"شهادة مبارك للتاريخ" - الحلقة الأولى

فيما يلي أجزاء من الحلقة الأولى من الحوار الذي أجراه الإعلامي عماد أديب مع الرئيس المصري، حسني مبارك، وبثه عدد من المحطات الفضائية العربية.
عماد أديب‏:‏ سيادة الرئيس أنت كشاهد عيان ومعاصر لحادث‏5‏ يونيو‏1967،‏ أين كنت وماذا حدث؟

مبارك‏:‏ كنت قائد لواء قاذفات وقائد قاعدة بني سويف الجوية،‏ وفي ذلك الوقت كنا في حالة طواريء مستمرة لمدة‏15‏ يوما،‏ ولدينا طائرات محملة بالقنابل والذخائر وغيرها وفقا لتعليمات قائد القيادات الجوية والقيادة العامة،‏ ومن الطبيعي ان يستمر الطيار لمدة‏15‏ يوما يطير ليلا ونهارا،‏ حتي تتعود يده علي الطيران،‏ لكن يوم‏5‏ يونيو كان الطيارون منذ‏15‏ أو‏14‏ يوما لم يضعوا أرجلهم في أي طائرة‏.‏

عماد أديب‏:‏ وما السبب؟

مبارك‏:‏ كانت هناك عملية تحديث مكثفة للطيران ليتحمل مزيدا من الاستعدادات لعمليات قادمة،‏ ولم نكن نعرف ما هي العمليات،‏ وفي‏5‏ يونيو صباحا،‏ اتخذنا قرارا بإعادة تدريب الطيارين،‏ لأن الطيار عندما يبتعد لفترة طويلة عن الطائرة القاذفة الكبيرة والثقيلة قد يهاب الطائرة‏.‏

‏-‏ وفي التاسعة وعشر دقائق صباحا تحركت خمس طائرات واحدة تلو الأخري في تشكيل،‏ وكانت السحب تغطي منطقة بني سويف،‏ ولكنا طرنا واخترقنا السحب،‏ واتجهنا في الصحراء ناحية الفيوم قليلا،‏ وكنا سنعود مرة أخري،‏ ولكن بعد الاقلاع بخمس دقائق،‏ أبلغنا برج المراقبة ان هناك هجوما علي المطار،‏ فسألت‏:‏ هجوم إيه فقال‏:‏ المطار بيضرب والطائرات المحملة بتضرب فكررت السؤال في دهشة‏:‏ انت بتقول إيه،‏ قال‏:‏ الطيران المحمل بيضرب،‏ وهناك طائرات انفجرت واشتعلت بها النيران،‏ وجار ضرب الممر‏..‏ أصابني الذهول مما قاله،‏ وسألت‏:‏ وأين سوف ننزل؟ قال‏:‏ لا تنزل حتي غرب القاهرة‏.‏ ‏

-‏ اتصلت بالقيادة العامة للجيش وسألتهم من جديد،‏ هل هناك ضرب؟ ولكني وجدت الضرب مستمرا منذ‏10‏ دقائق،‏ وهناك طائرات كثيرة تغطي القنال،‏ فسألت ثانية عن المكان الذي يمكن الهبوط فيه،‏ فالطائرة كبيرة الحجم وتحتاج لممر طوله‏3‏ كيلو مترات تقريبا‏.‏ ولكن لم يجبني أحد فكررت مرة ثالثة،‏ بدون جدوي لأن هناك ربكة،‏ وبدأت أفكر في مكان مناسب للهبوط،‏ فلم أجد سوي مطارات الوادي الجديد والأقصر وأسوان،‏ ولكن مطار أسوان لم أستطع الدخول إليه لأنه مليء بصواريخ الدفاع الجوي،‏ وطبعا عندما جاءهم انذار بأن هناك ضربا،‏ فإن أي طائرة ستدخل الي المطار سوف يتم ضربها دون تمييز بين صديق أو عدو‏.‏

فما دام هناك هجوم سيضطر للضرب ولن ينتظر،‏ أما مطار الوادي الجديد،‏ فممره قصير جدا،‏ وإذا هبطنا إليه ستحدث حوادث‏.‏ وبالتالي لم يبق أمامي سوي مطار الأقصر،‏ فاتجهت إليه لأنه المطار الوحيد الذي يمكن النزول فيه وبالفعل هبطت في هذا المطار،‏ وكان به خمس طائرات‏:‏ اثنتان أو ثلاث انتينوف نقل كبير،‏ وطائرة لشركة مصر للطيران،‏ وطائرتان اخريان،‏ وكانت المشكلة ان مطار الاقصر ليست به أي تجهيزات للتموين واللوازم،‏ فاضطررنا لجر تموين لها بطنبة تتسع لـ‏35‏ طنا،‏ وبمجرد بدء التموين فوجئنا بالهجوم علي المطار،‏ وأول ما تم ضربه كان الطائرات الخمس‏.‏

عماد أديب‏:‏ كيف كان المشهد عندما تأتي طائرة تضرب علي المطار؟

مبارك‏:‏ المشهد كان سيئا،‏ يكاد يجن له الفرد،‏ فالطيار عندما يكون علي الارض من السهل ضربه ولكن اذا كان الصراع في الهواء،‏ فإما ان تقتله أو يقتلك،‏ وإذا قتلت فهذا أكرم لك،‏ ولكن لأن الهجوم بدأ ونحن علي الأرض،‏ فقد أصاب جميع الطيارين حزن رهيب،‏ بالاضافة طبعا الي أن سرب الطيران تم ضربه،‏ ولم تكن لدينا القدرة علي الاتصال بالقيادات التي لم تكن موجودة،‏ فاضطررنا للعودة بالقطار مساء‏.‏ ‏ ‏

عماد أديب‏:‏ كيف تعودون الي بني سويف مرة أخري؟ ‏‏

مبارك‏:‏ وصلنا الي بني سويف حوالي الثالثة أو الرابعة صباحا،‏ ولكن أين سنذهب؟‏!.‏ ‏ ‏

عماد أديب‏:‏ عندما ركبتم القطار،‏ هل علم الناس والشعب بما حدث في الحرب؟ ‏‏

مبارك‏:‏ ما حدث لم يكن واضحا تماما للناس لكن عندما ركبنا القطار جلسنا وقد خيم علينا حزن شديد‏.‏ ‏ ‏

عماد أديب‏:‏ معلوماتنا تقول إن كل الطائرات تم ضربها علي الأرض علي مستوي مصر‏.‏

مبارك‏:‏ لم نعرف ان كل الطائرات تم ضربها علي الأرض،‏ فلم يبلغنا احد بأن مطاراتنا انضربت‏.‏ ‏ ‏

عماد أديب‏:‏ سيادة الرئيس قبل ان نستكمل ما حدث في بني سويف،‏ هل كنت تستشعر من الأسابيع القليلة التي سبقت عام‏1967‏ أن هناك ضربة آتية لا ريب فيها،‏ وانه في حالة حدوث حرب فإن شكل الاستعداد والوضع القائم يؤكد انه ستحدث خسائر كبيرة؟ ‏‏

مبارك‏:‏ ما كنا نسمعه من تدريبات للطيران والجيش يؤكد اننا قادرون،‏ ولكن قبل الضرب بأسبوع،‏ جاءني أحد المسئولين الكبار في القيادة العامة،‏ وكنت وقتها متجها الي غرب القاهرة،‏ كقائد لسرب من الطيران في غرب القاهرة في بني سويف،‏ قال لي المسئول إن كل هذا مجرد مظاهرات،‏ وسوف نحل الموضوع،‏ وبإمكانك ان تصرح باجازات،‏ وهو ما أدي الي ثورة بين الطيارين والملاحين،‏ لانهم أرادوا ان يحصلوا علي اجازة يوم‏2‏ أو‏3‏ يونيو،‏ فقلت لهم‏:‏ انتظروا قليلا،‏ لأن وكالات الأنباء تقول انهم قد استدعوا الاحتياط،‏ وبعد جهد استطعت أن أقنع الطيارين،‏ وبدأوا يهدأون وعدنا الي بني سويف،‏ وحدث ما حدث يوم‏5‏ يونيو‏.‏ ‏ ‏

