أوروبا وقدموس

أ- أوروبا :

إن الرواية الرومانية تنسب أوروبا وقدموس إلى (أغينور) أو (أجينور) ملك صيدا الفينيقي الثري . وتبدأ أسطورة أوروبا بالحلم الذي تراه في منامها ابنة أغينور (أوروبا) الفتاة الجميلة ، حيث ترى في حلمها أن مرضعتها ومربيتها (آسيا) ، التي تمثل قارة آسيا ، كانت تختصم مع امرأة أخرى تمثل القارة الشمالية التي تنفصل عن آسيا بوساطة البحر (وهي قارة أوروبا فيما بعد)(36) . وكانت المرأتان / القارتان تتخاصمان على الفوز بالإلهة (أوروبا) ، وكانت النتيجة تنازل آسيا عن الفتاة لصالح المرأة الأخرى ، وهو ما أفزع الإلهة أوروبا وأيقظها من نومها .

صلّت أوروبا لتحميها الآلهة من الشرور وارتدت ثوباً أرجوانياً وخرجت مع صديقاتها من بنات صيدا إلى مرج أخضر على شاطئ البحر تقطف الورود الحمراء فوقعت عليها أنظار الإله زيوس وهو ما يقابل الإله بعل ، الذي كان يطارد السحب فعزم على اختطافها ومسخ إلى عجل جميل وهبط إلى المرج فهبت بنات صيدا نحوه يداعبنه ، وتقدمت نحوه أوروبا وصارت تداعبه وهو يلحس يدها ويتملقها فأحاطت رأسه بيديها وقبلته فركع عند قدميها وكأنه يطلب منها أن تعتلي متنه ، واعتلته أوروبا وهمت الفتيات بالركوب إلى جانبها لكن العجل نهض فجأة وانطلق نحو البحر .

ومضى يمخر عباب أمواجه الذهبية كالدلفين ، وخرجت النيرندات (حوريات البحر) يسبحن معه وكذلك خرج الإله بوزيدون (إله البحر) ليفسح السبيل أمام أخيه زوس حتى لاحت جزيرة كريت فحلاّ فيها وتزوجا وأنجبت أوروبا من زوس ثلاثة أبناء هم :

1- مينوس الذي أصبح أول ملك لكريت.

2- رادامانت .

3- ساربيدون .

وكان هؤلاء الثلاثة أبطالاً وحكماء في العالم القديم.

وتوضح هذه الأسطورة مجموعة أمور لعل أهمها هو أن إلهة صيدا الفينيقية هي التي منحت اسمها للقارة أوروبا ، ويشير هذا أيضاً إلى انتقال نواميس الحضارة من فينيقيا إلى كريت ثم إلى أوروبا .

كذلك تفسر هذه الأسطورة المنشأ الإلهي لملك كريت الأول مينوس ، ولا بد من الإشارة إلى أن الإلهة (آسيا) التي كانت بمثابة أم (أوروبا) أخذت اسمها ، كما نعتقد ، من (آش) أي النار أو الشمس ، وهي دلالة واضحة إلى هذه القارة المشمسة ، وإلى نزوح الحضارة نحو الشمال من آسيا عبر البحر وانتماء أوروبا حضارياً إلى فينيقيا .

ب- قدموس :

حزن أغينور حزناً شديداً على اختطاف ابنته واستدعى أبناءه الثلاثة (فوينيكس، كيليكس، قدموس) وهم يقابلون فينيقيا (فينيق ، قيليق ، قدم) وأمرهم بأن ينتشروا في الأرض ويبحثوا عن أختهم فانتشروا وأسس فوينيكس فينيقيا ، وكيلكس مكيليكيا أما قدموس فظل يبحث عن أخته حتى وصل إلى (دلفي) في بلاد الإغريق وذهب ليستشير كاهن أبولو فيها عن المكان الذي يؤسس فيه مدينته فأشار عليه الكاهن بأن يذهب إلى مرج معزول ويتبع بقرة تخلو رقبتها من النير وعندما تتوقف وتبرك فوق عشب أخضر فهناك ستكون مدينة قدموس التي اسمها (بيوتيا) ... ففعل قدموس ذلك وكان برفقته أتباعه من صيدا وهم يمجدون أبولو ، وعندما بركت البقرة أقام قدموس معبداً ، وأراد أن يقدم قرباناً للإله زوس فاحتاج إلى الماء وأرسل أصحابه ليجلبوا له الماء من نهر يجري في مغارة عميقة مجاورة ، فذهب أصحابه ورأوا عند المغارة ثعباناً ضخماً يدعى (أريس) ملتفاً يغط في نوم عميق ، وعندما حاول أصحابه جلب الماء من النهر استيقظ الثعبان وفتك بهم جميعاً .

ولما طال انتظار قدموس شهر سيفه وذهب باتجاههم ورأى الكارثة ودارت معركة قاسية بينه وبين الثعبان الشرس استطاع في نهايتها قطع رأس الثعبان فعلّقه على بلوطة قديمة .

ثم نادته الإلهة أثينا - بالادا بأن ينتزع أنياب الثعبان وينثرها كالبذور في حقل بعد أن يحرثه . وفعل ذلك قدموس فأنبتت الأرض من هذه الأنياب محاربين مدججين بالأسلحة والتروس والسيوف وأراد قدموس أن يحاربهم لكنهم تواجهوا فيما بينهم ودارت بينهم معركة شرسة تساقطوا فيها قتلى ولم يبق منهم سوى خمسة من المحاربين الذين رموا أسلحتهم واصطلحوا وصاروا أتباع قدموس وبنوا معه قلعة (طيبة) التي اسمها (كادميا) ذات البوابات السبع . ثم بنى قدموس مدينة (طيبة) وشرّع للناس القوانين ونظم شؤونها وأهدت الآلهة لقدموس زوجته هارمونيا ابنة الإلهين آريس وأفروديت.

أصبح قدموس واحداً من أغنى ملوك الأرض ، وصار اسم كل واحد من قواده الحمسة (سبارتي) ، أي الذين أنبتتهم الأرض وكان كل منهم على رأس جيش عظيم ، وعاش قدموس زمناً طويلاً حافلاً بالمسرات . ثم بدأت الأحزان بالنزول إلى ساحته فقد ماتت ابنتاه (سميلا وأينو) . ومات حفيده أكيتون وحزن عليهم حزناً شديداً .

وهجر قدموس وهارمونيا طيبة عندما أصبحا عجوزين وذهبا إلى إيليريا البعيدة ، وهناك تذكر الهاتف الذي صاح به ذات يوم بعد أن قتل الأفعوان . فصرخ بالسماء أن تحوله إلى ثعبان إذا كانت خطيئة قتله للثعبان هي سبب المصائب التي حلت به . فتحول قدموس شيئاً فشيئاً إلى ثعبان ، وطلبت هارموينا أن تتحول هي الأخرى إلى أفعى لتشاطره مصيره فتحولت وأخذا يجوبان الغابة وهما على هذه الهيئة حتى أدركهما الموت .