وقائع اليوم الأول من «حرب الاختيار» الإسرائيلية

بقلم: عمير رافبورات (المراسل العسكري لصحيفة «معاريف»)
الجزء الأول
عند خروجه من قاعة المداولات في ديوان رئاسة الحكومة اقترب رئيس شعبة العمليات الجنرال غادي آيزنكوت من رئيس شعبة التخطيط الجنرال اسحق هارئيل. كان ذلك في الثاني عشر من تموز ,2006 حوالى منتصف الليل، بعد دقائق من تقديم رئيس الأركان دان حلوتس تقريرا حول قرار الحكومة بمهاجمة راجمات الصواريخ في قلب القرى في الجنوب اللبناني. وهمس آيزنكوت القلِق: ينبغي وقف كل ذلك. وقال الجنرال عن الوزراء، إنهم لا يفهمون مغزى القرار الذي اتخذوه.
لم تكن لدى آيزنكوت أية شكوك: حزب الله سوف يرد على مهاجمة القرى بإطلاق صواريخ في عمق الجبهة الداخلية الإسرائيلية، وبذلك ستنشب معركة قاسية. وبعد فوات الأوان، رد عليه الجنرال هارئيل: يستحيل إيقاف الطائرات. وأضاف أن كل واحد ممن اتخذ القرار يعيش داخل عالمه الخاص. والحد الأقصى الممكن فعله هو محاولة السيطرة على الوضع، من أجل أن تكون نهاية للأحداث.
وهناك خارج قاعة المداولات في ديوان رئيس الأركان كنبة من الجلد وطاولة، منثور عليها في العادة عدد من الصحف. والجدران مكسوة بطبقة من الخشب الرقيق، اللامع، على نمط مكاتب الهاي تيك. وعندما مر الجنرالات عن زاوية الجلوس هذه متفرقين كل واحد إلى مكتبه، كانت بطونهم تتقلب. فالعديد من القواعد الجوية في أرجاء البلاد تعيش ذروة الاستعدادات الأخيرة لمهاجمة صواريخ «فجر» ـ وهي صواريخ بعيدة المدى تحمل رأسا حربيا زنته 600 كيلوغرام وكريات حديدية فتاكة ـ في عملية أسميت كودياً «الوزن النوعي». وعلقت القذائف على الطائرات الحربية، فيما امتدت الأنابيب إلى خزانات الوقود، من أجل التأكد من أنها ممتلئة، وتراكض فنيو الطائرات على المدرجات، وتعمق الطيارون في تفاصيل الأهداف التي كُلفوا بضربها. غير أن أحدا لم ير الصورة كاملة وواضحة. إسرائيل توشك على الخروج إلى معركة في لبنان من منطلق إحساس قاس بالمهانة ودافع شديد للانتقام، من دون خطة واضحة لكيفية تحقيق أهداف بعلو السماء ومن دون جداول زمنية.
في الواقع، وكما قال الجنرال هارئيل، كان كل من شارك في اتخاذ القرارات في ذلك اليوم المصيري يرى صورة مختلفة عن الآخرين. فالوزراء الذين صادقوا على الهجوم في أعقاب اختطاف جنديي الاحتياط إلداد ريغف وإيهود غولدفيسر في ذلك الصباح في لبنان، لم يكونوا يعرفون أن الجيش لم يوصِ حتى بعملية «الوزن النوعي»، وأنه تم ببساطة استخدام الجيش كغطاء لقرار مطبوخ عرض عليهم. ومن ناحيتهم، كان الجيش على وشك تنفيذ عملية تستغرق عدة ساعات، وفي أسوأ الأحوال عدة أيام. وهم لم يستطيعوا أن يفهموا أنهم عمليا قرروا شن حرب.