عماد أديب‏:‏ عندما عدت الي بني سويف ما الذي اكتشفته؟

مبارك‏:‏ كانت الطائرات لاتزال موجودة،‏ ومحملة في أطقم جاهزة لتنفيذ عمليات محددة‏.‏ ‏ ‏

عماد أديب‏:‏ بعد ذلك هل استطعتم المشاركة في أي عمليات؟ ‏‏

مبارك‏:‏ لا‏..‏ لأنهم ضربوا الطائرات كلها،‏ وأولي الطائرات التي ضربوها كانت في بني سويف وغرب القاهرة،‏ ولم يهتموا بأي شيء سواء طائرات المواصلات أو غيرها‏.‏ ‏ ‏

عماد أديب‏:‏ أسوأ شيء هو شعور الطيار المقاتل بالرغبة في ان يقاتل ويحارب ولكن ليس معه سلاح‏؟ ‏‏

مبارك‏:‏ هذا صعب جدا علي مواطن كل عمله هو أن يحارب دفاعا عن الوطن‏.‏ ‏ ‏

عماد أديب‏:‏ ومن هنا يكون لديه نوع من التراكم ومن الحرص ومن القلق الصحي دائما،‏ حتي لا يتكرر ما حدث مرة ثانية،‏ بعدما حدث عام‏67‏ ؟ ‏‏

مبارك‏:‏ لا أعتقد ان هناك أي فرد من القوات المسلحة إلا ويلوم كل من كان وراء هذا الاهمال،‏ في وقت كان الناس يريدون الانتقام بأي طريقة عايزه تنفث‏.‏ ‏ ‏

عماد أديب‏:‏ هل كان بداخلك غضب؟

مبارك‏:‏ طبعا ولا شك،‏ ولست وحدي بل كل من كان في بني سويف،‏ فلم نذهب الي بيوتنا لعدة شهور،‏ ولم نقابل أو نشاهد الأهل أو غيرهم،‏ ظللنا في القاعدة طوال شهور يونيو ويوليو واغسطس وسبتمبر حتي علمنا ان هناك طائرات قادمة،‏ فبدأت معنوياتنا في التحسن‏.‏ ‏ ‏

عماد أديب‏:‏ كان التفكير دائما في كيفية إزالة هذا العدوان وآثاره علي العسكرية المصرية وإعادة الثقة في التاريخ المشرف للعسكرية المصرية مرة أخري؟‏.‏ ‏‏

مبارك‏:‏ ليس الطيارون فقط،‏ ولكن كل أفراد الجيش والجنود جميعا كانوا يريدون مسح هذا العار بأي طريقة،‏ ومنذ عام‏67‏ حتي حرب‏73‏ كان الجميع يسألون‏..‏ متي نموت؟ متي سنرد؟ متي ستعود الأرض؟ ‏ ‏

عماد أديب‏:‏ سيادة الرئيس‏.‏ انت تعلم أننا اليوم لدينا أجيال عاصرت‏25‏ ابريل من الممكن أن تكون أعمارهم في العشرين أو الخامسة والعشرين،‏ وقد يكونون شبابا في سن المراهقة،‏ أي لم يشاهدوا الملاحم التي حققت النصر في تاريخ مصر وكيف انتقلت من الهزيمة الي النصر،‏ هل يمكن ان تفتح لنا هذا الملف وتحدثنا كيف استطعت كشاهد عيان بجهدك كقائد للسلاح الجوي المصري سنة‏1972‏ أن تستكمل مسيرة تحقيق النصر مع زملائك وقادتك بحيث تصل الي‏6‏ أكتوبر و‏25‏ ابريل‏1982‏ ؟

مبارك‏:‏ هذه المسيرة تحتاج الي مجلدات وشرح كثير جدا،‏ من يونيو‏67‏ حتي أكتوبر‏73‏ وفترة عملية الاستنزاف واعادة تنظيم القوات المسلحة والتدريب والتخطيط للعمليات،‏ كل هذا يحتاج الي مجهود ووقت كبير جدا،‏ ولكن اعتقد ان شباب اليوم،‏ ليست لديهم فكرة عن هذه الأحداث وحجم التضحيات التي حدثت سواء في حرب الاستنزاف أو حرب التحرير،‏ فلزاما علي كل شاب أن يعرف ما هي التضحيات التي قدمتها القوات المسلحة التي هي في الأصل هي مواطن مصري عادي يحمي بلده،‏ وان كانت النكسة حدثت في عام‏1967،‏ فيجب أن يري كيف وصلنا الي انتصار‏73.‏

عماد أديب‏:‏ سيادتك كريم وشبابنا يستحق،‏ لذا فنحن نريد أن نفتح الملف معا؟

مبارك‏:‏ وأنا مستعد ان أفتح الملف‏..‏ لنذهب الي غرفة العمليات للقوات المسلحة وغرفة عمليات القوات الجوية حتي أشرح لك ما حدث‏.‏ ‏ ‏

عماد أديب‏:‏ فلنأخذ من سيادتك مواعيد حتي نذهب لهذه الأماكن،‏ ونري علي الطبيعة ما حدث‏.‏ ‏‏

مبارك‏:‏ ولكني مستعد ان أذهب الآن؟ ‏

عماد أديب‏:‏ الآن ياريس؟

مبارك‏:‏ نعم الآن‏...‏ فكل شيء جاهز والغرف جاهزة،‏ وسنري ما كان يحدث،‏ والخطوات والقرارات لأن هذا مشوار طويل جدا حتي وصلنا الي حرب أكتوبر‏.‏

في غرفة العمليات
عماد أديب‏:‏ هل جاء من تلاميذك من تولي قيادة هذا المنصب؟

مبارك‏:‏ شاكر عبدالمنعم الذي تولي المسئولية بعدي كان دفعتي،‏ اما تلاميذي فقد تولي عدد كبير منهم قيادة القوات الجوية مثل محمد علاء الدين بركات والفريق أحمد نصر وأحمد محمد شفيق وزير الطيران الحالي ثم القائد الحالي مجدي شعراوي‏.‏

عماد أديب‏:‏ بماذا تشعر سيادتك وأنت تستعرض أسماء هؤلاءالقادة؟

مبارك‏:‏ بالفخر طبعا‏.‏

عماد أديب‏:‏ لقد تركوا السلاح،‏ فهل العلاقة الإنسانية قائمة؟

مبارك‏:‏ عندما تكون هناك مناسبة فإنهم يحضرونها‏.‏

عماد أديب‏:‏ وهل سيادتك تسأل عنهم؟

مبارك‏:‏ طبعا‏...‏ دائما أسأل عنهم مجدي شعراوي ودائما ما يجيبني بأنهم موجودون،‏ وفي يوم الطيران يحضرهم‏.‏

عماد أديب‏:‏ آن الأوان لتأخذنا الي غرفة العمليات الرئيسية التي شهدت ادارة حرب‏73.‏

مبارك‏:‏ لقد أقمت في هذه الغرفة لمدة أربعة شهور لم أخرج منها‏.‏

عماد أديب‏:‏ أنا أشكر سيادتكم علي هذه المفاجأة لأنك تطلعني علي أهم مكان،‏ ولكن دون ان نفشي أسرارا،‏ فنحن في غرفة العمليات المركزية في مكان تحت الأرض؟‏

مبارك‏:‏ زمان كانت هذه الغرف أصغر مما تبدو عليه الآن،‏ فالشاشات كانت يدوية،‏ أما الآن فالوضع تغير‏.‏

عماد أديب‏:‏ كيف كان نظام الاتصالات بالغرفة؟

مبارك‏:‏ كانت بها تليفونات صعب الاتصال بها،‏ وكان لها لاسلكي،‏ والخريطة التي كنا نشاهد عليها المواقع،‏ حيث كانت توجد ذراع يدوية تتحرك وتتيح لنا معرفة اقلاع الطائرة،‏ لكن هذا النظام بطيء،‏ لأنه يتيح لنا المعلومة متأخرة بعد اقلاع الطائرة بست أو سبع دقائق‏.‏

