انقلاب 8 آذار 1963

الصفحة الرئيسية
مذكرات أكرم الحوراني
161

1963: ميثاق الوحدة الثلاثية بين عبد الناصر وانقلابيي الثامن من شباط في العراق والثامن من آذار في سورية -حكومة صلاح البيطار تلغي ستة عشر صحيفة ومجلة في سورية وصدور قرارات العزل السياسي بحق عدد كبير من السياسيين ورجال الاقتصاد - عبد الناصر يذيع محاضر محادثات الوحدة الثلاثة بعد الخلاف بين الناصريين والبعثيين في سورية - المحاضر تكشف ان تصفية الجيش السوري تجاوزت موضوع الصراع على السلطة وان ذلك كان خطة مبيتة.

منذ صبيحة اليوم الاول لانقلاب الثامن من آذار في سورية بدأ الناصريون بمحاولة وضع اليد على هذا الانقلاب بالتظاهر والاعتداءات على السياسيين ورجال الاحزاب، كما بدأوا- بدعم وتدخل كثيف من المخابرات المصرية- بالمناداة بالوحدة الفورية، فقد اعتبروا ان انقلاب الثامن من آذار هو انقلاب ناصري ساعد فيه البعث بشكل جانبي، ولذلك فإن عبد الناصر اتهم البعثيين بعد اختلافه معهم بأنهم سرقوا منه ثورة الثامن من آذار.

لقد اعترى الخوف القيادات البعثية من مدنية وعسكرية مما ادى الى تعيين امين الحافظ وزيرا للداخلية لتولى قمع المظاهرات ومنع الناصريين من متابعة اعتداءاتهم التي ذكرت سابقا نموذجا عنها.

كما أذيع تنبيه بتاريخ 12/3 من مجلس قيادة الثورة بمنع المظاهرات منعا باتا وتكليف قوى الامن بتنفيذ هذا التنبيه، ورغم ذلك فقد ظلت بعض المظاهرات تطوف دمشق مطالبة بعودة الوحدة فورا، وهذا ما جعل الانقلابيين سواء في سورية او العراق يسرعون للاتصال بعبد الناصر واجراء المحادثات معه حول الوحدة، ولا سيما ان حجتهم في الاستيلاء على الحكم، في سورية بصورة خاصة وكانت اعادة الوحدة مع مصر، ولكن على اسس مدروسة كما كانوا يدعون.

وفي مطلع نيسان من عام 1963، وخلال مباحثات الوحدة الثلاثية اشتد الخلاف بين عبد الناصر والبعثيين في سورية، وابتدأت الحملات الاذاعية بين القاهرة ودمشق وجرت اشتباكات بالرصاص مما دعا الى تعيين وزير الداخلية العميد امين الحافظ منفذا لقانون الطوارئ الذي اعيد العمل به بناء على صدور المرسوم التالي من قيادة مجلس الثورة :

يعين العميد اركان حرب امين الحافظ وزير الداخلية نائبا للحاكم العرفي، ويمارس جميع الصلاحيات المنصوص عليها في قانون الطوارئ في هذا المرسوم وينفذ فورا. التوقيع الفريق لؤي الاتاسي.

ابتدأت مباحثات الوحدة الثلاثية بتاريخ 14/3/1963 في القاهرة، فحضر عن مصر في المرحلة الاولى منها :

الرئيس جمال عبد الناصر : رئيس الجمهورية العربية المتحدة

السيد عبد اللطيف البغدادي : نائب رئيس الجمهورية وعضو مجلس الرئاسة

السيد المشير عبد الحكيم عامر : نائب رئيس الجمهورية وعضو مجلس الرئاسة

السيد كمال الدين حسين : نائب رئيس الجمهورية وعضو مجلس الرئاسة

السيد علي صبري : عضو مجلس الرئاسة ورئيس المجلس التنفيذي

السيد أمين هويدي : سفير الجمهورية العربية المتحدة في العراق

السيد عبد المجيد فريد : سكرتير عام رئاسة الجمهورية

وعن سورية :