وكانت الخطط المعدة مسبقا في الجيش الإسرائيلي تحسبا لاحتمالات الحرب في لبنان مغايرة: فقد شملت شن غارات على أهداف بنى تحتية لإجبار الحكومة اللبنانية على العمل بنفسها ضد حزب الله وخطوة برية لإبعاد الكاتيوشا عن الحدود. لكن خطط الأدراج هذه تم عقرها: من جهة على أيدي المستوى السياسي الذي لم يسمج بضرب البنى التحتية، ومن جهة أخرى على يد رئيس الأركان حلوتس الذي رفض بشكل قاطع إمكانية العملية البرية من دون أن يعرض خطة أخرى. وهكذا، فإن جنرالات الجيش الإسرائيلي ورئيس الأركان، ووزير الدفاع ورئيس الحكومة والوزراء، لم يكونوا يعرفون ما هي المرحلة التالية لمهاجمة صواريخ فجر. وه كذا تدحرجنا.
05,9 ديوان أولمرت وحيداً في القمة
تم اختطاف إيهود غولدفيسر وإلداد ريغف إلى لبنان في صبيحة الثاني عشر من تموز في الساعة التاسعة وخمس دقائق. وتسلسل الأحداث من لحظة اختطافهم إلى لحظة شن الحرب، يجسد حقيقة أن إسرائيل تعاني من خلل عميق، أساسي ومتواصل بالشكل الذي تتخذ فيه القرارات الأشد أهمية.
فالرجل الأكثر نفوذا، رئيس الحكومة إيهود أولمرت، تلقى البلاغ باختطاف الجنديين حينما كان في لقائه الأول مع أفيفا ونوعم شاليت، والدي الجندي جلعاد شاليت، الذي تم اختطافه إلى قطاع غزة قبل أسبوعين ونصف الاسبوع من ذلك اليوم، في الخامس والعشرين من حزيران. وفي لحظات العلم بأمر قد يعني إعلان حرب على إسرائيل، فإن كل رئيس حكومة، وليس أولمرت فقط، يكتشف كم هو وحيد في القمة. وأي ثقل كبير هي المسؤولية الملقاة أولا وقبل كل شيء على كاهله، وإلى أي حد تفتقر إسرائيل لجهة هامة تركز أمام الرجل الذي يرأس الهرم أعمال الجهات الأمنية المختلفة.
والمساعد الوحيد إلى جانب رئيس الحكومة هو السكرتير العسكري. أما مجلس الأمن القومي، الذي أقيم عام .1999 ورغم أنه يخضع لرئاسة الحكومة، فإنه ينشغل فقط بالمهمات الثانوية التي تلقى عليه بين حين وآخر. ولا يحوي المجلس أناسا ذوي قامات عالية أو أصحاب خبرة متراكمة يمكن الإفادة منها في وقت الضيق. فهيئة على شاكلة مجلس الأمن القومي بصيغته الأميركية، وهو فعلا بالغ التأثير، ضروري أيضا في إسرائيل، لأن رئيس الحكومة هو الوحيد بين صناع القرار من يفترض أن يرى الصورة الشاملة التي تأخذ بالحسبان اعتبارات عسكرية إلى جانب قضايا سياسية، وكذلك آثار خطوات تتخذها إسرائيل بنفسها، والتي يمكنهم أن يروها أفضل من الآخرين.
وهناك أجهزة أمنية، مثل الموساد، الشاباك ولجنة الطاقة النووية، تخضع بشكل مباشر لرئيس الحكومة. أما وزير الدفاع، المسؤول بشكل مباشر فقط عن الجيش، وكذلك الجيش نفسه، فإنهما لا يطلعان على قسم من المعلومات الأمنية. ورغم ذلك فإن خطط إسرائيل لحالات الطوارئ تتبلور على يد الجيش. صحيح أنه يأخذ بالحسبان اعتبارات سياسية، لكن كما تراها عيون عسكرية. وبشكل طبيعي، فإن الجيش الإسرائيلي، كما أي جيش آخر، يميل لحل كل مشكلة أولا وقبل كل شيء بوسائل عسكرية. وإذا لم تكن القوة كافية، فإنه يستخدم المزيد من القوة. والميل لمصلحة الاعتبار العسكري على حساب الاعتبار السياسي أمر بنيوي.