عماد أديب‏:‏ أي ان المعلومة كانت تظهر بعد الحدث؟

مبارك‏:‏ طبعا‏.‏

عماد أديب‏:‏ يوجد هنا عدد القواعد والمطارات وتوزيعها؟

مبارك‏:‏ هنا كل التحركات التي تحدث فورا‏.‏

عماد أديب‏:‏ هذه هي الممرات الجوية؟

مبارك‏:‏ ليست الممرات فقط،‏ بل والطائرات التي تدخل أيضا‏.‏

عماد أديب‏:‏ وقيادة عمليات حرب أكتوبر والتحضير لها كان هنا ايضا،‏ وعندما ابلغت الرئيس أنور السادات يوم‏6‏ أكتوبر الساعة‏2.15‏ تقريبا بعودة‏230‏ طائرة بنسبة خسائر قليلة جدا‏3%‏ وهي نسبة خسائر غير مسبوقة،‏ ماذا كان تعليقه؟

مبارك‏:‏ كان سعيدا جدا،‏ حتي قال في الغرفة‏:‏ لقد انتصرنا يا أولاد‏.‏

عماد أديب‏:‏ كيف كان الشعور داخل الغرفة بالنسبة للضباط والقادة؟

مبارك‏:‏ عندما أقلعت الطائرات كان الجميع داخل الغرفة والغرف الأخري في سكون،‏ وعندما قلت ان الضربة نجحت،‏ وان الطائرات عادت والخسائر قليلة،‏ قفز الجميع من الفرحة وأخذوا بعضهم بالأحضان‏.‏

عماد أديب‏:‏ كيف كان يتم ابلاغك بالأحداث؟

مبارك‏:‏ كنت دائم الاتصال بالقواعد وعندي اتصال بكل المطارات‏.‏

عماد أديب‏:‏ كل مطار علي حدة؟

مبارك‏:‏ نعم كل مطار علي حدة والمعلومات كانت تصلني عن مطار المنصورة وانشاص وبلبيس وطنطا في الحال‏.‏

عماد أديب‏:‏ والقادة هل كانوا موجودين هنا في الغرفة؟

مبارك‏:‏ لا‏..‏ كانوا موجودين في غرف العمليات الأخري‏.‏

عماد أديب‏:‏ ولكن هناك من كان موجودا في الغرفة وأبلغته بالنتيجة؟

مبارك‏:‏ لقد كان الجميع يسمعني من خلال الميكروفون كل في غرفته‏.‏

عماد أديب‏:‏ هل كانت الدراما مرتفعة وتشد الأعصاب؟

مبارك‏:‏ طبعا‏..‏ لقد كان يوما ليس له مثيل‏.‏

عماد أديب‏:‏ هي أجمل لحظة في العمر؟

مبارك‏:‏ طبعا‏..‏ طبعا‏.‏

عماد أديب‏:‏ هل تعتقد ان في حياتك لحظة أفضل من هذه؟

مبارك‏:‏ لا طبعا‏....‏ وهنا انتهت الجولة في غرفة القيادة‏..‏ وبدأ الحوار بين الطرفين‏.‏

عماد أديب‏:‏ سيادة الرئيس لماذا اخترت سلاح الطيران؟

مبارك‏:‏ زمان كانوا يختارون الطيارين من الكلية الحربية،‏ ولقد تخرجت في الكلية الحربية في فبراير‏1949،‏ وعندما دخلت الكلية الجوية كان الكشف الخاص بالطيارين يتم وأنا في الكلية الحربية ونجحت في كشف الطيارين،‏ وبعد التخرج برتبة ملازم ثان،‏ التحقت بالكلية الجوية،‏ وكشفنا ودخلنا الكلية الجوية،‏ وبدأت الدراسة فيها لمدة سنة،‏ ثم تخرجت في مارس‏1950.‏ ‏ ‏

عماد أديب‏:‏ سيادة الرئيس،‏ جاءت حرب‏1956‏ وبالطبع كانت هناك مشكلة كبيرة في تقييم الأداء العسكري في ذلك الوقت،‏ وحدث ان الطيران ضرب علي الأرض،‏ وحدث أن الكثير من المحللين العسكريين كتبوا مثل الفريق محمد فوزي رحمه الله،‏ كتب قائلا‏:‏ إن ما حدث في‏67‏ هو تكرار لما حدث في‏56،‏ وأن أحداث‏56‏ لم يتم استيعابها‏.‏ فأين كنت في عام‏1956‏ ؟ وما هو تقييمك لما حدث؟

مبارك‏:‏ في عام‏56‏ كنت أدرس في الكلية الجوية،‏ وانضربت الكلية الجوية في ذلك الوقت وأنا موجود فيها،‏ وكان لدينا دفعة جديدة تخرجت،‏ ستعمل علي نقل الطائرات إلي المنيا لإنقاذها،‏ ولكن الهجوم بدأ،‏ ودمرت أغلب الطائرات في‏56‏ في بلبيس،‏ وفي ذلك الوقت كنت في بلبيس،‏ وكان واقع ما حدث سيئا علي النفس،‏ أما في‏67‏ فكان الوضع مختلفا،‏ ففي عام‏56‏ كانت هناك دول كبيرة تضرب مع إسرائيل،‏ ولكن في‏67‏ كانت إسرائيل وحدها التي تضرب،‏ وهذا هو الفرق‏.‏

عماد أديب‏:‏ ولكن سيادتك الطيار والمقاتل والأستاذ والمعلم حسني مبارك،‏ عندما تري طائرة تضرب في‏56‏ ما هو الدرس الذي تعلمته من هذه الحرب؟

مبارك‏:‏ في‏56‏ كان الوضع غاية في السوء،‏ وأصابني بإحباط كبير جدا وأصاب الطيارين الآخرين أيضا لأن الضرب كان قاسيا جدا،‏ وكنت دائما أقول‏:‏ لو كنا مستعدين،‏ أو هناك نوع من الندية لما تجرأوا،‏ لكننا لم نكن مستعدين،‏ كانت هناك أخطاء كثيرة في عام‏56.‏ ‏

عماد أديب‏:‏ دائما ما نتحدث عن إعداد الطيار،‏ فماذا يعني إعداد الطيار،‏ خاصة لمن لا يعرفون معني الكلمة من غير العسكريين؟

مبارك‏:‏ الطيار له مواصفات معينة غير الكشف الطبي،‏ حيث يبدأ في الدخول إلي دراسات معينة،‏ ثم طبيعة عمله والتدريب،‏ ومدرس يأخذ معه أربعة طلبة يعيش معهم ويدربهم،‏ ويطلع علي معالم الطائرة،‏ ولو أن هناك واحدا مريضا لازم يعرف،‏ لأن المريض لا يسمح له بالطيران،‏ هذه العلاقة تخلق نوعا من الارتباط بين المدرس والطيار،‏ وأنا كنت أدرس لأربعة،‏ وإذا كان بينهم مريض،‏ كنت أذهب به إلي الطبيب وأتابعه،‏ وإذا ما أخطأ أحدهم كنت أسأله لماذا أخطأت،‏ لقد أكدنا في التلقين كذا وكذا،‏ فلماذا خالفت ما أكدناه،‏ هذا بجانب أن هناك رباطا نفسيا وثيقا بيني وبين هذا الطيار‏.‏

عماد أديب‏:‏ ما هو أهم شيء فيمن يصعد إلي طائرة مقاتلة،‏ وأهمية الثقة بين الطيار والقائد،‏ لأن البعض لا يعرف أن الإعداد والتدريب جزء مهم،‏ وأيضا التوجيه الأرضي مهم له وهو في الجو؟

