مؤامرة هيوارد ستون الاميركية في الخمسينيات

1957: مؤامرة هيوارد ستون الاميركية للاطاحة بالانطلاقة الشعبية القومية الديموقراطية التقدمية في سورية - البيان الرسمي السوري بعد كشف المؤامرة - الشيشكلي وابراهيم الحسيني في دمشق - تشكيل مجلس قيادة عسكري اثر انكشاف المؤامرة - موقف الادارة الاميركية.

اجتمعت بالمقدم خطار حمزة بناء على طلبه في العشر الاول من شهر تموز 1957 على ما اذكر، في منزل منصور الاطرش بعد فترة طويلة لم اره فيها فأسر لي على انفراد تفاصيل لقائه الاول مع احد موظفي السفارة الاميركية وسألني عما يفعل؟ هل ينقطع عن متابعة الاتصال بالاميركيين ام يتابع اتصالاته حتى تتكشف التفاصيل؟

قلت له:

هذه القضية ليست من اختصاصي وما عليك الا ان تخبر المقدم عبد الحميد السراج وهو يرشدك الى ما يجب ان تفعله، فقال:

انني لا احب المقدم السراج فأجبته ليس امامنا طريق آخر لانه هو المسؤول عن هذه القضايا، قال خطار:

هل اخبر المقدم سراج انني اطلعتك على الموضوع؟

قلت له: انني اترك هذا الامر لتقديرك الشخصي، فقد كنا نشعر بانزعاج المقدم سراج، عندما نشير الى بعض الامور التي تساعده في كشف ما يبيت للبلاد.

وبعد مضي ما يزيد على الشهر تقريبا اذاعت محطة دمشق بتاريخ 12-8-57 بيانا رسميا عن كشف مؤامرة اميركية وهذا نصه:

"لم يرق للاستعمار الاميركي ان تظل سورية حرة طليقة تتمتع بما حققته من خطوات موفقة في حياتها الاستقلالية، فسعت الولايات المتحدة مرات عديدة الى قلب نظام الحكم في سورية ليحل محله حكم يستند الى حراب الاجنبي ومساعدته، ولينكل بأفراد الشعب ويكيد لهم، ويمتص خيرات ارضهم.

على ان هذه المؤامرات فشلت كلها بفضل وعي الرأي العام السوري ويقظة الجيش الباسل وصدرت احكام القضاء السوري في آخر هذه المؤامرات على عدد من اصحاب النفوس الدنيئة الذين باعو بلادهم للمستعمر، ولكن الدوائر الاستعمارية الاميركية لم تقنع بالهزيمة وتابعت دون توقف حملتها المغرضة على سورية، واحاطتها بجو من التشويه والتمويه، ولم تتوان عن اعلان موقفها هذا عن طريق التصريحات الرسمية والصحافية.

وكانت هذه الاوساط تهاجم باستمرار الاوضاع في سورية مبدية عدم رضائها عنها، عاملة على الاتصال بالعملاء والمأجورين والخونة لنشر الاخبار الكاذبة وترويج الاشاعات الملفقة التي يقصد منها الاساءة الى سمعة سورية وتهيئة الجو الدولي لعدوان ممكن ضدها، فكان ان ارسلوا امهر خبرائهم في التآمر وهو المدعو هوارد ستون، وقد سبق لستون هذا ان حاك مؤامرة ضد سلامة السودان، ونظم مؤامرة اخرى للنيل من اماني الشعب الايراني، وكان من وراء الانقلاب الذي قامت به الولايات المتحدة في غواتيمالا، وقد تسلم ستون ادارة دفة التآمر فأحيط علما بجميع ما يحتاج اليه من معلومات عن الاوضاع في سورية، وطلب من عملاء الاستعمار وضع خدماتهم تحت تصرفه... وقد سارعت السفارة الاميركية فجندت لخبيرها موظفيها وسياراتها ومنازل موظفيها وامكاناتها المالية الضخمة.

بدأ نشاط الخبير باجراء اتصالات واسعة النطاق شملت اولا عصابة القوميين ثم تجاوزتها الى محاولات متتابعة للاحتكاك بضباط الجيش السوري... وجرت فعلا اتصالات كثيرة مع عدد من الضباط السوريين، كما عقدت اجتماعات متتابعة، على ان الضباط السوريين الشرفاء لم يقعوا في فخ المستعمر المتآمر، فبلغوا المراجع المختصة تفاصيل المؤامرة، كما تابعوا اتصالاتهم بالمتآمرين ليكشفوا عما خفي من الامر، فتأكد لهم أن اهداف المؤامرة تبديل الاوضاع في سورية، ومتابعة المؤامرات الواحدة اثر الاخرى الى ان تنجح احداها، وقد عرض المتآمرون على الضباط الشرفاء مبالغ طائلة من المال سلمها هؤلاء حالا الى المراجع المختصة، واعطيت التعليمات للضباط بالعمل على معرفة رؤوس العصابة وقادة المؤامرة.

سارت الاتصالات خطوات جديدة الى الامام، وتظاهر الضباط بقبولهم التام للنظريات المعروضة عليهم، ومنها القبول باسرائيل والاعتراف بوجود الخطر الشيوعي. ثم تم الاتفاق على موعد الاجتماع بقادة المؤامرة في اجتماع عام، ولكن ذلك لم يلبث ان بدل، وتقرر ان يجرى الاجتماع بالضباط منفردين، وقد سبق احد الاجتماعات 45 دقيقة زيادة في الحيطة، وكان الاميركيون يفسرون هذه التبدلات في المواعيد بقولهم: ان وقت زعماء الحركة ضيق جدا وثمين، وانهم لا يستطيعون ان يضحوا بدقيقة واحدة دون سبب، ولم تأل السلطات العسكرية جهدا في كل مراحل المؤامرة لاتخاذ الاحتياطات اللازمة لاكتشاف تفاصيل ما يدور في الخفاء والقاء القبض على المتآمرين في الوقت المناسب. لقد رافقت هذه السلطات الضباط بمدني عهدت اليه بمهمة الترجمة، وكان من المنتظر في هذا المدني ان يخبر المسؤولين بأي تبديل يطرأ على موعد ومكان الاجتماع وتم اخيرا الاتفاق على موعد للاجتماع بزعماء المؤامرة مساء يوم الاحد الواقع في 11-8-57 ... وطلب من احد الضباط الشرفاء ان يقصد مكانا معينا في شارع الروضة، فذهب الضابط الى المكان المذكور في الوقت المحدد وبرفقته المدني، فوجد سيارة من طراز فورد تحمل رقم 7175 ويملكها اميركي، وقد قاد السيارة ستون بنفسه، وتعمد التجول في شوارع المدينة مدة نصف ساعة، ثم توقفت السيارة فجأة امام منزل في شارع ابي رمانة، ظهر فيما بعد انه يعود لاحد موظفي السفارة الاميركية، وقد طلب من الضابط ان يهبط من السيارة، واحتجز المدني فيها ولم يسمح له بمغادرتها الا بعد انهاء الاجتماع.

