معركـة وادي الحجيـر 2006

«الحـرب الكبـرى داخـل الحـرب الكبـرى»

قلَبَ وادي الحجير السحر على الساحر.. وتحولت المعركة التي ظن ألإسرائيلي أنها ستحقق له إنجازاً معنوياً يعوض عبره عجزه وإخفاق عدوانه في القضاء على المقاومة إلى رمز لانكساره. لم يسعفه قرار التقدم البري عبر الحجير في الساعات الستين الأخيرة للحرب، في تحقيق حلمه وهدفه بالوصول إلى نهر الليطاني، بل ألحق به المقاومون هزيمة صعب لن تنساها أجيال المحتلين في السنوات القليلة المقبلة.
بعد عدوان تموز 2006 لم يعد وادي الحجير ما كان عليه قبله. فتحت المنطقة بوابة التاريخ وتربعت بين ملاحمه.
يرويها الجندي الإسرائيلي المهزوم ليؤكد إخفاق قياداته، ويذكرها المقاوم وأهله والصامدون ليثبتوا للعالم أنه يمكن للعين أن تقاوم المخرز وان أسطورة الجيش الذي لا يقهر مجرد وهم مغلف بالعتاد والعديد. أسطورة فضحتها شهادة أحد الضباط الإسرائيليين وهو يروي كيف «بلع جندي لسانه وتوقف قلبه» نتيجة الخوف بعدما زنرهم رجال المقاومة «بـ270 درجة من النيران».
اليوم بعد عام على العدوان، يحلو لبعض أهالي قرى الغندورية وفرون الواقعة ما بين وادي الحجير ونهر الليطاني أن يفاخروا ببعض مقتنياتهم الحديدية. لن تفهم مغزى «تحفهم» تلك إلى أن تراها: قطع من جنازير دبابات «ميركافا ـ 4» التي مزقّها المقاومون إرباً في ما أسماه الإسرائيليون «مجزرة وادي الحجير».
هناك، في الوادي الذي تحول إلى مقبرة للميركافا وطواقمها وللواء «ناحال» للمشاة وعناصر الفرقة 162 وغيرهم من جنود النخبة، ترك الغزاة بقايا آلياتهم وخرج الجنوبيون صبيحة الرابع عشر من آب يلملمونها بفخر وعزة.
هي تلك «الحرب الكبرى ضمن الحرب الكبرى» كما أطلق عليها أحد الجنود الغزاة في شهادة نشرتها صحيفة «هآرتس».
في معركة وادي الحجير اعترف الغزاة بمقتل 33 جندياً بينهم ضباط وقادة سرايا وفرق ومدرعات وبوقوع مئات الجرحى والمصابين.. وبتدمير ما يقارب خمسين دبابة ميركافا عدا عن الجرافات العسكرية «د 9».
ومع نتائج معركة وادي الحجير أمكن لقائد الفرقة 162 في الجيش ألإسرائيلي العميد غاي تسور أن ينام قرير العين. كان الرجل قد نصح، في نقاش «مهني»، قائد المنــــطقة الشمالية أودي آدم بعدم سلوك طريق الوادي والاستعاضة عنه بطـــريق التفافية، ولكن القرار كان قد اتخذ. آلت معركة الحجير إلى هزيمـــة قاسية ودفع آدم ثمن الإخفاق: استقالته من مهمته القيادية.
وفي خضم العدوان وقلب معركة وادي الحجير وإنزال الجنود الإسرائيليين في الغندورية وفرون على أشده والمخاطر تحيط بمن بقي من الأهالي في منازلهم وأراضيهم، جاء صراخ الجنود الإسرائيليين العالقين في جحيم وادي الحجير ليبّرد قلوب سكان الغندورية، كما يقول الحاج أبو إبراهيم الذي لم يرغب بترك بلدته: «مع صراخ العدو واستغاثات جنوده التي وصلت منازلنا عرفنا أن المقاومين مسيطرون على الإسرائيلي وأن الإنزال شدة وبتمرق».