مبارك‏:‏ القائد الذي يقوم بالتدريب لازم يكون طيارا وبيطير مع المتدرب،‏ ويهبط ثم يشرح له،‏ وهذا يخلق نوعا من الثقة في القائد،‏ فلو أن القائد يطير مع المتدرب مرة كل شهر فلن توجد الثقة علي الإطلاق،‏ ولكن لو أنا بأطير مثلي مثل المتدرب فالمتعة والتقارب يزيدان،‏ وهذا ما كنت أفعله في القاذفات مثلي مثل أي طيار،‏ لذلك كنت أعرف كل ما في الطائرة،‏ وكنت أشرح مفرداتها،‏ لأنني مارستها،‏ ولم أعلمهم من واقع خبرة نظرية،‏ بل ممارسة ودراسة نظريا وعلميا،‏ ولذا فعندما أقول للمتدرب إنك ذاهب لمنطقة ما،‏ أو إنك نسيت أن تفعل شيئا ما عندما قمت بإلقاء القنابل،‏ فهذا يرجع لأنني معه في الجو ومن هنا تأتي ثقة الطيار في قائده‏.‏

عماد أديب‏:‏ هل عندما تكون قائد المجموعة أو قائد المعسكر أو قائد السرية أو رئيس أركان أو قائدا لقوات جوية لديك عناصر فيها مشكلة،‏ بمعني ليس لديك تسليح يتوافق مع متطلباتك التي تحتاجها،‏ أو لديك وضع غير مريح في القيادة،‏ وليس بإمكانك أن تعدل من وضعها لأنها سلطة أعلي منك،‏ هل هذا يصيبك بالاضطراب والخوف،‏ وكيف تسيطر علي مشاعرك هذه،‏ ولا تبدي منها إلا ما يجب أن تبديه؟

مبارك‏:‏ هذا الموقف حدث كثيرا فنحن في باديء الأمر،‏ كان لدينا عدد محدود من الطائرات،‏ وكان يطلب منا عمليات أكثر من قدرة الطائرات،‏ فكنا نقول لا،‏ وبصراحة بنقوم بالمهمة،‏ ولكن علي قدر حجم إمكاناتنا‏.‏

عماد أديب‏:‏ يعني فكرة المصارحة عند حضرتك؟

مبارك‏:‏ بالطبع،‏ فهذه مسألة لا تتحمل الهزار،‏ لأن هذا بلد وسيتأثر بما أقوله،‏ فأنا لا أستطيع القول بأنني مستعد،‏ وعندما يأتي وقت الضرب يضيع البلد وتحرج القيادات،‏ لذا كان ضروريا ان أكون واضحا وصريحا في كل ما أقوله‏.‏ ‏

عماد أديب‏:‏ أحيانا بعض الذين يصرحون يفضلون الابتعاد عن الكلام الذي يغضب قادتهم،‏ بمعني أنهم يفضلون الكلام المريح؟

مبارك‏:‏ لا،‏ فمن الممكن أن تقول الكلام الحقيقي والمهم هو الأسلوب فليس مطلوبا أن تخبطها في وجهه مثل الطوبة وتجرحه،‏ وممكن تقول الحقيقة مثلما قلت أنا عن المشروع واستعرضته،‏ وقلت هذا هو الواقع أمام أصحاب المشروع،‏ الذين استمعوا لكلامي،‏ وكان من الطبيعي أن تكون هنا أسئلة كثيرة حول ما قلته،‏ ولكن في ذلك اليوم لم يسأل أحد منهم أي سؤال‏.‏ ‏

عماد أديب‏:‏ في سنة‏1960‏ حدث لقاء في قاعدة بلبيس مع الرئيس عبدالناصر ودار بينكما حوار‏..‏ هل تستطيع أن تتذكر ما حدث في هذا الحوار؟ ‏‏

مبارك‏:‏ كان الرئيس عبدالناصر قادما من منطقة القناة،‏ وكنت أنا متمركزا في قطاع الجيش الثاني،‏ وعندما جاء ليمر علي سرب لواء سوخوي،‏ جلسنا علي دوشمة،‏ والرئيس عبدالناصر يحكي عن الظروف السياسية،‏ وقد قابلته كمدير للكلية،‏ وسلمت عليه وقلت له العقيد حسني مبارك،‏ ففوجئت به يقول لي إنت بتعمل إيه هنا يا مبارك؟،‏ التزمت الصمت،‏ ثم قلت أنا مدير الكلية،‏ وتوجست أن هناك شيئا ما سيحدث،‏ وبعدها سألني الفريق فوزي‏:‏ مين بعدك في الكلية يا مبارك؟ قلت اتركوني أخرج لكم عددا من الدفعات فأنا لم أبدأ إلا في نوفمبر عام‏1967،‏ وخرجت خمس دفعات هي‏25،24،23،22،21،‏ وهذا لم يحدث في تاريخ الكلية من قبل أن يتم تخريج خمس دفعات في سنة ونصف‏.‏ ‏

عماد أديب‏:‏ أي أن سيادتك كنت في الكلية الجوية بعد الهزيمة حتي تعيد بناءها؟ ‏‏

مبارك‏:‏ منذ نوفمبر كنت في الكلية الجوية لأنني كنت في حاجة إلي طيارين‏.‏ ‏

عماد أديب‏:‏ بعد ذلك توليت رئاسة أركان القوات الجوية؟

مبارك‏:‏ توليت هذا المنصب في الفترة من‏2‏ نوفمبر حتي‏20‏ يوينو‏1969‏ عندما تمت ترقيتي إلي رتبة عميد قبل دفعتين سابقتين علي دفعتي،‏ وبعد شهر واحد،‏ أو في‏2‏ أغسطس رقيت إلي رتبة لواء،‏ وهو ما لم يحدث من قبل‏.‏

عماد أديب‏:‏ الناس من الممكن أن يكونوا فاهمين أن سيادتك لم تكن لديك أي واسطة أو أي علاقات غير طبيعية أو قريب أو مسئول كبير؟ ‏‏

مبارك‏:‏ مسيرة حياتي كلها بدون وساطات‏..‏ لقد تخرجت ملازم ثاني ومكثت في المقاتلات فترة،‏ ثم ذهبت إلي العريش وبعد عام وبضعة شهور فوجئت بنقلي الي الكلية الجوية،‏ وكان النقل إلي مدرسة الكلية الجوية في هذا الوقت لا يتم إلا لمن لديه واسطة،‏ ولذا ظل يردد من حولي كلاما عن أنني لدي واسطة،‏ وأقسمت لهم بالله أنني لا أعرف أحدا ولم أتكلم إلي أحد،‏ وذهبت الي الكلية،‏ وبدأت العمل فيها في فبراير‏1952‏ حتي‏1959،‏ ثم سافرت ضمن بعثة إلي الخارج للتدريب علي القاذفات‏.‏ ‏ ‏

عماد أديب‏:‏ أريد أن أعرف من سيادتكم كيف تعلمت القدرة علي أن تنفذ المهمة في ظل الإمكانات المتوافرة وتحصل علي النتيجة نفسها؟ فهناك آخرون يقولون إذا لم توفروا لنا هذا فمن المستحيل ان نفعل كذا؟

مبارك‏:‏ ليس من الممكن أن تقدم كل شي لكن يمكن أن نتعامل بأسلوب آخر،‏ فقد نكتشف في بعض الحالات عدم وجود خراطيم معينة،‏ فهل هذا يعني أننا نتوقف عن العمل بالطبع لا‏..‏ لكن كنا نشتري الخراطيم من أي مكان في مصر ونختبرها،‏ ونري الحل،‏ وكانت القيادة تقدر اهتمام القوات المسلحة،‏ لذلك كل المطالب وفرتها تقريبا‏.‏ وقبل حرب أكتوبر جاءت معونة من الشيخ زايد للقوات المسلحة فأخذت نصفها حتي أوفر بعض المعدات للتشكيلات ولا أستطيع أن أصف لك كيف وفرنا تلك المعدات،‏ فقد قمنا ببذل مجهود لبحث البدائل وأين سنجدها،‏ وهل من الممكن أن نعيد إصلاحها في بعض الورش،‏ فما اسهل أن تقول نحن في حاجة الي جديد ولن نعمل لكن ليس هذا هو المطلوب‏.‏ ‏ ‏

عماد أديب‏:‏ أريد أن اعرف الحالة التي استلمت عليها القوات الجوية وعايزك تأخذ وقتك في شرحها،‏ وكيف حدثت عملية اعادة البناء،‏ لأننا عندما نكتب عن هذه التجربة في الصحف بنكتبها في سطر وهو وتمت إعادة بناء القوات الجوية؟