دخل الضابط المنزل وهو منزل علم فيما بعد انه يخص احد الاميركيين، ثم ادخل الضابط الى غرفة منفردة وبعد مرور دقيقة فوجىء بدخول العقيد ابراهيم الحسيني الملحق العسكري في السفارة السورية في روما وكان يحمل في يده قبعة من القش تحوي على لحية وشاربين مستعارة.

بادر الضابط العقيد بالتحية العسكرية فعانقه العقيد الحسيني وبادره بحديث خلاصته انه اتفق مع السلطات الاميركية المختصة على الحصول على معونة مالية لسورية تتراوح بين 300-400 مليون دولار وذلك لقاء تصفية الاوضاع الحالية في سورية وعقد الصلح مع اسرائيل، واضاف الحسيني بأن اميركا قد وافقت على ان تهاجم سورية لبنان وتحتله، ثم ينظر في امر الاردن ثم في امر العراق، وقد تهجم الحسيني على الاوضاع في سورية، وعلى الاركان العامة في الجيش السوري واخيرا اخرج مصحفا من جيبه وطلب منه ان يقسم على ان لا يبوح بشيء من هذا الحديث وان لا يفشي ان اسم من اسماء المتآمرين، ولخص الحسيني خطته بقوله:

انه يطلب من الضابط ان يتعاون مع بعض القطعات على القيام بانقلاب عسكري، وعندما تدبر جميع الامور عليه ان يعلمه باشارة رمزية ليجري تحديد التاريخ لتنفيذ المؤامرة.

ان هذا الضابط ثمين في نظر العقيد ونظر الاميركين لما له من النفوذ الفعلي في القطعة التي ينتمي اليها، وقبل ان يودع الحسيني الضابط، اشار الى انه سيسعى مع الاميركين الذين يتعاون معهم لكي يدبروا اغتيال بعض الضباط الذين يحولون دون تنفيذ رغبات الاستعمار، ولكي يعملوا على تعريفه على بعض المشتركين بالمؤامرة، كما الح الحسيني على الضابط بضرورة اغتيال آمر قطعته.

بعد ان ودع العقيد الحسيني الضابط دخل شخص اميركي اسمه (جاتين) الغرفة وطلب منه البقاء في الغرفة، واغلق عليه الباب مدة 65 دقيقة ثم عاد اليه بعد ذلك وابلغه ان الحسيني استقل الطائرة في طريقه الى روما وسمح له بعد ذلك بمغادرة المنزل، وما كاد الضابط ينصرف حتى سارع بابلاغ ما جرى له فاتخذت جميع الاحتياطات الضرورية، وفي الوقت نفسه تقريبا كان ضابط آخر على موعد في منزل معين للاجتماع بمسؤول عن المؤامرة، وكانت كافة الاحتياطات قد اتخذت لالقاء القبض على المتآمرين بالجرم المشهود، ولكن مكان الاجتماع بدل في اللحظة الاخيرة، واقتيد الضابط الى منزل اتضح فيما بعد انه يعود لاحد الاميريكيين ايضا، وعندما دخل الضابط احدى غرف المنزل فوجىء بوجود المتهم اديب الشيشكلي جالسا وحوله ثلاث سيدات اميركيات، وقد غادرت السيدات الغرفة اثر وصول الضابط، وسارع الشيشكلي الى معانقة الضابط ثم قال له:

لقد جئت الى هنا مغامرا بدمي، ولن اعود الا بعد ان اصفي الاوضاع في سورية، ثم اضاف الى ذلك قائلا:

ان طابع حركتنا هو السرعة، وستكون سعيدا في حياتك المقبلة من جراء مساهمتك بهذه الحركة، ثم طلب اليه ان يحاول شراء ضمائر بعض الضباط وان يعدهم باغداق المال عليهم، وقال اذا نجحت بتدبير الضباط فعليك باعلامنا لنستعد للعمل وننسقه، واخيرا ودعه وطلب اليه ان يبلغ ما يتصل بنشاطه للعناصر الاميركية التي يتعاون معها، وقد احتجز الضابط في غرفة منفردة ساعة ونصف الساعة تقريبا، ثم حضرت بعد ذلك امرأة طلبت منه الخروج.

ايها الشعب هذا جزء من مؤامرة استعمارية حقيرة حيكت في الظلام ضد حريتك واستقلالك وقد سبق ان حدث اجتماع في بيروت ضم اديب الشيشكلي وابراهيم الحسيني والسفير الفرنسي والملحقين العسكريين الفرنسي والاميركي، وقد تبادل المجتمعون بالبحث المؤامرة على سلامة سورية وقلب الاوضاع فيها.

لقد رافق تلك الاحداث استدعاء سمير الرفاعي وزير خارجية الاردن القائم باعمال السفارة السورية بعمان بتاريخ 31/7/1957، وتكليفه ابلاغ الحكومة السورية الانذار التالي:

اذا لم تكف الصحف السورية عن الحملة التي تشنها على حكومة الاردن، فان الحكومة تحتفظ لنفسها بحق اتخاذ اي تدبير تراه، وقال ان هذا التدبير لن يقف عند حد قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، بل اننا سنلجأ الى اية وسيلة اخرى ومنها الاشتباك المسلح، ولما نبهه القائم بالاعمال الى خطورة اقواله اجابه بأنه مدرك تماما لما يقول، وانه ينتظر جواب الحكومة السورية حتى يوم 4/8/1957 على ابعد تقدير.

كان نتيجة لمحاولة التآمر الفاشلة التي دبرتها المخابرات المركزية ان طلبت الحكومة السورية من القائم بالاعمال الاميركي ان يغادر سورية خلال اربع وعشرين ساعة مع كل من هيوارد ستون وفرانك جيتون والكولونيل مولوي الملحق العسكري.

فكان رد فعل الولايات المتحدة على كشف المؤامرة وطراد دبلوماسييها ان اصدرت بيانا اعتبرت فيه سفير سورية في واشنطن السيد فريد زين الدين غير مرغوب فيه، كما اعلنت ان سفيرها في سورية جيمس موس الذي كان موجودا في واشنطن لن يعود الى سورية واحتجت على ما اسمته "حملة افتراءات"

ويشير ولبر كراين ايفلاند مسؤول المخابرات المركزية في كتابه حبال من رمل صراحة الى هذه المؤامرة:

"علمت ان كاسن في فرع دمشق لادارة المخابرات المركزية يتحرك نحو الامام في سبيل تنفيذ عملية انقلاب، وقد جاء الى بيروت وشرح لنا خطته وقال انها ستكون عملية محترفين وان كيم روزفلت قد رتب تعيين ستون في دمشق بدلا من الخرطوم ليتأكد ان "الهندسة" سيقوم بها رجال محترفون ... ان ستون اشبه بالاسطورة فهو الذي ساعد كيم رزفلت في عزل الرئيس مصدق عام 1953"

"ان المخابرات المركزية تتصل مع الرئيس السوري السابق اديب الشيشكلي، وهي التي اعطت العقيد ابراهيم الحسيني جواز سفر مزور لكي يدخل لبنان، وكان على السفارة نقل الحسيني الى سورية (وهو رجل ضخم كالثور) في داخل مكان الامتعة في سيارة السفارة، وفي سورية سيجتمع مع عدد كبير من العملاء السوريين المتعاملين مع كاسن لاعداد العدة لعودة الشيشكلي بمجرد نجاح الانقلاب والاطاحة بالحكومة.

