جون بيركنز في "التاريخ السري للإمبراطورية الأمريكية" (1)

قضت قناة "الديمقراطية الآن"، ومركزها نيويورك ساعة من الحوار مع رجل يقول إنه عمل داخل القوى الدافعة نحو العولمة، هو "جون بيركنز" مؤلف كتاب "اعترافات مخرب اقتصادي" الذي روى فيه قصة عمله كمستشار بأجر مرتفع لقادة أقوياء ودوره في خلق سياسة لصالح الولايات المتحدة الأمريكية وفي خدمتها، لحكومتها وشركاتها، أو ما يدعوها "حكم الشركات" من العام 1971 وحتى العام 1981· ويقول "بريكنز" إنه ساعد الولايات المتحدة الأمريكية في خداع البلدان الفقيرة في مختلف أنحاء العالم وامتصاص بلايين الدولارات عن طريق إقراض هذه البلدان أموالا أكثر مما تستطيع سداده، ثم السيطرة على اقتصادياتها· أجرت القناة هذا الحوار في الخامس من الشهر الحالي مع ظهور كتاب "بيركنز" الجديد وعنوانه "التاريخ السري للإمبراطورية الأمريكية: المخربون الاقتصاديون وأبناء آوى والحقيقة حول الفساد المعولم"، في وقت كان يتجمع فيه مئات الآلاف من المحتجين في ألمانيا قبل يوم من انعقاد قمة الدول الثماني الكبار الأكثر ثراء في العالم· وهي قمة انعقدت طيلة ثلاثة أيام في منتجع "هيليجندام" الساحلي، وأنفقت الشرطة الألمانية خلالها مبلغ 18 مليون دولار على إقامة حاجز بطول 8 أميال وارتفاع مترين حول موقع الاجتماع·

· آمي جودمان: قبل أن ندخل في الموضوع، وصفت نفسك بلقب مخرب اقتصادي، فما الذي يعنيه هذا اللقب؟ هلا شرحته للذين لم يسمعوا به؟

- أعتقد حقيقة، أن من العدل القول إنه منذ الحرب العالمية الثانية عملنا نحن المخربين الاقتصاديين على خلق أول إمبراطورية معولمة في العالم، وقد خلقناها في المقام الأول من دون استخدام القوة العسكرية على خلاف الإمبراطوريات الأخرى في التاريخ· لقد أقمناها بوسائل اقتصادية بالغة الدهاء· كان عملنا يتم بعدة طرق، ولكن الطريقة الغالبة على كل الطرق هي قيامنا بتشخيص بلد من بلدان العالم الثالث، ذلك الذي يمتلك موارد تشتهيها شركاتنا مثل النفط، ثم ننظم أمر قرض ضخم لذلك البلد من البنك الدولي أو إحدى مؤسساته الشقيقة· أموال القرض لا تذهب فعليا إلى البلد المعني، بل تذهب بدلا من ذلك إلى الشركات الأمريكية التي تبني مشروعات بنية تحتية كبيرة، شبكات الطاقة وموانىء وطرق سريعة ومناطق صناعية، وهي أشياء تستفيد منها قلة من الأثرياء· ولكن فوائدها لا تصل إلى الفقراء على الإطلاق· فالفقراء لا صلة لهم بشبكات الطاقة، فهم لا يملكون مهارات تتيح لهم الحصول على أعمال في المناطق الصناعية·

ولكنهم، والبلد كله معهم، يتركون مع هذا الدين الضخم، وهو رهان يبلغ من الضخامة حد أن البلد لا يستطيع الفوز فيه، أي أنه لا يستطيع سداده· وهكذا، وعند نقطة معينة، نرجع نحن المخربين الاقتصاديين إلى البلد المعني ونقول: اسمعوا، أنتم مدينون لنا بأموال كثيرة، ولا تستطيعون سداد الدين، إذن أصبح علكيم أن تعطونا كيلو من لحمكم·