وفي ضوء حقيقة أنه في محيط رئيس الحكومة لا يجري عمل أركاني ذو قيمة، فإن مركز الثقل في لحظات الأزمات الأمنية الخطيرة ينتقل دائما إلى هكرياه في تل أبيب. فهناك توجد رئاسة الأركان وديوان وزير الدفاع. وفي الثاني عشر من تموز شغل عمير بيرتس منصب وزير الدفاع، بأقدمية شهرين وثمانية أيام في المنصب ومن دون أية خلفية عسكرية سابقة. وجلس على كرسي رئيس الأركان الجنرال دان حلوتس، كثير الأمجاد كطيار حربي وكمن قاد التنفيذ الناجح للجيش الإسرائيلي لخطة الفصل عن غزة وشمالي الضفة قبل عام من ذلك.
30,9 مكتب بيرتس «بيضاء»؟
وصل خبر إطلاق النار في الشمال إلى هكرياه بينما كان على وشك أن يبدأ في مكتب وزير الدفاع بيرتس نقاش حول غارة تمت في غزة قبيل الفجر. وكانت هذه محاولة لتصفية قائدي الذراع العسكري لحماس أحمد غندور ومحمد ضيف. وقد فشل الهجوم وفقط أصيب الرجلان بجروح.
والشيء الأشد بروزا في مكتب بيرتس ليس سوى شاشة بلازما هائلة معلقة تحت السقف. وبدت الأرائك الملونة على الأرضية الفاتحة الصغيرة مقارنة بقياسات الغرفة الهائلة. وجلس حوالى خمسة عشر من كبار المؤسسة الأمنية، بينهم رئيس الأركان حلوتس ورئيس الشاباك يوفال ديسكين، في ذلك الصباح حول المائدة الطويلة، قبالة نافذة بانورامية تطل على خط الساحل الجميل لتل أبيب. وفي أجهزة اتصالهم تلقوا رسائل عن قذائف هاون سقطت في العديد من المواضع على طول الحدود الشمالية. وكان الميل الأول هو للتفكير بأن حزب الله ينفس عن غضبه، في رد فعل على محاولة اغتيال ضيف وغندور، غير أن القلب تنبأ بالأسوأ وتوقع احتمال أن يكون إطلاق القذائف مجرد تغطية على عملية اختطاف.
وترك رئيس شعبة العمليات آيزنكوت النقاش لبضع دقائق من أجل الاطلاع على آخر المعلومات حول ما يجري في الشمال عبر الهاتف. وبسرعة كبيرة عاد إلى الطاولة مع بلاغ مثير وقال: أسوأ ما في الأمر أننا فقدنا الاتصال بـ«بيضاء».
سأل بيرتس: ماذا تعني «بيضاء»؟
رد آيزنكوت، كما لو أنه أستاذ يجيب على تلميذ: التعبير يشير عموما إلى دبابة أو إلى ناقلة جند مدرعة بشكل خاص. ومن الجائز أنهم مشغولون الآن ولذلك لا صلة معهم، لكننا أعلنا حالة «هانيبال». وكان بيرتس قد تعرف إلى هذا التعبير في أعقاب اختطاف شاليت: وبحسب حالة «هاينبال» فإنه في حالة اختطاف جنود فإن الجيش الإسرائيلي يحاول بواسطة النيران من الجو قطع طرق انسحاب الخاطفين وكذلك مطاردتهم.
سأل بيرتس: أين جرى الأمر بالضبط؟
قام نائب رئيس الأركان موشيه كابلينسكي بالإشارة على خريطة مبسوطة على الطاولة إلى القاطع بين نقطتي الإبلاغ 104 و105 من السياج الحدودي، شمالي موشافي شتولا وزرعيت، حيث تم فقدان الاتصال بـ«البيضاء».