لكن الذي حدث هذه المرة هو انكشاف الانقلاب قبل ان يبدأ، فقد توجه ضباط الجيش السوري الموكول اليهم الادوار الرئيسية نحو الشعبة الثانية، ودخلوا بكل بساطة الى مكتب العقيد السراج وارجعوا اموالهم، وذكروا اسماء ضباط المخابرات المركزية الذين دفعوا لهم الاموال، ومع ان كاسن وكلوز ومعظم موظفي الفرع كانوا محميين بواسطة الوسطاء الذين كانوا يؤمنون الاتصال، فان ستون وضابط مخابرات مركزية اخر هو فرانك جيتون قد قبض عليهما بالجرم المشهود واعلن انهما غير مرغوب بهما في سورية وشمل امر الطرد ايضا العقيد بوب مولوي الملحق العسكري الذي كان يريد دائما بعض المؤامرات" (ص449-450)

ردود فعل كشف المؤامرة داخليا

تلقت الحكومة ورئاسة الجمهورية الوف البرقيات من مختلف انحاء البلاد تطالب كلها برؤوس المتآمرين وتطهير الجيش وجهاز الدولة وفرض الاحكام العرفية، وكان تعليقي للصحف على كشف المؤامرة.

"ان بها دلالة جديدة على ان الاستعمار الذي فشل في معركة اخضاعنا بالغزو، يحاول ان يهدمنا من الداخل لمصلحته ومصلحة اسرائيل، غير ان اليقظة القومية في سورية ستحبط هذه المؤامرات وسوف يكون نصيبها الفشل، كما ستكون مبعث تماسك الشعب وايقاظ وعيه السياسي والقومي، اما فيما يتعلق باعادة الاحكام العرفية فاني ارى ان يترك امرها للحكومة لتدرسها على ضوء الاوضاع الراهنة"

كان وضعنا مع رئيس الجمهورية شكري القوتلي ووضعه معنا حرجا للغاية، ففي الوقت الذي كنا نحرص فيه على بقائه في رئاسة الجمهورية، كان هو منزعجا جدا من كشف المؤامرة، ومن اجماع المواطنين على المطالبة بتطهير جهاز الدولة والجيش من الذين يعتبرهم هو ويعتبرهم الرأي العام من انصاره، ولا سيما بعد ان اشار اليهم ستون في حديثه بأنهم موافقون على المؤامرة وعلى تسلم الحكم في البلاد بعد نجاحها، ولكن القوتلي لم يسعه - بعد ابداء انزعاجه وتردده- الا ان يوقع اخيرا على قرارات الحكومة التي قضت بتنقلات واسعة في قيادات الجيش وقوى الامن الداخلي وفي المناصب الادارية الاخرى.

كان في نية الولايات التحدة بعد نجاح المؤامرة تعيين اللواء توفيق نظام الدين - وكان رئيسا للاركان - وزيرا للدفاع واللواء طالب الداغستاني رئيسا للاركان، واللواء عزيز عبد الكريم معاونا له وتسليم شعب الاركان للضباط هشام السمان وبديع بشور وسهيل عشي، كما ظهر من وقائع التحقيق، ومن هنا تكونت القناعة لدى الحكومة والجيش والمواطنين جميعا بضرورة اعادة النظر بقيادة الجيش ورؤساء الشعب في الاركان وفي قيادة قوى الامن الداخلي، وفي الاجتماعات التي جرت في قطعات الجيش بعد كشف المؤامرات رشح جماعة النفوري عفيف البزرة لوزارة الدفاع وامين النفوري لرئاسة الاركان، فأصر الموالون لنا في الجيش ان يتسلم عفيف البزرة قيادة الجيش ورئاسة الاركان العامة بدلا من امين النفوري الذي اصبح معاونا لرئيس الاركان، وقد كانوا يخشون من استلام النفوري رئاسة الاركان مما يقتضي ترفيعه الى رتبة اعلى تزيد من نفوذه ونفوذ من يلتف حوله من جماعة الشيشكلي في الجيش، اما عفيف البزرة فلم يكن له مثل هذا الوضع في الجيش، كما اصروا ان يستلم مصطفى حمدون الشعبة الاولى التي يعود اليها تعيين الضباط وتنقلاتهم وتسريحهم، وان يعين احمد عبد الكريم في الشعبة الثالثة، كما تقرر تسريح بعض الضباط الذين اشار ستون والمتآمرون الى انهم كانوا على اتصال معهم، وكان من الطبيعي الا يوافق توفيق نظام الدين الذي ورد اسمه معهم على هذه التنقلات والتسريحات فطلب احالته على التقاعد فأصدرت الحكومة مرسوما بتاريخ 17-7-57 باحالته على التقاعد وتعيين اللواء عفيف البزرة قائدا عاما للجيش والقوى المسلحة ورئيسا للاركان العامة وترفيعه الى رتبة فريق، واصدرت مرسوما آخر بتعيين الزعيم الركن امين النفوري معاونا لقائد الجيش والقوات المسلحة، كما عين المقترحون من قبل قيادات الجيش رؤساء للشعب في الاركان، واتخذت الحكومة قرارا باحالة قائد الدرك العام محمد علي اسماعيل على الاستيداع وتعيين الزعيم جمال فيصل قائدا عاما للدرك بالوكالة وتعيين المقدم محمد الجراح معاونا له، ونقل شاكر الانطاكي الى مديرية مكتب الحبوب، وسمى المقدم عبد الله جسومة مديرا عاما للشرطة بالوكالة، وقد اقر رئيس الجمهورية بعد تردد هذه التشكيلات الجديدة، ثم سافر الى القاهرة وسط الشائعات التي اطلقتها ابواق الغرب بأنه قدم استقالته وانه لن يعود الى دمشق، اما موقفنا السياسي من المؤامرة وضرورة الاستفادة من كشفها فقد تحدثت عنه في افتتاحية البعث بتاريخ 17/8/1957 وكانت تحت عنوان "متانة الوضع الداخلي ضمانة لاحباط المؤامرات) وفيما يلي نصه:

لقد انكشفت هذه المؤامرة الاستعمارية الكبرى الجديدة على سورية ولما تكد تنقضي غير شهور قليلة على محاكمات المؤامرة الاخيرة، ولئن كان حلف بغداد مع عملائه من المجرمين والخونة والسياسيين المأجورين هو الذي دبر المؤامرة السابقة ولعب فيها الدور الرئيسي، فان هذه المؤامرة الجديدة من تصميم وتنفيذ الولايات المتحدة الاميركية بواسطة سفارتها بدمشق، بعد ان استلمت اميركا زمام التخطيط والتنفيذ للاستعمار الغربي واسرائيل في الشرق الاوسط بعد فشل العدوان الثلاثي على مصر واعلان مبدأ ايزنهاور.