ليست معركة وادي الحجير هي تلك التي شهدها الوادي الذي ينحدر من الطيبة بعد رب تلاتين ثم يعود ويرتفع نحو الغندورية بنحو مئة متر من حيث الارتفاع فقط. تمتد منطقة معركة وادي الحجير التي تعرف بـ«محور التقدم الواحد والضروري بالمعنى العسكري» من بلدة عديسة على الحدود مع الجليل الفلسطيني المحتل والمقابل لسهل رب تلاتين المفتوح على هونين المحتلة مروراً ببلدة الطيبة فالقنطرة وعدشيت القصير ووادي البراك وصولاً إلى الحجير ثم صعوداً نحو الغندورية وفرون.
وعليه لا تقتصر معركة وادي الحجير على تلك المواجهات التي حصلت في قلب الوادي، بل تبــــدأ من كمين تلة العويضة في عديسة ومواجهات مدخل رب تلاتين وسهلها وكمين مشروع الطيبة يليه كمين القنطــــرة ومواجهات عدشيت القصير ووادي البراك وانتهاء بوادي الحجير ثم الصعود نحو الغندورية وفرون لملاقاة جنود الإنزال الإسرائيلي في تلك البلدتين. جاء إنزال الغندورية الذي أفرغ 1200 جندي إسرائيلي في الطويري، فيــــ صلب وأساس معــــركة وادي الحجير كخطوة اعتقدها الإسرائيلي ضرورية لإنهاء مقــــاومة حزب الله في طريق تقدمه نحو نهر الليطاني.
في ما يلي تفاصيل المعركة كما يرويها قائد المنطقة في المقاومة الحاج جهاد لـ«السفير»، مع تقديم جغرافي للمنطقة وأهميتها في الحرب.
«محور التقدم الواحد»
يقع وادي الحجير في القطاع الأوسط في جنوبي لبنان وتضم منطقته قرى الطيبة، عتشيت القصير، دير سريان والقنطرة للجهة الشرقية للوادي. وتتصل من الغرب بقريتي فرون والغندورية ويحدها من الشمال نهر الليطاني بمسافة 2 كيلومتر، فيما تتربع عديسة ورب تلاتين على حدها الجنوبي مع الجليل الفلسطيني المحتل. تسمى هذه القرى بالتعبير العسكري بـ«محور التقدم الواحد»، فمن يسيطر على وادي الحجير عليه أن يمسك بهذه القرى وتلالها مجتمعة.
ولوادي الحجير أهمية استراتيجية في الصراع مع إسرائيل نظراً لقربه من الليطاني، فهو المنطقة الثانية الأقرب للحدود مع فلسطين المحتلة، وفي منطقته المحيطة مرتفعات استراتيجية عدة منها تلة العويضة في عديسة وتلة العقبة في رب تلاتين ومرتفع مشروع المياه في الطيبة وجبل الوردة في مركبا.
تشكل هذه التلال هدفاً مباشرا للإسرائيليين الذين يسعون لاحتلالها ظناً منهم أنهم سيتمكنون من السيطرة على مسار وادي الحجير وبالتالي تأمين تقدمهم. وللمنطقة التي تقع قراها في قضاء مرجعيون أهمية أخرى كونها خط الحد بين قضاء بنت جبيل وعلى تخوم قضاء صور لناحية الغندورية.
ومن الناحية العسكرية اللوجيستية فقد كانت المقاومة «بجهوزية تامة تحسباً لأي طارئ قد يجرؤ عليه الإسرائيلي»، شأنها في ذلك شأن المناطق الأخرى، كما يروي الحاج جهاد، وهو القائد الميداني لمجموعات المقاومة في حزب الله في منطقة وادي الحجير .
مع تنفيذ عملية الأسر في 12 تموز ,2006 رفع المقاومون من مستوى جهوزيتهم «ضمن تخطيط دفاعي مسبق عن القرى والجنوب».
