المعلقون: بروكلوس Proclus

قصة الهندسة-12



أول من حاول البرهان على صحة المسلمة الخامسة لإقليدس كان بروكلوس من
القسطنطينية. ولد بروكلوس في بداية القرن الخامس للميلاد، و تتراوح
التواريخ ما بين 410 و 412 للميلاد، لكن كافة المؤرخين يتفقون أنه كان
ابنا لنبيل روماني و أن حياته كانت تتجه باتجاه النبالة و الحياة
السياسية. لكن الإلهة أثينا، إلهة الحكمة، ظهرت له مرات عديدة لتطالبه
بدراسة الفلسفة، و هذا ما فعله.

فحين بلغ بروكلوس العشرين من عمره نقل رحاله لمدينة أثينا حيث التحق
بأكاديمية أفلاطون الشهيرة، فدرس فيها فلسفة أرسطو و أفلاطون، و عاش
بالقرب من الأكروبول، كي يبقى بقرب إلهته الحامية، اثينا.

ثم إن بروكلوس، حين بلغ الأربعين من عمره، استلم إدارة هذه الأكاديمية،
مستعدا لمتابعة أعمال أساتذته في تدريس الفلسفة اليونانية في ظل
الحماية العطوفة للإلهة اثينا.

لكن تشاء الآلهة ما لا يشاء البشر: ذلك أن المسيحية كانت، و منذ نهاية
القرن الرابع، ديانة رسمية للدولة و منعت بقية الأديان. و كان الإضطهاد
الديني يزداد شيئا فشيئا و سرعان ما وصل للأكاديمية، إذ لم يعد بوسع
السلطة السياسية، راعية الدين المسيحي، أن تحتمل هؤلاء الفلاسفة من
عبدة الآلهة القديمة. و أمام تهديد التعصب المسيحي اضطر بروكلوس أن
يهرب من وطنه لفترة مؤقتة حتى خفت موجة القمع، ثم إنه عاد لموقعه على
رأس الأكاديمية و تابع عمله فيها.

لكن إن كان القمع المسيحي لأتباع الآلهة القديمة قد خف، فإن الحقد
المسيحي على هذه الآلهة لم ينخفض أبدا، و هكذا ذهب المسيحيون فدمروا
تمثال الإلهة اثينا في معبدها (البارتينون) في الأكروبول. فما كان من
الإلهة إلا أن جائت لعابدها المخلص بروكلوس و أخبرته أنها و قد تم
طردها من منزلها فهي قد قررت أن تسكن في منزله.

و هكذا ختم بروكلوس حياته بسعادة عائشا بالقرب من إلهته، إلهة الحكمة،
مدرسا في أعظم مدارس الحكمة، و ساخرا من اتباع ذلك الدين الزائف الذي
تصلب آلهته أو تخوزق أو غير ذلك من الترهات... و توفي بروكلوس عن عمر
يتجاوز السبعين عاما.

لكن لئن كانت الإلهة أثينا قد قادت خطى بروكلوس طيلة حياته و رافقته
حتى مماته، فإنها، و لسبب نعجز عن فهمه، لم تساعده حين أراد أن يبرهن
المسلمة الخامسة لإقليدس! فهل هذا يعني أن إلهة الحكمة لم تكن تهتم
بتطور الهندسة، أم أنها بكل بساطة كانت جاهلة؟

أيا كان الأمر، فالبرهان الذي اعتقد بروكلوس أنه وجده يتم على مرحلتين:

أولا: أنه إن تقاطع مستقيمان في نقطة فالمسافة بينهما، حين نبتعد عن
نقطة التقاطع، تزداد للمالانهاية.
ثانيا: فنستنتج أنه إن قطع مستقيم ما أحد متوازيين، و نتيجة لأن بعده
عنه سيزداد لمالانهاية له، فهو سيقطع الآخر.
و منه الإستنتاج أنه من نقطة خارج مستقيم لا يمكن إنشاء أكثر من مواز
واحد لهذا المستقيم.

نلاحظ أن النقطة الأولى صحيحة تماما في الهندسة المطلقة. أي أنها صحيحة
في هندسة إقليدس و في هندسة لوباتشيفسكي أيضا، ليس هناك اي اعتراض.

بالمقابل، فليس بوسعنا استنتاج النقطة الثانية إلا إن قبلنا أن البعد
بين المستقيمين المتوازيين محدود... و هذه مسلمة مكافئة للمسلمة
الخامسة، و قد سبق لنا و أوضحنا سبب خطئها في هندسة لوباتشيفسكي (راجع
الشكل الذي يعرض مسلمات لوباتشيفسكي، مسلمة ابن الهيثم).

للأسف، لم تقم الإلهة أثينا بإيضاح هذه النقطة لبروكلوس، فكان برهانه
خاطئا.

لكن دعنا لا نتألم كثيرا لأجله: فسواء نجح او فشل في برهان المسلمة
الخامسة، فهو قد عاش حياة سعيدة و شيخوخة هنيئة بجوار إلهته المعبودة
ممارسا مهنته المفضلة، و ذلك، لعمري، هو الفوز العظيم...

و لي عودة كي أتحدث عن معلقين آخرين...