طائرُ الفينيق في الأساطير

تقول الأُسطورة أنْ لَم يكُن في عالَمنا إلاّ طائرُ فينيقٍ واحدٌ. كان يسكُنُ الْجَنَّة، وهي أرضُ جَمالٍ لا يوصَف، هادئةٌ خلفَ الأُفُق البعيد الذي منه تشرق الشمس. جدليّة هذا الطائر أنْ ليس في الْجَنّة مَوت. بعد ألف سنة، أصبح الطائر يرزح تَحت وطأة عمره الطويل، وأراد أن يَجيء وقتُه فيموت. ولأن في العالَم الأرضي موتاً، شقّ طريقه الى العالم الأرضي، تَوجَّهَ صوب الغرب، مُحلّقاً فوق أدغال بورما وسهول الهند، حتى وصل فوق أرضٍ شدّتْه إليها رائحةُ بَخور التوابل في مغاور الشرق. نزَل إليها، جمع غمراً من الأعشاب العَطِرة، وحَملها معه الى شواطئ فينيقيا، فَحَطّ في عُبّ شجرة عالية بنى فيها عشَّه من تلك الأعشاب العَطِرة. وكان الْمغيب، فراح ينتظر بزوغ الفجر الجديد الذي يؤذّن بموت الطائر.وحين أشرقت الشمس من خلف الأفق العالي، تطلَّع صوب الشرق، فتح منقاده وأنشد أغنيةً لإله الشمس فجاء على عربته. وعند نهاية الأغنية، نهز إله الشمس أحصنتَه فانطلقت بالعربة وفرَّت من حوافر أحصنتها شرارةٌ أصابت عش الطائر، فاحترق العش واحترق فيه الطائر، وانتهت بذلكَ حياةُ الطائر الألفيّ.
وفي اليوم الثالث بَزَغ من رماد الطائر الْمحترق طائرُ فينيقٍ صغيرٌ نفَّض جناحيه من الرّماد، وطار صوب الشرق، الى أبواب الجنة يواكبه رف من الطيور.
في رموزية الأسطورة، أنّ طائر الفينيق يمثل الشمس تموت في نهاية كل يوم، وتعودُ لتولدَ في اليوم التالي. وفي السائد منذ بدء الْخليقة، أنّ الكائنات تولد من أُخرى. إلاّ كائناً واحداً يولد من ذاته، سمّاه الأشوريون طائر الفينيق: لا يعيش على الفواكه أو الزهور بل على العطور والعنبر. حين يبلغ عمره خمسمئة سنة، يبتني عشاً في عُبّ شجرة عند أعلاها، يَجمع العنبر والطيب والْمُر واللبان، يتكوّم بينها في العُشّ ويلفظ نفَسَه الأخير بين الأطياب. ومن رماد هذا الطائر الأب، يولد فينيق صغير مرصودٌ على العيش، كما أبوه، خمسمئةَ سنةٍ أُخرى. وحين يشتدُّ جناحاه يودّع هذا العش (مكانَ ولادته ومكان موت أبيه) فيَحمل عشَّه، ويطير به، متجِّهاً الى مدينة الشمس، بعلبك، ليضعه قرباناً في معبد الشمس، بانتظار أن يأتي زمن موته، فيحترقَ ليولَدَ من رماده طائرُ فينيقٍ جديدٌ الى حياة جديدة.

الطائرُ الْمُقَدَّس

يعيشُ ألف سنة. يفد من صوب الشرق كلَّ خمسينَ أو مئة، ليحترقَ بالعنبر والطيب فوق هيكل الأسرار في لبنان. وبعد ثلاثة أيام يستعيدُ الحياةَ ليرجِع الى موطنه.
حين يصل، تسري القشعريرةُ في التلال والسهول وموج البحر، والناس واجمون يتبرَّكون من الهنيهة التي سيحط فيها الطائرُ الفينيق على أرضهم. وحين تتضاءل رائحة العنبر، إيذاناً بأن الطائر المقدس أتَمَّ تضحيةَ ذاته، يؤوب الناس الى بيوتهم من دون أن يرَوه، فلا يَجوز أن يرى الطائرَ الفينيق أحد.

طائرُ الفينيق رمزُ الحب الذي يقيم من الموت. وهو وعدٌ دائمٌ بأن يَجيءَ يوماً ويرُدَّنا إليه... الى ملكوت النور.