نهاد القاسم : نائب رئيس مجلس الوزراء

عبد الحليم سويدان : وزير الزراعة

عبد الكريم زهور : وزير الاقتصاد

اللواء راشد قطيني : معاون القائد العام للقوات المسلحة

اللواء زياد الحريري : رئيس اركان القوات المسلحة

المقدم فواز محارب : عضو المجلس الوطني لقيادة الثورة

المقدم فهد الشاعر : عضو المجلس الوطني لقيادة الثورة

وعن العراق :

علي صالح السعدي : نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية

الفريق صالح مهدي عماش : وزير الدفاع

السيد طالب شبيب : وزير الخارجية

الدكتور عبد الرحمن البزاز : سفير العراق في القاهرة

وابتدأت المرحلة الثانية بتاريخ 19/3/1963 وحضرها :

عن مصر :

الرئيس جمال عبد الناصر : رئيس الجمهورية العربية المتحدة

السيد عبد اللطيف البغدادي : نائب رئيس الجمهورية وعضو مجلس الرئاسة

السيد المشير عبد الحكيم عامر : نائب رئيس الجمهورية وعضو مجلس الرئاسة

السيد كمال الدين حسين : نائب رئيس الجمهورية وعضو مجلس الرئاسة

السيد علي صبري : نائب عضو مجلس الرئاسة ورئيس المجلس التنفيذي

وعن سورية :

السيد صلاح الدين البيطار : رئيس مجلس الوزراء السوري

الفريق لؤي الاتاسي : رئيس مجلس قيادة الثورة السوري

المقدم فهد الشاعر : عضو المجلس الوطني لقيادة الثورة

السيد ميشيل عفلق : امين سر حزب البعث

وابتدأت المرحلة الثالثة بتاريخ 6/4/1963 وحضرها :

عن مصر :

الرئيس جمال عبد الناصر : رئيس الجمهورية العربية المتحدة

السيد عبد اللطيف البغدادي : نائب رئيس الجمهورية وعضو مجلس الرئاسة

السيد المشير عبد الحكيم عامر : نائب رئيس الجمهورية وعضو مجلس الرئاسة

السيد كمال الدين حسين : نائب رئيس الجمهورية وعضو مجلس الرئاسة

السيد علي صبري : عضو مجلس الرئاسة ورئيس المجلس التنفيذي

السيد كمال الدين رفعت : عضو مجلس الرئاسة

السيد امين هويدي : سفير الجمهورية العربية المتحدة في بغداد

السيد عبد المجيد فريد : سكرتير عام رئاسة الجمهورية

وعن سورية :

الفريق لؤي الاتاسي : رئي مجلس الثورة

السيد صلاح البيطار : رئيس الوزراء

السيد نهاد القاسم : نائب رئيس الوزراء ووزير العدل

الفريق محمد الصوفي : وزير الدفاع

السيد عبد الكريم زهور : وزير الاقتصاد

السيد هاني الهندي : وزير التخطيط

السيد سامي صوفان : وزير التموين

الدكتور عبد الحليم سويدان : وزير الزراعة

السيد شبلي العيسمي : وزير الاصلاح الزراعي

الدكتور سامي الجندي : وزير الثقافة والارشاد القومي

اللواء راشد قطيني : نائب القائد العام للجيش

العميد دوريش الزوني : عضو مجلس الثورة

العميد غسان حداد : عضو مجلس الثورة

العقيد كمال هلال : عضو مجلس الثورة

العقيد فهد الشاعر : عضو مجلس الثورة

العقيد محمد عمران : عضو مجلس الثورة

المقدم فواز محارب : عضو مجلس الثورة

وعن العراق :

احمد حسن البكر : رئيس الوزراء

السيد علي صالح السعدي : نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية

الفريق صالح مهدي عماش : وزير الدفاع

السيد طالب حسين شبيب : وزير الخارجية

العقيد عبد الستار عبد اللطيف : وزير المواصلات

العقيد محمود خطاب : وزير البلديات

وانتهت هذه المحادثات باعلان ميثاق للاتحاد الثلاثي بين مصر وسورية والعراق بتاريخ 17/4/1963 وهو تاريخ يوافق العيد الوطني في سورية الذي تحتفل فيه بجلاء الفرنسيين عن اراضيها.

