إقليدس، الفراهيدي و امرؤ القيس

قصة الهندسة-11



قلت سابقا أن الرياضيين اللاحقين لإقليدس قد قاموا بغربلة العناصر التي
بنى عليها هندسته، فحذفوا البعض منها و أضافوا إليها. و هذا يبدو
منطقيا، لا بل بديهيا! ذلك أن كتاب إقليدس كان أول كتاب جامع في
الهندسة، و كان أول محاولة لبناء الهندسة بناء منطقيا محكما ينطلق من
المقدمات للنتائج، فكان لا بد له أن يتضمن بعض الهنات و التجاوزات
-التي لا تشير إلى خطأ في نتائجه، على الإطلاق! لكنها تشير إلى نوع من
التجاوز لقضايا كان يجب التصريح عنها عوضا عن استخدامها بشكل باطني

نعم، في عمل إقليدس نجد بعض النواقص البسيطة التي تكفل بتصحيحها
الرياضيون ممن أتوا من بعده. و لعل هذا يذكرنا بعلم العروض لدى الخليل
بن أحمد الفراهيدي: فحين أنشأ الفراهيدي هذا العلم، حدد عروض الشعر
العربي بخمسة عشر ، لكن أتباعه أضافوا وزنا آخر،
فكان مجموع عروض الشعر العربي ستة عشر

أقول: هذا هو حال كل من يبدأ شيئا جديدا، فهو مرتكب و لا شك لبعض
الأخطاء و الهفوات...

فإن انتقلنا لامرئ القيس، و هو من يوصف عادة بأنه أول شعراء
العرب، و أخذنا معلقته، و هي أولى المعلقات و لعلها من أقدم قصائده،
فنظرنا إليها لوجدنا فيها جمالا متكاملا و صياغة حلوة و انتظاما لا عيب
فيه. فحتى هذا اليوم لم نر من يعترض على هذه القصيدة أو يصفها بالضعف
أو بالقبح...

يعني تخيلوا الصورة: حتى مجيء امرء القيس كان الشعر عند العرب هو
مجموعة من القصائد القصيرة، و الركيكة، مثلا ما ينسب للمهلهل، و ليس
فيها ما يقارب جمال معلقة امرئ القيس... ثم، يعني و فجأة، ظهر امرؤ
القيس فأنشأ عالما كاملا لا خلل فيه و لا عيب: فصار مطلع القصيدة يشتمل
صدرا و عجزا ينتهيان بنفس القافية، و صارت القصيدة تتدرج من الوقوف على
الأطلال لتذكر الحبيبة للوصف إلخ...

نعم! لم يكن هناك شعر عربي قبل امرئ القيس... و مع امرئ القيس نهض
الشعر العربي بنيانا شامخا لا عيب فيه

فهل هذا معقول؟

بالطبع لا!

لا شك لدي أن امرئ القيس، إن كان هو حقا كاتب معلقته، يعني إن لم تكن
معلقته منحولة و منسوبة إليه كذبا، لا شك أنه اعتمد في كتابتها على
تراث عريق من الشعر، ثم أضاف لذلك موهبته، و هي عظيمة لا شك، فكانت تلك
القصيدة...

طيب... أين اختفى ذلك التراث؟

سؤال يستحق التفكير فيه!

سؤال آخر: عاش امرؤ القيس قبل الإسلام بقرن و نصف... و كان من عادة
العرب أن تجتمع كل عام مرة في سوق عكاظ كي تختار أجمل القصائد
فتعلقها... هذا يعني أننا يجب أن نجد مائة و خمسين معلقة!

لكننا لا نجد إلا عشر معلقات، لا بل و البعض يقول: سبع معلقات لا أكثر!

فأين اختفت بقية المعلقات؟ و لمه؟

شخصيا، أميل للظن أن الأمر لا يعدو أحد اثنين:

- فإما أن امرأ القيس، بما في ذلك معلقته، هو كائن خرافي تم اختراعه
بعد الإسلام للترويج لصورة ما عن العرب قبل الإسلام...
- أو أنه وجد حقا، و هو كاتب معلقته حقا، فنستنتج أن الشعراء من قبله و
من بعده تم القضاء على ذكرهم بهدف الحفاظ على تلك الفكرة...

أيا كان الحال، فالنتيجة التي أراها هي أن ما نعرفه عن الشعر الجاهلي
هو ناقص و مشوه و تم تشويهه بهدف خدمة الإيديولوجيا الحاكمة

و بعد هذا الإستطراد الشعري ستكون لي عودة كي أتحدث عن إقليدس و
المعلقين على عمله...

فلي عودة....