حول قصة الكيان السوري

الكيان السوري
الكيان، المحافظة على الكيان، الدفاع عن الكيان، عدم التفريط في الكيان...

هذه الكلمات والتعبيرات كانت- حتى 28 أيلول/ سبتمبر 1961- من خصائص لبنان. ولكنها، بعد التاريخ المذكور، صارت تظهر وتنتشر في سوريا أيضاً ، حتى أن عدة جرائد بيروتية [ مثل سؤال محمد باقر شري في جريدة : الكفاح ، 24/5/1962 ] أشارت إلى ذلك، وصارت تتكلم عن " سوريا اللبنانية " وتعلن اغتباطها من " لبننة سوريا ".

ومن أغرب الأمور: ان رجال " حزب البعث العربي " أيضاً أخذوا يفكرون في الكيان السوري . غير أن قادتهم، عندما لاحظوا أن ذلك يعرضهم لأسئلة محرجة رأوا أن يتجنبوا هذا الاحراج باستعمال كلمة غير الكيان، فصاروا يتكلمون عن " الوجود السوري ".

وبذلك أصبح الكيان السوري أو الوجود السوري مدار حديث الكثيرين في سوريا، على اختلاف ميولهم السياسية. حتى أن بعضهم أخذ يتباهى بقدم الوجود السوري، إن سوريا كانت موجودة من آلاف السنين، ويتخذ ذلك ذريعة لطلب استمرار الوجود السوري.

ولكن، حقائق التاريخ لا تؤيد مزاعم هؤلاء بوجه من الوجوه، بل تشهد على أن سوريا الحالية حديثة الوجود والكيان.

في الواقع أن مدن دمشق وحلب واللاذقية وحماه وحمص ودرعا والسويداء والرقة ودير الزور... كانت موجودة منذ آلاف من السنين، غير أن تجمع هذه المدن لتكوين سوريا- بمعناها الحالي- لم يتم إلا بين سنة 1918 وبين سنة 1943.

في الواقع أن دمشق كانت عاصمة الدولة الأموية، ولكن ذلك لا يجوز أن يعتبر دليلاً على وجود سوريا في عهد الدولة المذكورة، لأن أراضي الدولة الأموية كانت تمتد من أسوار الصين إلى سواحل المحيط الأطلسي. واما سوريا فما كانت تظهر على تلك الأراضي، حتى على شكل وحدة إدارية.

وكذلك الأمر في عهود الدول التي قامت بعد الأمويين فانها أيضاً لم تعرف في تقسيماتها الادارية شيئاً يشبه سوريا الحالية من قريب أو من بعيد.

فالتكلم عن قدم الوجود السوري- أو الكيان السوري- إن دل على شيء، فإنما يدل على الانخداع بمظاهر الكلمات ، دون الالتفات إلى مدلولاتها الحقيقية.

ولاظهار هذه الحقيقة إلى العيان، وتبيين كيفية تكوّن سوريا الحالية بوضوح تام... رسمت خريطة زمانية، تلخص التطورات التي حدثت في بلاد الشام منذ بداية الحرب العالمية الأولى حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، وكتبت المقالة التالية لشرح الخريطة المذكورة.

[عدل] بلاد الشام :
من بداية الحرب العالمية الأولى إلى نهاية الحرب العالمية الثانية في عهد الدولة العثمانية

البلاد التابعة إلى الدولة العثمانية، كانت تقسم- من الوجهة الإدارية- إلى ولايات، والولايات إلى متصرفيات والمتصرفيات إلى قائمقاميات.

غير أن بعض القائمقاميات كانت تربط بمركز الولاية رأساًَ ، دون وساطة متصرفية من المتصرفيات، كما أن بعض المتصرفيات كانت تربط بوزارة الداخلية رأساً ، دون وساطة ولاية من الولايات. وهذه المتصرفيات كانت تسمى " مستقلة " بمعنى أنها مستقلة عن ولايات.

وفي بداية الحرب العالمية الأولى، كانت بلاد الشام تنقسم إلى ثلاث ولايات وثلاث متصرفيات مستقلة، هي ولايات سوريا وحلب وبيروت، ومتصرفيات دير الزور والقدس ولبنان.

وكانت ولاية سوريا تضم فضلاً عن مركز الشام (دمشق) والأقضية التابعة لها، متصرفيات حماه وحوران والكرك.

وكانت ولاية بيروت تضم فضلا عن مركز بيروت والأقضية التابعة لها، متصرفيات نابلس وعكا وطرابلس واللاذقية.