وفيما يلي النص الكامل للميثاق الذي لم يلتزم به اي من الاطراف ضمن نزاع مرير على السلطة في سورية بين الناصريين والبعث انتهى الى احداث 18/7/1963 الدامية عندما حاول الناصريون القيام بانقلاب عسكري فاشل، كانت نتيجته اعدام ثلاثين عسكريا من مختلف الرتب، بالاضافة الى قتل مئات من المدنيين الذين حاولوا الاشتراك في هذا الانقلاب.

ميثاق الاتحاد الثلاثي بين سوريا والعراق ومصر

باسم الله الرحمن الرحيم

باسم الله العلي القدير

وباسم الشعب العربي

التقت في القاهرة الوفود الممثلة للجمهورية العربية المتحدة وسورية والعراق.

وامتثالا لارادة الشعب العربي في الاقطار الثلاثة وفي الوطن العربي الكبير بدأت المباحثات الاخوية بين الوفود الثلاثة يوم السبت السادس من شهر ابريل (نيسان) وانتهت يوم الاربعاء السابع عشر من شهر ابريل (نيسان) سنة 1963.

فقد استلهمت الوفود في كل مباحثاتها الايمان بأن الوحدة العربية هدف حتمي يستمد مقوماته من وحدة اللغة التي تحمل الثقافة والفكر، ووحدة التاريخ التي تصنع الوجدان والضمير ووحدة الكفاح الشعبي التي تقرر وتحدد المصير، ووحدة القيم الروحية والانسانية النابعة من رسالات السماء، ووحدة المفاهيم الاجتماعية والاقتصادية القائمة على الحرية والاشتراكية.

واسترشدت بارادة الجماهير الشعبية العربية التي تطلب الوحدة وتناضل لادراكها وتضحي حماية لها وحفاظا عليها، وهي تعلم ان نواة الوحدة الصلبة تتكون من توحيد اجزاء الوطن التي امتلكت حريتها واستقلالها وقامت فيها حكومات قومية تقدمية عقدت عزمها على القضاء على تحالف الاقطاع ورأس المال والرجعية والاستعمار وتحرير القوى العاملة من ابناء الشعب لتقيم تحالفها وتعبر عن ارادتها الحقيقية.

الثورات المصرية والعراقية والسورية

لقد كانت ثورة الثالث والعشرين من يوليو (تموز) نقطة تحول تاريخي اكتشف فيها الشعب العربي في مصر ذاته واستعاد ارادته فسلك طريق الحرية والعروبة والوحدة، وجلت ثورة الرابع عشر من رمضان وجه العراق العربي الصريح وانارت سبيله الى افاق الوحدة التي استهدفها المخلصون في ثورة الرابع عشر من تموز.

ووضعت ثورة الثامن من آذار سورية في رحاب الوحدة التي اغتالتها ردة الانفصال الرجعي بعد ان حطمت هذه الثورة كل العقبات التي ركزها الانفصاليون والاستعمار بتصميم في طريق الوحدة.

والتقت الثورات الثلاث لقاءها هذا الذي اكد من جديد ان الوحدة عمل ثوري يستمد مفاهيمه من ايمان الجماهير وقوته من ارادتها واهدافه من امانيها في الحرية والاشتراكية، ان الوحدة ثورة، ثورة لأنها شعبية، وثورة لأنها تقدمية، وثورة لأنها اندفاع قوي في تيار الحضارة.