هذا التصميم الراسخ الذي تجلى في المؤامرتين من قبل السياسة الغربية والصهيونية العالمية على اخضاع سورية والحاقها بمخططاتها ومشاريعها الاستعمارية، ليس بالامر الجديد، ان تاريخ سورية الحديث منذ جلاء الجيوش الاجنبية عنها الى الان، سلسلة من المعارك الضارية المتصلة ضد سلسلة من المؤامرات التي يحيكها الاستعمار للقضاء على هذه الانطلاقة التحررية التي بدأت تتحقق في هذه البقعة من الوطن العربي، ذلك لانه يعلم ان جميع مخططاته ومشاريعه في الهلال الخصيب والجزيرة العربية مهددة دوما بالفشل والانهيار اذا ظلت هذه الرقعة من ارض العرب حرة يذكي تحررها واستقلالها جذوة النضال في الشعب العربي بأسره في هذه المنطقة، ويقف سدا منيعا في وجه اسرائيل واهدافها في التوسع وتصفية قضية فلسطين.

هكذا كانت سورية منذ بداية عهدها بالتحرر والاستقلال هدفا رئيسيا من اهداف الاستعمار الغربي واسرائيل في الشرق الاوسط ركز عليه هجومه واخذ يزرع فيه باستمرار بمؤامراته ومناوراته ومشاريعه المختلفة جميع انواع القلق والاضطراب وعدم الاستقرار، غير ان الوعي المتزايد الذي عبر عنه الشعب العربي فيها، والنضال المتصل الذي ما انفك يحارب به هذه المؤامرات والمناورات والمشاريع الاستعمارية، كل هذا اتاح له ليس فقط ان يحافظ على استقلاله طوال هذه الفترة وانما ان يخطو الى الامام خطوات ايجابية لتدعيم هذا الاستقلال.

هكذا كانت السياسة العربية التحررية ثمرة من ثمرات كفاح الشعب العربي في سورية للمحافظة على استقلاله ولشق الطريق نحو تحرير الوطن العربي وتوحيده.

غير انه بالمقدار الذي كانت سورية تحبط فيه المؤامرات وتحقق مزيدا من الخطوات في تدعيم السياسة العربية التحررية، كان الاستعمار الغربي والصهيونية العالمية يزدادان عليها تكالبا وضراوة، ولقد جاء تسليح سورية لجيشها تسليحا حرا غير مشروط، وهذه الخطوة الاخيرة التي خطتها نحو تحرير اقتصادها من التبعية في المباحثات التي دارت مع الاتحاد السوفياتي ودول الكتلة الشرقية وذلك بتطوير هذا الاقتصاد وتصنيع البلاد واستثمار مرافقها، كل هذا جاء ليجعل الاستعمار والصهيونية يجن جنونهما فيقدمان على محاولات وحشية ضارية للقضاء على استقلالها.

من هنا انبثقت هذه المؤامرة الاميركية على سورية التي انكشفت اليوم، وهذا هو السبب الذي سيجعل سيل المؤامرات لا ينقطع بعد اليوم. وكما جعل حلف بغداد من حكام العراق وارضه قواعد لانطلاق هجومه على سورية، كذلك جعل الاستعمار الاميركي ومبدأ ايزنهاور من حكام لبنان والاردن وأرضهما وكرا للتآمر يدرب فيها الخونة والجواسيس ويعدون اعدادا اجراميا لعمليات التخريب في سورية.

بل ان الاستعمار الاميركي جعل من ارض سورية نفسها مركزا لتآمره في دور سفارته التي حشد فيها اكثر من ثلاثمائة موظف وراءهم أعداد من الخونة والجواسيس.

غير ان الاستعمار الاميركي جاء متأخرا، فالشعب العربي في سورية الذي ناضل سنين طويلة وبذل التضحيات بالمال والرجال وحقق هذه الانتصارات لن يتراجع عن خطوات التقدم التي احرزها ولن يفرط في حريته واستقلاله وامانيه التي هي اماني الامة العربية بأسرها.

غير ان هذا التصميم عند الشعب العربي في سورية على المحافظة على استقلاله وسلامة الحكم واتجاهه في دولته يجب ان يقابله تصميم مماثل على اقامة حكم على مستوى ضراوة الهجمة الاستعمارية وشدتها، ولا يتحقق ذلك الا بالامور التالية:

1- القضاء على ميوعة الحكم. ذلك ان تراخي الحكم وترديه، فضلا عن انه يبعثر قوى الشعب والدولة، يفتح ثغرات تساعد الاستعمار على تنفيذ مؤامراته. فالدعاية التي هي سلاح فتاك من اسلحة المعركة لم تنظم، بل ان الاستعمار استطاع ان يتسلل الى وسائل دعايتنا نفسها ويستخدمها سلاحا ضدنا، لهذا لا بد من تنظيم الدعاية والنشر بشكل يجعلها بيد الشعب ولخدمة الشعب وحده.

اما قوى الامن الداخلي فقد ظلت حتى الان مشلولة غير فعالة، الامر الذي القى عبء مكافحة التآمر على الشعبة الثانية في الجيش وحدها، ان الاخطار الداهمة التي تتعرض لها البلاد والمؤامرات المتلاحقة، وحشود العملاء والخونة والجواسيس تجعل الشعبة الثانية غير قادرة وحدها على مراقبة نشاط الاجانب والمشبوهين بجيشهم الجرار، لذلك لا بد من تركيز جهاز الامن الداخلي وجعله قويا فعالا قادرا على القيام بواجبه الوطني في حفظ السلامة العامة خاصة في هذه الظروف الحاسمة.

2- تطهير الجهاز السياسي، لقد دلت المؤامرات التي كشفت وحوكم اصحابها ان الجهاز السياسي في سورية مشبوه اندست فيه عناصر سائرة في ركاب الاستعمار، وكل تهاون في امر هذه العناصر الخائنة يشكل خطرا مميتا، ذلك لان الجهاز السياسي هو الجهاز القائد للشعب، ووصول الخونة الى مراكز قيادية، لا يتيح للاستعمار ان يفسد جهاز الدولة ويضلل الشعب فحسب، وانما يؤدي الى تسرب اسرار الدولة ونقل المعلومات الى الدوائر الاستعمارية مما يسهل تنظيم المؤامرات وتنفيذها. ان نقطة الضعف الرئيسية التي كان الاستعمار ولا يزال يوجه منها ضربته الى نضال الشعب في الدول العربية هو الجهاز السياسي الموبوء بالخونة وعملاء الاستعمار فيها والثورات التي نشبت في الدول العربية ضد الاستعمار كانت تتجه قبل كل شيء للخلاص من القيادات الخائنة.