· آمي جودمان: اشرح لنا سيرة حياتك، ما الذي جعل منك مخربا اقتصاديا؟

- جون بيركنز: حين تخرجت من كلية إدارة الأعمال في جامعة بوسطن، جندتني وكالة الأمن الوطني، وهي أكبر منظمات التجسس الأمريكية، وربما الأكثر سرية·

· آمي جودمان: أحيانا يعتقد الناس أن "السي· آي· إيه" هي الأكبر، ولكن وكالة الأمن أكبر بأضعاف مضاعفة·

- جون بيركنز: نعم، إنها الأكبر· أكبر بكثير· على الأقل في تلك الأيام· وأعمالها بالغة السرية· كلنا نعرف، هناك الكثير من الإشاعات· أعتقد أننا نعرف الكثير عن "السي· آي· إيه" ولكن ما نعرفه عن وكالة الأمن ضئيل جدا· هي تزعم أنها لا تعمل إلا في مجال كتابة الشيفرات، التشفير وفك شيفرة الرسائل، ولكن كلنا نعرف في الواقع أنها هي التي تستمع إلى هواتفنا، وهو ما انكشف أخيرا· إنها مؤسسة بالغة السرية إلى حد كبير، في هذه المؤسسة عرضوني لسلسلة من الاختبارات، اختبارات مكثفة، أجهزة كشف الكذب، واختبارات نفسية، خلال عامي الدراسي الأخير في الكلية· ومن العدل القول إنهم تبينوا في إمكانية مخرب اقتصادي جيد· وتبينوا عددا من نقط الضعف في شخصيتي، تلك التي ستسهل عليهم نسبيا تعليقي بالصنارة، وتجنيدي· وأعتقد أن نقط الضعف تلك هي ما يمكن أن ندعوها المخدرات الكبار في ثقافتنا: المال والسلطة والجنس· ومن منا ليس لديه نقطة ضعف من هذه؟ في ذلك الوقت كانت لدي النقط الثلاث·

بعد ذلك انضممت إلى "فيالق السلام" وشجعتني على هذا وكالة الأمن الوطني· وقضيت ثلاث سنوات في الأكوادور مع السكان المحليين في الأمازون وجبال الأنديز، السكان الذين يحاربون الآن شركات النفط، وكانوا آنذاك قد بدؤوا حربهم هذه والحقيقة أن أكبر دعوى قضائية، تتعلق بالبيئة في تاريخ العالم أقامها هؤلاء السكان ضد شركتي "تكساكو وشيفرون"·

وكانت تلك تدريبا جيدا لي لا يكاد يصدق على ما أنا بسبيل عمله· ثم، وخلال وجودي في "فيالق السلام" جيء بي وتم تجنيدي في شركة أمريكية خاصة تسمى "تشارلس·ت· مين"، وهي مؤسسة استشارية خارج بوسطن تستخدم حوالي 2000 موظف، غير بارزة، ولكنها قامت بعمل هائل فهمت أنه كان عمل المخربين الاقتصاديين الذي وصفته، وذلك هو الدور الذي بدأت القيام به، ثم صعدت في النهاية إلى قمة المؤسسة وأصبحت رئيسها الاقتصادي·

· آمي جودمان: وكيف يرتبط هذا العمل بوكالة الأمن الوطني؟ هل هناك علاقة؟

- جون بيركنز: هذا هو الجانب المهم جدا في هذا النظام كله، وهو عدم وجود علاقة مباشرة· وكالة الأمن أجرت لي المقابلة، تبينت قابلياتي، ثم حولتني إلى هذه المؤسسة الخاصة· إنه نظام في غاية الدهاء والبراعة من حيث إن ما يذهب إلى الخارج ويؤدي هذا العمل هو القطاع الخاص، فإذا وجدنا متلبسين بشيء، إذا أمسك بنا نرشو أو نفسد مسؤولين محليين في بعض البلدان، يلقى باللوم على القطاع الخاص، وليس على حكومة الولايات المتحدة الأمريكية·