وسأل بيرتس ثانية: هل هذا وقت معقول للاختطاف؟
رد عليه رجال الجيش: نعم.
وفي أعقاب هذا التطور المثير سارع رئيس الأركان، رئيس شعبة العمليات وقائد سلاح الجو الجنرال أليعزر شيكدي إلى مقر القيادة العليا في هيئة الأركان، عميقا تحت الأرض.
10.00 ملجأ القيادة «ما العمل؟»
في ملجأ القيادة العليا ساد شعور بالعجز. فقد وصلت تقارير من الشمال تفيد بوجود عربتي هامر عسكريتين محترقتين، وثلاثة جنود قتلى، وسيم نزال، أيال بنيان وشني ترجمان، وجنديين جريحين، وجنديين كانا في الدورية التي تعرضت للهجوم، مفقودين. ومن لحظة إلى أخرى كان يزداد الوضوح بأن الأمر يتعلق بعملية اختطاف، وأن فرص اقتفاء أثر الخاطفين تتبدد. والساعة الأولى بعد لحظة الاختطاف تعتبر من ذهب. وما لا يحدثْ في هذه الساعة يغدُ من الصعب إصلاحه لاحقا.
غير أن الدقائق مرت، ولم يتم اكتشاف شيء. وحينها جاء نبأ سيئ آخر: دبابة «ميركافا سيمان 2»، تم إرسالها إلى داخل الأراضي اللبنانية على الطريق المؤدي إلى قرية عيتا الشعب، في إطار مطاردة لا فرصة لنجاحها وراء الخاطفين، أصيبت بعبوة ناسفة على بعد 500 متر من الحدود. وكان التقدير الأولي هو أن أربعة أفراد الطاقم ـ غادي موسييف، شلومي يرمياهو، أليكس كوشنيرسكي ويانيف بارخأون ـ لقوا مصرعهم، لكن بسبب قذائف الهاون التي غطت ذلك القطاع بأسره، كان من المتعذر الاقتراب منهم.
وكانت الأجواء داخل ملجأ القيادة في الأركان العامة مأزومة. وسيطر اللون الرمادي للجدران الإسمنتية. وأعمال الترميم التي كانت جارية وفي ذروتها في الملجأ جعلت البقاء تحت الأرض أمرا يصعب احتماله. في تلك الساعة أوحى حلوتس بالعزم والروح القتالية. وسأل في المشاورات الأولية وهو واقف خارج غرفة القطاع الشمالي في الملجأ: إذاً، ما الذي ينبغي فعله؟ رد عليه الجنرال اسحق هارئيل: نهاجم بيروت. فمنذ عام ونحن نقول بوجوب تحميل الحكومة اللبنانية مسؤولية ما يجري على أراضيها. الآن ينبغي لنا أن نجسد ذلك في نهاية المطاف.
لم يكن الاقتراح عرضيا. فالنظرية القائلة بوجوب أن تكون الحكومة اللبنانية العنوان في نظر إسرائيل بشأن استفزازات حزب الله غدت مسيطرة في الجيش الإسرائيلي بعد أن اضطرت القوات السورية للانسحاب من لبنان في أيار .2005 وكانت المقاربة حتى ذلك الوقت هي أنه على السوريين أن يدفعوا الثمن إذا تقرر الرد عسكريا. رد حلوتس: حسنا. لقد فهمت. وحدد الساعة الثانية ظهرا موعدا لنقاش أولي حول احتمالات العمل المتوفرة للجيش الإسرائيلي. وصعد إلى مكتبه، حيث أدار من هناك عددا من الاتصالات الهاتفية، بينها تلك المحادثة التي تم كشف النقاب عنها في «معاريف»، والتي أمر فيها المستشار الاستثماري في البنك ببيع حقيبة الأسهم التي يملكها.