3- المقاومة الشعبية والعناية بها. ان قوى الاستعمار الكبيرة التي تخاصم اليوم القضية العربية وتقف على قدم الاستعداد لتوجيه ضربتها للشعب العربي لا يمكن ان يتكافأ معها الا صمود شعبي شامل من سائر فئات المواطنين في وجهها، صمود مسلح قوي يضع شعبا بأكمله امامها ويجعلها تحسب لمقاومته الف حساب، ولا يتهيأ هذا الا بتنظيم المقاومة الشعبية تنظيما جديا مثمرا تجعل الى جانب الجيش النظامي جيشا شعبيا دائما، وهذه القوى الشعبية التي يجب ان تنشأ لا تعطي الثمار المطلوبة بالاقتصار على التدريب وحمل السلاح وحده، بل ان التوجيه فيها سلاح امضى من سلاح الحديد والنار.

4- رقابة الشعب على النشاط الهدام. ان من واجب الدولة ان تجعل وسائل الدعاية والاذاعة والتوجيه فيها من كل مواطن رقيبا على النشاط الهدام والمؤامرات التي استشرت وستستشري اكثر فأكثر كلما خطت سورية الى الامام، وليس بامكان قوى الامن ان تكون وحدها العين الساهرة على سلامة الوطن، ومن الممكن، بل من الضروري ان يكون الشعب كله عينا ساهرة ذلك ان تقديم المعلومات عن النشاط المعادي للمراجع الرسمية هوابسط واجب يقوم به المواطن الذي برهن دوما انه على استعداد لتقديم اعظم التضحيات.

اخيرا ان هذه المؤامرة الجديدة وما سبقها من مؤامرات قد برهنت بما لا يدع مجالا للشك ان شق سورية طريقها في الميدان السياسي والاقتصادي والانشائي متوقف على قوة الحكم وتماسكه ونقائه ووعيه، وان الامر قد بلغ من الخطورة حدا لا يحتمل التساهل والتراخي، والمستقبل سيكشف ان الاستعمار سيحاول القيام باعمال جنونية مفرطة في الوحشية والشراسة، بعد ان غدت سورية منطلقا لاماني الشعب العربي في القضاء على الاستعمار وتحرير الوطن العربي وتوحيده وتحطيم احلام الصهيونية العالمية، ان المعركة القائمة في سورية هي في الحقيقة معركة العروبة وعلى هذا المستوى يجب ان نخوضها يقظين مستبسلين.

ملاحظات على قرار قاضي التحقيق ووقائع المحاكمة

من التمعن بقرار قاضي التحقيق الذي اذيع بتاريخ 10/9/1957، ومن تتبع وقائع محاكمة المتآمرين التي جرت من قبل المحكمة العسكرية برئاسة الزعيم جمال فيصل وعضوية العقيدين بشير المالح وراشد الكيلاني وممثل النيابة العامة محمد الجراح ابتداء من 12/12/1957 حتى صدور الحكم على المتهمين بتاريخ 14/2/1958 يمكن الاشارة الى الملاحظات التالية:

1- قام دبلوماسيون اميركيون بأنفسهم بتدبر هذه المؤامرة مستعينين بالسوريين القوميين في لبنان بزعامة اسد الاشقر وسامي الخوري (المحكوم الفار بجريمة اغتيال العقيد عدنان المالكي) بمعزل عن حكومة العراق.

2- بدأ ستون بالتحضير للمؤامرة في دمشق بمساعدة الملحق العسكري وموظفي السفارة الاميركية محتمين بالحصانة الدبلوماسية بشكل منسجم مع الاتصالات التي كان يجريها في بيروت فضل الله ابو منصور السوري القومي المحكوم مع بعض الضباط المسرحين ومع الضابط العامل فرحان الجرمقاني.

3- كان العميلان نديم الجعفري ومحمود نعمة واسطة الاتصال بالضابطين خطار حمزة وعبد الله الشيخ عطية.

4- ان الضباط الثلاثة العاملين الذين جرى الاتصال بهم قد اخبروا فورا الشعبة الثانية.

5- اضطر ستون للاتيان بأديب الشيشكلي وابراهيم الحسيني الى دمشق اثناء اتصاله بالضابطين المذكورين لان كبار الضباط الذي قال ستون انه اتصل بهم قد جبنوا وترددوا، ولكنهم وعدوا بالتعاون مع الوضع الجديد بعد نجاح المؤامرة، وهو قول قد يكون كاذبا من هيوارد ستون، ولكن الاميركيين قدروا ان كبار الضباط من كتلة الشوام يمكن ان يؤيدوا الوضع الجديد في حال اقصاء البعث العربي الاشتراكي واليساريين عن السلطة، وابقاء الاوضاع برئاسة القوتلي فيتولوا هم قيادة الجيش، وان هذا الوضع في حال نجاح المؤامرة سيؤيده حزب الشعب والاخوان المسلمون والمنشقون عن الحزب الوطني وبقايا حزب التحرير (حزب الشيشكلي) وجماعة فيصل العسلي.

ومن الانصاف القول انه لم يقم اي دليل يؤيد اتصال الاميركيين بكبار الضباط الشوام او بالاحزاب والكتل السياسية.

6- كان ستون حريصا جدا على وصول اي قوى عسكرية الى دمشق، وذلك لحماية السوريين القوميين الذين تدربوا في الاردن ولبنان والذين سيتسربون الى سورية للقيام باغتيال بعض القيادات التقدمية المدنية والعسكرية وقد ذكر ستون اسماءهم بالتحديد للمتآمرين وهم اكرم الحوراني، مصطفى حمدون، عفيف البزرة، خالد بكداش عبد الحميد السراج.

وكان الاميركيون يتصورون ان هذه الاغتيالات ستتيح للقوتلي وللاحزاب اليمينية تحويل سياسة سورية لصالح الولايات المتحدة والغرب، ولا شك ان ذلك كان تصورا بعيدا عن فهم الاوضاع في سورية وعن الاستفادة من تجارب الماضي، وانه على فرض نجاح خطة اثارة الفتنة والاغتيالات - وهذا ما كان تحقيقه صعبا جدا في تلك الظروف ما لم يضمنوا تأييد بعض قطعات الجيش القريبة من دمشق - فان الامر سينقلب الى العكس واكبر دليل على ذلك ما احدثه اغتيال عدنان المالكي من ردود فعل على الغرب وخاصة على الولايات المتحدة. والظاهر ان المخابرات المركزية كانت تعتقد من خلال تصرفاتها (وهذا حتى الان) ان المال يمكن ان يفعل كل شيء في كل مكان في مختلف الظروف نظرا للنجاح الذي حققته في ضرب الحركات القومية والتقدمية في انحاء كثيرة من العالم.

7- كان ستون في حديثه مع الضباط غاية في البلادة وسوء فهم ما يجري في البلاد العربية، عندما قال للضباط ان اسرائيل وجدت لتبقى، وعندما برر ضرورة قلب الاوضاع بسوء الاحوال الاقتصادية التي عزا سببها الى السياسة العربية التحررية التي تنتهجها سورية والى عقد الاتفاقات مع الاتحاد السوفيتي.