طائرُ الفينيق رمزُ الوعد العظيم. من آمن بالوعد قبل تَمامه، أحياهُ الإيْمانُ لأنّ الإيْمان حُبّ. ومن يَمَسُّ رماد طائر الفينيق، يقول للموت أن يزول، فيزول
ترجمها اليونانيون إلى فينكس (مع التحريف القليل لتقابل كلمة فينكس و تعني نوعا معينا من النخيل)، وبعض الروايات اليونانية ترجع أصل تسمية الطائر الأسطوري إلى مدينة يونانية أخذ المصريون عنها تلك الأسطورة.

هناك بعيداُ في بلاد الشرق السعيد البعيد تـفـتـح بـوابــة الســمــاء الضخـمــة وتسكب الشمـس نورهـا من خلالها، وتوجد خلف البوابة شجـرة دائمة الخضرة.. مكان كله جمال لا تسكنه أمـراض ولا شيخوخة، ولا موت، ولا أعمال رديئة، و لا خوف، و لاحـزن. وفـى هـذا البستان يسكن طائر واحد فقط، العنقاء ذو المنقار الطويل المستقيم، والرأس التي تزينها ريشتان ممتدتان إلى الخلف، وعندمـا تستيقظ العنقاء تبدأ في ترديد أغنية بصوت رائع.

وبعد ألف عام، أرادت العنقاء أن تولـد ثانيـة، فتركت مـوطـنها وسـعـت صـوب هـذا العالم واتجهت إلى فينيقيا واختارت نخلة شاهقة العلو لها قمة تصل إلى السمـاء، وبنت لـهـا عـشاً. بعـد ذلك تمـوت في النار، ومن رمادها يخرج مخلوق جديد.. دودة لهـا لـون كـاللبـن تتحـول إلـى شـرنقـة، وتخـرج مـن هـذه الشـرنقـة عـنقاء جـديدة تطـير عـائدة إلـى موطـنها الأصلي، وتحمل كل بقايا جسدها القديم إلى مذبح الشمس في هليوبوليس بمـصــر، ويحيـي شـعـب مصـر هـذا الطـائر الـعـجـيب، قبل أن يعـود لبلده في الشـرق.
هذه هى أسطورة العنقاء كما ذكرها المؤرخ هيرودوت، و اختلفت الروايات التي تسرد هذه الأسطورة، والعنقاء أو الفينكس هو طائر طويل العنق لذا سماه العرب "عنقاء" أما كلمة الفينكس فهي يونانية الأصل و تعني نوعا معينا من النخيل، وبعض الروايات ترجع تسمية الطائر الأسطوري إلى مدينة فينيقية، حيث أن المصريين القدماء اخذوا الأسطورة عنهم فسموا الطائر باسم المدينة.

ونشيد الإله رع التالي (حسب معتقداتهم) يدعم هذه الفكرة، حين يقول: "المجد له في الهيكل عندما ينهض من بيت النار. الآلهة كلُّها تحبُّ أريجه عندما يقترب من بلاد العرب. هو ربُّ الندى عندما يأتي من ماتان. ها هو يدنو بجماله اللامع من فينيقية محفوفًا بالآلهة". والقدماء، مع محافظتهم على الفينكس كطائر يحيا فردًا ويجدِّد ذاته بذاته، قد ابتدعوا أساطير مختلفة لموته وللمدَّة التي يحياها بين التجدُّيد والتجدُّد.

بعض الروايات أشارت إلى البلد السعيد في الشرق على انه في الجزيرة العربية وبالتحديد اليمن، وأن عمر الطائر خمسمائة عام، حيث يعيش سعيدا إلى أن حان وقت التغيير والتجديد، حينها وبدون تردد يتجه مباشرة إلى معبد إله الشمس (رع) في مدينة هليوبوليس، وفي هيكل رَعْ، ينتصب الفينكس أو العنقاء رافعًا جناحيه إلى أعلي. ثم يصفِّق بهما تصفيقًا حادًّا. وما هي إلاَّ لمحة حتى يلتهب الجناحان فيبدوان وكأنهما مروحة من نار. ومن وسط الرماد الذي يتخلف يخرج طائر جديد فائق الشبه بالقديم يعود من فوره لمكانه الأصلي في بلد الشرق البعيد.

وقد ضاعت مصادر الرواية الأصلية في زمن لا يأبه سوى بالحقائق والثوابت، ولكن الثابت في القصة هو وجود هذا الطائر العجيب الذي يجدد نفسه ذاتياً.