انطلقت شرارة معركة وادي الحجير في اليوم السادس عشر للعدوان. بدأ الإسرائيلي بالتسلل ليلاً عن طريق عديسة، وقبل التسلل عمد إلى ما يعرف عسكرياً بالنار التمهيدية التي يقصف عبرها القرى. يومها كانت بلدة الطيبة هدفه في طريقه إلى وادي الحجير.
وللوصول إلى الطيبة كان أمام الإسرائيلي خطان: عبر رب تلاتين أو من خارج عديسة وصولاً إلى الطيبة من جهة، أو إلى رب تلاتين عبر مركبا أو هونين المحتلة (وهي من القرى السبع)، ومنها إلى الطيبة.
كمين تلة العويضة
عمد الإسرائيليون إلى تسيير الخطين: الأول عبر كفركلا وصولا إلى تلة العويضة في عديسة لتغطية وتأمين محور التقدم الرئيسي (وهو الخط الثاني) الذي بدأ من هونين المحتلة مروراً بالطريق الفاصلة ما بين رب تلاتين وبين عديسة باتجاه الطيبة. وبدأ الإسرائيليون بمحور التغطية قبل المحور الرئيسي.
فيما كانت النار التمهيدية تلهب خراج عديسة وتلة العويضة، انتظر المقاومون في تحصيناتهم في تلة العويضة. مشط الإسرائيليون التلة ومحيطها ومسار رتلهم العسكري واستأنفوا الخط الأول: «محور التغطية» ظناً منهم أنهم «نظفوا» المنطقة.
في العويضة خرج المقاومون وضربوا «رأس السهم»، أي مقدمة الرتل العسكري المتقدم. دمروا دبابتي ميركافا 4 وعطلوا تقدم الرتل وبالتالي وضعوه تحت نيرانهم. ومع النيران والمواجهات المباشرة، فتح المقاومون أسلحة القصف المنحني وهو عبارة عن رمايات مدفعية بالإضافة إلى النيران المباشرة.
تألفت مجموعة مقاومي تلة العويضة من عدة مقاومين في مواجهة أربع دبابات «ميركافا 4» وجرافتي «د 9» العسكريتين وآليتي «هامر»، وكلها آليات مصفحة ومخصصة للدخول إلى لبنان.
لدى توقف الرتل المستهدف في تلة العويضة، علق جزء منه ما بين كفركلا وعديسة. ومن موقعها البعيد عن المكان، استهدفت مجموعات في المقاومة الرتل وقامت بتدمير أربع دبابات ميركافا 4 بصواريخ «كورنيت» التي استعملت في هذه الواقعة للمرة الأولى في مقاومة العدوان.
وفي العويضة، أكمل المقاومون مهمتهم وواجهوا الإسرائيليين العالقين فيها بالأسلحة المباشرة من رشاشات قريبة وأسلحة منحنية (هاون) وغيرها.
كان كمين تلة العويضة كميناً محكماً لم يتوقعه الإسرائيلي الذي كان مهد بالنار لتـــقدمه ممشطاً التلة شبراً بشبر ومحيط مسلكه بقطر لا يقل عن كيــــلومتر، وقامت مقاتلاته بتدمير جزء كبير من المنازل المـــشرفة على المنطقة فيما احتلت ثلاث طائرات استــــطلاعية قبة السماء ولكنها بقيت عاجزة عن كشف المقـــاومين الكامنين.
اعترف الإسرائيليون بحصيلة مواجهات العويضة التي وقعت عند الرابعة من بعد ظهر اليوم السابع عشر للعدوان، باثنتي عشرة إصابة ما بين قتيل وجريح، واعتبرت تلك المعركة مجرد بداية لمجزرة وادي الحجير.
و«بحمد الله لم يسقط حتى جريح واحد للمقاومة في العويضة»، بل عمد عناصرها منفذو الكمين بعد الانتهاء من مهمتهم إلى التمركز في مواقع مختلفة تمكنهم من مساندة إخوانهم في قلب عديسة وفي مناطق أخرى.