واما ولاية حلب، فكانت تضم فضلا عن مركز حلب والأقضية التابعة لها، متصرفية أورفه ومتصرفية مرعش.

وكانت جميع هذه الولايات والمتصرفيات تدار وفقاً للقوانين والأنظمة المقررة لجميع البلاد العثمانية. غير أن متصرفية لبنان كانت تتمتع بامتيازات إدارية خاصة، ولذلك كانت تسمى " متصرفية ممتازة ".

عهد انتهاء الحرب العالمية الأولى

عند انتهاء الحرب العالمية الأولى- وجلاء الجيوش العثمانية من جميع أقسام البلاد الشامية- اعتبرت البلاد المذكورة من " بلاد العدو المحتلة "- وفقاً للتعبير المقرر في حقوق الدول- فوجب إدارتها عسكرياً، إلى حين عقد الصلح.

وأمر القائد العام اللنبي بتقسيم البلاد إلى ثلاث مناطق عسكرية، وعهد بادارتها إلى كل من الجيش البريطاني والجيش الفرنسي والجيش العربي .

منطقة الجيش البريطاني: تكوّنت من القسم الساحلي الجنوبي من بلاد الشام، وضمت متصرفية القدس المستقلة، مع متصرفيتي نابلس وعكا اللتين كانتا تابعتين إلى ولاية بيروت. منطقة الجيش الفرنسي: تكوّنت من القسم الساحلي الشمالي من بلاد الشام، وضمت متصرفية لبنان القديمة، مع بيروت وصيدا وصور جنوبا، وطرابلس واللاذقية شمالاً.

وأما منطقة الجيش العربي : فقد تكوّنت من الأقسام الداخلية من بر الشام ، من شمال حلب حتى جنوب معان وضمت أقسام ولاية سوريا ومتصرفية دير الزور ومركز حلب والأقضية التابعة للمركز، باستثناء الأقضية الساحلية (اسكندرون وانطاكية) التي دخلت في منطقة الجيش الافرنسي.

ومما تجب ملاحظته: أولاً، أن متصرفية دير الزور، كان قد تم احتلالها من قبل الجيش البريطاني الذي أتى من العراق، ولكنها بعد ثورة رمضان الشلاش ألحقت بمنطقة الجيش العربي في سوريا.

ثانياً : ان منطقة الجيش الفرنسي كانت تشمل- فضلاً عن البلاد الشامية المذكورة آنفاً- كليكيا (أي: ولاية أضنة) والألوية والأقضية الشمالية من ولاية حلب (كلس، أورفه، مرعش).

هذه الأقسام من ولاية حلب لم تدخل في منطقة الجيش العربي .

المملكة العربية السورية

ان منطقة الجيش العربي صارت مركزاً للحركات الرامية إلى تكوين الدولة السورية بحدودها الطبيعية: انعقد فيها المؤتمر السوري العام، من ممثلين لجميع البلاد الشامية، وتكوّن فيها إدارة مدنية، مع مجلس للمديرين. إلا أن القيادة العامة اعترضت على ذلك بحجة أن حقوق الدول لا تسمح بتأليف حكومة مدنية قبل عقد الصلح. ومع ذلك استمر مجلس المديرين في العمل، قائلاً انه مجلس استشاري تابع إلى قيادة الجيوش الشمالية العربية.

وفي الأخير، قرر المؤتمر السوري العام اعلان استقلال سوريا بحدودها الطبيعية - من جبال طوروس حتى رفح- مع انتخاب الأمير فيصل بن الحسين ملكا عليها.

وقد تم اعلان الاستقلال في اليوم الثامن من شهر آذار/ مارس سنة 1920. وكان يتضمن- في الوقت نفسه- طلب جلاء الجيوش الأجنبية عن جميع الأراضي السورية، أي جلاء الجيوش الفرنسية عن القسم الساحلي الشمالي، والجيوش البريطانية عن القسم الساحلي الجنوبي.

ولكن الدولتين المذكورتين لم تعترفا بـ " المملكة العربية السورية " التي تكوّنت بهذه الصورة، وحملتا مجلس عصبة الأمم على تقرير انتداب فرنسا وانكلترا على البلاد.

وفرنسا- بعد الاتفاق مع انكلترا- حشدت جيوشها في المنطقة الساحلية، وزحفت منها إلى سوريا الداخلية، وقضت على المملكة العربية السورية، وفرضت انتدابها على سوريا بقوة السلاح.