ومن المهم أيضا، في بعض الحالات القليلة حين يخفق المخربون الاقتصاديون، ويجيء ما ندعوهم "أبناء آوى" الذين يدخلون الساحة للإطاحة بالحكومات أو يغتالون قادتها، أن يأتي هؤلاء من القطاع الخاص· هؤلاء من العاملين لدى السي· آي· إيه· ولدينا كلنا هذه الصورة عن العميل 007، العميل الحكومي المستأجر للقتل، حامل الترخيص بالقتل، ولكن العملاء الحكوميين في هذه الأيام حسب تجربتي لا يقومون بهذا العمل الآن· إن ما يقوم به هم مستشارون خاصون يؤتى بهم للقيام بهذا العمل· وأعرف عددا من هؤلاء الأفراد شخصيا، ومازلت·

· آمي جودمان: تتحدث في كتابك، التاريخ السري للإمبراطورية الأمريكية عن القبض على السلطة العالمية في كل المستويات· وها نحن نرى الآن هذه الاحتجاجات الجماعية تقوم في ألمانيا في مستهل قمة الثمانية الكبار، حدثنا عن أهمية ما يحدث الآن من احتجاجات·

- جون بيركنز "أعتقد أن ما يحدث في غاية الأهمية· هناك شيء يحدث في العالم اليوم، شيء مهم جدا· وحين نراقب عناوين الصحف الرئيسية في هذا الصباح، نستطيع القول بثقة إننا نعيش في عالم بالغ الخطورة· وهو أيضا عالم صغير، نستطيع في أن نعرف فورا ما يحدث في ألمانيا أو في الشرق الأوسط أو الأمازون أو في أي مكان آخر· وقد بدأنا نفهم أخيرا في مختلف أنحاء العالم، إن الطريقة الوحيدة التي يكون فيها أطفالي أو أحفادي أو أي طفل أو حفيد في أي مكان على هذه الأرض قادرا على الحظوة بعالم مسالم ومستقر ودائم، هي أن يكون كل طفل قادرا على الحظوة به· قمة الثمانية الكبار لم تفهم هذا حتى الآن·

· آمي جورمان: اشرح لنا ما مجموعة الثمانية الكبار·

- جون بيركنز: هي البلدان الأكثر ثراء في العالم، وهي تدير شؤون العالم من حيث الجوهر· والقائد هو الولايات المتحدة والشركات في داخل هذه البلدان عمليا هي التي تدير شؤون العالم· ليس الحكومات لأن الحكومات في المقام الأول تخدم مصالح الشركات· وفي بلدنا نحن نعرف أن المرشحين الرئاسيين القادمين، الجمهوري والديمقراطي على حد سواء، سيقوم كل واحد منهما بجمع تبرعات تصل إلى نصف بليون دولار· وهذا المال لن يأتي مني أو منك· سيجيء بشكل رئيسي من الذين يملكون ويديرون شركاتنا الكبرى· إنهم مدينون بالفضل جملة وتفصيلا للحكومة· وهكذا، فإن مجموعة الثماني هي في الحقيقة مجموعة البلدان التي تمثل الشركات المتعددة الجنسيات الأكبر في العالم، وتأتمر بأمرها·

ما نراه في أوروبا الآن، وما نراه بقوة أعظم في أمريكا اللاتينية، والشرق الأوسط، هو هذا التيار التحتي الهائل للمقاومة، للاحتجاج ضد هذه الإمبراطورية التي خرجت من هذه الشراكة بين حكومات وشركات· وكانت إمبراطورية بلغت حدا من الدهاء والمكر أن الناس لم يكونوا على وعي بها، لأنها لم تقم على القوة العسكرية· لقد بناها المخربون الاقتصاديون· ومعظمنا لا يعي هذا· غالبية الأمريكيين لا تعرف أن أساليب الحياة التي لا تصدق هذه التي نعيشها هي بسبب أنناجزء من إمبراطورية بالغة الوحشية، إمبراطورية تستعبد الناس حرفيا في مختلف أنحاء العالم· ولكننا بدأنا بفهم هذا· والأوروبيون والأمريكيون اللاتينيون في طليعة هذا الفهم·