آشور بانيبال

آشور بانيبال

آخر ملوك آشور العظام وأشهرهم يكتب اسمه بالمقاطع الهجائية: آشورـ باني ـ بال Assur-bani-pal ويعني آشور أنجب ولداً، وقد ذكره الإغريق والرومان تحت اسم سَرْدانَبالوس Sardanapallos وهو الولد الثالث للملك أسرحدون[ر]. حكم مابين عامي 668-626ق.م، وبلغت آشور في عهده ذروة مجدها في الفن والعمارة والأدب والعلوم.

في أواخر أيام أسرحدون، وقبيل وفاة والدته الآرامية البابلية نَقْية، وبتأثير منها، عين أسرحدون ابنه البكر شمش ـ شوم ـ أوكين على عرش بابل[ر]، وعين ولده الثالث آشور بانيبال ولياً للعهد في آشور. وقد لاقى هذا التعيين معارضة شديدة من موظفي القصر ورجال الدين. وحتى لا تقع فتنة دعا آشور بانيبال أولياء الأمر في آشور لبحث الموضوع، فأقنعهم، وأخذ على أفراد الأسرة الحاكمة ورجال الدين وأعيان البلاد والحكام التابعين عهداً بتأييده وعدم الثورة عليه.

وكان آشور بانيبال منذ تعيينه ولياً للعهد يقاسم والده السلطة، ولما توفي والده في «أرخ شمنا» في عام 669ق.م وهو في طريقه إلى مصر، اعتلى آشور بانيبال العرش وأطاعه أخوه الأكبر، ووجد آشور بانيبال نفسه أمام وضع عسكري معقد، إلا أنه لم يتردد في إصدار الأمر إلى قائد جيش والده شاشا ـ نبو ـ شوبا بالاستمرار في السير إلى مصر لقمع تمرد حكامها، فتقدم هذا إلى الدلتا، وهزم ملكها طهرقا ومن معه من الأمراء المصريين، واستولى على ممفيس (منف /منفيس) ثم طارد طهرقا حتى الصعيد، فاستولى على طيبة. وبذلك خضعت مصر جميعها للحكم الآشوري. وليضمن الآشوريون سيطرتهم على مصر أعادوا الأمراء المبعدين إلى مناصبهم، فنصبوا الأمير نيخو (نخاو الأول) في مدينة سايس.

ولكن ما إن عادت الحملة إلى بلادها حتى تمرد المصريون من جديد، فهاجموا الحاميات الآشورية التي قضت على التمرد وقبضت على زعمائه واقتادتهم إلى نينوى[ر]. وبعد وفاة طهرقا تسلم الحكم ابن اخيه تانُتمون (تَنِتْأَ مان) الذي ثار على الآشوريين، واحتل منف، لكنه سرعان ما انهزم أمامهم، واسترد الآشوريون السيطرة على الدلتا حتى عام 655ق.م. وحدث في أثناء انشغال الآشوريين بقمع الثورات في مصر أن احتل ملك المانيين أخشيري قلاعاً آشورية، وهدد حدود آشور الشرقية. فسارع آشور بانيبال إلى إرسال كبير ندمائه «نبوشر أوحُر» على رأس حملة لقمع التمرد، وانتهى ذلك التمرد بقيام ثورة على أخشيري أودت بحياته وخلفه ولي عهده على الحكم، واعترف بسلطة الآشوريين، ودفع الجزية لهم.

وكان آشور بانيبال منذ اعتلائه العرش مطمئناً إلى أن أورتاكي ملك عيلام[ر] سوف يحافظ على علاقات جيدة معه كالسابق. ولتمتين عرى تلك الصداقة استغل آشور بانيبال فرصة مجاعة حلّت بعيلام، فزوّدها بالمؤن وأذِن للعيلاميين بدخول أملاكه. إلا أنه بعد وفاة أورتاكي عام 668ق.م حكم في سوسة الملك تمبت خمبان ـ أنشوشينا الذي كان يحقد على الآشوريين ويرفض صداقتهم. وتحقيقاً لأهدافه، أيد عصيان قبائل الجمبولو الآرامية والعربية في «نُفّر» وغيرها من مدن الجنوب فتصدى الآشوريون للفتنة بعنف وقضوا عليها. وزحف آشور بانيبال بعد ذلك على رأس قواته إلى سوسة، ودخلها فاتحاً عام 663 ق.م.