وتقع مكاتب رئيس الأركان ووزير الدفاع في الطابق الرابع عشر من المبنى الذي أقيم لكبار مسؤولي المؤسسة الأمنية في قلب هكرياه في تل أبيب. ويرمز المبنى المذهل، وهو من إبداع المهندس المعماري أبراهام ياسكي، إلى الفترة التي لم يعد فيها أي خطر أمني يهدد فعلا وجود إسرائيل. وهو مكون من برجين من ستة عشر طابقا، مرتبطين بواسطة جسور في الطوابق العليا. وقد خصص أحد البرجين لهيئة الأركان العامة، فيما خصص توأمه لوزارة الدفاع. وعلى بعد عشرات قليلة من الأمتار من حلوتس، في الطرف الثاني من الجسر، اتصل وزير الدفاع عمير بيرتس برئيس الحكومة إيهود أولمرت. وقال له إنه من المهم أن لا يتم أي شيء من دون تنسيق، فالوضع يجب أن يبقى تحت السيطرة التامة. واقترح بيرتس أنه منذ الآن ينبغي إلقاء المسؤولية على كاهل الحكومة اللبنانية، اعتمادا على أقوال سمعها من رجال الجيش.
أما أولمرت نفسه فقد وقف، خلال حفل الاستقبال المقرر سابقا لرئيس الحكومة اليابانية جونشيرو كويزومي، قبالة عشرات الكاميرات في باحة ديوان رئاسة الحكومة في القدس وحمل المسؤولية للحكومة اللبنانية وسوريا، على نقيض الخط الذي انتهجه لاحقا.
وشاركت في اللقاء مع رئيس الحكومة اليابانية وزيرة الخارجية تسيبي ليفني. وفورا بعد انتهاء اللقاء أجرت ليفني مشاورات أولية مع كبار المسؤولين في وزارتها، لكن لم يكن لذلك أهمية عملية. فصيرورة اتخاذ القرارات أصلا كانت تتحرك فقط في محور واحد: المحور الأمني. وتقرر عقد اجتماع الحكومة في الساعة الثامنة مساء. وقبلها كان من المفترض أن تجري مداولات أمنية متواصلة وفق ترتيب تم أيضا بعد اختطاف جلعاد شاليت إلى قطاع غزة.
12.45 هكرياه «لا لتجنيد الاحتياطي»
كانت المداولات الأولى هي تلك المشاورات المقلصة بين وزير الدفاع بيرتس ورئيس الأركان حلوتس. في تلك المرحلة كان حزب الله قد أعلن أنه اختطف جنديين إسرائيليين وأنه تم نقلهما إلى «مكان آمن». ونشرت قناة «المنار» التابعة له كليبات مع صورة الأسير اللبناني سمير قنطار الذي قتل أفراد عائلة هاران في عملية في نهاريا عام .1979 وبموازاة ذلك أعلنت المنظمة أنه مقابل الجنديين لديها تطالب بإطلاق سراح آلاف الأسرى، وبينهم القنطار. واقتبست وسائل الإعلام الإسرائيلية هذا التقرير وأكدت وجود خشية كبيرة في الجيش الإسرائيلي بأن جنديين فعلا مفقودان.
ومع بيرتس وحلوتس شارك في المشاورات المقلصة مساعدوهم الشخصيون. وكان واضحا للجميع أن الجيش الإسرائيلي لا يواجه نسخة مكررة من مهاجمة أهداف موضعية في الجنوب اللبناني فقط، كما حدث في جولتين سابقتين من استفزازات حزب الله: محاولة أفشلها الجيش لاختطاف جنود في قرية الغجر في تشرين الثاني 2005 وإطلاق الصواريخ باتجاه وحدة السيطرة الجوية لسلاح الجو في جبل ميرون في 28 أيار .2006 وساهمت في ذلك أيضا حقيقة أن الإهانة في الشمال جاءت في أعقاب التدهور المتواصل للوضع في قطاع غزة: إقامة حكومة حماس، موجات صواريخ القسام على النقب الغربي، وفي النهاية اختطاف شاليت. وفي أعقاب الأحداث الجديدة في الشمال تنامى إحساس بأن الردع الإسرائيلي تجاه الجيران يتآكل، ويتحول إلى غبار.