وفيما كانت مواجهات العويضة دائرة، كانت مجموعة استخباراتية قد سبقت الرتل العسكري إلى مشروع الطيبة للكشف على المنطقة. ومع وصول عناصرها إلى مشروع الطيبة، قام رجال المقاومة بمهاجمتهم، فبمجرد تمركز رجال الاستخبارات في ثلاثة منازل في الطيبة، انقض المقاومون عليهم وأوقعوهم بين قتيل وجريح.
بعد تأخير قواته وإعاقة تقدمه لمدة 36 ساعة إثر كمين العويضة، استأنف الجيش الإسرائيلي محاولة تقدمه على خطي عديسة ومحور هونين ـ رب تلاتين وسط نيران مقاومة كثيفة من كل الجهات وتسجيل تدخل مروحي وإسعافي متكرر لسحب الإصابات في مرات عدة. كان واضحاً أن الإسرائيليين يريدون الوصول إلى الليطاني بأي ثمن لحسابات داخلية.
كمين رب تلاتين
مع التقاء الرتلين العسكريين (محور التقدم الأساسي ومحور التغطية) في سهل رب تلاتين، اعتبر الإسرائيلي أنه أصبح في مأمن من النيران المقاومة في تقدمه نحو الطيبة فوادي الحجير وصولاً إلى الليطاني، هدفه الأساسي.
وبعكس اعتقاد الإسرائيلي، كان وصول الرتلين العسكريين إلى سهل رب تلاتين تكتيكاً عسكرياً ولوجيستياً بالنسبة للمقاومين الذين كانوا يسيطرون على الموقع بطريقة تضع الآليات الإسرائيلية وجنودهم تحت مرمى النيران المقاومة.
ولكن، وقبل الحديث عن ملحمة المقاومين، لا بد من توضيح حجم القوات الإسرائيلية التي كانت موجودة على الأرض: كان هناك فرقة مؤللة من اللواء المدرع الثاني 401 ولواء المشاة الخاص «ناحال» ولواء المشاة الأول بالإضافة إلى كتيبة «غولاني» وكتيبة المظليين وكتيبة أخرى من «جفعاتي» وكتيبة هندسة وكتيبة استخبارات وكلها كانت في هذا الموقع من القطاع الأوسط وقد قاتلت في مركبا وحولا وبليدا ومحيبيب وميس الجبل مروراً بعديسة ورب تلاتين والطيبة فالقنطرة وصولاً إلى وادي الحجير. وتعرف هذه المجموعة بـ«الفرقة 162 الفولاذية».
أما المقاومون الذين كانوا يسيطرون على موقع هذه الفرقة مع آلياتها وجنودها، فقد قاموا بضرب دبابتي ميركافا ـ 4 بأسلحة آلية ورشاشة وبالصواريخ، ولم يستعملوا صواريخ «كورنيت» نظراً لقرب مسافة المواجهة.
وفتحت مجموعات مقاومة أخرى اشتباكا ثانيا عند مدخل بلدة رب تلاتين لمنع الغزاة من دخول البلدة. وكان محورا التقدم (التغطية والرئيسي) قد اتحدا.
وفي تفاصيل مواجهة رب تلاتين، أن المقاومين استدرجوا الغزاة إلى كمين عند مدخل القرية، وبالتحديد إلى نقطة جعلتهم تحت مرمى النيران المقاومة من كل الجهات، وحصلت مواجهات بين حوالى 15 مقاوماً وبين الجنود الإسرائيليين، من دون تحصينات وبين المنازل. وكان لافتاً بالنسبة للمقاومين تفوقهم العالي في المواجهات المباشرة إلى أن تمكنوا من طرد الغزاة خارج البلدة. ولاحظ المقاومون أن عناصر لواء المشاة كانوا ينسحبون عند أول اشتباك مباشر ويتقهقرون إلى الخلف.