8- لم يكن من رأيي هذا التسرع في كشف المؤامرة، وكنت ارى من المفيد ارجاء كشفها حتى نتمكن من الاطلاع بدقة على الاتصالات التي اجراها الاميركيون - كما كانوا يدعون - مع كبار الضباط ومع بعض الاحزاب السياسية، ولم اتلق جوابا مقنعا آنذاك لمبررات هذا التسرع سوى الخوف الذي لا مبرر له.

كان هذا التسرع في كشف المؤامرة قبل ان تتضح كل معالمها دعما كبيرا لمركز عفيف البزرة بما القته من ظلال الشك والاتهام على كبار ضباط الجيش، فقد كانت خطة البزرة منذ عصيان قطنا تهدف الى تمتين تحالفه مع جماعة الشيشكلي على حساب اقصاء الضباط الشوام الذين ينافسونه برتبهم الكبيرة، وكان الموالون للبعث العربي الاشتراكي على كثرة عددهم من ذوي الرتب الصغيرة في الجيش، وقد حاول البزرة كما ذكرت سابقا خلال عصيان معسكرات قطنا ان يتفق معهم على حساب اقصاء كبار الضباط الشوام، فلما انكشفت مؤامرة ستون بهذا الشكل اصبح لا مناص من تسريح عدد من الضباط الكبار الذين وردت اسماؤهم في المؤامرة، وكان لا مناص من ان يحتل عفيف البزرة والنفوري بحكم رتبهم العالية المراكز الهامة في الجيش، ولم يحقق الموالون للبعث الا كسبا واحدا هو تعيين المقدم مصطفى حمدون في الشعبة الاولى ودخول عدد منهم في مجلس القيادة الذي تشكل اثر انكشاف المؤامرة من الضباط الاتية اسماؤهم:

احمد عبد الكريم، امين النفوري، طعمة العودة الله، احمد حنيدي، عبد الغني قنوت، مصطفى حمدون، حسين حدة، غالب شقفة، ياسين فرجاني، عبد الحميد السراج، مصطفى رام حمداني، وهكذا ظل نفوذ عفيف البزرة، وامين النفوري في مجلس القيادة بالرغم من ان حسين حدة ورفاقه كانوا اقرب لحزب البعث منهم لكتلة البزرة - نفوري - احمد عبد الكريم، وبالرغم من ان عبد الحميد سراج كان يتظاهر بالحياد بين الكتلتين.

ثم اضيف الى مجلس القيادة بضغط من انصار الحزب في الجيش الضباط:

جمال الصوفي، امين الحافظ، اكرم الديري، عبد الله جسومة، محمد النسر، بشير صادق.

لم يكن كشف المؤامرة، كما قد يتوقع البعض، عاملا في توثيق العلاقة بين كتلة البزرة - نفوري - عبد الكريم وبين انصار حزب البعث في الجيش، وانما زاد من حدة الخلافات والشكوك بينهما، ويعود ذلك لسببين:

1- السياسة الجديدة التي انتهجها الاتحاد السوفيتي في سورية بعد رحلة خالد العظم لموسكو، فقد اصبح خالد العظم وعفيف البزرة داعين مؤيدين للحزب الشيوعي للوقوف في وجه تعاظم نفوذ حزب البعث العربي الاشتراكي سواء في اوساط الجيش او الشعب.

2- اصبح انصار حزب البعث في الجيش يعتقدون بعد كشف المؤامرة بأن جماعة الشيشكلي كانوا بالفعل متواطئين مع اديب الشيشكلي على اجراء انقلاب يطيح بحزب البعث العربي الاشتراكي، وكانوا يعتقدون بأن عبد الله الشيخ عطية وطعمة العودة الله لم يخبرا المكتب الثاني بالمؤامرة الا بعد ان كشفها خطار حمزة فحاولوا بعد ذلك أن يكون كشفها لمصلحتهم وزيادة نفوذهم وتحسين مراكزهم في الجيش، حتى ان امين الحافظ لما دعي للانضمام الى مجلس القيادة تساءل امامهم قائلا:

لماذا دعوتموني للانضمام الى مجلس القيادة؟ انني لا ازال اعتقد ان في مجلسكم من يستحق القاء القبض عليه والتحقيق معه في مؤامرة ستون، وقد احدث كلامه هذا ازمة في مجلس القيادة، ولكنه مع ذلك رفض ان يعتذر عن اقواله التي كان مؤمنا بها، وكان يشاركه في شكوكه عدد كبير من الضباط الموالين لحزب البعث العربي الاشتراكي، وهكذا كان التناقض يزداد شيئا فشيئا حدة واتساعا بين جماعة البزرة - نفوري وخالد العظم والحزب الشيوعي وبين حزب البعث العربي الاشتراكي في اوساط الشعب والجيش، وقد استمر هذا الصراع الصامت الخفي حتى قيام الوحدة بين سورية ومصر وعكس اثارا سلبية عليها.

كنت ارى بعد المؤامرة ضرورة قيام تحالف حقيقي بين الموالين للبعث وبين جماعة امين النفوري - احمد عبد الكريم في الجيش، ولا سيما ان بعضهم كان بعثيا في السابق كاحمد عبد الكريم وحسين حدة، وكان ذلك يتوقف على اقناع النفوري واحمد عبد الكريم بأننا لا نكن لهما اي عداء وانهما اقرب الينا من قربهم للشيوعيين واننا لسنا كما يتوهمون نحاول التخلص منهم واقصاءهم، وبالفعل فقد حاولت الاجتماع بأحمد عبد الكريم والنفوري وكان وسيلة الاتصال حسين حدة وجماعته في الجيش، ولكنه لم يكتب لهذه المحاولة النجاح نظرا لما كان يقوم به عفيف البزرة والحزب الشيوعي وخالد العظم من تحريضهم واستغلال طموحهم.

الاتحاد السوفيتي وكشف المؤامرة

شعرت بتغيير سياسة الاتحاد السوفيتي تجاه حزب البعث في سورية عندما ابلغني السكرتير الاول في السفارة السوفيتية السيد (نيدوسيكين) امر انتقاله الى وزارة الخارجية السوفيتية، وقد كان السيد نيدوسيكين واسطتنا الامنية والصادقة مع السيد نيكيتا خروشوف، كما ذكرت سابقا، وقد اقيمت له حفلة وداع في فندق سمير اميس وكان ظاهرا مراقبة الحفلة ومدعويها من قبل الصحفيين الاميركيين نزلاء الفندق.