والوحدة خاصة ثورة لأنها مرتبطة ارتباطا عميقا بقضية فلسطين والواجب القومي بتحريرها، فنكبة فلسطين هي التي كشفت تآمر الطبقات الرجعية وفضحت خيانات الاحزاب الشعوبية العميلة وتنكرها لاهداف الشعب وامانيه، وهي التي اظهرت ما في الانظمة الاقتصادية والاجتماعية التي كانت سائدة في البلاد من ضعف وتخلف وهي التي فجرت طاقات جماهير شعبنا الثورية وايقظت روح التمرد على الاستعمار والظلم والفقر والتخلف، وهي التي دلت بوضوح الى طريق الخلاص، طريق الوحدة والحرية والاشتراكية.

لقد كان ذلك ماثلا امام الوفود في مباحثاتها : فلئن كانت الوحدة هدفا مقدسا، فهي ايضا عدة النضال الشعبي ووسيلته لتحقيق اهدافه الكبرى في الحرية والامن وفي تحرير جميع اجزاء الوطن العربي وفي ارساء مجتمع الكفاية والعدل، مجتمع الاشتراكية، وفي استمرار التيار الثوري في اندفاعه دون انحراف او انتكاس، وامتداده ليشمل الوطن العربي الكبير، وفي الاسهام في تقدم الحضارة الانسانية ودعم السلام العالمي.

فاجتمع الرأي على ان تقوم الوحدة بين الاقطار الثلاثة كما يريدها الشعب العربي على اسس الديمقراطية والاشتراكية، وان تكون وحدة حقيقية متينة تراعي الظروف القطرية لتحكم عرى الوحدة على اساس من الفهم الواقعي، لا لتكرس اسباب التجزئة والانفصال وتجعل من قوة كل قطر قوة للدولة الاتحادية للوطن العربي، ومن الدولة الاتحادية قوى لكل قطر فيها وللامة العربية كلها.

فالوفود الثلاثة تعلن باسم الشعب العربي في مصر وسورية والعراق، ارادة هذا الشعب في قيام الوحدة الاتحادية على الاسس التالية :

في مجال العمل القومي والدولة

* وضع ميثاق للعمل القومي تلتقي عليه كل القوى الشعبية التقدمية الوحدوية، يحدد لها المبادئ والاهداف والفلسفة الاجتماعية ويكون اساسا لتعاونها واتحادها.

* حرية تكوين المنظمات الشعبية في الاقطار الاعضاء: لتجد الارادة الشعبية الحرة تعبيرا عن نفسها منظما. كل ذلك في اطار جبهة سياسية تجمع هذه المنظمات الشعبية.

* توحيد القيادات السياسية على المستوى الاتحادي : ضمانا لتنسيق نشاط المنظمات الشعبية وتوحيده، لان وحدة العمل السياسي والنضال الشعبي هي الكفيلة بحماية الوحدة وتوطيدها ونموها.

دعم الاجهزة الاتحادية لتوكيد قدرتها على التخطيط والتنسيق والتنفيذ وضمانا لفعاليتها التي تعبر عن جدية الوحدة ويكون ذلك :

* بتوحيد الشخصية الدولية والسياسة الخارجية للدولة الاتحادية، لتصبح قوة واحدة تواجه الاستعمار داخل الوطن العربي وخارجه وجهدا واحدا ينتصر لحرية الشعوب ويدعم السلام العالمي.

* بتحقيق وحدة عسكرية قادرة على تحرير الوطن العربي من خطر الصهيونية والاستعمار وتحقيق هدفه في الامن والاستقرار وتعبئة قواه لاقامة الحق والعدل والسلام.

* بتوحيد اجهزة التخطيط لتوجيه امكانيات الدولة الاتحادية الى التنمية الاقتصادية والاجتماعية واستغلال جميع الطاقات والقوى خير استغلال لبناء مجتمع الكفاية والعدل مجتمع الاشتراكية.