أما في بابل التي كان شمش ـ شوم ـ أوكين حاكماً عليها، فقد ظن هو الآخر أن الفرصة مواتية للتمرد على أخيه، فشق عصا الطاعة في أيار ـ حزيران من عام 652ق.م. واتصل بأمراء مصر ورؤساء القبائل العربية والإمارات الآرامية وإمارات بلاد البحر (الخليج العربي) في جنوبي العراق. وكان أول من استجاب لدعوة شمش ـ شوم ـ أوكين بنو بعل شوماني من بلاد البحر والعيلاميون فجرد آشور بانيبال حملة تأديبية على بابل، وحاصر أخاه فيها، وفتحها عنوة، ودمرها، واحترق شمش ـ شوم ـ أوكين وسط لهب قصره. ثم زحف آشور نحو الجنوب للانتقام من القبائل الآرامية والعربية التي ساعدت الثورة فشتت شملها، ثم هاجم عيلام. وفتح عاصمتها سوسة، وخرّبها ونبش قبور ملوكها عام 639ق.م.

لم يبق في الساحة من أعداء آشور بانيبال إلا القبائل العربية في جنوبي بلاد الشام والبادية الشامية، وكانت تسبب المتاعب للحاميات الآشورية، فكلف آشور بانيبال حاكم دمشق الآشوري تأديبهم. فجهز لقمعهم كتائب أغارت على منازلهم في البوادي وأحرقتها، ونهبت قطعان إبلهم حتى لا يستخدموها مطايا، وهكذا دان المشرق القديم كله للحكم الآشوري. ومن يقرأ حوليات هذا الملك يَرَ أنه قضى نحو ثلاثين عاماً في الغزو، وإن قال عنه الإغريق إنه محب للهو والمجون. ويكتنف الغموض السنوات الأخيرة من حكمه حين مال إلى الراحة بعد أن أنهكت الحروب مملكته، وخلفه على العرش بعد وفاته ابنه آشور ـ إتيل ـ إيلاني ثم ابنه الثاني سين ـ شار ـ إشكون، فلم يتمكنا من الحفاظ على إرثهما، وتوالت المحن على مملكة آشور إلى أن قضى عليها تحالف البابليين والميديين والسكيثيين سنة 612ق.م.

كان آشور بانيبال ملكاً حكيماً ومحارباً محنكاً وعالماً مولعاً بالآداب، وقد قال: «لقد تعلمت الحكمة عن الحكيم (آدابا)، واقتبست أسرارها، وأسرار فن الكتابة على الرقم. وخصتني السماء بالحكمة، وناقشت في مجالس العلماء، وشاركت في معرفة الفأل من الكبد، وأستطيع تفسير جميع الألغاز. وقد قرأت أصعب الرقم السومرية والأكدية، وتمعنت في النقوش الحجرية قبل الطوفان».

وحتى لو كان هذا القول تبجحاً، فإن ما يشفع له جمعه عشرات الألوف من الرقم في مكتبة قصره بنينوى. وقد عثر في قصره المحترق على أكثر من خمسة وعشرين ألف رقيم وكسرة رقيم سطرت عليها أخبار الحروب والرسائل والمعاهدات والوثائق الاقتصادية والإدارية التي تخص عصره، والأشعار والآداب والقصص والأساطير والروايات والحكمة وغيرها.

ومع أن آشور بانيبال لم يضاه أسلافه في حبه للبناء، فإنه كان محباً للفن، بنى قصراً في نينوى زينه بأحسن اللوحات المنقوشة التي صورت حروبه وملذاته وهواياته بدقة وإتقان ميزاها مما عُرف في العصور السابقة.