مبارك‏:‏ هذه عملية كبيرة جدا فعندما اصبحت رئيس أركان القوات الجوية،‏ قلت اننا نحتاج مشاهدة خطط تدريبية وأهداف من العمليات،‏ ونريد مشاهدة الفنيين يتدربون التدريب الكافي،‏ وهناك اعمال الصيانة بتشتغل والمطارات،‏ فرع مهندسي المطارات هناك حاجات كثيرة يجب ان أراها فبدأنا نضع خططا لاجهزة القوات الجوية من اجل اعادة البناء،‏ فنضع خطة لشعبة تدريب الطيارين،‏ وخطة لشعبة الاعمال للتدريب التعبوي والتدريبات المختلفة،‏ مما يؤكد وجود خطة كبيرة كنا نكتبها كل شهر من أجل الوقوف علي ما تم من الخطة سواء خطة تدريب الطيارين أو خطة الصيانة أو اعداد المعدات أو خطة استكمال المسيرة لأن الطيران يحتاج امكانيات وليس قطع الغيار فقط وتستهلك بل يحتاج أن تكون قطع الغيار متوافرة‏.‏ ‏

عماد أديب‏:‏ لكن كيف كان الموقف يوم دخلت مكتبك كرئيس لأركان القوات الجوية؟ ‏

مبارك‏:‏ الحالة كانت سيئة للغاية،‏ فقد وجدت أمامي مهمة صعبة من تجهيز موقع العمليات والاتصالات،‏ بصراحة وجدته موضوعا كبيرا جدا،‏ والأجهزة كلها تتبع رئيس الاركان،‏ وخطط التدريب يجب ان تكون موجودة وواضحة وتخدم الاهداف الخاصة بالعمليات وتدريب الطيارين والمهندسين والفنيين والمراقبين،‏ وهذا كان يتطلب مني مجهودا ضخما،‏ وأنا كنت تقريبا أقوم بعملية مرور علي كل قاعدة ومطار مرتين شهريا‏.‏ ‏‏

عماد أديب‏:‏ وأنا أتعجب سيادة الرئيس من ان هناك استحالة،‏ فعندما تحسب عدد المطارات وعدد القواعد في عدد الأيام فكيف كنت تقوم بهذا؟ ‏‏‏

مبارك‏:‏ نحن لدينا‏32‏ قاعدة ومطارا،‏ وكنت أشغل فريق العمل كله كل واحد يمر قبل مني‏..‏ يعني المسئول عن المطار يتابع المطار،‏ وكل واحد يجب أن يعمل اختبارا ومراجعة،‏ وبعد هذا أبدأ أنا في المرور،‏ ويجب ان أكون علي علم بما ينقص هذه القاعدة واذهب الي القاعدة الثانية وممكن أمر علي‏4‏ أو‏5‏ قواعد يعني كنت اقوم بعمليات مرور من الساعة السابعة صباحا حتي الحادية عشرة مساء،‏ أذهب الي المنصورة ثم الي طنطا ثم الي جناكليس والأقصر وأعود في اليوم نفسه‏.‏ ‏‏

عماد أديب‏:‏ بعض الناس الذين خدموا مع حضرتك قالوا ان العمل معاك عمل انتحاري؟ ‏

مبارك‏:‏ مصلحة البلد عايزه كده،‏ وهذه بطبيعة الحال مسئولية،‏ وعندما أكون رجلا عندي مسئولية يجب ان أكون علي قدر هذه المسئولية،‏ ثم ان هذه مسئولية أمام البلد كله‏.‏ ‏‏

عماد أديب‏:‏ سيادة الرئيس لكنك ايضا عندك أسرة وأبناء والمسئولية تحتم؟ ‏

مبارك‏:‏ والله أنا لم أكن أراهم إلا نادرا،‏ ولم أكن أنام في المنزل إلا نادرا منذ أن ترقيت الي منصب رئيس أركان حرب وحتي قبلها أيضا لم أنم في منزلي إلا مرة واحدة وكانت حوالي اسبوع‏.‏ وبعدما اصبحت رئيس أركان دخلت في دوامة التخطيط لاعادة تنظيم القوات الجوية،‏ ونري ماذا نحتاجه من مطالب،‏ وكنا نمر علي المطارات وكنت أتأخر حتي المساء وحتي لا أزعج أبنائي كنت أنام في مكتبي وأستيقظ في الصباح لاقوم بالمرور في منطقة أخري،‏ هذا غير الاجتماعات الخاصة مع القيادة العامة للتخطيط للعمليات‏.‏ ‏

عماد أديب‏:‏ معني هذا أنك عشت حياة صعبة‏..‏ حياة خشنة؟ ‏

مبارك‏:‏ لأن هذه مسئولية،‏ فانت عندما تكون قائد القوات الجوية تكون كل المسئولية ملقاة علي عاتقك‏.‏ ‏

عماد أديب‏:‏ يمكن أكثر مسئولية فهمتها من قراءتي لبعض النقاط هنا علي أنك ترسل طيارا غير مستعد،‏ أي انه يكون ناقص المعدات والتدريب أو أي شيء آخر،‏ أنت كقائد لم تستكمله له؟ ‏

مبارك‏:‏ لا أنا لا أستطيع عمل هذا العمل والسبب أن الطيار لن يثق في بعد ذلك،‏ وأنا يجب أن أتأكد من ان أي طيار يحصل علي تدريبه ويكون عنده ثقة في نفسه قوية جدا ويثق في أيضا وعدا ذلك لن أستطيع ان أجعله يطير،‏ لأن هذا يسبب احباطا في دائرة الطيارين،‏ ولذلك كان يهمني جدا أن تكون معنويات الطيار عالية وأشجعه باستمرار وأتأكد ان كل الامكانيات موجودة ولهذا نحقق له كل المطالب حتي يعرف يطير وإلا معنوياته ستصبح في الأرض‏.‏ ‏‏

عماد أديب‏:‏ كيف بعد هزيمة‏67‏ وسنوات‏68‏ و‏69‏ و‏70‏ ترفع معنويات الناس وتعيد بناءها وانت كإنسان تأثرت بالهزيمة وشاهدت بعينيك سلاح الجو اقرب شيء الي قلبك يتدمر علي الأرض؟ ‏‏‏

مبارك‏:‏ أنا عندي مبدأ انه لا يأس مع الحياة،‏ فما دامت هناك حياة فهناك أمل،‏ ولابد من العمل ويجب ان نصل الي الهدف فقد كانت النكسة صعبة جدا،‏ وأنا أتصور عندما دمرت الطائرات في الأقصر وعدنا في القطار ولم نكن نريد أن ننظر الي أحد أبدا وعدنا الي بني سويف،‏ وكنا محبطين لدرجة رهيبة لكننا لم نترك اليأس يأكلنا‏.‏ ‏‏

عماد أديب‏:‏ أحب أن أعرف من سيادتك كيف يمكن للإنسان أن يعيد بناء ثقة الآخرين وهو عنده هذا التماسك،‏ وقد لا يري أمامه معطيات الهدف الموجود؟‏..‏ يعني أنت تقول إنه يجب أن تحاول ولا تيأس،‏ فهل كنت تري أن المطالب ستلقي استجابة،‏ وهل كنت تري خطة للإنقاذ في‏68‏ و‏69‏ و‏70،‏ هل كنت تري مؤشرات تقول إن الجيش يتم بناؤه؟ ‏‏‏

مبارك‏:‏ سأقول لك شيئا حتي نكون واضحين وواقعيين،‏ الحقيقة عندما تولي الفريق محمد فوزي منصب وزير الدفاع بدأ في تنفيذ طلبات القوات المسلحة،‏ والحقيقة أيضا أننا لم نكن نغالي في الطلبات،‏ وكنا نطلب ما نحتاجه بالفعل،‏ لأن هذا بلد أصيب بهزيمة فاجعة‏.‏ ‏‏

عماد أديب‏:‏ يعني كلام الفريق محمد فوزي في مذكراته عن خطة بناء القوات المسلحة في‏68‏ صحيح؟ ‏