ارسل الاتحاد السوفيتي بدلا عن نيدوسيكين حزبيا متعصبا ضيق التفكير كان اقرب في عقليته الى رجال المخابرات منه الى عقلية الدبلوماسي، ولا شك ان هذا التطور في سياسة الاتحاد السوفيتي تجاه سورية كان عائدا لسببين اثنين:

1- ظن الحزب الشيوعي وخالد العظم وعفيف البزرة ان كشف المؤامرة كان لصالح الاتحاد السوفيتي اكثر منه لمصلحة الحركة التقدمية التي يقودها حزب البعث، وقد خدعهم في ذلك التحول الكبير الذي بدأ يظهر في اوساط البورجوازية السورية نحو الاتحاد السوفيتي، ومحاولة ربط مصلحتها بمصالحه على الاسس نفسها التي كانت بينها وبين الغرب، فقد بدأ اصحاب الشركة الخماسية وبعض الشركات الاخرى يقيمون علاقات تجارية وثيقة ومباشرة مع الاتحاد السوفيتي عدا عن تحول عدد كبير من الانتهازيين ومن عملاء الغرب الى الاتحاد السوفيتي والحزب الشيوعي بمختلف الوسائل والاساليب (زيارات - رحلات - حفلات - تمويل بعض الصحف - انتسابات للحزب الشيوعي) وكان الحزب الشيوعي قد فتح ابوابه على مصاريعها لمختلف هذه الفئات، واعتبره انتصارا لم يكن يحلم به، وتم ذلك بمساعدة خالد العظم وجماعته في السلطة واوساط الشعب، وبمساعدة عفيف البزرة في الجيش.

2- النجاح العلمي الذي اعلنه الاتحاد السوفيتي والذي لم يكن الغرب ينتظره مما احدث خللا في ميزان القوى بين المعسكرين لمصلحة الاتحاد السوفيتي، فقد اذاعت وكالة تاس وراديو موسكو اواخر آب 1957 ان الاتحاد السوفيتي قد نجح في تجربة قذيفة صاروخية عابرة للقارات ووصفت هذه القذيفة بأنها يمكن توجيهها الى أي مكان في العالم فأثار ذلك موجة ذعر في الغرب، وقال دالس:

"ان اعلان السوفيت المفاجىء لنجاح تجربتهم الصاروخية في هذا الوقت بالذات قد يكون له اعتبارات سياسية مثل التطورات الاخيرة في سورية ومحادثات نزع السلاح".

الادارة الاميركية بعد كشف المؤامرة.

كان رد فعل الحكومة السورية على كشف المؤامرة الاميركية طرد الموظفين الاميركيين المتآمرين وطلب الحكومة الى وفدها الدائم لهيئة الامم المتحدة ان يقدم كتابا الى رئيس مجلس الامن يتضمن تفاصيل المؤامرة والنتائج الخطيرة التي تمس السلم في منطقة الشرق الاوسط استنادا الى المادتين الرابعة والخامسة والثلاثين من ميثاق الامم المتحدة ليوزع على اعضاء الهيئة، ولكن الولايات المتحدة والدول الغربية فقدت اعصابها ليس من كشف المؤامرة فحسب، بل من التنقلات التي جرت في قيادة الجيش، فتحدثت جميع صحف الغرب واجهزة الاعلام عن خطورة هذه التنقلات، كما حفلت بشتى الاكاذيب والافتراءات عن انهيار الوضع في سورية ووقوعه في قبضة الشيوعية الدولية، ولم يعد للغرب وللادارة الاميركية واجهزة الاعلام من شاغل الا مهاجمة الوضع الديموقراطي في سورية ونشر الافتراءات... وكان موقفنا من هذه الحملات الهستيرية كما عبرنا عنه فيما يلي:

"اذا كانت الحكومات الاستعمارية في مشاوراتها السياسية وتهويشاتها تقصد ارغام سورية على عدم فضح المؤامرة الاميركية فهذا امر غريب للغاية لاننا لو فعلنا ذلك لشجع هذا السكوت الولايات المتحدة على طبخ مؤامرات اجرامية جديدة" "يزعمون ان الوضع اصبح خطيرا في سورية فاذا تتبعت انباءهم واذاعاتهم وجدت ان حديثهم عن هذه الخطورة يركزونه على اساس تعيين اللواء البزرة قائدا عاما للجيش السوري... ماذا تراهم يريدون منا؟ هل كان على سورية ان تستشيرهم بقبول طلب اللواء توفيق نظام الدين احالته على التقاعد، ونستشيرهم ايضا في من يجب ان تعينه الحكومة السورية قائدا عاما لجيشها، فاذا كان هذا ما يريدونه فانه بالضبط ما يقاومه كل عربي يحرص على استقلال سورية، ولذلك فلندع الاستعمار يكذب كما يريد، ولنطمئن الى ان اللواء عفيف البزرة هو من ضباطنا الوطنيين الاكفاء... ولنطمئن الى انه اصبح من المستحيل على الاستعمار ان ينجح في طبخ اية مؤامرة جديدة في الجيش السوري (الرأي العام 21 آب 1957)

وبتاريخ 21-8-57 عقد الرئيس ايزنهاور مؤتمرا صحافيا اعلن فيه ان الموقف في سورية في الوقت الحاضر لا يبرر اي تدخل عسكري تقوم به الولايات المتحدة بموجب مبدأ ايزنهاور الذي سماه مبدأ الشرق الاوسط، ووصف الاتهامات السورية المتكررة بتدخل الولايات المتحدة وتآمرها لقلب نظام الحكم في سورية "بأنها ستار من الدخان يستهدف اخفاء استيلاء اليساريين على السلطة" وعندما نفى ايزنهاور بشدة احتمال اقدام الولايات المتحدة على التدخل العسكري في سورية سئل عما ستفعله الولايات المتحدة حيال سرعة اتجاه سورية الى ما سماه احد الصحافيين بالفلك الروسي قال:

"انه موقف عسير لان هناك حدودا لما تستطيع الولايات المتحدة ان تفعله في الشؤون الداخلية لدولة اخرى" وقال:

ان للاتحاد السوفيتي خطة قديمة يقدم بموجبها مساعدة اقتصادية وعسكرية يتغلغل بموجبها في البلد الذي يتلقى هذه المساعدة" وقال:

"انه لم يتضح بعد في سورية الى اي حد بلغه تقدم تنفيذ هذه الخطة واعتذر عن ضعف معلوماته عن الوضع في سورية وقال انه يجب التزام جانب الحذر وجمع المزيد من المعلومات قبل اتخاذ قرار نهائي بشأن الموقف في الشرق الاوسط". وقال:

"انه حتى السفارة الاميركية تبدو غير عارفة تماما بما يحدث في دمشق بسبب الرقابة" وقد تجاهل ايزنهاور بذلك تجاهلا تاما حرية تنقل عدد كبير من الصحافيين وارسال برقياتهم من سورية ثم سئل عما اذا كانت السفارة الاميركية قد تعرضت لقيود دبلوماسية، فأجاب بالنفي، ولكنه قال:

"ان هناك مصاعب في الاطلاع على ما يجري في سورية" ورفض ايزنهاور ان يصف الضباط الذين تولوا قيادة الجيش السوري بأنهم شيوعيون او حتى موالون للشيوعية عندما قال:

"ان هؤلاء الضباط من العناصر اليسارية التي تقوم دعوتها للجماهير على اساس الدعوة القومية" وعندما احتج احد الصحافيين على عدم وصف الضباط السوريين بأنهم شيوعيون اجاب الرئيس ايزنهاور "ان هنالك امرا اساسيا في شن المعركة هو ان تعطي عدوك دائما خطا للتراجع" واختتم تصريحه بقوله:

"ان على العالم الحر كله ان يراقب الوضع في سورية عن كثب حتى لا يصل الى حد لا يعود معه باستطاعة جميع الدول غير الشيوعية تحمله"

