سوريا مهد الحضارة(3)

الحضارة السورية في تل حلف
يقع تل حلف إلى الغرب من تل حسّونة بالقرب من منابع نهر الخابور . وكان أصحاب حضارة حلف عمّالاً مهرةً في تشكيل الحجارة فاستطاعوا أن يستخدموا الزجاج الطبيعي في صناعة الأواني والخرز ، وتمكّنوا من تطوير صناعة القُدُر واختراع الغزل والنسيج . وكانوا أيضاً ماهرين في صناعة الفخّار إذ استخدموا أفراناً تصل حرارتها إلى 1200 درجة فهرنهيت . وكانت أوانيهم مصنوعةً باليد ورفيعةً للغاية اتسمت بالذوق والجمال . ولوِّنت رسومها بمزيجٍ من الأحمر والأسود والأبيض (1) .
انتشرت الثقافة الحلفاوية في سورية حتى ضفاف الفرات من جهة ، ووصلت إلى الشاطئ من جهة أخرى ( رأس شمرا ) مروراً بسهل العمق . وفي نهاية الألف الخامس ق.م دخلت سورية الغربية في ثقافة آتيةٍ من جنوب ما بين النهرين تدعى ثقافة العُبيد . امتدّت هذه الثقافة إلى الجزيرة الفراتية ووصلت إلى الساحل السوري على البحر المتوسط ونرى آثارها في رأس شمرا وفي سهل العمق (2) .
8 - الحضارة السورية في العُبيد Al - Ubid
بينما كانت الحضارة الحلفاوية تنتشر انتشاراً واسعاً [...] ظهرت حضارةٌ جديدة في الوادي الأدنى لنهر دجلة والفرات ولا سيما بالقرب من رأس الخليج الفارسي [...] وقد سُمِّيت هذه الحضارة باسم تل العُبيد [...] وتمكّنت هذه الحضارة أن تصبح من القوّة بحيث انتشرت على يمين الوادي إلى أقصى الغرب نحو البحر الأبيض المتوسط حيث ظهرت ونمت في أرجاء هذه المنطقة الحضارةُ الحلفاوية (3) .
(1) أضواء على العصر الحجري الحديث ، ص 39 - 40
(2) ANTOINE SOULEIMANE - AHMAD TAREKJI , SYRIE , MEMOIRE ET CIVILISATION , P 46
(3) أضواء على العصر الحجري الحديث ، ص 43 - 44

10
9 - الحضارة السورية في قبرص خلال العصر الحجري الحديث
يوجد عددٌ من المواقع الأثرية في تسّالي Thessaly وفي خيروكيتيا Khirokitia في جنوب قبرص تشير إلى وجود مجمّعٍ زراعي هناك في منتصف الألف السادس ق.م(1) .
10 - وَحدةُ الحضارة السورية في العصر الحجري الحديث
نعود مرةً ثانيةً إلى الغرب حيث المناطق الوفيرة الماء في حوض نهر العاصي وسهول سورية الساحلية ومنطقة العمق وكيليكيا الشرقية . ويوجد هنا أيضاً قرى لها تاريخ طويل قبل أن تصل إليها من الشرق حضارة حلف ومعها الفخّار الملوّن . هذا التأثير الحضاري قد فرض نفسه على مناطق كثيرة هنا وصل إلى ساحل البحر المتوسط عند أوغاريت (رأس شمرا ) وإلى تلال جُديدة Judaidah وكوردو Kurdu في سهول العمق حيث كان يستورد هناك فخّار حلفا [...] ومما هو جديرٌ بالذكر أنّه وُجد نوعٌ من الوَحدةِ بين كل قرى هذا الإقليم . فابتداءً من بيبلوس وحماه ( وادي العاصي ) عبر سهل العمق إلى مرسين Mersin بقيليقيا تميَّزت حضارات كل المحلاّت الأولى هناك بالفخّار المحروق ذي الوجه الأسود والرسوم الهندسية [...] أما المنازل فقد كانت في العادة مبنيَّةً من الطين ذات شكلٍ مستطيل ، وفي بيبلوس وأوغاريت كانت الأرضية مدهونة ، الأمر الذي يُذكّرنا بجريكو (2) .