مبارك‏:‏ الفريق فوزي من بدأ خطة البناء،‏ وكان يمر علينا كثيرا والطلبات كان يوفرها لنا،‏ ولم نكن نغالي في الطلبات إنما الطلبات الضرورية فقط،‏ لأننا عارفين البلد شكلها إيه‏.‏ ‏‏

عماد أديب‏:‏ أعتقد أن هذا الحديث هو إعادة الاعتبار لهذا الرجل‏.‏ ‏‏‏

مبارك‏:‏ مافيش كلام‏..‏ لا أستطيع أبدا إنكار جهوده في إعادة بناء وتنظيم القوات المسلحة فهو من بدأ بناءها‏.‏ ‏ ‏

عماد أديب‏:‏ نأتي سيدي إلي نقطة مهمة جدا وتاريخ مهم في حياتنا وهو وفاة الرئيس جمال عبدالناصر في‏28‏ سبتمبر‏1970،‏ هذا الحدث عرفنا بعده بساعات أن الرئيس القادم هو محمد أنور السادات،‏ تقديرك قبل أن تكون رجلا عسكريا،‏ وكمواطن مصري،‏ هل كانت عندك ثقة في القائد الجديد،‏ وهل كنت تعرفه وتعلم عنه ما يؤهله للاطمئنان إلي أنه في ظل وجوده المسيرة لن تتوقف؟ ‏‏

مبارك‏:‏ لا أستطيع أن أقول لك إنني كنت أعرف تاريخ السادات ونضاله الثوري‏.‏ ‏ ‏

عماد أديب‏:‏ ألم تكن هناك أية علاقة بينكما؟

مبارك‏:‏ تقابلت معه أكثر من مرة،‏ إحدي هذه المرات أيام حكاية جزيرة أبا في الخرطوم،‏ وهو جاء في طائرة بتكليف من الرئيس عبدالناصر لمعرفة الحكاية دون اللجوء إلي الضرب أو استخدام قواتنا لقذف أي مكان،‏ وهناك وجدته يتحدث بمنطقية ويقول يا حسني ماذا فعلتم،‏ فأخبرناه،‏ وبدأت أعرف السادات ومرة أخري قابلته قبل الثورة في العريش‏.‏ ‏ ‏

عماد أديب‏:‏ قيل من وقتها إن السادات أعجب بسيادتك وأخذ اسمك وكتبه في مفكرته؟ ‏‏

مبارك‏:‏ عرفت ذلك فيما بعد‏.‏ ‏ ‏

عماد أديب‏:‏ نستطيع أن نقول إن عينه كانت عليك؟‏.‏ ‏‏

مبارك‏:‏ هذا ما فهمته بعد ذلك،‏ لأنهم قالوا لي إنه كتب اسمك في مفكرته منذ أيام العريش وهذا تاريخ طويل،‏ فقد كان ذلك عام‏1950.‏ ‏ ‏

عماد أديب‏:‏ ربما كان يريد أن يجعلك من الضباط الأحرار‏.‏

مبارك‏:‏ لا لم يكلمني في شيء،‏ هو كان بيسمع بس لأن كلهم كانوا يحضرون في طائرات العريش وينزلون في القاهرة بطائرات المواصلات‏.‏ ‏ ‏

عماد أديب‏:‏ كيف تدخل الرئيس محمد أنور السادات؟ ‏‏

مبارك‏:‏ منذ أن تولي الرئيس السادات في سبتمبر أنا كنت رئيس أركان القوات الجوية،‏ فقام بترقيتي إلي قائد القوات الجوية في أبريل‏1972‏ وبعدها قام بترقيتي مرة أخري إلي نائب وزير الدفاع،‏ وبدأت العلاقات تظهر،‏ وباستمرار كانت عينه علي القوات الجوية ويريد معرفة موقفها كيف تعمل،‏ فكان من وقت لآخر يسألني عن الأحوال في القوات الجوية؟ ‏ ‏

عماد أديب‏:‏ سيادة الرئيس نذكر في اللقاءات المتعددة بينك وبين أنور السادات،‏ أنه طلب منك أن تذهب معه إلي بيته في ميت أبو الكوم،‏ وتحدثتما عن استعدادات القوات الجوية قبل حرب‏1973،‏ وهذا اللقاء وصف بأنه كان مهما جدا في تحديد قرار موعد الحرب؟

مبارك‏:‏ لقد سألني فعلا عن القوات الجوية،‏ فنحن لدينا عقدة بسبب أن القوات الجوية،‏ ضربت مرتين في‏56‏ و‏67،‏ وكنا حريصين علي ألا نتعرض لهزيمة أخري بالطبع بالتعاون مع كل أسلحة الجيش،‏ وعندما سألني،‏ قلت له،‏ أنا عايز أقولك شيئا مهما،‏ نحن نعمل بأقصي جهد ممكن للتدريب وبإذن الله لن تضرب القوات الجوية مرة أخري ونحن ننفذ تدريبات طبقا لخطة العمليات،‏ وعند استكمال التدريبات سنكون جاهزين للعمليات،‏ لكن أنا عندي ثقة أننا خلال شهور سنكون جاهزين للعمليات‏.‏ ‏ ‏

عماد أديب‏:‏ سيادة الرئيس هل كان هناك تصوير جوي من العدو للنشاط العسكري المصري؟

مبارك‏:‏ لا‏..‏ هو لا يستطيع تصوير طائرات تسير علي ارتفاع منخفض وتستعد للضرب،‏ ثم إنها لن تضرب ولكنها مجرد طائرات تمر فقط فوق ترعة الإسماعيلية أو ترعة المحمودية الموجودة عند الخطاطبة،‏ فقد كنا نعتبرها مثل القنابل وتمر عليها القوات وتعبر ميدان ضرب النار غرب القاهرة ونحن نراقبها،‏ لكن الطائرات التي تطلق النار كانت تتحرك مع طائرات الحماية‏.‏

عماد أديب‏:‏ إذا كنا نتحدث عن الرادارات ونحن في هذه الغرفة المزودة بأحدث نظام للمعلومات والبيانات،‏ وكل شيء،‏ وقت الحرب في‏1973‏ عندما كان يعود الطيار كان يتم الإبلاغ بالتليفون؟

مبارك‏:‏ الطيران عندما يكون منخفضا لن يرصده الرادار،‏ لذلك كنا نضع نقاطا لمراقبة الدفاع الجوي كأفراد معهم مناظير وأجهزة لاسلكي،‏ وعند مشاهدة أية طائرة تدخل حدود البحر من بعيد يعطي إشارة،‏ ولكنها كانت تتأخر علي غرفة العمليات بالمنصورة التي توجد بها الكتيبة فيصل إليها الخبر متأخرا عن الكتيبة من‏7‏ ـ‏8‏ دقائق‏.‏

عماد أديب‏:7‏ ـ‏8‏ دقائق كثير؟

مبارك‏:‏ في أول يوم حدث معنا عندما ضربوا المنصورة،‏ وبعد ذلك جعلنا الدفاع الجوي يغير كل هذا حتي يذيع الخبر علي البحر فيصل إلي غرفة العمليات،‏ فنكون عارفين إن هناك عدوا سيصل‏.‏

عماد أديب‏:‏ يعني الإبلاغ البشري من أشخاص يساعد في رصد العدو أكثر من الرادارات؟

مبارك‏:‏ كان بيساعد لأن الطيران المنخفض لا أحد يستطيع رصده‏.‏

عماد أديب‏:‏ لكن لم يكن الرادار نظاما للمعلومة التي يرسلها لك؟

مبارك‏:‏ الرادار نظام يعطي لي المعلومات علي طائرات أعلي،‏ لكن الطائرات المنخفضة علي سطح المياه أو الأرض لا يستطيع الرادار رصدها،‏ فالمراقبة بالنظر عندما نشاهده يذيع الخبر سريعا،‏ ويصدر أمرا لمقاتلات المنصورة أو لطنطا أو لجانكليس لاعتراضها‏.‏