عجز الطيران المروحي عن التدخل مباشرة في مواجهات رب تلاتين لأن اضطراره للتحليق على علو منخفض يضعه تحت مرمى النيران المقاومة التي كانت مزودة بصواريخ تطال المروحيات.
وتسبب الكمين بإرباك تدخل على أثره الطيران الحربي (غير المروحي) وقام بقصف منزل كانت قوة إســــرائيلية قد تحصنت داخله، فقتل ثمانية جنود وجرح أربعة آخــرون.
وأسفرت المواجهة عن استشهاد المقاوم يامن سويدان، وهو شاب لم ينه عامه الثلاثين.
بعد مـــــواجهة رب تلاتين، انكفأ الإسرائيليون نحو الأراضي التي تحيط بالقرى لعــجزهم عن دخولها والسيطرة عليها، وعمدوا إلى السير نحو الطيبة عبر أطراف القرى.
كمين مشروع الطيبة
في مشروع الطيبة، كان المقاومون قد جهزوا كمائن الأسلحة المضادة للدروع وعلى رأسها صواريخ «كورنيت».
يصف الحاج جهاد كمائن الطيبة، ورب تلاتين، وتلال العقبة وكساف والمحيسبات وهي نقاط تموضع الدبابات والمدرعات بأنها «الكمين» الرئيسي لمعركة وادي الحجير.
وصل الإسرائيليون إلى المنطقة التي تمتد على مساحة كيلومترين، وكان المقاومون يحاصرونهم من كل الجهات. مع اكتمال ضرورات الكمين، انهالت النيران المقاومة على الغزاة من كل الجهات.
بداية، استهدفت الصواريخ، وبتكتيك عسكري ميداني، الجرافات العسكرية. دمرت 12 جرافة حربية وهي تسير عادة على رأس السهم العسكري (أي الرتل)، وتتبع سلاح الهندسة، وتقوم بإنشاء سواتر ترابية تحمي الدبابات والجنود بالإضافة إلى جرفها كل ما يعيق تقدم الرتل وكل ما يشتبه بتشكيله خطراً على الغزاة.
مع تدمير الجرافات، نجح المقاومون في منع الإسرائيليين من حماية دباباتهم وجنودهم بالسواتر، وأضحت المدرعات مكشوفة.
في مشروع الطيبة، دمر المقاومون ثلاثين دبابة ميركافا 4 (من بينها 16 دبابة في يوم واحد) بصواريخ «كورنيت» وبأسلحة مواكبة أخرى، مما أدى إلى تأخير محور تقدم الغزاة نحو الحجير ثمانية أيام. وكان الإسرائيليون ينكفئون نحو سهل عديسة ـ رب تلاتين بعيداً عن مرمى نيران الكمين المحكم.
ويسجل الحاج جهاد ملاحظة عن تركهم دباباتهم المضروبة والمصابة من دون التجرؤ على إصلاحها.
مع تدمير الدبابات، بدأ المشاة يهربون ويتقهقرون فيما رجال المقاومة يرمونهم بأسلحة أخرى. وقد أطلقوا على الموقعة «موقعة جهنم» في شهاداتهم، و»كانوا محقين»، وفق الحاج جهاد، «إذ لم تعد الدبابات حصناً لهم وعندما كانوا يفرون منها كنا لهم بالمرصاد».
وكان مشهد الطيران الإسعــــافي الكثيف وسيارات الإسعاف العسكرية المجنزرة والمصفحة تنقــــل القـــتلى والجرحى يثلج قلب المقاومين ويثبت لهم حجم إنجازاتهم.
أدت اشتباكات مشروع الطيبة إلى إصابة أحد المقاومين بجراح صعبة وكان في موقع «حساس جدا» بالمفهوم العسكري، خصوصاً أنه يقع في منطقة يسيطر عليها الغزاة. ولإنقاذ المقاوم الجريح، قصد مقاومان مكانه فكشفتهما طائرة من نوع «إم.كا» وقامت بقصفهما بالصواريخ فاستشهدا.
