النهر» ورغبته في الإبقاء على كل الاحتمالات مفتوحة. جزء من المشكلة كان يكمن في ان الملك حسين ظل يعدل عن رأيه باستمرار خلال ذلك اليوم بشأن المساعدة التي كان يحتاجها الجيش الأردني. ففي الصباح طلب تنفيذ ضربات جوية عاجلة لوقف تقدم المدرعات السورية، وفي رسالة ثانية بدا منزعجا وقلقا وأشار إلى انه ربما يطلب مساعدة في شكل قوات أرضية أيضا. شهد يوم 22 سبتمبر (أيلول) تحولا كاملا في الوضع. فقد اصدر الملك حسين تعليمات لقواته الجوية بشن غارات على مواقع القوات السورية شمال الاردن. وبفعل الهجوم الجوي والبري تكبدت القوات السورية خسائر كبيرة، ودلت مؤشرات مبكرة على ان القوات السورية بدأت تستعد للانسحاب من اربد والمنطقة المحيطة بها وبدأت تنسحب بالفعل عبر الحدود بعد ان خسرت 120 دبابة وحوالي 600 قتيل. كما ان الانسحاب السوري مكّن الجيش الأردني من شن هجوم شامل على الفدائيين وإخراجهم من المدن ومن معاقلهم الرئيسية. وقعت خسائر كبيرة في صفوف الفلسطينيين والقي القبض على بعض قادتهم، إلا ان 300 جندي وضابط انشقوا عن الجيش الأردني من بينهم قائد لواء للمشاة. النجاح الذي حققه الجيش الأردني في ميدان المعركة جعل الملك حسين مترددا مرة أخرى تجاه طلبه مساندة إسرائيلية ضد سورية. الإسرائيليون كانوا على استعداد لتنفيذ عمليات أرضية ولكن داخل حدود الاردن فقط، وليس داخل الأراضي السورية، إلا ان المساعدة الإسرائيلية لم تعد مطلوبة. وصل الملك حسين إلى القاهرة في 26 سبتمبر للمشاركة في القمة العربية وسط استقبال عدائي من رؤساء وقادة الدول العربية ولقاء بارد مع عرفات، إلا أنهما وقّعا اتفاقا في اليوم الثاني بحضور عبد الناصر الذي لعب دور الوسيط، ونص اتفاق القاهرة على وقف فوري لإطلاق النار في كل أنحاء الاردن وسحب الجيش الأردني وقوات المقاومة الفلسطينية من كل المدن في مساء نفس اليوم، وإطلاق سراح كل المعتقلين وتشكيل لجنة عربية لمراقبة تنفيذ الاتفاق الذي جرى التوصل إليه. أزمة سبتمبر 1970 بالنسبة للملك حسين ترتبت عليها عواقب وأفرزت دروسا أيضا. فمن ناحية، سلطت الأزمة الضوء على عزلة الأردن في العالم العربي واعتماده على الدعم الغربي والإسرائيلي. الدول العربية المنتجة للنفط قطعت دعمها للأردن عقب قمع الفدائيين، ولكن من الناحية الأخرى، أثارت شجاعة وحسم الملك حسين في الدفاع عن حكمه في مواجهة التحدي الفلسطيني ـ السوري إعجاب القوى الغربية وإسرائيل.