عماد أديب‏:‏ يقال إن التدريب علي الطيران المنخفض من أصعب الأمور وقيل أيضا إنه في الضربة الجوية الأولي،‏ كان الطيران علي مستوي منخفض،‏ وكان شيئا مرعبا،‏ وشكل السماء مرعب كيف وصفوا هذا الأمر؟

مبارك‏:‏ الله يرحمه عبدالمنعم واصل قائد الجيش الثالث كان بيقول الأولاد جعلوا الطائرة هاتضرب في الأرض،‏ وقال‏..‏ عدوا علينا ومسحوا في راسنا،‏ طبعا الطيار يعلم أنه داخل حرب ولو عرفوا إنه هايضرب سيواجهونه بطائرات لإسقاطه،‏ الطيار يعلم أن العملية حياة أو موت،‏ فكان يلتزم وبعد عبور الطائرات وعودتها من الضربة كان الجنود يعدون طائراتنا العائدة،‏ وعندما وجدوا أن غالبية الطائرات عادت قفزوا في القنال متجهين للعبور دون الانتظار لصدور أمر بالهجوم فمعنوياتهم ارتفعت،‏ ولذلك بدأ الهجوم بعد عودة الطائرات‏.‏

عماد أديب‏:‏ لا أريد الحديث عن الحرب دون المرور علي الاستعداد للحرب،‏ لأن‏90%‏ من نجاح المعركة في التدريب والاستعداد والباقي في التنفيذ،‏ وعادة تكون النتيجة النهائية لهذا الموضوع‏..‏ فالبعض يعتقد أن دور الطيران في الضربة الأولي فقط،‏ ولكن الطيران كان له أدوار أخري مثل الإسقاط أو إنزال القوات الخاصة والإمداد والتموين والهليوكوبتر؟

مبارك‏:‏ هذا الأمر تحكمه أشياء كثيرة منها مثلا أنك عندما تضع التخطيط للعمليات أو تقول قرارات القوات الجوية،‏ تقول فيها إنه يتم التعاون مع قوات الدفاع الجوي للدفاع عن سماء الوطن في الأماكن التي ليست بها صواريخ،‏ كما أن هناك قوة ثانية من المقاتلات القاذفة يعني الجيش‏.‏

عماد أديب‏:‏ الاستطلاع الجوي؟

مبارك‏:‏ غرفة الاستطلاع الجوي كانت تعلم بعدد الطلعات الجوية التي ستنفذها كل مجوعة بشكل يومي‏..‏ فتعلم مثلا أن المجموعة رقم كذا ستنفذ اليوم‏10‏ طلعات لضرب أي عدو وتضربه من بعد علي الأرض،‏ فهناك مجموعة جوية معاونة من القوات الجوية موجودة وقائد الجيش يقول أنا عندي أهداف كذا وكذا تأتي،‏ ويحدد الاتجاه الذي ستأتي منه الأهداف،‏ كان يقول إن الهدف سيأتي من اتجاه كذا ومن عند الممرات،‏ وأنه يحتاج إلي الطائرة الميج لضربها فيصدر الأمر للطائرات بالصعود لها،‏ ويكون عندنا خبر بهذا لأنه مجهود محدد له،‏ فكل سرب يعلم أنه يتعاون مع أحد الجيوش فأحد الأسراب يعلم أن مجهوده مركز مع الجيش الثاني،‏ وسرب آخر يعلم أن مجهوده مع الجيش الثالث للمعاونة ويعلم عدد الطلعات التي سينفذها‏.‏

عماد أديب‏:‏ لدي هنا أمران أستفسر عنهما الأول أن هناك ما يسمي بصدام الطائرات المقاتلة مع بعضها البعض،‏ فكيف تم تدريب الطيارين المصريين علي هذا الأمر،‏ الثاني أن إمكانات الطائرة‏21‏ والسخوي إذا قورنت بالمعادي لها من السلاح الإسرائيلي سيكون المعادي أفضل بكثير من ناحية الإمكانات فكيف تغلبتم علي هذا؟

مبارك‏:‏ نحن ندرب علي الاعتراض باستمرار يعني يطلع سرب من أنشاص يعترض سربا من المنصورة‏.‏ مقاتلات هنا ومقاتلات من هناك وهذا كله يتم من خلال الرادار،‏ وعندما يشاهد العدو يصدر أمرا للطائرات ويوجه آخر للطائرات الأخري لأنهم متدربون علي الاعتراض،‏ ولو كانت هناك إمكانات للأفضل فيكون أفضل في المدي وأنواع الذخيرة أثناء الحرب في أغسطس،‏ أما عن قدرة طائراتنا علي القتال فكانت قدرة جيدة لكن لا تستطيع أن تظل فترة طويلة محلقة في الجو مثل الفانتوم والميراج‏.‏

عماد أديب‏:‏ كيف تدير هذه السماء التي يمكن أن يكون فيها‏200‏ طائرة،‏ وأنت أمام عدة خيارات فإما أن تخرج لهم عددا أقل من الطائرات أو عددا مماثلا،‏ فتصبح السماء علي شاشة كبيرة وسيادتك في غرفة العمليات،‏ وأكيد هناك تدريب علي هذا؟

مبارك‏:‏ مثلا في المنصورة كان يوجد لواء يتعامل هناك فكان هناك،‏ قطاع يوجد فيه رادار وموجه،‏ وطنطا أيضا لها قطاع معين ومسئول عنه وأنشاص أيضا فلو حدثت المعركة في المنصورة وأردت مساندتها بطيران من أنشاص،‏ فأنشاص تتعامل مع مسئول المنصورة،‏ ويقول له أنا سوف أدفع لك بـ‏6‏ طائرات قتال،‏ فتدخل هذه الطائرات في منطقة المنصورة التي تتولي القيادة‏.‏

عماد أديب‏:‏ إذن إدارة العمليات تتم في المنطقة،‏ فما هو دور غرفة العمليات المركزية للقوات الجوية؟

مبارك‏:‏ ننتظر ونراقب حتي نتعاون ولو شاهدنا خطرا نخبره به وننبهه إلي أن هناك خطرا يأتي من الشمال الغربي وموجها إليه‏.‏

عماد أديب‏:‏ دور القائد هنا أنه تكون لديه الصورة الكاملة للحدث،‏ وهو يقوم بدور المايسترو في توزيع المهام؟

مبارك‏:‏ بالضبط‏..‏ في حرب الاستنزاف مثلا كنت في لقاء مع الرئيس عبدالناصر في منزله بالمنشية بعد تعييني بـ‏10‏ أيام،‏ وتحدثنا عن القيادة وجلست معه ساعتين،‏ وأثناء الجلسة كانت طائرات إسرائيلية تأتي من العين السخنة وتدخل وتخرج والعين السخنة لا يوجد فيها أي شيء طبعا،‏ فصعدت طائرات غرب القاهرة لمواجهتها،‏ وكان هذا الموضوع يتكرر بشكل مستمر،‏ علي الرغم من عدم وجود أي أهمية لهذا المكان،‏ ولكن الخبراء الروس كانوا يستغلون هذا الأمر ويحاولون تشويه صورة القوات المصرية لتخويف المواطنين وعندما تحدث معي الرئيس عبدالناصر في هذا الأمر وقتها،‏ قلت له يا ريس العدو سيكرر هذا بشكل مستمر يدخل ويخرج من القناة حتي نخرج لهم طائراتنا لمواجهتهم فيستهلكوا الوقود الخاص بها،‏ فالطيار يستخدم الوقود الاحتياطي وفي وقت المعركة يلقي الوقود خارج جسم الطائرة،‏ وعندما يبدأ في القتال لن يكفيه الوقود لعودته إلي غرب القاهرة،‏ ولابد وقتها أن يفتح الماكينة حتي يستهلك الوقود وهم ينتظرون حتي يتأكدوا من أن الوقود لن يكفيه للعودة،‏ فيبدأوا في التعامل معه وإسقاطه،‏ وبالتالي نخسر كل يوم طائرات بدون داع‏.