* بتوجيه اقصى الاهتمام الى شؤون التربية والتعليم والبحث العلمي والثقافة والاعلام لتنمية الوعي الثوري ووضع العلم في خدمة المجتمع وتعميق المفاهيم التقدمية والتعريف بالقيم الجديدة، والعمل على امتداد الوعي الى جميع اجزاء الوطن العربي.

ان الدولة الاتحادية في قيامها تلتزم بمقومات اساسية ترسم لها طريق التطور والنمو وتحدد لها منهاجا ثوريا تقدميا في كل المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، تعبر عن حقيقة المرحلة التاريخية التي يجتازها الوطن العربي، وعلى ذلك تعلن الوفود اتفاقها الكامل على ان تكون الدولة الاتحادية بمقوماتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية وبدستورها ومؤسساتها الدستورية على الصورة العامة التالية التي تبرز الخطوط الرئيسية لميثاق العمل القومي ودستور الدولة الاتحادية.

قواعد التنظيم السياسي والجبهات الحزبية :

ان وحدة الهدف ووحدة القيم والمبادئ تتطلب من كل القوى الوحدوية الاشتراكية الديمقراطية في كل قطر من اقطار الدول الاتحادية تكوين جبهة سياسية ترتبط بميثاق للعمل الديمقراطي الاشتراكي الوحدوي، تستهدف منه توحيد العمل السياسي في القطر، وتطوير الحوافز الثورية للجماهير تحقيقا لحياة افضل تحاول بها ان ترتفع بواقعها الى مستوى امانيها، كما تعمل هذه القوى على توحيد جهودها في تنظيم سياسي واحد مرتبط بميثاق العمل القومي ملتزمة في ذلك بما تقرره هذه الجبهة بالاغلبية، لتجسد على هذا المستوى وحدة ارادتها ولتستطيع تحمل مسؤوليتها والقيام بواجباتها.

وعلى مستوى الدولة الاتحادية تتكون قيادة سياسية واحدة تقود وتوحد العمل السياسي في الدولة في اطار هذا الميثاق، على ان تلتزم الجبهات السياسية في الاقطار او التنظيمات الموحدة فيها بقرارات القيادة الاتحادية التي تصدر بالاغلبية.

وعلى هذه القيادة ان تضع تدريجيا تنظيما سياسيا موحدا يقود العمل السياسي القومي في دولة الاتحاد وخارجها، وان تعمل على تعبئة قوى الجماهير لفرض ارادتها في الحياة وقيادتها دائما في افاق جديدة.

ان هذا لا يعني حل الاحزاب الوحدوية القائمة.

والعمل السياسي ليس فقط هو قيادة الجماهير بل هو ايضا تثبيت لدعائم مجتمعنا على اساس من الديمقراطية، والاشتراكية التي نبعت من واقعنا واصبحت تعبيرا عن مستقبلنا.

فالديمقراطية هي توكيد السيادة للشعب ووضع السلطة كلها في يده وتكريسها لتحقيق اهدافه.

والاشتراكية هي الترجمة الصحيحة لكون الوحدة عملا تقدميا وهي اقامة مجتمع الكفاية والعدل.. مجتمع العمل وتكافؤ الفرص مجتمع الانتاج ومجتمع الخدمات.

ان الديمقراطية هي الحرية السياسية والاشتراكية، هي الحرية الاجتماعية، ولا يمكن الفصل بينهما انهما جناحا الحرية الحقيقية وبدونها او بدون اي منهما لا تستطيع الحرية ان تحلق في افاق الغد المرتقب.

ان الديمقراطية السياسية لا يمكن ان تتحقق في ظل الرجعية كما انها لا يمكن ان تتحقق في ظل دكتاتورية الطبقة الواحدة.