عرضنا في ما تقدّم ، تسعةَ مواقع أثرية حضاريةً في سورية الطبيعية انتشرت خلال العصر الحجري الحديث في الجنوب والشمال والشرق والغرب ، وتفاعلت فيما بينها مشكِّلةً وَحدةً حضارية كانت الأولى في تاريخ البشرية . يقول جاك كوفان :
Le Levant a joué un double rôle dans lapparition des sociétés agricoles et pastoraes . Dune part , la mise en culture des céréales et de certaines légumineuses y a été effective dès le
(1) أضواء على العصر الحجري الحديث ، ص 30
(2) المرجع نفسه ، ص 42 - 43

11
huitième millénaire av . J.C. , plus tôt que partout ailleurs dans le monde , tandis que la chèvre et le mouton y devinrent domestiques dès le septième millénaire av.J.C. , soit là aussi plus tôt qu ailleurs ; d autre part , cette région a été un centre de diffusion de ces inventions , tant vers l ouest , jusqu à l Europe , que vers l'est. On sait en effet aujourd'hui que les céréales domestiquées n'ont aucun ancêtre sauvage dans les pays d'Occident . Ces pays les ont donc très certainement reçues du proche - Orient . De même , les ancêtres sauvages de nos chèvres et moutons domestiques n'étaient pas européens (1)
ويقول فراس سوّاح ، بصدد أسبقية الحضارة السورية ، ما يلي : إنّ علم الآثار الحديث يقرّر اليوم أن الثورة النيوليتية والثورة المدينيّة قد حدثتا لأول مرة في تاريخ البشرية في منطقة الشرق الأدنى القديم ، وهي المنطقة الوحيدة التي حقّقت ثورتها في معزل عن كل تأثير خارجي ، جاعلةً من نفسها نموذجاً أولاً للتحوّلات التالية في المناطق الأخرى . فالثورة المدينية وظهور المدن الأولى قد تمَّ في سومر بوادي الرافدين ، ومنها انتقلت جنوباً نحو مصر ، وشرقاً نحو الهند . أما البشائر الأولى للثورة النيوليتية ، البداية الحقيقية للحضارة ، فقد انطلقت من سورية [...] إنَّ أولى التجمّعات البشرية المستقرّة ، وأولى القرى المبنية في السهول المفتوحة قد قامت في سورية الجنوبية في منطقة فلسطين ووادي الأردن خلال الألف العاشر والألف التاسع ق.م [...] وهكذا يأتي علم الآثار ليدعم نظريّة البؤرة الحضارية الأولى وانتشار الحضارة من مركز واحد ، في مقابل نظرية التطوّر المتوازي ، ويُشير إلى منطقة الهلال الخصيب كموطنٍ لهذه البؤرة ، حيث بدأ الاستقرار في الأرض وتبعتهُ الزراعةُ في قرن الهلال الغربي ، وظهرت المدينةُ الأولى ، نواة مدنية اليوم في قرنه الشرقي (2) .
(1) Jaques Cauvin , Syrie , Mémoire et Civilisation , p 32
(2) لغز عشتار ، دار الكندي ، حمص ، طبعة ثالثة ، 1988 ، ص 15 - 16

12
إنَّ ما سُمّي ب الحضارة النطوفيّة ( جريكو ) وغيرها من الحضارات التي اكتُشِفت في المواقع الأثرية الآنفة الذكر يشكّل كلٌّ منها نموذجاً لحضارةٍ واحدة هي الحضارة السورية في حقبةٍ زمنيةٍ معيّنة . إنّ الحضارة السورية في عصر ما قبل التاريخ ، أتت نتيجة تفاعل بين الجماعات البشرية التي استقرّت في البيئة السورية ، وبينها وبين البيئة الطبيعية نفسها منذ فترةٍ زمنية طويلة تعود إلى الألف العاشر ق.م . إنّ التماثل في نوعية الآثار المكتشفة يدلّ على وَحدةٍ حضارية أوجدها قيامُ تواصل وتفاعلٍ مستمرَّين بين مختلف المتحدات البشرية التي استقرّت في سورية الطبيعية . وقد سهَّلَ هذين التواصل والتفاعل وحدةُ البيئة الطبيعية السورية التي حضَنَتْ تلك المتحدات وساهمت بدمجها في بوتقةٍ اجتماعية واحدة ، ودورة حياتية كاملة .