الحرير في سورية : تاريخه، تقنياته، وضعه الحالي وميزاته الاجتماعية

تميزت سورية منذ القديم بصناعة النسيج، وازدهرت فيها بشكل خاص صناعة الحرير في إحدى فترات هذا القرن. وصناعة النسيج بشكل عام والحرير بشكل خاص هي صناعة يدوية ميزت شعب هذه البلاد على مدى قرون من الزمن. فعندما نذكر كلمة (بروكار) أو (دامسكو) مثلاً، يتبادر إلى الأذهان مباشرة اسم دمشق وسورية أي أن هذه الصناعات اليدوية الدقيقة أصبحت جزءاً مميزاً لتراث هذه البلاد.

و صناعة البروكار والدامسكو، وهما نوعان من الأقمشة أساسها الحرير الطبيعي المنتشر في كل أنحاء العالم إلا أنهما يميزان سورية ودمشق بالذات التي اشتهرت بهذه الصناعة. لذلك نجدهما واردين في الموسوعات العامة كنوعين من القماش يميزان بلادي. فشهرتهما إذاً على المستوى الإقليمي والعالمي معروفة مما دعا ملكة بريطانيا الحالية إليزابيت الثانية إلى اتخاذ البروكار السوري المصنوع في دمشق بالذات لثوب زفافها في العام 1947.

مقدمة

الحرير الطبيعي

يعتبر الحرير الطبيعي الناتج من دودة القز أفضل الألياف الطبيعية الحيوانية وأغلاها ثمناً وأحسنها استعمالاً. وهي خيوط تفرزها دودة القز من فمها، وعرضها حوالي 30 ميكرون، ونحتاج إلى 3500 أو 4500 م منها ليصبح وزنها غراماً واحداً.

تربى دودة القز في سورية وأنطاكية الآن في موسمين :

الطريقة التقليدية في حلّ الحرير

بادئ ذي بدء، يتم تجفيف الشرانق أو ما يسمى بعملية الخنق وذلك لقتل الدودة داخل الشرنقة.

تعرّض الشرانق إلى بخار ماء يغلي لعدة ساعات تتراوح بين 5 إلى 10 ساعات.

توضع الشرانق في حوض كبير يحوي ماء مغلياً، ويقوم الرجل الذي يحل هذه الشرانق بضربها بواسطة عصا طويلة. وعندها تبدأ أطراف الخيوط بالظهور، فيقربها من فرضة فتصبح خيطاً واحداً يمر إلى بكرة وهذه متصلة بدورها بدولاب خشبي يعمل على تدويره صبي صغير أو فتاة أو سيدة.

تؤخذ أطراف الخيوط بالعصا من 45 إلى 60 شرنقة، ويستطيع عامل الحل أن يعرف عدد الشرانق بإحساس اليد وليس بعدّها.

يبلغ طول الشلة 20 كم من أول طرف الخيط إلى آخره.

اشتهرت العاصمة السورية دمشق بأنواع معينة ومتميزة من الأقمشة المصنوعة من الحرير؛ أهمها البروكار - الدامسكو - الصايا - الأغباني وغيرها ...

البروكار :

في العصر الحديث، كان السيد أنطون مزنر (وهو ملك البروكار كما يسميه التجار وصناع النول في دمشق) هو أول من بدأ بترويج صناعة البروكار في دمشق. وقد علّم السيد مزنر أكراد دمشق الذين اشتهروا بالحياكة على الأنوال اليدوية، وكان حيهم في دمشق مليئاً بهذه الأنوال، حياكة البروكار على الأنوال اليدوية وجعلهم يعملون في مصنعه. ثم في العام 1910، أدخل السيد أنطون مزنر الأنوال الآلية إلى دمشق وكان أول من أدخلها مرفقة بآلة الجاكار التي حلّت في النول الآلي محل المداويس في النول اليدوي لحياكة النقش والرسوم.

مراحل تصنيع خيط الحرير
يأخذ التاجر أو الصانع شلل الحرير الخام ويبعث بها إلى :

1- الفتال يقوم بكرّ الشلل خيوطاً على بكرات خشبية، ثم تؤخذ هذه البكرات للزوي، وهي عملية تجمع الخيوط من بكرتين أو أكثر على بكرة واحدة. أي أن الخيط بعد عملية الزوي يصبح مثنى أو ثلاثياً أو رباعياً....ألخ.

ثم تبرم هذه الخيوط المزوية على آلة البرم أو الفتل، حيث تفتل هذه الخيوط الثنائية أو الثلاثية على بعضها البعض لتصبح على هيئة خيط واحد مبروم وقوي مما يمتن خيط الحرير. تبرم عادة خيوط السدى حوالي 400 أو 500 برمة. أما خيوط الحدف أو اللحمة فتبرم أقل من 250 برمة.

2- المسدّي : وهو الشخص المسؤول عن تحضير السدى أي الخيوط الطولانية للقماش.