لذلك يجب ان يسقط تحالف الاقطاع ورأس المال، وان يحل محله التحالف الديمقراطي بين قوى الشعب العاملة من الفلاحين والعمال والمثقفين والجنود والرأسمالية الوطنية، باعتبار ان هذا التحالف هو البديل الشرعي لذلك التحالف الرجعي، وهو القادر على احلال الديمقراطية السليمة محل ديمقراطية الرجعية.

اربع فئات اعداء الشعب

إن القيادة في الجمهورية العربية المتحدة للشعب، وان الحرية كل الحرية للشعب ولا حرية لاعداء الشعب.

وتشمل فئة أعداء الشعب العناصر التالية :

1- المعزولون سياسيا بمقتضى القوانين المقررة لذلك.

2- كل من حوكم ثوريا او ادين بأنه انفصالي او متآمر او مستغل.

3- كل من تعامل او يتعامل في المستقبل مع التنظيمات السياسية الاجنبية فاصبح بذلك عميلا للقوى الاجنبية.

4- كل من عمل او يعمل لفرض سيطرة الطبقة الواحدة على المجتمع.

ان التنظيمات الشعبية والسياسية التي تقوم بالانتخاب الحر المباشر لابد ان تمثل بحق وبعدل القوى المكونة للاغلبية، ومن هنا يجب ان نضمن للعمال والفلاحين نصف مقاعد هذه التنظيمات على الاقل، وفي جميع المستويات بما فيها مجلس الامة.

ان ذلك فضلا عما فيه من حق وعدل باعتباره تمثيلا للاغلبية، فهو ضمان اكيد لقوة الدفع الثوري وبذلك تتأكد باستمرار سلطة المجالس الشعبية المنتخبة فوق سلطة اجهزة الدولة التنفيذية والادارية ويظل الشعب دائما قائد العمل الوطني كذلك فإن الحكم المحلي يجب ان ينقل باستمرار وبالحاح سلطة الدولة تدريجا وكلما امكن ذلك الى ايدي السلطات الشعبية فإنها اقدر على الاحساس بمشاكل الشعب واقدر على حسمها.

القيادة الجماعية والحريات والانتخاب

ان جماعية القيادة على جميع مستويات العمل السياسي والشعبي امر لابد من ضمانه عصمة من جموح الفرد، وتأكيدا للديموقراطية على كل المستويات وضمانا للاستمرار الدائم المتجدد.

ان المنظمات الشعبية والمنظمات النسائية تستطيع ان تقوم بدور مؤثر وفعال في التمكين للديمقراطية السليمة، ان هذه المنظمات لابد ان تكون قوى متقدمة في ميادين العمل الديموقراطي.

وان نمو الحركة التعاونية والنقابية معين لا ينضب للقيادات الواعية التي تلمس باصابعها مباشرة اعصاب الجماهير وتشعر بقوة نبضها، ويجب ان يسقط الضغط الذي كان يخنق حرية هذه المنظمات ويشل حركتها.

ان الحريات العامة مكفولة في حدود القوانين وتكفل الجمهورية العربية المتحدة لجميع المواطنين دون تمييز حرية الرأي والتعبير، حرية النقد والنقد الذاتي، حرية الصحافة، حرية الاجتماع وتكوين الجمعيات، حرية تكوين النقابات والتنظيمات التعاونية، حرية العلم، حرية العقيدة والعبادات والشعائر الدينية وغيرها من الحريات العامة.

المواطنون سواء امام القانون في الحقوق والواجبات ولا يجوز التمييز بينهم بسبب الجنس او الاصل او اللغة او الدين او العقيدة، كما ان المرأة لابد ان تتساوى بالرجل في الحقوق العامة ولابد ان تسقط بقايا الاغلال التي تعوق حركتها حتى تستطيع ان تشارك بعمق وايجابية في صنع الحياة.

ان الانتخاب العام حق للمواطنين على النحو المبين بالقانون ومساهمتهم في الحياة العامة واجب قومي كما ان حق الترشيح وحق الانتخاب مكفولان لجميع افراد الشعب.