بقي المقاوم الجريح يزحف بالقرب من الإسرائيليين لمدة أربعة أيام، مر بالقرب من المقاوميَن الشهيدين اللذين كانا في طريقهما لإنقاذه فتزود بسلاحهما (كونه قد أفرغ ذخيرته) حتى التقى بمجموعة مقاومة أخرى قامت بسحبه وإسعافه.
في مقابل شهيدي المقاومة، اللذين لم يسقطا بمواجهات مباشرة بل بقصف ال»إم.كا»، قدر المقاومون الخسائر البشرية الإسرائيلية في الطيبة بثلاثين قتيلاً و150 جريحاً بالإضافة إلى عشرة قتلى في القنطرة وحوالى 40 جريحاً. ويؤكد الحاج جهاد انه على مدى سبعة أيام من مواجهات الطيبة «لم يتمكن العدو من كشف أماكن تموضع المقاومين».
من الطيبة إلى الحجير نزولاً
استمرت المواجهات على الطريق وفي البلدات المؤدية إلى وادي الحجير حتى اليوم الثلاثين للعدوان، أي إلى اليوم الذي اتخذت فيه الأمم المتحدة القرار 1701 والذي قضى بوقف الأعمال الحربية.
مع اتخاذ القرار وطلب رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت من الرئيس الأميركي جورج بوش مهلة ثلاثة أيام إضافية قبل الشروع بتنفيذ القرار، بدأ الإسرائيليون يحشدون رتلا آخر من الدبابات ويستأنف محاولة التقدم باتجاه وادي الحجير على أمل الوصول إلى الليطاني وهي المرحلة الثانية من محور التقدم.
بعد تدعيمه، تابع الرتل العسكري المضروب في مشروع الطيبة وعدشيت ـ القصير تقدمه نحو وادي البراك فوادي الحجير.
واتبع الإسرائيليون تكتيكاً قضى بإخراج سرايا جانبية على حوافي الرتل لتأمينه وهو ما يعرف عسكرياً بالمجنبات. وتتركز مهمة المجنبات ـ السرايا على رصد الكمائن ومواجهتها قبل التحامها بالرتل الرئيسي. وعلى الطريق نحو وادي الحجير، كان المقاومون قد جهزوا للمتقدمين كميناً مركباً بالمعنى العسكري، (عبارة عن عبوات مزروعة وأسلحة صاروخية ورشاشة ومنحنية..).
وفي القنطرة انفجرت العبوات على خط سير الإسرائيليين المتوقع وهو عنصر جديد أضيف إلى مواجهات الطيبة. وفي عدشيت ـ القصير، عاد الإسرائيليون وسقطوا في كمين مركب اقتصر على أنواع مختلفة من الأسلحة ولكن من دون عبوات ناسفة.
يقول الحاج جهاد عن مواجهات القنطرة وعدشيت ـ القصير انه «في هذه المواقع حصلت مواجهات شديدة وقاسية على العدو». استهدف المقاومون عدداً من الدبابات بالأسلحة الصاروخية وتم تفجير الشراك الناسفة (العبوات) بالرتل والمشاة مما أوقع عدداً كبيراً من القتلى والجرحى فضلاً عن تدمير الآليات.
الوادي
بعد مواجهات الطيبة والقنطرة وعدشيت القصير عمد الإسرائيليون إلى التقدم ليلاً باتجاه وادي الحجير تفاديا لتعريض دباباتهم ومشاتهم للاستهداف النهاري في ضوء الشمس.
هنـــاك، في الوادي، كان المقاومون قد تحضروا لملاقاتهم...