الدول التي خلقتها فرنسا

ان نظام الانتداب قسم البلاد الشامية إلى قسمين، ووضع قسمها الجنوبي تحت الانتداب البريطاني وقسمها الشمالي تحت الانتداب الفرنسي. وفرنسا، عندما زحفت على سوريا الداخلية- بعد يوم ميسلون- لم تحتلها بكاملها، بل تركت قسمها الجنوبي إلى بريطانيا، وهذه أنشأت هناك- أي : في متصرفية الكرك القديمة- إمارة عرفت باسم " إمارة شرق الأردن ".

وأما فرنسا، فقد أخذت تتصرف في البلاد التي وقعت تحت انتدابها، كما تشاء. فأنشأت فيها- بين سنة 1920 وسنة 1922- ست وحدات سياسية، أضفت على كل واحدة منها صفة " المستقلة " لكونها مستقلة عن غيرها من البلاد السورية، ولو كانت خاضعة لسيطرتها، هي :

أ- دولة لبنان الكبير :

تكوّنت من متصرفية جبل لبنان القديمة، مضافاً إليها بيروت، مع صيدا وصور جنوباً، وطرابلس الشام شمالاً، والأقضية الأربعة شرقاً.

ب- حكومة اللاذقية المستقلة:

تكوّنت من متصرفية اللاذقية التي كانت تابعة إلى ولاية بيروت، وسمتها " حكومة " ليحكمها حاكم افرنسي.

ج- سنجق الاسكندرون:

تكوّن من قضاءي اسكندرون وانطاكية، اللذين كانا تابعين إلى مركز ولاية حلب القديمة، سمته " سنجق " ليحكمه حاكم افرنسي، منفصلاً عن سائر أقسام سوريا بحجة مراعاة الأقلية التركية القاطنة فيه.

د- حكومة جبل الدروز المستقلة:

تكوّنت من جبل الدروز، وأسمتها " حكومة " ليحكمها حاكم افرنسي، منفصلة عن سائر أقسام البلاد السورية.

هـ- دولة دمشق:

تكوّنت مما تبقى من ولاية سوريا القديمة، بعد فصل جبل الدروز وشرق الأردن، والأقضية الأربعة منها.

بهذه الصورة انقسمت البلاد الشامية إلى ثماني دول وحكومات، اثنتان منها تحت الانتداب البريطاني، وست منها تحت الانتداب الفرنسي.

إن الخريطة المرفقة مع هذا البحث تبين التقسيمات السياسية للبلاد " المشمولة بالانتداب الافرنسي ".

اتحاد الدول السورية المستقلة

وقد أنشأت فرنسا اتحاداً بين ثلاث من الدول المذكورة بموجب دستور أصدرته سنة 1922.

وقد نصت المادة الأولى من الدستور على ما يلي:

قد أنشىء اتحاد بين دول السورية المستقلة المؤلفة من دولة حلب ودولة دمشق وأراضي العلويين.

ونصّت المادة السادسة من الدستور المذكور على ما يلي:

يؤلف المجلس الاتحادي من خمسة ممثلين لدولة دمشق وخمسة لدولة حلب وخمسة لبلاد العلويين.

ونصّت المادة السابعة من الدستور المذكور على ما يلي :

يلتئم المجلس الاتحادي بالمناوبة تارة في الشام وتارة في حلب في كل منها سنة واحدة.

إن الاتحاد الذي أنشأته فرنسا بهذه الصورة بين دول حلب ودمشق واللاذقية عاش نحو ثلاث سنوات، ثم زال بسبب اندماج دولتي حلب ودمشق، وتكوين الدولة السورية.

اندماج دولتي دمشق وحلب

أرادت فرنسا أن تثبت كيان " دولة حلب " بقرار يصدر من مجلس تمثيلي، وقررت اجراء انتخابات نيابية، اعتقاداً منها بأن المجلس المذكور لا بد أن يتمسك بالاستقلال الممنوح لدولة حلب.

ولكن المجلس التمثيلي لدولة حلب، عندما اجتمع، قرر الاندماج مع دولة " دمشق.

ولذلك اضطرت فرنسا إلى توحيد الدولتين المذكورتين تحت اسم " الدولة السور ية ".

ولكنها أبقت سنجق الاسكندرون، وحكومتي جبل الدروز واللاذقية
منفصلة ومستقلة عن الدولة السورية.