ان مبدأ سيادة القانون هو الضمان النهائي للحرية وحق التقاضي مكفول للمواطنين في حدود القانون، والقضاه مستقلون لا سلطان عليهم غير ضميرهم والقانون.

اشتراكية وسط بين الاستعمار والسخرة

ان الحرية الاجتماعية طريقها الاشتراكية وهذه لا يمكن ان تتحقق الا بفرص متكافئة امام كل مواطن في نصيب عادل من الثروة القومية بحيث تستطيع الوفاء بالحقوق المشروعة لجماهير الشعب العاملة.

ان طريق الثورة طريق الاشتراكية ضرورة حتمية يفرضها الواقع التاريخي، وتفرضها الآمال العريضة للجماهير لمواجهة التخلف الاجتماعي والاقتصادي في الوطن العربي كما تفرضها الظروف العالمية.

ان التجارب الرأسمالية في التقدم سارت جنبا الى جنب مع الاستعمار، واستطاعت بلدان العالم الرأسمالي الوصول الى مرحلة الانطلاق الاقتصادي باستغلال ثروات الشعوب المستعمرة.

ولقد انتهت عصور القرصنة الاجتماعية التي جرى فيها نهب ثروات الشعوب لصالح غيرها بلا وازع من القانون او الاخلاق، كذلك فإن هناك تجارب للتقدم حققت اهدافها على حساب شقاء الملايين من الشعب العامل، اما لصالح رأس المال او تحت ضغط تطبيقات مذهبية مضت الى حد التضحية الكاملة باجيال حية في سبيل اجيال لم تطرق بعد ابواب الحياة.

ان التقدم عن طريق النهب او التقدم عن طريق السخرة لم يعد امرا محتملا في ظل القيم الانسانية الجديدة، فقد استطاعت هذه القيم ان تسقط الاستعمار كما استطاعت ان تسقط السخرة. ولم تكتف هذه القيم الانسانية باسقاط هذين المنهجين بل فتحت بالعلم مناهج اخرى للعمل من اجل التقدم.

ان رأس المال في البلاد التي ارغمت على التخلف لم يعد قادرا على قيادة الانطلاق الاقتصادي في وقت نمت فيه الاحتكارات الرأسمالية الكبرى في البلدان المتقدمة اعتمادا على استغلال موارد ثروات الشعوب، ولم تعد تقدر الرأسمالية المحلية على المنافسة الا من وراء اسوار الحماية الجمركية المالية التي تدفعها الجماهير او ان تربط نفسها بحركة الاحتكارات العالمية وتقتفي اثرها وتتحول الى ذيل لها تجر اوطانها وراءها الى هذه الهاوية الخطيرة.

ان العمل من اجل زيادة قاعدة الثروة الوطنية لا يمكن ان يترك لعضوية رأس المال الخاص المستغل ونزعاته الجامحة التي لا يحركها غير دافع الربح الاناني.

حدود التأميم والملكية الخاصة

لذلك كان من الضروري ان يتم الانطلاق الاقتصادي في الوطن العربي بشروط ثلاثة :

1- تجميع المدخرات الوطنية.

2- وضع كل خبرات العلم الحديث في خدمة استثمار هذه المدخرات.

3- وضع تخطيط شامل لعملية الانتاج.

وهدف التخطيط في المجتمع الاشتراكي هو :

1- تحقيق التنمية المتوازنة للاقتصاد في كافة القطاعات المتخلفة.

2- تلبية الحاجات العامة والخاصة بالنسبة للمجتمع والفرد.

3- التوزيع العادل للثورة القومية.

4- ان يكفل للعمال اشتراك ايجابي في الادارة يصاحبه اشتراك حقيقي في ارباح الانتاج، مع وضع حد ادنى للاجور يكفل الحياة الكريمة للانسان العامل.

