لاراحة ضمير الشعب مراحيض عامة

مراحيض عامة لإراحة ضمير الشعب

يشكل المرحاض بؤرة استثنائية للاسترخاء والحرية ففي هذا المكان الضيق تتفتح المخيلة
على مداها الأقصى وتسيل الذاكرة برشاقة نادرة بما يليق بكتابة نص

ذلك إن وضعية القرفصاء التي يتخذها دخيل هذه الزنزانة الاختيارية أثناء عملية تنظيف
الجوف لا تريح الجملة العصبية وحسب بل أنها تريح الضمير الداخلي حسب فمويتنا
الساخرة حين تزيل حالة التأزم الداخلي الذي يعكسه الجسم المليء بالفضلات على مرآة
نفس الإنسان.

حسبنا أن المرحاض يمنحنا حرية تستحق مديح روائي حسي يعرف هذا المكان عن كثب ويحيط
الدخول إليه بطقسية ما كان يحمل معه صحيفة وألا يبدأ عمله إلا بإشعال سيجارة.

هذا الروائي بامكانه اختراع شخص يتعرف على الناس من خلال مراحيضهم فكلما زار مكانا
للمرة الأولى ادعى الحاجة وطلب إذن الدخول على ذلك المربع لا لشيء إلا لأنه يعتقد
أن المرحاض هو مفتاح المكان والا لم كانت البطة الأرضية على هيئة ثقب الباب.

ثمة شاعر ثوري تحدث عن فضيلة المرحاض لما يمنحه من فسحة لسب الحكومة وثمة موسيقى
كان يستلهم مؤلفاته من تلقائية إيقاع بطنه في (....) .

الآن انتبهت محافظة دمشق بعد زمن إلى خلو المدينة من بيوت خلاء عامة فراحت تقيم
بعضا منها في أكثر من مكان في أرجاء المدينة بالتعاون مع شركات إعلان ربما ما كان
مجلس المحافظة ليفكر بحل من هذا النوع لولا استشراء حالة برية جعلت من شوارع بحالها
تواليتات في الهواء الطلق تحيطها هالة سامة من غاز النشادر خصوصا قرب كراجات
الضواحي والريف .

قبل هذا كان المواطن يلهث في البحث عن جامع كي يستخدم الموضا لقضاء حاجته أو كان
يقطع تذاكر دخول إلى دور سينما هابطة فقط ليستخدم مراحيضها .

ربما تكون المراحيض المضاءة بالإعلانات التجارية التي شيدت في شوارع دمشق نوعا من
المجاراة لاستثمار هذا المكان الضروري فبعد أن تحولت مراحيض الفنادق والمطاعم
والحدائق إلى بؤرة ربح يتسابق إليها الكسبة حتى بلغ الأمر في بعض الحالات تقديم
مناقصات... بعد هذا تثبت التهمة على هذا العصر الذي يريد المال حتى من ( الخــ..) .

علبة المناديل الورقية والصحن الموضوعين على طاولة صغير هي عدة هذه المهنة كلها
وأحيانا سيأتي البعض بالمنظفات أما مستريح الضمير فلن يجد عند الخروج مناصا من وضع
قطعة نقدية على صحن المشرف فيما سيتلقاها هذا الأخير كما لو انه فنان جوال يلم أجرة
وصلته الموسيقية .

ولكن ماذا بشان القرويين وهم الذين اعتادوا على طبيعة كريمة تمنحهم على الدوم غطاء
للحياء بما لا يجعل أحدا منهم متضايق حين لا يعدمون أمكنة صالحة لقضاء الحاجة؟؟
ماذا بشان القروي وهو المعتاد على أحشاء نظيفة حين يخوض رحلة طويلة في الطريق إلى
المدينة راكبا في باص يسرع اهتزازه من نزول بقايا الأطعمة والمشروبات إلى تحت هل
سيخرج عند نزوله بعد رحلة الخض تلك في البحث عن اقرب ركن قرب الكراج ليفرغ فيه
حمولة بطنه الثقيلة وهو الذي ترن في رأسه الأمثولة الشعبية ( البلد اللي مالك حدا
فيها شمروا....)؟؟

الآن يمكن لمواطننا أن يريح ضميره مرتين.. الأولى في الجلوس للاسترخاء والثانية في
شتم أولئك الذين يشترون أوساخه .

عن صحيفة المبكي