وقال حلوتس لبيرتس: إننا نعلم حتى الآن عن سقوط سبعة قتلى، ومنذ خروجنا من لبنان لم يحدث أمر كهذا. هناك ما تراكم خلال شهرين أو ثلاثة. ونحن نعيش نقطة انقلاب. علينا أن نعمل.
وكان حلوتس بالغ الحماسة لإلحاق أضرار اقتصادية شديدة بلبنان. وقال حلوتس: إنني أوصي بوضع الحكومة اللبنانية على المرصاد ومعالجة أمرها، ينبغي ضربها بكامل الشدة. يمكن أن نلحق بهم أضرارا تقدر بعدة مليارات من الدولارات وأن نوقف لهم كل الكهرباء حتى يعيشوا في ظلام لعام كامل. ومن أجل جعل كلامه مفهوما أكثر أضاف: يمكن ضرب مطار بيروت أو القصر الرئاسي في بعبدا. وهكذا تفهم الحكومة اللبنانية أن هناك ثمنا لعدم قيامها بمحاربة حزب الله. ورغم ذلك أوضح حلوتس: ونحن أيضا سندفع ثمنا، لأن الرد سيحوي صواريخ فجر وكاتيوشا.
سأل بيرتس: ما هي قدرتنا على إسكات نيران صواريخ حزب الله ضد حيفا والخضيرة؟
رد حلوتس: لدينا قدرة. وهنا تحدث عن خطتي أدراج قائمتين في الجيش الإسرائيلي لإسكات راجمات صواريخ حزب الله للمدى المتوسط ما بين 70 و75 كيلومترا. وخطة «الوزن النوعي» هي العملية التي خطط لها أن تدمر راجمات الصواريخ الثابتة لحزب الله، المتموضعة في بيوت داخل القرى في الجنوب اللبناني. وهناك خطة أخرى وهي مهاجمة الراجمات المتنقلة، المحمولة على شاحنات تنتقل من مكان إلى آخر، وينبغي اصطيادها.
وقال حلوتس: في هذه المرحلة أنا لا أقترح مهاجمة صواريخ فجر.
ورغم العزم، فإن مياه بيرتس لم تجر مع تيار عقل رئيس الأركان. وقال إن معالجة أمر صواريخ فجر التي يمكن أن تلحق بنا ضررا أكبر هو أمر أشد منطقية من ضرب المطار. وكان حدس بيرتس سليما. فقد عرض موضوعا آخر، حاسما: المسألة هي أي هدف نريد من هذه الخطوة، هل هو إعادة المختطفين؟ وقال وزير الدفاع، إنه بوسع مثل هذا الهدف أن يورطنا بشكل متطرف. إذ ليس هناك من يتوقع أن يقود الضغط فقط إلى إعادة الجنديين.
أجاب حلوتس: بالتأكيد. تجربتنا سيئة مع رون أراد.
قال بيرتس إنه ينبغي التفكير في كيفية توجيه ضربة كما ينبغي وننهي القصة. وكرر القول مرارا بأن المشكلة هي كيف ننتهي.
ومنذ المشاورات الأولى طرحت فكرة تجنيد قوات احتياطية. وقال الســكرتير العسكري لوزير الدفاع العميد إيتان دانغــوت إنه يعـتقد أن تجنيد القوات الاحتياطية هو أمــر إلــزامي في ضوء احتمال توسيع المواجهة. لكن حلوتس بلغة جسده أوحى بأنه لا يحب تدخل دانغوت، وحسم الأمر قائلا: لقد أصدرت تعليماتي بعدم تجنيد أي فرد.