أحكم رجال المقاومة نصب الكمائن على أنواعها: بعضها قريب والآخر بعيد.. زرعوا الطرقات والأراضي بالعبوات الناسفة الكبيرة واستطاعوا تدمير ثلاث دبابات وجرافتين عسكريتين بالكمائن القريبة وثلاث دبابات بالكمائن البعيدة. اعترف الإسرائيليون بخسارتهم فرقة مدرعات كاملة. يقول الحاج جهاد ان رجال المقاومة «أحصوا خمسين دبابة ميركافا ـ 4 معطوبة قام العدو بسحبها، عدا عن الجرافات.. كانت بحق مجزرة الحجير أو «وادي السلوقي» كما أسموها».
يؤكد الحاج أن كامل عتاد وعديد الرتلين العسكريين اللذين استهدفا الوصول إلى الحجير كان لدى دخولهما إلى الأراضي اللبنانية يبلغ: 15 ألف جندي، وتسعين دبابة بالإضافة إلى الآليات الأخرى. وقد توزع الجنود ودباباتهم في كل من سهل عديسة ورب تلاتين ومشروع الطيبة والمحيبسات والقنطرة وعدشيت القصير ودير سريان ووادي براك وعين طافورة والجنيجل ووادي الحجير وصولاً إلى الغندورية.
مع وصولهم إلى الحجير على الرغم من الخسائر التي لحقت بهم، أراد الإسرائيليون أن يرفعوا من معنويات الجنود واستعادة بعض الرأي العام الإسرائيلي عبر الوصول بأي ثمن إلى الليطاني. لذلك، نفذ إنزال الغندورية الذي وصف بأنه الأضخم في تاريخ الجيش الإسرائيلي، والذي هدف إلى تطويق بلدتي فرون والغندورية المشرفتين على وادي الحجير من جهة والتمكن من وصل قواته في الوادي من جهة ثانية.
من الحجير إلى الغندورية صعوداً
مفاجأة المقاومين الأخرى للغزاة كانت الكمائن التي استهدفت دباباتهم في خلال صعودها الوادي: «كنا ننتظرهم بين الغندورية وبين وادي الحجير»، يقول الحاج جهاد: «زرعنا عبوات ناسفة على طريق متوقع لمرور المدرعات وذلك أدى إلى تغيير مسارهم حيث كانت صواريخ «كورنيت» في انتظارهم».
انفجرت العبوات الناسفة بالدبابات مدمرة أربع دبابات ميركافا ـ ,4 فحول الإسرائيليون مسار مدرعاتهم إلى جهة كان المقاومون ينتظرونهم فيها بصواريخ «كورنيت» المضادة للدروع. «هناك رمينا ست دبابات». ومع العبوات و«كورنيت»، استعمل المقاومون أسلحة أخرى مساندة للمجموعات على مسار محور التقدم نفسه.
في غضون ذلك، كان رجال المقاومة يشتبكون مع مشاة الإنزال في فرون والغندورية، وكانت المدرعات تلقى المواجهة اللازمة في خلال صعودها. أدت مواجهات الصعود من الحجير إلى الغندورية ـ فرون إلى سقوط 15 قتيلاً إسرائيلياً. ولم يتمكن الصاعدون من الحجير من الالتحام بإنزال الغندورية إلا لدى سريان تنفيذ القرار ,1701 حينها، حل وقت الانسحاب نحو فلسطين المحتلة.
سقط للمقاومة خمسة شهداء في مواجهة إنزال الغندورية ـ فرون.
سرى تنفيذ القرار 1701 فانكفأ الإسرائيليون إلى داخل فلسطين المحتلة خائبين بعد ما أسموه بأنفسهم «الحرب الكبرى داخل الحرب الكبرى» ويقصدون معركة وادي الحجير.
وحدهم حراس المكان ورجاله بقوا خمسة أيام في مواقعهم تحسباً لأي طارئ وللتأكد من مغادرة الغزاة كلهم. لم يستعجلوا لقاء أسرهم، وفوا إلى النهـاية للأرض التي دافعوا عنها بـدمائهم، وبقوا «كما في اليوم الأول لبداية العدوان: بجهــوزية تامة»، هذا ما يقوله الحاج جهاد.