عماد أديب‏:‏ كقائد تتحسب لكيفية استخدام ما لديك من إمكانات مع تقليل الخسائر بقدر الإمكان وتحقيق أكبر قدر من الانتصار؟

مبارك‏:‏ يومها الرئيس عبد الناصر قال للفريق محمد فوزي‏:‏ يا فوزي أعطهم شيكولاتة عند العين السخنة ولا تدخل بالطائرات وهذا كان قرارا حكيما،‏ وانا كنت أركان حرب أيام حرب الاستنزاف وكانوا يضعون كتيبة صواريخ امام القنال لمهاجمة أي طائرة بالصواريخ‏.‏ عندما تحاول الاقتراب أمام القناة فالعدو يريدك ان تقترب من القناة حتي تضربك الصواريخ الإسرائيلية وبالتالي كانوا يستطيعون الدخول بينما طائراتنا بعيدة عن مدي الصواريخ‏.‏

عماد أديب‏:‏ معني هذا أنه أحيانا يكون قرار عدم الاشتباك من الناحية العسكرية مهما؟

مبارك‏:‏ طبعا وهم كانوا يفعلون ذلك من أجل عمل مشاكل معنا ومن أجل الطائرات‏.‏

عماد أديب‏:‏ أريد أن اتوقف امام هذه النقطة لأن هذا درس من دروس تجربتك العسكرية ففي بعض الأحيان يكون تجنب المواجهة واختيار أرض قتال أو أسلوب قتال أو ميعاد قتال معين هو الأفضل وهذا الأسلوب انتقل معك إلي حياتك ومشوارك السياسي فلا أحد يفرض عليك موعدا أو أسلوب قتال؟

مبارك‏:‏ لا‏...‏ كما قلت لك إن العدو كان يقترب من جانب القناة بالاسماعيلية ولكنه لا يدخل إلينا لأن عندنا صواريخ وكل هدفه كان محاولة جر الطائرات المصرية إلي القناة حتي يستطيع أن يطولها بصواريخه‏.‏

عماد أديب‏:‏ لكن كان من الممكن لو أن هناك من يفكر بشكل عنتري ان يكون القرار ان هناك عدوا موجودا ويجب ان نخرج لمواجهته؟

مبارك‏:‏ لو حدث سوف يضرب فورا‏..‏ ونصبح وكأننا لم نفعل شيئا فهو لا يدخل الي سيناء لأنه يعرف أنه لو دخل هناك فسيضرب بالصواريخ‏.‏

عماد أديب‏:‏ السؤال هنا‏..‏ القائد الأعلي للقوات المسلحة في ذلك الوقت وهو الرئيس أنور السادات حصل منك علي تأكيد ساعده في اتخاذ قراره فقد سألك هل نحن جاهزون ام لا؟ فبم أجبته؟‏..‏ وما الذي اعتمدت عليه في هذه الاجابة؟ وما مدي المسئولية التي يتعلق بها مصير أمة ومصير جيل؟‏.‏

مبارك‏:‏ عندما أقول إنني أستطيع تأكيد أنني سوف أستغل جميع الإمكانات الممكنة حتي أستطيع تنفيذ المهمة،‏ فعندي مهمة للعمليات فلابد أن أضع لها برنامج تدريب لمدة سنة منذ أن فكرت في الحرب من تدريب المهندس وإصلاح المطارات وتدريب قطع الغيار وكيفية إمدادها بسرعة حتي اللاسلكي والمراقبين فكل هذه خطط تدريبية حتي نستطيع إن نغطي كل هذه الكوادر في العمل وعندما قلت للرئيس نحن قادرون علي الحرب قلت هذا وأنا متأكد أن القوات وصلت الي كفاءة أستطيع أن أقول معها إن باستطاعتنا دخول الحرب‏.‏

عماد أديب‏:‏ ولو لم تكن تستطيع وقتها؟

مبارك‏:‏ كنت سأقول إن أمامي سنة أخري وسوف أطلب معدات لابد أن تكون موجودة فلم نكن مستعدين لاحتمال خسارة ثانية،‏ المشير أحمد إسماعيل هو الوحيد الذي استدعاني قبل المعركة وتحدث معي،‏ وكان ذلك يوم الثلاثاء‏-‏ قبل الحرب بثلاثة أيام‏-‏ وطلب لي قهوة‏.‏ كان يريد أن يطمئن هو الآخر وقال لي‏..‏ مش عارف يا حسني زي النهاردة هنكون فين قلت له ياسيادة الوزير احنا بذلنا اقصي مجهود وأنا عندي ثقة كاملة بأننا سنؤدي مهمتنا بنجاح،‏ ولكن ما أطلبه ألا نتراجع في أي خطوة لأننا قادرون علي الانتصار بإذن الله لاننا بذلنا أقصي مجهود وفي ظل الإمكانات المتاحة لا أحد يستطيع ان يفعل اكثر من ذلك وانا عندي ثقة في النصر‏.‏

عماد أديب‏:‏ لابد من التوقف أمام نقطة مهمة وهي أن من يصبح رئيسا هو أيضا يكون القائد الأعلي للقوات المسلحة ومن هنا قرار الحرب والسلام يبقي من الصعوبة بمكان أن يترك،‏ هكذا دون أن يكون في يد تفهمه‏.‏

مبارك‏:‏ أولا‏:‏ قرار الحرب والسلام يحتاج حكمة‏..‏ فلابد أن يكون القائد الأعلي علي وعي كامل بالقوات التي تعمل معه لأنه لا يأخذ قرار الحرب إلا عندما يستدعي التقارير المختلفة ويستمع لوزير الدفاع ويتابع مع القادة حتي يمنحه الثقة ويأخذ قرارا قويا في حق هذا الوطن فالمسئولية كبيرة لأنك في مثل هذه الحالة تأخذ قرار الحرب أو قرار الانسحاب،‏ وعلي سبيل المثال‏..‏ وقت الثغرة كانت القوات ستنسحب لكن الرئيس السادات قال نستمر في القتال،‏ وقد كان رأيي مع استمرار القتال‏.‏

عماد أديب‏:‏ نأتي سيادة الرئيس لنقطة مهمة،‏ فكل هذه المكونات تراكمت معك حتي إنك وصلت الي مرحلة من التأكيد للرئيس السادات ان القوات الجوية جاهزة،‏ ونريد ان نعرف متي علمت بالضبط موعد الحرب؟

مبارك‏:‏ هذا الامر تطلب فترة طويلة من العمل حتي نحدد ميعاد الحرب،‏ فقد كان هناك مجلس مشترك بيننا وبين سوريا‏.‏ وآخر اجتماع قرروا فيه الحرب كان في أغسطس‏1973،‏ في الاسكندرية،‏ واتفقوا علي ان تبدأ العمليات يوم‏6‏ أكتوبر،‏ وهناك إجراءات وحسابات تمت من اجل تحديد موعد‏6‏ أكتوبر،‏ والساعة‏2‏ بعد الظهر لان جميع الحروب كانت تبدأ في أول النهار،‏ أما الثانية بعد الظهر فكانت أول مرة تحدث،‏ يعني الساعة الثانية تقريبا نجد‏230‏ طائرة تعبر القناة،‏ وكذلك في سوريا‏.‏ ‏ ‏

عماد أديب‏:‏ ما فهمته‏..‏ أنه خلال تاريخ الحرب كعمل رسمي،‏ أن رئيس العمليات اللواء الجمسي سلم سيادتك شعار تاريخ الحرب بشكل رسمي،‏ حتي توقع عليه،‏ ثم وضعه في الخزنة،‏ لأنه في هذا اليوم كان قلقا ومضطربا،‏ وسيادتك كنت هادئا وتناقشتم في تاريخ الحرب‏.‏

مبارك‏:‏ كان من المفروض أن نوقع علي أمر الختام الذي سندخل به الحرب قبل ساعة الصفر بـ‏15‏ يوما،‏ وكل يوم لدينا إجراءات حيث كنا نرسل قطع غيار لكل المناطق والوحدات،‏ وهذا موجود في كل الجيوش،‏ وتحدثت إليه في التليفون،‏ وكنت أخشي أن يكونوا قد نسوا الإمضاء،‏ إلا أنه قال لي عدي علينا،‏ وعندما ذهبت قال لي‏:‏ وقع،‏ فوقعت،‏ وكنت وقتها أشعر