3- الصباغ : تؤخذ الشلل إلى الصباغ حيث يقوم بعملية القصارة؛ وقد يكون هناك شخص يدعى القصار أي أنه مختص فقط بالقصارة. والقصارة هي عبارة عن معالجة الحرير الخام بوضعه بحوض ماء يغلي مضاف إليه صابون ومادة الصودا (كربونات) ويبقى الحرير في هذا الحوض لمدة ساعتين أو أكثر ثم يغسل بماء عادي ويعصر. وتصبح بعد ذلك شلل الحرير أكثر بياضاً ولمعاناً، حيث تزول عنها المادة الصمغية؛ وينقص وزن الحرير الطبيعي بعد هذه العملية حوالي 25% من وزنه.

ثم تبدأ عملية الصباغة، وحتى الآن لم تزل الصباغة تتم بشكل يدوي في دمشق وحمص وحلب للحرير الطبيعي.

4- المزيك : يأخذ شقة الحرير الطبيعي التي ستصبح خيوطاً للسدى من الصباغ ويقوم بتغطيسها بالنشاء المحلول في الماء والمضاف إليه الصمغ المأخوذ من أشجار اللوزيات؛ وفي دمشق يضيفون سكر نبات والغراء للحرير الطبيعي.

تستمر عملية التغطيس حوالي 5 دقائق فقط في هذه المواد، ثم تعصر شقة الحرير.

تفيد عملية التغطيس أو التخشين في تقوية خيوط السدى وتمتينها، حيث إنها تتحمل ضربات المشط عليها عند تركيبها على النول. أما خيوط الحدف أو اللحمة فلا تحتاج للتخشين لأنها محمية في المكوك.

بعد الجفاف التام، وانتهاء عملية البز، يعود المزيك فيلف خيوط السدى على الملف ويعود بها.

5- الملقي : كلمة الملقي تعني تشابك خيوط السدى مع النير في النول لتحضير الحياكة.

الرسوم المستخدمة في نسيج البروكار هي في غالبيتها مستوحاة من الحياة اليومية الدمشقية ومن الزخارف الإسلامية ثم من التاريخ العربي والإسلامي والأوروبي. مثال على ذلك :

رسم البندقة واللوزة والناعمة (أي الوردة الصغيرة) وهي مستقاة من ثمر شجر البندق واللوز والورود المتواجدة بكثرة في البيوت العربية وبالأخص الدمشقية منها.

رسم الشرقية وهي زخارف مستوحاة من الأشكال الهندسية المتواجدة في الجامع الأموي بدمشق،

رسم معركة صلاح الدين الأيوبي من التاريخ العربي الاسلامي.

رسم سفينة نوح من الأساطير الدينية.

رسم روميو وجوليت من التراث الأوروبي.

رسم عمر الخيام، وهي عبارة عن مشاهد صيد الغزلان ورقص الجواري وجلسات الرجال وتدخينهم للنرجيلة، وهو رسم متأثر ببلاد فارس.

رسم الفراشة الذي يسمى أيضا Pop وهو رسم مطلوب جداً من السياح الأجانب، ويحوي على 7 ألوان.

ثم هناك رسم طيري الحب العاشق والمعشوق، وهو قماش البروكار الذي انتقته الملكة إليزابيت الثانية لتصنع ثوب زفافها منه؛ وأخذ تجار البروكار بعد ذلك يطلقون اسم الملكة إليزابيت على رسم العاشق والمعشوق.

أما بالنسبة للألوان المستخدمة في البروكار، فاللونان الأبيض والأسود هما الأكثر استخداماً لخيوط السدى. أما خيوط اللحمة، فاللونان الأحمر والأخضر ثم الأزرق بكميات قليلة "والبيج" هي المستخدمة.

وهي ألوان فيها حياة حارة تعطي رونقاً خاصاً بالإضافة إلى استخدام القصب في البروكار.

معظم من يعمل بصناعة الحرير الطبيعي وصف الحرير بأنه (روح) ويجب التعامل معه بحنان ورقّة؛ (روح) لأنه نتاج دودة من مخلوقات الله وبالتالي فدودة الحرير هي (روح) خلقت في هذا العالم.

في سورية بشكل عام ودمشق بشكل خاص أسماء عائلات أو كنى مستوحاة من العمل في صناعة الحرير اليدوية مثل :

آل الفتال - المسدي - الصباغ - الحايك - النويلاتي والنوال - الرباط - الدراقلي - المزيك - الملقي - الكبابة - المكوكجي - الحريري والقزي.

وهذا يدل تماماً على ارتباط الناس بهذه الحرفة، وبالتالي تسميتهم بأسماء تدل على مراحل هذه الحرفة وعلى عمل أجدادهم فيها.

هناك في التراث الشعبي السوري أمثال شعبية بالعامية مستوحاة من صناعة الحرير اليدوية مثال:

1- (فلان) رايح جايي مثل مكوك الحايك.

(ويقال لمن كثر سعيه وقلّ جناه).