لذلك كان من الضروري سيطرة الشعب على كل ادوات الانتاج وعلى توجيه فائضها طبقا لخطة محددة وهي في الوقت نفسه طريق الديمقراطية بكل اشكالها السياسية والاجتماعية، وهذا لا يستلزم بالضرورة تأميم كل وسائل الانتاج ولا الغاء الملكية الخاصة او المساس بحق الارث الشرعي المترتب عليها، وانما يمكن الوصول الى ذلك بطريقين:

أولهما : خلق قطاع عام وقادر يقود التقدم في جميع المجالات ويتحمل المسؤولية الرئيسية في خطة التنمية.

ثانيهما : وجود قطاع خاص يشارك في التنمية في اطار الخطة الشاملة لها من غير استغلال على ان تكون رقابة الشعب شاملة للقطاعين مسيطرة عليهما معا.

ان التخطيط الاشتراكي الكفء هو الطريق الوحيد الذي يضمن استخدام جميع الموارد القومية المادية والبشرية بطريقة عملية وعلمية وانسانية لكي تحقق الخير لجميع الشعب وتوفر له حياة الرفاهية.

ان هذا التخطيط ضمان لحسن استغلال الثروات الموجودة والكامنة والمحتملة ثم هو في الوقت ذاته ضمان توزيع الخدمات الاساسية باستمرار ورفع مستوى ما يقدم منها بالفعل ومد هذه الخدمات الى المناطق التي افترسها الاهمال والعجز نتيجة لطول الحرمان الذي فرضته انانية الطبقات المتحكمة المستعلية على الشعب المناضل.

ان تنظيم الانتاج مطالب بأن يدرك ان غاية الانتاج هي توسيع نطاق الخدمات، وان الخدمات بدورها قوة دافعة لعجلات الانتاج وان هذا التنظيم لابد له ان يعتمد على مركزية التخطيط وعلى لامركزية التنفيذ لضمان وضع برنامج الخطة في يد كل جموع الشعب وافراده.

ان الملكية الخاصة ورأس المال الخاص يجب ان يوضعا في الموضع الذي لا يسمح بقيام الاقطاع او الاحتكار او الاستغلال، كما ان رأس المال الخاص يجب ان يخضع لتوجيه السلطة الشعبية شأنه في ذلك شأن القطاع العام وهذه السلطة هي التي تشرع له وهي التي توجهه على ضوء احتياجات الشعب، كما ان هذه السلطة هي التي تقضي على نشاطه اذا ما حاول ان يستغل او ينحرف.

ان التطبيق العربي للاشتراكية في مجال الزراعة يهدف اساسا الى تحرير الفلاحين من الاستغلال والسيطرة ويكون ذلك :

1- بتحديد حد اعلى للملكية الزراعية يقضي على الاقطاع واستغلال الفلاحين ويمنع قيامه من جديد.

2- زيادة انتاجية الارض باستعمال الطرق والوسائل العلمية والفنية.

3- تنظيم الاستثمار الفردي والجماعي، التنظيم الذي يكفل العدالة في توزيع ثمار الارض.

الدين مقوم اساسي في حياتنا

وفي ختام هذه المقومات، فإن الشعب العربي الذي يعيش في المنطقة التي نزلت فيها رسالات السماء يؤمن برسالة الدين ويتخذ من القوة الروحية التي تزوده بها الاديان دافعا للنضال الشعبي لتحقيق ذاته وبلوغ اهدافه.

ويجب ان يثبت في تقديرنا ان الدين مقوم اساسي من المقومات التي يبني عليها المجتمع العربي حياته ومستقبله جنبا الى جنب مع كل المقومات المادية الاخرى التي يحرص عليها الدين ولا تعارضه، وان هذا الشعب يملك من ايمانه بالله وثقته بنفسه ما يمكنه من فرض ارادته على الحياة ليصوغها من جديد وفق مبادئه وامانيه.