وبعد الظهر احتفل الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله بعملية الاختطاف في مؤتمر صحافي في بيروت. وقال إن الجنديين الإسرائيليين موجودان في مكان آمن، وإن الطريق الوحيدة لاستردادهما هي المفاوضات. وأضاف في توجه مباشر للإسرائيليين، وهو يشير بإصبعه نحو الأعلى تحذيرا: إذا هاجمتم، فسوف تندمون. وتعهد الأمين العام: سوف نعمل بكامل القوة ضد كل محاولة إسرائيلية للتسلل إلى لبنان. نحن لا نريد التصعيد، لكن إذا قام العدو بتصعيد الوضع فإننا على استعداد للذهاب بعيدا، ونعد بمفاجآت.
بدا نصر الله مستهينا، لكنه كان يجفف عرقه بين الفينة والأخرى. وتحدث ساخرا: أولمرت غر، وزير الدفاع غر، ورئيس الأركان جديد في منصبه. وأنا أنصحهم، قبيل اجتماع المجلس الوزاري المصغر، بالتشاور مع أسلافهم في المناصب حول ما ينبغي فعله. أما في بيروت، وفي القدس، وفي تل أبيب، فلم يكن السؤال هو إذا كانت إسرائيل سترد، بل كيف سترد.
الظهيرة القيادة الشمالية
الغرق في الخطط
كانت الخطط الموضوعة تحسبا لمواجهة مع حزب الله معروفة جيدا في الجيش الإسرائيلي. وقد عملوا على هذه الخطط طوال سنوات. كانوا يحدثونها، يغيرونها، يكيفونها وفق الدروس المستخلصة من المناورات والأحداث الميدانية المختلفة. وفقط قبل شهر من عملية الاختطاف، جرت مناورة «أياد متكاتفة». وفي تنبؤ مثير للقشعريرة تبدأ المناورة بسيناريو اختطاف جنود إلى قطاع غزة، وتتواصل باختطاف آخر في الشمال وفي أعقاب ذلك تنشب حرب في لبنان.
ومن الوجهة الظاهرية تم في المناورة تفعيل خطة الأدراج «ماي ماروم» (مياه الأعالي). ووفق هذه الخطة كان يفترض بالجيش الإسرائيلي أن يبدأ بقصف جوي ومدفعي لأهداف في لبــنان، وبعد عدة أيام من القصف التمــهيدي يتــم الانتقـال إلى عملية برية باستخدام ثــلاث فرق. وكانت خطة «ماي ماروم» لا تزال في طور الصياغة النهائيـة.
وفي يوم الاختطــاف، شــاءت الصدف أن يعرض حاسوب القيادة الشمالية صيغة محدثة للخطة على مختلف الوحدات كجزء من صيرورة تحويلها إلى خطــة عملياتية. وإضافة إلى خطة «ماي ماروم» كانت هناك خطة، سبقتها وتشبهها كثيرا، تدعى «درع البلاد».
وأيا تكن الحال، في ساعات الظهيرة بعد عملية الاختطاف لم تتم دراسة أي من خطط الأدراج بهدف التنفيذ. وأجرى قائد الجبهة الشمالية الجنرال أودي أدام تقديرا أوليا للموقف في مقر القيادة في صفد. وأصدر تعليماته بتعزيز موقع أسترا على سفوح جبل الشيخ، خشية قيام السوريين بتنفيذ عملية خاطفة للسيطرة عليه. كما أنه أمر الوحدات التابعة للقيادة بأن تكون جاهزة حتى يوم الجمعة، أي خلال يومين، لتنفيذ خطة «ماي ماروم»، أو خطة «الجاروف المناسب»، المعدة لقيام الجيش الإسرائيلي بإبعاد حزب الله بالتدريج عن الحدود شمالا، أو على الأقل خطة أصغر تسمى «الجلسات الصحيحة»، التــي تشمل تدمير المواقع التي أقامها حزب الله على السياج الحدودي منذ أيار .2000