اللغة الرسمية في الدول التابعة للانتداب الفرنسي

إن مبلغ سيطرة فرنسا على الدول والحكومات التي أنشأتها في البلاد الشامية - ومبلغ تدخلها في شؤونها الداخلية- يتجلى بوضوح تام، مما أقرته عن اللغة الرسمية، في الدساتير التي وضعتها لكل واحدة منها:

أ- ان المادة العاشرة من القانون الأساسي المقرر لكل من حكومة اللاذقية وحكومة جبل الدروز سنة 1930، تنص على ما يلي:

اللغتان العربية والفرنساوية هما اللغتان الرسميتان

ب- المادة العاشرة من الدستور المقرر لدولة لبنان سنة 1926، تنص على ما يلي :

اللغة العربية هي اللغة الوطنية الرسمية في جميع دوائر الدولة. واللغة الفرنسية هي أيضاً لغة رسمية. وستحدد بقانون خاص الأحوال التي تستعمل فيها.

ج- والمادة الرابعة والعشرون من الدستور المقرر لدولة سوريا سنة 1930 تنص على مايلي :

اللغة العربية هي اللغة الرسمية في جميع دوائر الدولة، إلا في الأحوال التي تضاف إليها بهذه الصفة لغات أخرى، بموجب القانون أو بموجب اتفاق دولي.

يلاحظ أن الفروق بين هذه النصوص الثلاثة كبيرة جداً .

في جبل الدروز وفي اللاذقية: اللغة العربية واللغة الفرنسية لغتان رسميتان في درجة واحدة.

في لبنان: اللغتان العربية والفرنسية رسميتان، غير أن اللغة العربية تتقدم على اللغة الفرنسية، لأن اللغة الفرنسية لن تستعمل إلا في الأحوال التي سيحددها قانون خاص.

وأما في سوريا، فاللغة العربية هي اللغة الرسمية الوحيدة ولا ذكر للغة الفرنسية على الاطلاق. وان كان هناك إشارة إلى امكان استعمال لغات أخرى في الأحوال التي تتقرر بموجب قانون خاص أو بموجب قانون دولي.

مفاوضات سنة 1936

هذه التقسيمات استمرت دون أي تغيير، حتى قبيل الحرب العالمية الثانية.

فرنسا- بعد سلسلة من الاحداث- تخلت عن سنجق الاسكندرون إلى تركيا، لتضمن انضمامها إلى الدول المتحالفة، خلال الحرب العالمية الثانية، التي أخذت تستعد لها- مع حلفائها- بكل ما لديها من قوى عسكرية وسياسية.

وأما حكومتا اللاذقية وجبل الدروز، فقد وضع في اتفاقية 1936 مادة تنص على الحاقهما بالجمهورية السورية. غير أن عدم موافقة البرلمان الفرنسي على الاتفاقية المذكورة حال دون تنفيذ أحكام تلك المادة.

ولهذا السبب، لم تندمج اللاذقية وجبل الدروز بالجمهورية السورية، إلا خلال الحرب العالمية الثانية، وذلك عند اعلان انتهاء الانتداب الفرنسي، وتقرير استقلال الجمهورية السورية.

يتبين من كل ما سبق: أن أراضي الجمهورية السورية الحالية كانت- قبل أربعين عاماً- [ عند كتابة هذا الكتاب عام 1963 ] مقسمة بين خمس دول وحكومات مستقلة بعضها عن بعض.

انها لم تكتسب حدودها الحالية إلا منذ عشرين عاماً فقط.

كما يتبين أن حدود سوريا الحالية لا تنسجم مع أي من الأوضاع التاريخية الماضية، ولا تنطبق على شيء من أوضاع الجغرافيا الطبيعية.

فالقول- مع كل ذلك- أن سوريا كانت موجودة منذ مئات أو آلاف السنين يخالف الحقائق الثابتة مخالفة تامة.

إن الخريطة الزمنية الملحقة بهذا البحث، تظهر إلى العيان كيفية تطور تقسيمات بلاد الشام، من بداية الحرب العالمية الأولى حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.

(مما تجدر الاشارة إليه: اننا لم نر مجالاً لإظهار سنجق الاسكندرون في الخريطة المذكورة، فاكتفينا بإظهار موقعها على الخريطة الجغرافية).

لقد استعملنا في الخريطة وفي البحث، تعبير " بلاد الشام " اسوة بما كان يفعله أجدادنا في كتب التاريخ والجغرافيا.

الحوظة:

إن تاريخ إلحاق منطقتي جبل الدروز وجبل العلويين بسوريا يحتاج إلى بعض التوضيح: كان الجنرال كاترو أعلن- في أواخر سنة 1941- إلحاق المنطقتين بسوريا على ان تحتفظا باستقلالهما الاداري والمالي. وبما انهما ما كانتا تتمتعمان بالاستقلال في الأمور الاخرى، كان الالحاق اسمياً فقط. وأما إلحاق المنطقتين إلحاقا تاماً فلم يتم إلا سنة 1942.