وتعليقا على خطاب الرئيس الاميركي كتبت في جريدة البعث بتاريخ 23/8/57 مقالا بعنوان: "ستار الدخان في اقوال الرئيس الاميركي" هذا نصه:

"الذي يستمع من خارج سورية الى تصريح الرئيس ايزنهاور في مؤتمره الصحفي الاخير يقفز الى ذهنه فورا ان ثمة انقلابا قد حدث فيها سيما عندما يقول ان الاتهامات السورية المتكررة بتدخل الولايات المتحدة وتآمرها لقلب نظام الحكم في سورية انما هي ستار من دخان يرمي الى اخفاء استيلاء اليساريين عن السلطة، وهذا كلام لا يعني الا ان اليساريين قد استولوا على السلطة بعد اكتشاف المؤامرة على سورية، ولنا ان نتساءل في سورية:

من هم اليساريون الذين استولوا على السلطة بعد اكتشاف المؤامرة؟ انه لم يحدث اي تغيير او تبديل في السلطات المدنية، فالاوضاع الدستورية ما زالت قائمة بكاملها، المقصود اذن من تصريح الرئيس ايزنهاور ان هذا الاستيلاء على السلطة في سورية قد جرى في الجيش، والواقع انه لم يحدث اي استيلاء على السلطة في الجيش نفسه، فالاركان وشعبها مشغولة منذ زمن طويل بالاشخاص انفسهم القائمين على قيادة الجيش الان، ولم يحدث تغيير سوى ان رئيس الاركان السابق قد قدم للمراجع المسؤولة طلب احالته على التقاعد فقبل وحل محله من كان في رئاسة شعب الاركان العامة، وقد سبق ان تقدم بعض رؤساء الاركان في الماضي بطلب احالتهم على التقاعد فأجيبوا الى طلبهم دون ان يعتبر ذلك امرا خطيرا يهدد العالم الحر" ويقلق بال الرئيس الاميركي ايزنهاور.

اذن لم يجر اي تبديل او تغيير بالاوضاع في سورية، لا في الجهاز السياسي والاداري ولا في الجهاز العسكري، والغريب ان يطلب من سورية ان تستأذن الولايات المتحدة بقبول استقالة موظف سواء اكان مدنيا ام عسكريا، والاغرب من ذلك ان تكون سورية ملزمة بجهازها المدني والعسكري ان تستحصل من الولايات المتحدة على شهادات حسن سلوك بحق موظفيها، ولا اظن ان الهستريا تصل بالسياسة الاميركية الى هذا الحد الا اذا اعتبرت سورية بلدا محتلا مستعمرا لا يتمتع بأي مظهر من مظاهر الاستقلال والسيادة، والامر عندما يبلغ هذا المبلغ، فخير لسورية الاحتلال المكشوف والاستعمار السافر عن الاستعمار الخفي والاحتلال بدون جيوش.

لقد قاومت سورية الاستعمار الفرنسي وقضت عليه ونالت استقلالها عن جدارة واستحقاق اذ صبغت كل شبر من اراضيها بدماء الضحايا والشهداء وقد كانت فرنسا آنذاك، اي قبل الحرب العالمية الثانية، في طليعة الدول الاستعمارية الكبرى في العالم، ومع ذلك فان سورية الصغيرة العزلاء استطاعت ان تقف في وجهها وتكافح لنيل استقلالها وحريتها وقدمت من الاضاحي ما لم يقدمه شعب صغير في العالم، كان هذا في الوقت الذي لم تكن فيه اسرائيل قد قامت بعد تهدد الوجود العربي، فكيف بنا الان ونحن نعتبر ان معركة الحرية بيننا وبين اميركا هي بالفعل معركة بيننا وبين اسرائيل، وبالتالي فهي معركة بقاء ووجود بالنسبة الى العرب لا معركة حرية واستقلال فحسب، ومهما يكن من امر فان سورية في هذه المعركة لن تكون وحيدة في الميدان بل سيكون الشعب العربي بأسره الى جانبها، كما ستكون بجانبها ايضا جميع الدول الحرة والمحبة للسلام في العالم ولو ادى ذلك الى نشوب حرب عالمية جديدة.

لا اعتقد ان الرئيس الاميركي يمكن ان يصل الى هذا الحد، ان ذلك يعني سيادة شريعة الغاب في العالم، والقضاء المبرم عن السلم، بل والقضاء على الحضارة الانسانية وتدمير المدنية.

ان الرئيس الاميركي كان يجول في خاطره في مؤتمره الصحفي معنى لم يجرؤ على الافصاح عنه:

اليساريون في سورية لم يستولوا على السلطات المدنية ولا العسكرية - كما زعم - وانما الذي حدث هو افتضاح المؤامرات التي دبرتها حكومته على يد سفارتها في دمشق لقلب نظام الحكم في سورية.

ان كلام الرئيس الاميركي يمكن ان يعني شيئا لو ان هؤلاء المتآمرين كاوا مسؤولين على زمام السلطة في سورية، وفي مثل هذه الحال لا داعي للتآمر الاميركي لقلب نظام الحكم، ان الاسماء التي دارت حولها تهمة التآمر حتى الان، لم يكن اي واحد منها مستلما للسلطة الفعلية في الجيش، ان الرأس الاول للمؤامرة هو اديب الشيشكلي وهو فار من البلاد ومحكوم بالاشغال الشاقة المؤبدة، والرأس الثاني هو العقيد ابراهيم الحسيني، ملحق عسكري في روما منذ عهد بعيد، وقسم من المتآمرين من الذين سرحوا من الجيش منذ زمن طويل.

اذن ليست اتهامات الحكومة السورية الولايات المتحدة لتآمرها على الوضع القائم في سورية هي التي تشكل ستارا من الدخان لاخفاء تسلط اليساريين على الحكم كما قال الرئيس الاميركي، وانما مزاعم الرئيس الاميركي نفسه هي ستار الدخان الحقيقي الذي اراد به اخفاء غضبة حكومته من اخفاق موظفيها في سورية بجعل عملاء امريكا يتوصلون الى الاستيلاء على الحكم وقلب الاوضاع الدستورية القائمة فيها لمصلحة الاستعمار الغربي واسرائيل.

ويبدو ان الحكومة الاميركية على ما يظن تعتبر اخفاق مؤامرتها لقلب نظام الحكم تسربا شيوعيا... والا فما الداعي في هذا الصدد، لقول الرئيس ايزنهاور ان تلك خطة سوفياتية قديمة للاستيلاء على البلد الذي تقدم له مساعدات اقتصادية وعسكرية، فهل يعني الرئيس ان عملية شراء المواد اللازمة لسورية بالتقسيط لاجال، وعملية شراء السلاح هي تسرب شيوعي؟ ما هو موقف الرئيس الاميركي من حليفته تركيا بعد علاقاتها التجارية الجديدة مع الاتحاد السوفيتي؟ وبماذا يفسر الرئيس الاميريكي شراء بولونيا للقمح من اميريكا مقسطة اثمانه